الأخبار
2019/7/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

مناهل السهوي تقتصُّ 30 دقيقة في حافلة مُفخّخة من زمن الحرب

مناهل السهوي تقتصُّ 30 دقيقة في حافلة مُفخّخة من زمن الحرب
تاريخ النشر : 2018-12-11
صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط – إيطاليا، المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة السورية مناهل السهوي، وحملت عنوان "ثلاثون دقيقة في حافلة مفخخة". المجازف بركوب هذه الحافلة سيكون عليه، كما الشاعرة، استرجاع ذاكرته على عجلٍ، بكلِّ ما يزدحم فيها من تفاصيل تعودُ كشريطٍ يمرُّ ببطء في لحظةٍ خاطفة، تشبه زمن استقرار رصاصةٍ في لحمِ الضحية، هكذا تساءلت مناهل السهوي في آخر قصيدتها "رصاصة": "كيف كنّا لنتذكّر كلّ هذه الحياة برصاصة واحدة؟ !". لعلَّه السؤال الذي لا يُرمى هكذا عبثاً، حين ندرك أنّ ثلاثين دقيقة من زمن الحرب، تعادل حياةً بأكملها! تُنهيها الشاعرة كلَّ مرَّة، بطريقةٍ مختلفة، عندما تكتبُ قصيدة.

هكذا يتصاعدُ المنحى الدرامي لسيرة حربٍ كتبت لتسخر من الموت، بعيداً عن المرثيات الجاهزة، ولها بعد ذلك أن تُضاعف جرعات الحياة في جسدٍ ممزَّق، ومدن محترقة، وحبٍّ يرمِّمُ ما تصدَّع منه جرَّاء القذائف والخسارات والاغتراب تحت سماء تحتلُّها سحب سوداء.

الألم كثيفٌ وحقيقي، هكذا تقول لنا مناهل السهوي في قصيدة "صورة"، حين نقرأ:

لا ترفعوا أطفالَكم حديثي الولادةِ في الصور

فهناك آخرون

يرفعونهم أمواتاً.

هل يمكن للكتابة أن تكون مؤذية؟ هل يمكن للعتمة أن تلتهم الضوء؟ هل يمكن للقبر أن يتّسع أكثر، ولا يتوقف عن ذلك؟ هل يمكن وضع حاجز مانع لصوت التفجيرات أثناء قراءة قصيدة؟ أو الاستسلام لقبلةِ حبّ؟ وكيف يتحوَّل بيانو في منزل خائفٍ إلى تابوت؟

نقرأ لمناهل في الصفحة 82:

في قريتنا

ينظرُ الجيرانُ إلى البيانو

ويسألون أمّي

هل هذا تابوتٌ؟ !

 
حين نامت جدَّتي في منزلنا

استيقظتْ باكراً

مردّدةً: لم أصدِّق متى طلَع الضوء

لا أستطيعُ النومَ مع تابوتٍ في غرفة واحدة ..


سوف لن تكون هناك أمَّهات، وجدَّات بعد هذه الحرب الطويلةِ، يخفنَ النوم مع تابوت في غرفة واحدة، للحرب كما تقول مناهل السهوي، في حوارٍ لها، تملك مخيِّلة أكبر من مخيِّلة الشاعر؛ لها أن تُكفِّن أثاث البيت، أن تحوِّل قلب امرأةٍ إلى تابوت وجسدها إلى مقبرة جماعية، أن تجعلها تهيم "كوحشٍ وحيدٍ بين غابات الجثث الطرّية"، للحربِ أن تفعل هذا وأكثر وهي تُمرِّرَ قطارَ الألم فوقنا.

وللقصائد أن تغدو تماهياً مع جسد الشاعرة وذاكرتها، ورغبتها، ونزقها، وانفلاتها، وحرِّيتها في تقصي المهمل من الأشياء، المنسي والذي سيُنسى يوماً، والذي يكادُ يختفي ويُزاح من حاضرنا، وقد ينتهي فراغاً يبتلع كلَّ شيء؛ إلاَّ لحظة وقفنا معه فيها وجهاً لوجه وهزمناه بمخيِّلةٍ مضادَّة.

ختاماً، تهرب مناهل السهوي بالشعر في زمن الحرب كما تفعل بالحب:
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف