الأخبار
2019/7/23
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

معشوق السنجق (3) بقلم:محمد يوسف محمد المحمودي

تاريخ النشر : 2018-12-19
معشوق السنجق (3) بقلم:محمد يوسف محمد المحمودي
معشوق السنجق (3)

محمد يوسف محمد المحمودي

مترجم وصحفي حر

[email protected]

نظر الجميع إلى الأستاذ حسين وبدأ بعضهم يفكر في السؤال الذي طرحه "هل طبائع الناس معدية؟". تمتم بعضهم بكلماتٍ غير مفهومة وتهامس آخرون، وجاءت الإجابة بلسان قادمٍ من خارج الغرفة يندفع اندفاعًا نحو الأستاذ حسين: "طبعًا معدية." كان المجيب أستاذ أحمد الذي يعمل في مكتبٍ ملحقٍ بالإدارة، وهو رجلٌ يرى في نفسه ما لا يراه غيره. تسلل أحمد إلى الغرفة؛ حاملًا ورقة يريد اعتمادها؛ مبتسمًا وكأنه أرسل بسمته لتسبقه إلى قلوب الحاضرين قبل أن يلقي السلام عليهم، وكان ردهم السلام عليه بمثابة نهاية قصة المرأة السورية.

بدأ الموظفون يركزون على أحمد؛ الذي كان يداعبهم بعينيه. توجه أحمد إلى أستاذ منير أمين الخاتم ليعتمد إجازته الاعتيادية. كانت مدة الإجازة شهرًا، الأمر الذي دفع بعض الحاضرين إلى الحديث عن خصمٍ حتميٍ في راتبه، لكن أحمد بدا واثقًا من عدم وقوعه تحت طائلة أي نص يفرض عليه خصم أجر أو ينتقص من حوافزه، لكنه قال: وإن يكن من خصم فأهلًا أهلا، وضحك. نظر بعض المنصرفين عن أحمدٍ إليه بعدما تعالى صوت ضحكته وتعجبوا من ثقته وقدرته على إظهار قوته وشعوره بالأمن رغم قلقهم من لوائح عملهم والخصومات الشهرية التي قد تطالهم إذا فكروا في أخذ إجازةٍ عارضة أو شهرية. وبعيدًا عن استفسار بعضهم عن إمكانية أخذهم إجازة مثلهم؛ بعد اطمئنانهم لرأيه وزوال غيوم الخصومات والجزاءات من أفق تفكيرهم، سألته رجاء الموظفة في المكتب عن نوع العطر الذي يستخدمه فقال لها "كوبرا" مع قليلٍ من "كيلك فلاور" ، ثم انصرف.

وفي مكتبٍ آخر بمبنى إحدى المؤسسات التابعة للإدارة؛ شرع محمد بمشاركة رفيقة دربه سنجق في إعادة تنظيم مكتبٍ إداري بطريقةٍ تجعله يبدو ذكيًا وقابلًا لاستيعاب أكبر عددٍ من الإمكانات والأفراد. وفي الوقت الذي كان فيه محمد منهمكًا في نقل بعض الأثاث والأجهزة، نظرت سنجق إلى محمد وتأملت عيناه الحمراوتان وقالت له: "عيناك مجهدتان يا حبيبي". تبسم محمد وقال لها عيناي عينا نسر تصاب بالاحمرار لكنهما لا تتعبان. وغازلها بقوله: عيناي ترتاحان عندما أنظر إليك يا امرأة. كانت سنجق ذكية أنيقة، تتسم بالعصبية المفرطة؛ رغم قدرتها الخارقة على احتواء رجلها والتخفيف عنه.

بالفعل، كانت سنجق دافعًا قويًا لمحمد؛ حيث رأى فيها ما لا يراه الرجال في النساء؛ فضلًا عن كونها هي الوحيدة التي تسانده وتدعمه وتنصحه ولا تدخر جهدًا في سبيل إرضائه؟ لذلك، لقب محمد نفسه بفتى سنجق المدل. وبينما هما كذلك، دخل أحمد المكتب وهو  يقول: "أهلًا أهلًا.. يعجبني حالكما." بعدها، قام أحمد باستئذان سنجق في حمل دولابٍ كانت تعاني في حمله مع محمد. وقال لصاحبه: "يعجبني نشاطك وحيويتك." ابتسم محمد وأجابه: "وهل تقل عني نشاطًا يا سيبويه؟" ضحك أحمد وبدأ الرفيقان يتهامسان عن العشق وأحواله وحال محمد في عشقه لسنجق.

في هذه الأثناء، أعدت سنجق بعض الشاي وجلس الثلاثة يتحدثون عن كيفية استعادة روح التعاون والعمل بروح الفريق في هذه المؤسسة. قالت سنجق: "تكمن المشكلة في غيرة البعض من الناجحين بشكلٍ مفرط وشخصنة الأمور وإعلاء المصالح الشخصية على مصالح المؤسسة." فقال أحمد: "لا توجد مؤسسة بها دعاة تجديد وتغيير دون تحديات كهذه"، فقاطعته سنجق قائله: " لكنهم يتآمرون علينا!" عندها قال محمد: "بل يتآمرون على أنفسهم. قريبًا يصطرخون من الذل ويندمون على خيانتهم لمن صان كرامتهم."

 كان محمد يدمن النظر إلى عيني سنجق ويهيم فيهما كما لو كان مسحورا، ولكنه غار عليها من نظرات أحمد لها وهو ما شعرت به سنجق، فاستأذنت وانصرفت لتترك محمدًا مع صاحبه.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف