الأخبار
2019/3/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الفن المتمرد ظاهرة تجاوزت الفكرة الجمالية في الفن أو فن كسر قواعد الجمال

الفن المتمرد ظاهرة تجاوزت الفكرة الجمالية في الفن أو فن كسر قواعد الجمال
تاريخ النشر : 2019-01-03
بشرى بن فاطمة

  الفن المتمرد ظاهرة تجاوزت الفكرة الجمالية في الفن أو فن كسر قواعد الجمال

تجربة الأمريكي إيدي كولا والسلفادوري جيراردو غوميز


عرف تاريخ الفن الحديث والمعاصر تطورات فنية وُصفت بالتمرد والنهضة والانتفاضة في وقتها ولكنها   أفرزت تيارات فنية مختلفة منها التجريد والسريالية والمفاهيمية والواقعية المفرطة، فقد فتحت أبواب التجدد والتغيير لظهور الفنون المعاصرة وفنون ما بعد الحداثة لتعايش كل مرحلة زمنية تطوراتها وتعبر عن مواقفها من الفن نفسه ومن الواقع والمجتمع وهو ما أثار الحراك والحيوية في عالم الفنون وفعّلها بشكل استجاب لمنطق الجماليات المعاصر التي تغيّرت حسب متطلبات الموقف وتمرّد الحواس وتطرف انفعالاتها التي قلبت بدورها رؤى الفن وأساليب التعبير.

وما أثّر في خلق التمرد الفني هو العديد من الأحداث والوقائع والتغيرات الاجتماعية الثقافية الفكرية والسياسية المتمثلة في الحروب والانقلابات الواقعية والأزمات الاقتصادية التي خلقت التفاوت بين المجتمعات كما عزّزت الصراعات بين جغرافيا العالم المختلفة وهو ما وسّع فجوة التفرقة والعنصرية والتمييز العرقي والجنسي والديني والصدام الجغرافي والاستهلاكي وقد ساعد الدافع الفكري على أن أنضج الحضور الفني والتعبير حيث اندمجت مع التطورات التقنية والتكنولوجية التي صقلت تجربة الفنانين الذين انقلوا بمسارات الفن عن قواعدها وقوالبها المعهودة بتجارب متنوعة فكريا بين الترتيب الجمالي والفوضى المبالغة في جرأتها وانعتاقها الرمزي المنفلت من حدود التفكير السطحي للمنجز الفني.

ونذكر من بين هذه التجارب تجربة الأمريكي إيدي كولا والسلفادوري جيراردو غوميز فقد تمكنا من خوض تفاصيل الواقع بإفراط ماورائي تفاصيله تجرّد الفكرة من أقنعة المثالية في المعايشة ومن حدود الجمال لتوظيفه بشكل بالغ جماليا في تجسيد الوقائع بقبح ماورائي الجماليات.

فقد تميزت تجربة كل منها بحركتها وحيويتها المتفاعلة بجدل يتصارع مع الذات والآخر بالأسلوب المعاصر وبالإفراط في الموقف والحواس والتعبير المنفعل بالتطرف التفسيري للفكرة واللحظة والانقلاب على القيم الفنية في مستواها المزخرف بالبهرج الاستهلاكي والمخملي في موقف كسر حواجز القواعد الفنية والمبادئ الملزمة بالحدود الجمالية المعهودة والمألوفة.

 في تجربة إيدي كولا ارتكز التعبير على التصوير الفوتوغرافي والإفراط في التقاط الغرابة الموجعة وتجسيدها على حالها مع توظيفها ماورائيا بين تلاشي الألوان وبين صخب الواقع  والحضور الشارعي الذي خلق بصمة في التفاعل مع الفضاء والتحكم فيه الانفتاح الذي عرّى حقائق المجتمع بالعنف المخزن بالسلوك المتفجر في العواطف المبالغة في اندفاعها الصادم، فالموقف الذي يحمله في أعماله المثيرة تحتل الجدران وتفتح نوافذها على معاناة الإنسانية على التناحرات الفكرية والنفسية لتبدو شخوصه ثابتة أو متحركة جامدة مصدومة أو متفاعلة مع دورها الكئيب في الحركة الانفعالية التي يبالغ كولا في تشكيلها لتحفيز التلقي الذهني وتستفزه نحو جمالياتها البديلة وتستدرجه نحو الخوف والتقدم بحذر فالأقنعة التي يضيفها على الملامح والقفازات هي مؤشرات التلوث والشتات وكذلك الصخب والتمرد، فموقفه يحمله ليجاور بنور مفاهيمه الفضاءات المُعتمة التي تراكم أمراض الأفراد النفسية في مجتمع يتحرّك كقطيع بلا روح باهت بلا ألوان حيث يتعمد أن تغيب الجمالية عن كل ابتكاراته، كأن يطرح التساؤلات على متابعيه ويبحث فيه عن ما بقي من الحياة والطبيعة والحواس والتجاوب والتواصل معها ومع الإنسانية كفكرة، فهو يبحث فنيا عن الخلل الحيوي والمُعاش ليطرح الفراغ الفكري والفجوات الانفعالية التي أفرزت اضطرابات نفسية معاصرة وعنفا، فالصور الفتوغرافية التي يلتقطها من عمق واقعه يفرط في تركيبها وتفعيلها ومعالجتها وفق خياراته الفكرية ومواقفه.

 إن الرحلة الفنية التي خاضها كولا مع الصورة الفتوغرافية غيّرت مساره التعبيري وفق مشاهداته وخياله ورؤاه الماورائية التي تلامس المدى الابعد في الفهم الواقعي بعيدا عن التفاصيل التسويقية الدعائية تحوّل من التسليع إلى المهارة التقييمية للفكرة ومفاهيمها التي اشتغلها على الواقع بجمالياته المُروعة الرهيبة المتمردة رغم الاحتمالات القاسية التي حوّلت مسار الصور من طبيعة المثالية إلى تشوهات القبح الذي بدوره يحتاج أن يخرج في أجمل صوره، فهو يستعين لذّاته ليصور العمق الداخلي لحطام الواقع الذي يصارع فيه شخصيته من بقاياه بتداخلاته النفسية والوجودية فالمشاهد يخضعها لواقعها ولكنه يعالجها بحواسه المتناقضة ليحرك صمتها وخمولها فالأعمال التي يقدمها تشجع البحث الداخلي على انتشال الذات وتوجيهها نحو سلامها الداخلي وحضورها الجمالي في كل ذلك الخراب الذي يراه ويشعر به.

 أما تجربة جيراردو غوميز فهي واقعية رسائلها مسلية ساخرة ومثيرة بألوانها وطفولياتها الناضجة بالشغب والضجيج فهو فنان خارجي  outsider artist  يصل موقفه الواقعي بتمرده الحسي وتطرفه المبالغ في الجرأة التي لا يزيّنها مثاليا بل يسردها بفوضى مشاغبة للذهن فقد انسلخ عن كل تيار فني وكل مدرسة واخترق بمساحاته الملونة الفكرة، فهو يسترسل في المواضيع المسكوت عنها ويكسر حتى قيود الألوان ليدمج أسلوب البوب آرت والفانك بتعبيرية ساخرة الرموز  من خلال الجداريات أو الجدران بأسلوب الغرافيتي  يسخر من العولمة والظلم الاقتصادي من المجتمع الاستهلاكي من الأدلجة والإعلام الجماهيري من الحرب والدموية من المعتقدات التي تسكت على المظالم من هيمنة المظاهر والبذخ والماديات في الفن ومن التمظهر الديني ينبش في التناقضات الاجتماعية وما يحوّل الفن من رؤية إنسانية إلى سلعة فهو بأعماله يستفز المتلقي ويفتح ذهنياته على عوالم البحث الداخلي ليصارع واقعه وأفكاره وحواسه.

 منهج غوميز الفني واقعي نفسي فلسفي وجودي انفعالاته تتفجر في الألوان والخطوط والشخوص بكوميديا تتشابه مع الكرتون صبيانية ومتمردة خيالية ومبالغة في واقعيتها كثيفة ومتداخلة تعبر عن فوضى المدن بفصاحة الرمزيات وعبث اللون وتمازجه يلطخ الفضاءات بشكل يتدافع بين التسلية والجدية يقصد بعثرة الرؤى وينفصل عنها نحو الفوضى المحببة للفكرة بكل الانفعال فهو يسلط الضوء على قبح الواقع على بشاعة اللاانسانية وهي تفتك بالقيم فينثر ألوانا مبهجة بفوضى ليقدم فكرة الحياة بتناقض يتخبط في أفكاره ورؤاه ليلامس العقل ويفعّل حضوره مع الحواس بحثا عن الأفق الأكثر اكتمالا والفضاء الأوسع.

 إن تجربة كولا وغوميز تخضع لواقعها ونضجها وتطورها الفكري رغم تعبيره اللامألوف فهي تحاكي مرحلتها بآليات معاصرة وأفكار تركّز على الأداء فكرة ومفهوما لتتطوّر في سردها بصرية انتمائها الإنساني لمواقفها القريبة جدا من المتلقي رغم غرابة وتطرف أسلوبها.

الاعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف