الأخبار
جامعة النجاح: سنلفظ كل مؤامرة للنيل من الجامعة وستبقى منارة للعلم والمقاومةمصدر لـ"دنيا الوطن": الحردان تسلم الأموال القطرية من حاجز (ايرز) وعاد بها لغزةالصحة: نفاد الحليب العلاجي يتسبب في هدر حياة الأطفال المرضىالرئيس عباس يُعلن استعداده التام للدعوة لانتخابات تشريعية ثم رئاسيةبتمويل ألماني.. المستفيدون من المرحلة الثانية لمشروع إعادة إعمار غزة يتسلمون وحدات سكنيةفيديو: ما لم تشاهده ليلة اقتحام قوات الاحتلال لمقر الأمن الوقائي بنابلسالضمير تُطالب المجتمع الدولي بالتحرك لرفع الحصار عن قطاع غزةجنود فرنسيون يطلقون النار على رجل هددهم بسكين في ليونالقدس: الاحتلال يوزع اخطارات هدم واخلاء أراضٍ في العيسوية لصالح حديقة تلموديةقوات الاحتلال تواصل انتهاكاتها في الضفة الغربية والقدسحركة (حماس) تحتجز أبو عيطة أثناء عودته من رام الله عبر إيرزمحافظ اريحا والأغوار يطلع وفدا اعلاميا يونانيا على الاوضاع في الاغوارالجامعة العربية الأمريكية تشارك بالمدرسة الصيفية المُحكمة بجامعة فلينزبورغ الألمانيةمجموعة الاتصالات الفلسطينية تطلق فعاليات المخيم الثالث للتصميم والبرمجةمحيسن يُوضح سبب إلغاء الإضراب العام يوم 25 من الشهر الجاري
2019/6/16
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

ليالي الشتاء..بقلم:محمود حسونة

تاريخ النشر : 2019-01-04
ليالي الشتاء..بقلم:محمود حسونة
بقلم:محمود حسونة

1-عصفور الماء!!!
يتكئ بظهره على جدار قديم وهو صامت، يراقب قرص الشمس الذي اقترب من سطح البحر، وأخذ يرسل خطوطا متوهجة حمراء، فيبدو البحر كحريق هائل مشتعل يبتلع كل شيء….
- سأقطع هذا البحر!!!
لم تجبه، لقد ظنت أنه يمزح!!!
- سأغادر غدا فجرا!!! لا أستطيع أن أبقى هكذامكبلا كجثة ميت!!! سأفعل شيئا..
لم ينم ليلتها، نظر إلى أشياء بيته تفقدها وتفحصها واحدة فواحدة؛ يريد أن يغرسها في لوح ذاكرته كالوشم!!! وهو يستمع لصوت أنفاسه اللاهثة كلهاث مخنوق!!!
- ترى ماذا سيحدث؟؟!! هل باستطاعتي اجتياز كل هذه الأهوال؟؟!!
- لم أفكر يوما بترك بيتي وزوجتي وطفلي الصغيرومدينتي!!! كزّ على أسنانه بقوة فسمع صريرا حاداً لها، ونفض رأسه بقوة كأنه يحاول طرد شيء مزعج منه!!!
- إنني مجبرعلى هذا الاختيار القاسي والصعب!!! بدا جو الدار خانقا كئيبا وهو يمرر نظراته المتأملة المتألمة على وجه طفله وزوجته، وعرق ساخن ينزف من جبهته ويديه رغم برودة الطقس!!!
يعرف تماما أنّه سيخرج مع أول خيط للفجر الأخير في هذه الدار!!!
انحنى على طفله وكأنه يصلي، وأخذ يلثم خديه الموردتين قبلات سخية هادئة خوفا من استيقاظه ، تمنى أن يسمع صوته للمرة الأخيرة كانت دموعه اللاهبة تغسل وجهه ثم تنهمر على وجه طفله غزيرة…
كان يظن أن زوجته نائمة، لكنها نهضت فجأة كالمجنونة وهي تنوح وتبكي..
-كنت أظن أنك تمزح!!! هل قررت أن ترحل؟؟!! نظر إليها مشفقا عليه وعليها، لكنه لم يتكلم، أي كلام سيراه سخيفا!!! ربّت على كتفيها، وعندما أراد أن يتكلم أحسّ بغصة توقفت في حلقه كحجر صلب فابتلعها بمرارة وألم واستدار ومضى مسرعا!!!
نادت: عُد يا عدنان!!! وبقيت تصيح بصوت مرتجف مختنق، ولكنه مضى وكأنه لم يسمع سوى وقع خطواته وهي تدبُّ على الأرض، استمر نداؤها... توقف للحظة والتفت إليها سيبدو سخيفاً إذا عاد أو تكلم!!! ابتسم ابتسامة دامية واندفع خارج الدار...
لحقت به وهي تناديه عُد يا عدنان، البحر غدّار يا عدنان، أين ستذهب؟؟!! لمن تتركني؟؟!!!
فتحت فمها تريد أن تنادي فتوقفت فبدا فمها المفتوح كجرح عميق دامِ فُتح فجأة، صمتت وظلّت تنظر إليه بعينين منطفئتين أخذتا تهتزان من الخوف الذي أطل منهما!!! وهو يختفي مبتعدا، ثمّ أطبقت فمها وهي تسمع صدى ابتلاع ريقها الجاف!!!
كان البحر قريبا جدا من داره، وقبل أن يصل الشاطئ
نظر إلى البحر المترامي كأفق شاسع بلا نهاية، وسمعه يتنفس هديرا قادماً من جميع الجهات كأنفاس وحش هائل مازال غافيا لم يستيقظ بعد!!! وسماء بعيدة سوداء تكاد أن تطبق عليه بلا رحمة!!!
أخذ قلبه ينبض ويضخ فيهزُّ جسده برعشات متتالية، ابتلع مرارة حادة التصقت في جوف فمه، أهو الخوف من المجهول أم هي الحيرة؟؟!!
لقد اتخذت قرارا لا رجعة فيه، أما الخوف فلن أخضع له بتاتا، هناك جزء لا بأس به من المغامرة في حياة كل شخص يقدم على الحياة بجرأة!!!
أسرع بخطواته، كان يخشى أن يتنازل عن قراره المغامر، وتوقف أمام الشاطئ مباشرة!!!
كان ضوء الفجر يتسلل فرأى أمواجه تتموج وتنقلب و تلتمع مع وهج الضوء، رآه مخلوقا ضخما مريعا وأليفا في وقت واحد!!! يمتد على مدى البصر واسعا كهاوية سحيقة ، أحسَّ بأنه يكاد أن يبتلعه، فامتلأ رأسه بدوار عنيف!!! نفض أطرافه و تقدم نحوه بخطوات وئيدة إلى الأمام دون أن ينتابه خوف أو تردد وقذف بنفسه بقوة في أحضانه!!!
ملأه إحساس منعش ذات الإحساس الذي كان ينتابه حين كان يلقي بنفسه في أحضان أمواجه العالية بشجاعة وصلابة لا تُصدق، ثم يغوص من تحتها ويعود ليطفو وهو في كامل حيويته وانتعاشه، ولكنه كان ما زال شابا فتيًا يتدفق قوة ويملؤه الأمل…أما الآن فيملؤه اليأس والخذلان والخيبة!!!
أمامه وعلى مدى بصره امتدت صحراء البحر كلوح أسود مفروش يعلو ويهبط على صدره بلا ضجيج، مضى يغوص فيه ويبتعد ككرة من الإسفنج الطائش، أحس بأنه أخذ يتحرر من القيود التي التفت حوله وكبلته وخنقته، إنه يتحرر أكثر منها كلما ابتعد وهو يلعن الظلم والظالمين!!!
تراجع الشاطئ، وغابت البيوت خلفه شيئا فشيئا، حتى صارت مبهمة كنقطة سوداء!!!عندها فقط عرف أنه لن يعود!!!
ليتني لا أمضي، ولا أعود!!! ليتني أبقى هنا بصحبة البحر صديقي القديم كعصفور ماء طليق!!!
2- يخيفني اكتشافك!!!
أخذ رشفة من فنجان قهوته بمتعة، الآن سأكتب القصيدة معك ولك، سأبدأ الكتابة الآن، قصيدتي الذي وعدتك هذا المساء…
سأجيبك عن كل الأسئلة التي تطاردني بعناد، كما تطاردني ملامحك وابتسامتك ونظراتك وأسلحتك الفاتكة الأخرى، وسأفتح جميع نوافذي المغلقة على بحرك وسمائك التي تظللني كخيمة زرقاء!!!
سأكون شاهدا وشهيدا على لغزك الكبير الذي حيرني كبحر عميق بلا قرار!!! بعدها سأصمت إلى الأبد!!!
هاهي أقلامي الملونة، وباقة كلماتي وذاكرتي المعبأة عن آخرها وأوراقي البيضاء!!!
انزلقت الكلمات من بين أنامله ثم ذابت!!!
يطارد الكلمات وهي ترواغه، طيور تحط على رموش عينيه ثم تحلق بعيدا في الفضاء!!!
ارتعشت يده!!! شيء مخيف يزحف ثم يتلوى على أصابعه ويمسك بها!!!
عصر القلم بين أصابعه، ثم ضغط بيده الأخرى، فخرجت الكلمات من أعماقه رتيبة كالبكاء!!!
يخيفني كتابتك، يخيفني اكتشافك!!! أيتها السمراء!!!
بعثر أوراقه بعصبيه وقذف القلم بعيدا في الهواء، وارتشف أخر ما تبقى من قهوته المرة السوداء!!!
3- تضحية!!!
تراه مثل عصفور يخرج إلى النور كل صباح، ويملاً
الحياة ألوانا وغناء ودهشة!!! تشعر أنها سعيدة لأنّه بخير،
تراقبه، تتبعه ولا تغفل عنه، يجتاح خيالها كل لحظة!!!
تخاف عليه، فقد يهرب منها، من بين يديها!!!
أليس هذا من حقها؟؟!!! لقد أصبحت عاجزة تمامًا أمامه!!! منحت قلبها كل الثقة!!! فهل تخطئ في ذلك، أم أن قلبها قد يخطئ؟؟!!
لقد آن الأوان لأتحرر من كل مخاوفي وشكوكي وألتقي به، وأحدثه عن كل أسراري!!! عليّ أن أفعل ذلك...
ليس من حقك ألّا تفكّر فيمن يفكرون فيك بألم وصمت!!! وأنتظر منك ان تجيب عن أسئلتي وإن بدت سخيفة وأن تحدثني عن أسرارك!!! من حق الناس أن يتواصلو بالشكل الذي يحقق سعادتهم، فهو الشريان النابض الذي يربط حياتهم ويمنحهم فرصة للعيش بحب وسلام!!!ا وأنّ الاختباء داخل الخوف والوهم لا يجدي نفعا...
لك أن تعرف وتتأكد، أنّ في داخلي إنسانة، بإمكانها أن تمنحك إلى أبعد الحدود دون تردّد ولا خوف، ودون أن تجبرك على شيء!!! أليست هذه تضحية؟؟!!! قد يظنها البعض حماقة!!! إنها فرصة سخيّة لرسم أجمل حياة يملؤها الحب والسلام، ولدينا ما يكفي لجعل كل الأحلام حقيقة…
كنت أظن أنّك لن ترفض حبي السخي، وأنك قريب جدا مني، لكن من حقك أن تواصل حياتك بالشكل الذي تريد!!!
لن ألومك مطلقا على رفضك وقسوتك معي، لكن أريدك أن تعرف أنّ قلبي كان محقا، وأنك أنت من أرهقته حتى صار غريبا منكسرا!!! وإن إحساسي بنفسي كان منعدما في اللحظة التي قدمت تضحيتي الثمينة من أجلك!!! لأوّل مرّة أشعر بعبث الحياة!!!
لكنّي سأحاول استرجاع قلبي الضائع مني و منك، فهو وسيلتي الأولى؛ لأتمكن من حياة جديدة، ولن أفقد الثقة فيه؛ فالقلب الذي يحب، هو القلب الذي يستحق حياة جديرة…
4- ضد العنف!!!
ساعة واحدة من أيام الحرب!!!
متكوّم فوق فراش الإسفنج الملتهب، تلتهمني احتكاكات حديدية، أزيز و بريق الانفجارات!!!
أقفز فجأة مصعوقا، تتوّهج حواسي كتوهج الانفجارات المجنونة، فيغمرني الغبار كركام ضباب خانق!!!
أنا غريق في ليل كثيف البياض!!! ظهري إلى الجدار المتصدّع وعينان جاحظتان و مفزوعتان من الحطام والأشلاء!!! دم يقطر كالندي من أطفال ونساء، ثم يشخب كدم الذبيح!!! يصفعني في لحظة واحدة مذبوحة القصف و الصراخ والأشلاء و الشظايا والدم معا!!! إنه صراع الروح مع السيف!!!
يصرخ الموت في وجهي : أنت، يا هذا، لن تبتعد كثيرا، سأبقى بقربك، فقد أحتاجك في أية لحظة، فالمسافة قريبة جدا بينك و بيني!!! لا تقلق، سأحاول أن أكون لطيفا معك!!!
يزوغ بصرك بحركة دائرية دائخة، يجف حلقك حتى لو شربت ماء الدنيا، يدور رأسك كالجاروشة!!! قبضة فولاذية متوحشة تقبض أنفاسك تنتزعها من أخمص قدميك عبرأحشائك ببطء مريع!!!
كيف تواجه الألم و الخنق والقتل و الجنون والوقت المحترق المندلع كريح ملعونة ؟؟!!
كيف يصبح الإنسان وحشا يتسلح للإبادة ؟؟!!
كيف يتسلل التوحش إلى الروح ليفسدها ؟؟!
ليس معك سوى الهواء المعبأ بروائح جهنم والفراغ الكالح والأطفال المفزوعين، تحتمي بجلدك العاري من الجحيم!!!
تبحث عن الأشياء الغالية المختبئة في حناياك، تحاول أن تجدها رغم الانهيار؛ لتهرب بها، لتخبئها وتحميها من موتك المفزع الذي يطاردك وتطارده!!!
يقتحمك الوقت كإبرة مسمومة، الوقت غول ثقيل متوحش كثيف أحمر بلون الدم!!! كيف ستقضي اللحظات والدقائق المسعورة القادمة كالمجنون ؟!! تحت سماء منخفضة فسيحة مرعبة!!!
السماء تتساقط منهمرة!!! هل رأيت سماء حديدية تمطر حديدا كسمائي؟؟!!
أين قمري الخجول؟؟!! هل هو خائف ؟؟!! لماذا اختفى فجأة؟؟!! هل قتلوه،أم اعتقلوه؟؟!! إنه نديمي ووونيسى الوفي...
كل ما أعرفه الآن هو أني أتنقل من ركن إلى ركن بلا وعي، أبحث عن أمان وهمي!!! ومعي تحوم ذكرياتي وأحلامي الحزينة وأوجاعي!!!
أنا بصحبة الموت فقط!!! الموت الذي اقترب مني واختبأ تحت جلدي، و قد يباغتني ويخنقني في لمحة كصفعة غيب!!!
لقد ذهب وقت الموت الناعم على السرير بين من تحب!!! الآن صار الموت صاعقا متفجرا بلا رحمة أواستئذان أو عزاء!!!
تتوالى اللحظات و الدقائق سمجة لزجة ، تتكدس فوق صدرك كومة ركام من خوف وموت وفولاذ ونار!!!
تتفقّد أعضائك، بعضك يطمئن على بعض!!! عين تنظر إلى الأخرى!!! أهذه عيني شقيقتي صامدة في مكانها أم جرفتها شظية مرت من أمامها كسهم أعمى!!! ويد تتحسس الأخرى!!! هل مازالت موجودة أم تطايرت مع ما تطاير دون أن تشعربها وكأنها لا تخصك في زحمة فوضى الانهيارات الراعدة!!!أهذا قلبي الذي يرفّ كالذبيح!!! أهذه يدي التي تكتب بدم النازفين ؟! ؟!
تتفقّد من حولك واحدا واحدا!!! هل غاب أحدهم؟؟!! هل طار أشلاء متناثرة!!! تحاول أن تستأنس بهم، أن تحاورهم بكلام مبتور مرتجف تتلهى بذلك، تطمئن للحظة ثم تعيد الكرّة مرة تلو الأخرى محاولا قتل الخوف و الوقت معا!!! تحتاج لجهد خارق لتتمكن من ذلك!!! يصيبك مزيج من الإرهاق و الراحة!!!
تبحث جادّا عن السكون في النوم!!! أي نوم هذا؟؟!! فشل ذريع!!! لا تحصل سوى على سكون صاخب!!! تحاول مرة ومرة ، ثمّ تغصُّ في صراخ صامت دامي في وكر الليل البهيم!!!
يُجن الليل بصحبة القصف، الليل موجات سوداء تتوهج وتصرخ ملتهمة السكون المتسلل أحيانا!!! علقما يمر الوقت، يمزقأنفاسك القصيرة اللاهثة، يبقرك كنصل حاد، يقطّع أحشائك بتأن يستلذ به!!! السماء فوقك ضيقة أكثر من أي وقت، السماء فولاذية صاخبة!!! والبحر صديقي القديم يهدر مع هدير السماء!! لا صديق!!! لا سماء ولا بحر ولا فضاء!!!
حضور الموت يلهب الشهية للحياة!!! ترتجف شوقا لسماع الأحبة في غيبة وعي الحضور!!! تحاول الاتصال على أحدهم يأتيك صوت الرنين عبر نار الهواء، بعد أن تنتظر للحظات كالقهر، تتقلص عضلاتك، يتشنج وجهك، تتخشب وتبهت كجثة ميتة، تصبح كتمثال شمعي بلا نبض ولاحراك!!! ثمّ يأتيك الصوت من بعيد كالصعقة مختنقا مضغوطا كأنه من تحت الركام!!! يرجّك ثم تسترخي و تتنهد تنهيدة عميقة ، تزفر هواء حارا مُغبرا!!!
طمّنونا عنكم، كيف أنتم؟؟!! كيف أطفالكم ؟؟!! كيف سمائكم؟؟!! كيف أطرافكم؟؟!! كيف ليلكم؟؟!!
تستأنس بهم للحظات جميلة منزوعة من بين الرماد!!! وما أن تنتهي المكالمة حتى تعاودك الظنون و الهواجس لتنخر جسدك ومعها روحك!!! لتكررالاتصال مرة ومرة ومع كل مرة أنت بحاجة لمزيد من الهواء!!! مزيدا من الارتعاش و الذهول ثمّ الانعاش!!!
يلتبسك صوت سيارة الإسعاف كجني، يمتص كل الصخب ليركزه في بوق يصرخ فيرجّك، يبعثرك، يلاحقه قلبك، يركض خلفه عاريا، الموت مرّ من هنا، الموت يقتحم، الموت يباغت، يتسلل كاللص!!! الموت مقيم هنا في كل شبر، سريع أسرع من البرق!!!
تحاصرك الوجوه، يخدرك ذهول ترقّب اللحظة القادمة، تقمعك أصوات جهنمية شرسة ، ساعات مديدة من قلق و حزن وجنون وعتمة وزئير معدني، لا ماء و لا كهرباء ولا فضاء ولاهواء ولا أكفان تستر الأشلاء!!!
ما أقسى اللحظة التي ترغب فيها بالبكاء ولا تقدر!!! البكاء لذيذ!!! البكاء قوة خفية، به تطمئن على سلامة مشاعرك اليقظة!!!
البكاء يرطب القلب، البكاء ماء الروح، البكاء يروي الإحساس، الرجال تبكي!!! تنضح دمعا ساخنا بالقهر!!! تبكي لأنك إنسان، لأنك نبيل تضج بالمشاعر والإحساس المتألق!!! من يقل غير ذلك فهو كاذب!!! البكاء نشيد الفرح و الحزن و الانتصار!!!
يا أنا، تدرّب على النضوج، على الجَلد، على الموت المباغت، على النهوض في وقت يظنك الآخرون أنك تستلقي هامدا!!!
تدرّب على التسامح!!! وعلى الدفاع عن اسمك!!! لا تسخر من نفسك وتظن أنك عاجزا؛ فسوف يأتيك وقت البرهان عاجلا أو آجلا!!!
لا تخدعني أيها الموت، لا تغدر بي، فأنا بحاجة لك وقت الخطر!!!
5- ثلج ساخن...
طوال النهار جالس، يكتب قصيدته كأنه يعزف أنشودة الغرباء...
ساعات طويلة يعزف بأوتار شعرها الذهبي اللامع كأنه يرتب اللهيب...
لا تزال تسرح شعرها الذهبي تعبث بمحنته القاسية وهي صامتة خرساء!!!
ينعكس الوهج إليه كمرآة سوداء!!! فيمتلئ بالصراخ و النداء...
أنا الملكة الجميلة، أجلس على عرش الجمال كرعب غامض!!!ّ
لم يسلم أحد من عذابي لا داعي لذكر الأسماء!!!
خلقت لألهم الشعراء حباً خالداً وصمتاً كصمت حجارة صلداء..
فلماذا ينفق الشعراء الأيام لكسر أعظم عروشي عرش الكبرياء؟؟!!!
6- تفاهم!!!
-ما هذه اللغة الحزينة؟؟!!
- آسف… إنه شعور وإحساس!!! أشعر بأن هناك هوة عميقة في داخلي تكاد أن تبتلعني، إنها تتسع شيئا فشيئا ولم أعد قادرا أن أسيطر عليها!!!! إنها كلعنة خفية تكاد تأخذ منّي كل شيء!!!
-اهدأ قليلا يا صديقي، فثمّة حياة مدهشة يمكن أن نعيشها!!!
أتمنّى أن نمضي وقتا جميلاً نتحدّث فيه عن أشياء جميلة!!!
-لم أعد قادرا على تحمّل الهزات القاسية، فكل يوم يزداد ثقل الأقدار والأشواق والأحزان، كأنّى أسافر وحيدا في درب شائك يقودني نحوا فقدان غريب، لقد أصبحت هشّاً كقشّة!!!
-ولكن عليك أن تتعلم تحمّل غياب الأشياء حتى ولو كانت أجمل ما تملك!!!
-ماذا يبقى لنا حينما نفقد ما نحب؟؟!!! أشعر كثيرا أنّنا لن نجد متّسعا للفرح!!!
- يا صديقي، للأسف نحن أنانيون إلى حدّ العمى، نقع ضحية لسطوة السعادة وبدون جهد كبير!!! وهذا وهم غريب!!!
- لكني لا أستطيع العيش في حياتين مختلفتين في آن واحد، حياة أعتبرها جميلة وهي قاسية!!!
- نحن لا يمكن أن نصنع لأنفسنا شرنقة نختبئ فيها، أو نكون كالأشباح في كهف مغلق ومظلم!!! نحن ككل البشر العابرين في طريق يختبر هشاشتنا!!!
- لا أستطيع أن أمثّل عليك، أرى الجميع يصرون على صنع كذبة كبيرة ممتلئة بالأحلام يسمونها السعادة، يصدقونها ويدافعون عنها، ثمّ تتحول كابوس مرعب ينسف كل شيء!!!
-ألم أقل لك أننا أنانيون ، نريد أن نملك مانحب وبأية وسيلة، وننسى أن نحب ما نملك!!!
في الحياة كل شيء ،الحب، الحزن، الفرح، الجنون، الغدر الوفاء!!! وما علينا سوى أن نتحمل ذلك كمذاق ممزوج!!! هي الحياة بحق، تلتصق بنا وعلينا أن نستعد لاستقبالها كما هي!!!
-لقد تعبت، لم أعد قادرا على رحلة نهايتها الموت!!!
- لا تُحسب الأمور هكذا، وإلا جلس كل واحد أسيرا منكسرا منكمشا خلف أبواب مغلقة عن الفضاءات الفسيحة، وحرم نفسه متعة هذه الرحلة!!!
أيقظ أحاسيسك الميتة وأتقن الإصغاء إليها جيدا، فأنت قادر على منح الدفء لقلبك المتعب، وإشعال النار في كل الآلام والأحزان التي تثقل عليك!!!
- قلت لي ذات مرة أن في داخلنا قوة غريبة تحافظ على شجاعتنا، أتتذكر ذلك أم نسيت؟؟!! وأن هذه القوة يصعب إضعفها!!!
-بلا قلت ذلك، إن ما يمنحنا القوة الكبرى لمقاومة الضعف هو الحب!!!
- غريب!!! وكيف؟؟!!
- الحب هو ما يمنحا ذلك، أن نحب ما نملك، لا أن نلهث وراء تملك ما نحب!!!
أنا هنا معك بالقرب منك...حافظ على نفسك، وحافظ أيضا على حلمك!!!
ذكرى...
بيتنا الصغير الجميل الملاصق لموج البحر العالي ...
بين جدرانه، بين أضلاع المخيم، تحت شجرة الحناء عشنا الصفا والحكايا!!!
من سقفه المتداعي كان ينسل ضوء الشمس المتلالي!!!
هجرته فهجرني، وتركت طفولتي القصيرة الجريئة المشاكسة تذوب في أزقته الضيقة وفي الليالي!!!
ما زلت ألوح له بقلبي كما الغد، ثمة رحيل لم يسبقه وداع، وداع يترك في القلب ندبةعلى الغوالي!!!
بقلم:محمود حسونة(أبو فيصل)
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف