الأخبار
2019/4/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

لكنّ علي رمى بقلم:سفيان توفيق

تاريخ النشر : 2018-12-22
لكنّ علي رمى بقلم:سفيان توفيق
قصة قصيرة 

سفيان توفيق 

[email protected]

"لكنّ علي رمى "

طرقات البسطار العسكري الناجمة عن الخبط الصارم من القائد العسكري الواقف مخاطبا جنوده المغاوير تختلط بأصوات بالبنادق الصاعدة من الجبهة الجنوبية في المعركة الدائرة الآن بين معسكر ال"جمان" والمعسكر المقابل له على الضفة الأخرى . 

"و إن طالت الحرب ، و إن حصلوا على مساعدة من العملاء البعيدين ، نحن لها ، نحن لهذه الحرب ونحن رجالها ، هذه الحرب حربنا ، ونحن من كنا ننتظر هذه الساعة للصعود عليهم واسترداد عزتنا وكرامتنا ، فلتحيا "جمان" ، فلتحيا جماننا ، وليسقط أعداء الحضارة " 

أكمل القائد العسكري حديثه وسط زئير جنوده الذين لم يتوانوا عن تأدية التحية له برفع بنادقهم إلى الأعلى وقلبها رأسا على عقب ثم ضرب أقدامهم بها ليثبتو لقائدهم أنهم لن يتوانى عن الإقدام في المعركة ، وان أقدامهم ثابتة في ارض المعركة ، فلا هزيمة ولا استسلام ، و إنما نصر بفضل أقدامهم المكسورة التي لن تتراجع خطوة واحدة . 

لم يلبث المساء أن حل ، كان ذلك إلى أن حان وقت عملية تبديل الجنود على الجبهات بالشفت الآخر الذي حضر خطاب القائد ، والذي سيستلم الآن موطن أصدقائه على الجبهة . 

- علي ، هيا بنا ، عاد الجنود ، حان وقت الخروج . 

- اذهب أنت ، سألحق بكم فيما بعد . 

- ما الأمر ؟ . سأله صديقه ذلك بعدما اقترب منه وتقرفص مخاطبا إيّاه واضعا يده على كتفه . 

- لا شيء ، لا شيء .

- علي ، تخلّفت اليوم عن حضور خطاب القائد حتى آخر لحظة ، وحين حضورك متأخرا إليه أخطأت ولم تقم بأداء القسم على عادتك ، ما هو حالك ؟ 

- انظر إلى قدمك ، لماذا كسرتها ؟ 

- انه القسم يا رفيق ، أقسمنا أن لا نخون أرضنا وقائدنا ، وشهدت أرجلنا على ذلك. 

- ولماذا أقسمتم ؟ 

- انه الواجب ... وقبل أن يكمل حديثه قاطعه صديقه بقوله : اي واجب ؟

- نداء الوطن وقائد الوطن . 

- أي وطن هذا الذي تتحدث عنه . ؟ الوطن الذي كنا نقطن فيه جوعى حفاة عراة بلا مأوى ولا ملبس ، حر الصيف يقتلنا وننتظر برد الشتاء ليقينا ليأتي غارسا نصاله في أجسادنا ، نفرّ من الثعالب حتى نلاقي الضباع . 

- لا ، ما هذا الحديث ؟ 

- إنّها الحقيقة يا عزيزي ، و الآن ... و الآن ماذا ؟ حين قام أحد ما بالاعتداء على الوطن هممتم بجلبنا من قرانا لندافع لكم عنه ، ليقذفوا بنا على أعدائهم . 

- انه الوطن يا علي ، الوطن يا علي ، ألا تعلم ما الوطن ، ألا تعلم ماذا قال فيه الشعراء والحكماء .

- كلهم كذبة 

- لا لم يكذبوا . 

- كلهم عاشوا في رغد ، في قصور وجنّات نعيم ، وولدان مخلدون وحور عين ... ألا تعلم أنّ حورهم نسائنا وغلمانهم أولادنا وموائدهم لحومنا وعصائرهم دمنا . 

- أنت لا تقاتل من اجلهم ، أنت تقاتل للوطن ولقائد الوطن . 

- أنا لا أقاتل من اجل احد ، من رآني البارحة عاريا سأراه اليوم حتى بلا كفن . 

وهنا قاطع حديثهم صوت شاحنات نقل الجنود التي وصلت للتو ، واجتمع الآخرون لتتم المبادلة بين الفريقين ، وقد حضر علي ممسكا به صديقه شادّا على يده ، فسلّم الجميع على بعضهم ، وصعد علي وصديقه والجنود الآخرون ذاهبين في شاحنات صغيرة تقلّهم وسط البرد القارص الذي يحملهم مع أشياء كثيرة على الكفر والجحود بالطقس وحبات المطر التي تفتك برؤوسهم وشجرة التفاح التي صادفها علي عارية فضلا عن تراب أرضه المبلل بالمطر والذي تحول إلى مستنقع محاولا سحبهم و إسقاطهم سقطة فوق سقطة . 

بان الشحوب والرفض القاطع لعلي لما يفعل على أصدقائه ، فحملوه على الحديث لاسيما وان اغلبهم من أبناء قريته التي نسيها العالم ، فاستجاب لرغبتهم ، وكان ذلك وسط أجواء نوم لبنادقهم وكل رصاصة و أختها مختبئة في جوف البندقية ملتحفة دافئة ، لتشعل النيران وليتلف الجميع حولها بعد أن أعاق المطر والبرد الشديد مسار المعركة عن الاستمرار حتى الصباح . 

" عاشت جمان العظيمة ، عاش السلطان العظيم لنا ولأمتنا الكبيرة ، لن يحيدنا الوقت ولن تمنعنا الصعاب عن ن نمضي إلى الأفق بأمتنا العظيمة وبجمان العظيمة ، في ظل هذا الوقت الصعيب .."

وهنا قاطع القائد صوت بعيد يقول : لقد اجتازوا الحدود ، لقد اجتازوا الحدود 

خبط عظيم وبلبلة كبيرة حدثت دفعت بالجميع إلى الالتفات إلى الوراء لمعرفة ما يحصل  ، إلى أن حمل الجميع أسلحتهم متوجهين إلى الخارج ليلتقوا بجنود الجبهة الثانية وقد تخطو الحدود والحواجز ، ولتنهمر وبل النيران والمدافع عليهم ليسقط الجميع قتلى . 

تراجع القائد وحاشيته إلى الوراء ليستقلوا سياراتهم متوجهين إلى المعسكر الآخر حماية لأنفسهم ، وفي الطريق أشار السائق الخاص به إلى مجموعة من الأفراد الذين كانوا مناوبين على الجبهة ليلة البارحة يقودهم علي وقد انسحبوا من مواقعهم ، تاركين لافتة وضع عليها : خذوها  ، فهي مباركة عليكم ، من لم يطعمني من لحمه لن اسقيه من دمي . من لم يهبني وجودي وكياني ، لن أقدم له احترامي ودفاعي . 
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف