الأخبار
منخفض جوي يضرب فلسطين يوم الأحدمؤسسة القدس الدولية تعقد مؤتمراً صحفياً لاطلاق تقرير حال القدس السنوي 2018التجمع الدولي للمؤسسات المهنية يُبرم بروتوكول تعاون مع اتحاد نقابات الموظفينكانون تتعاون مع نفهم لإطلاَق دورة التصوير الفوتوغرافي وصناعة الأفلام عبر الإنترنتمصر: "نواب ونائبات قادمات": المشاركة في الاستفتاء لاستكمال انجازات الرئيسكمال زيدان الرافض للتجنيد الإجباري مضرب عن الطعام احتجاجًا على عزله الانفراديابو هولي يشيد بالدعم الياباني للمخيمات الفلسطينيةالصالح: جئنا لتلمس احتياجات المواطنين وسنعمل على تعزيز صمودهم بالبلدة القديمةرأفت يدين استقبال البحرين لوفد من الخارجية الإسرائيليةجمعية مركز غزة للثقافة والفنون أمسية أدبية ثقافية بمناسبة يوم الأسير الفلسطينيأبو بكر: نعمل على كافة المستويات لفضح الانتهاكات الإسرائيلية تجاه الأسرىمنافسة حادة على الصعود بين خدمات رفح والأهلي والرباط والجزيرةلبنانيون يحيون ذكرى مجزرة قانا والناجون يصفون لحظات الرعباعتداء وحشي من الاحتلال على المعتقلينكيه سي آي تصدر بيان التسجيل للعرض العامّ الأوّلي المقترح
2019/4/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

المجموعة القصصية " ليس علي الاعمي" بقلم:حسن النويهي

تاريخ النشر : 2018-11-26
من أين أنت ؟؟

اجلس مكاني كالمعتاد، أجده بالسؤال من أين أنت ؟! في الدكان؛ في الشارع؛ في محطة البنزين؛ في مجالس العزاء؛ في الأفراح.. في كل مكان تفاجأ بمن يسألك من أين أنت بلا زغرة ؟ يأخ بدنا نتعرف بالسؤال.. مش حرام، ولا السؤال حرام؟

لا أجد إجابة عَن هذا السؤال، ويضايقني أكثر أن أجيب أولّ عليهم: إذا كنت لا اعرف من أين أنا فكيف أجيب عن سؤالك "من أين انت؟" من زمان بعيد لا اكاد اذكره، حملت حقيبة سفري المتواضعة وسافرت، وأنا بطبعي أحب السفر ولا أطيق العيش في مكان واحد ولا ثوب واحد وأخذتُ بمقولة الشاعر "بلاد العرب أوطاني"، ولم أفرق بينها سوى باللهجات التي أحببتها ولم أتقن أن أرطن بأي منها.

الله ما أجمل الوصول إلى بغداد من بوابتها الشرقية! لم أكن أعرف النوم في الطريق الطويلة، وغالباً ما كان رفاق في الطريق نائمين. كنت أحس برغبة في العناق، في الاحتضان عند الوصول إلى جسر الفلوجة القديم، وعبور الفرات، ورائحة بساتين البرتقال في الصباح الباكر.( لم اشتق إلى مدينة في عمري سوى إلى بغداد ولم أفرح لاحتضان القادمين بالأحضان في عمري، الله الله، فرحي للقاء بغداد)؛ بمجرد أن عبرنا جسر الفلوجة طار الناس عند أبو الشايات لنرشف الشاي في الصباح، ونغسل الوجوه المتعبة من الطريق بمياه الفرات العذب(نسمع أجمل عبارات الترحيب يا هلا يا مرحبا وتمضي بنا الأيام، وتصبح ذكريات مؤلمة ومرارة الفراق وألم، وذل الاحتلال منذ احتلال؛ بغداد وأنا اتجنب التوجه نحو الشرق كي لا أعيد النظر إليها.

سنرجع يوما إلى حيث سترجع بغداد وسنعود إلى بغداد وستعود بغداد كما عرفناها شهمة؛ كلها كبرياء؛ تعرف كيف تعز أهلها وتقري ضيفها دون أن تسأل من أين أنت؟

أعود إلى سفري من زمان ، بعد أن سلمت جواز سفري في قاعة محشوة بالبشر ومروحة سقفية تهدر فوق رؤوسهم ولا مقاعد ولا أي شيء آخر كاونتر يحجز بيننا وبين حاضر الشرطة. يستلم أحدهم جوازات ، ويأخذها ولا نعرف إلى أين مصيرنا وبعد وقت طويل أحسبه دهراً يا ترى هل جواز سفري بين هذه الجوازات؟ اخترعتُ طريقة للتعرف على جواز سفري بوضعه في غلاف جلدي مميز أستطيع أن أعرفه بين مئة جواز أو أكثر..أخيراً  جاء ومعه كومة من جوازات السفر، جلس فوق الكاونتر الخشبي وبدأ ينادي الأسماء، ومن يجيب: نعم، يرمي جواز سفره فوق الرؤوس، وتسمع أصوات الاصطدامات بين الأجسام، وأصبح كل من في القاعة لاعب كرة سلة لمجرد التقاط جوازات السفر وتسليم الواحد للآخر، ولم يرم لي الجواز وسألني من أين أنت؟ تطاولت الأعناق ولمعت العيون من حولي: من أين أنت ؟ والكل ينتظر الإجابة بشوق تمهلت ولم أجب، وبسرعة البرق اعاد السؤال، وبطريقة أخرى: مواليد وين أنت؟ فقلت مواليد دير البلح، وبأسرع من الأول وين تصير دير البلح هاي؟ أجبته في قطاع غزة وبهت الذي لم يجرؤ في تلك الأيام على لفظ كلمة غزة على لسانه وعاد السؤال: يعني أنت شو؟ فقلت وقد استفزني السؤال في هذا الجمع الخشبي الذي بدأ الضغط من أين هذا الغزاوي ليعطل أمورنا؟ ما كانت ماشية زي الحلاوة إلى أن جاء دور هالقرد وخربطها اجبت أنا طالب بدرس بالجامعة في العراق. فقال أنت شو أردني ولا فلسطيني أجبت: أردني من أصل فلسطيني. استشاط غضباً ورمى بالجواز إلى الدرج وقال: انصرف والله لأدبرك.

وانصرفت، وغادر وبقيت وأنا وركاب السيارة الذين بدؤوا يستعجلون السائق بالمغادرة، سيبنا منو؛ يدبر حالو؛ يرجعو ويرفش ببطنو، يا عمي شو خصنا؟ الله لا يردو كان ألو(قلّه) أردني وبلا هالفلسفة، والله بستاهل. واستمر هذا التشفي دون معرفة مسبقة بيننا سوى صحبة الطريق وياليتها ما كانت." عدت إليه وقبل أن أساله حلف؛ والله لأرجعك مخفور ومكلبش، قلت لا مانع عندي بس خلي هالناس تروح ما يتعطلو مشاني " طردني من أمامه وتركته وخرجت شربت الشاي وهدأت قليلاً وعدت إليه وفي غفلة ومفاجأة سألته من أين أنت؟ وبسرعة أجاب وهل هذه بدها سؤال؟ وقلت إذا كان ما بدأها سؤال، لِمَ  أسأل أنا وفي كل صباح: من أين أنت؟ وإذا كان مشكوك في ولائي وانتمائي وهويتي ووطني ومن أعطاني هذه الأوراق، وهل أنت من أعطاني أياها؟ إن لم يكن صاحب قرار حكيم وشهم وشجاع عندما قرر في حينها؟ أن يحتضن أهلنا المهاجرين وأن ينهي معاناة الناس الإنسانية والاجتماعية ويمنحهم حق العيش دون التخلي عن جنسياتهم الأصلية أو كرامتهم؟ قلت وقبل أن أكمل رمى الجواز في وجهي وقال انصرف فأخذته وقلت شكراً ولم أجب عن هذا السؤال من بعد.



غدا يوم آخر

عشرون عاما مضت بعد ان تركها في وسط البلد

ترجل في سيارة أجرة بعد أن اختلفا على مستقبله هي تريد وعدا وهو لا وقت لديه للمواعيد ولا للوعود.

افترقا دون كلام دون تصريح؛ دون اعتراف؛ كل مابينهما كان مشروعاً يفكر فيه الآخرون ويتمنونه لهما.

وبحكم القرابة كانت في زيارة لهم قضت منها أياماً عدة لم تسمح فيها هذه الأيام بالكلام ولا الإنفراد للحديث الخاص. 

إلى أن جاء موعد رحيلها أو رغبة منها في العودة؟ إلى منزلها فطلب إليه إيصالها.

وكانت فرصة للحديث: ماذا بك ليش إنت هيك؟ وبعدين معك؟ إلى متى راح تظل هيك؟ أنا شو أعمل؟ ما تجاوب؟ أنا مابي منك شيء غير وعد انك ستعود لي.. سانتظرك.

لا لن أعدك بشيء فليس عندي ما أعد به، ولا أطلب الانتظار، فلا أدري ماذا يخبئ لنا الزمن ولا المستقبل، وظروفنا كما ترى، ولا أريد أن أخدعك، لم تعجبها أسفة اتركني، أريد أن أذهب وحدي. ورحلت وطال الزمن لم يلتقيا سافر وغاب عن الديار وتزوجت هي وسافرت، وأنجبت وكبر أولادها وبناتها، وتزوج هو وعاد واستقر في البلد مع أسرته.

تقدم إلى شركة الهاتف وطلب توصيل خط أرضي له وكعادة البلد في انتظار الدور الواسطة أخيرا وصل الهاتف ووزع رقمه على من يهمهم الأمر من الأهل والاصدقاء حيث لم يكن  الخلوي قد بدأ في الانتشار بعد ولم يمر وقت طويل على تركيب  الهاتف وإذا به يرن: ألو نعم، مين بدك؟ سيد أبو فلان موجود؟ اه مين نحكيلوا؟ لحظة من فضلك.. فيه على الخط وحدة بدها ياك، ركبنا تلفون صارت نسوان بتحكي على طول؟ منين عرفوا الرقم يا زلمة؟ وبعدين معك؟؟ يا بنت الحلال وحدي الله لنشوف مين، والله ما أعطيتوا بلكي حدا من قرايبنا؛ من أصحابنا. لو كانت زي ما بتقول كان حكت معي بس على طول سألت عنك وما عبرتني حتى تسأل عني إنتي  مين يا سيتي؟ سكري الخط وحكيلها نايم؛ مش هون في الحمام؛ ما بدي تحكي معو؛ حلي عني مش ناقص وجع رأس . لا أحكي معها ما بدي أحكي وإذا ما طلع وحده بدها تتحركش أو شيء لأ لعن أبو المنيح بعيلتك ألو نعم أهلا مين حضرتك؟ شو مش عارفني؟ شو هالطوشة كل هاد عشان تلفون؟ شو هالمرة اللي عندك؟ هاد لوشي تاني شو بتعمل؟

يا ستي نسوان بتغار، معها حق، جوزها وأبو ولادها وبستاهل تغار عليه، مرّيش شوي وداير بالو عليها ومهنيها وعقبال عندك وجر الحكي وما عرفتينا على حالك! اسمع بدي أشوفك بكرة بستناك الساعة 3 في مطعم البيتزا، أنا بعرفك بس أشوفك، باي واقفلت الخط مش هاي ومن وين؟ بتعرفك وشو بدها؟ هّيا جاية من بلاد بره.

بدها تشتري أرض هون، بعتها واحد لعندي بلكي طلعنا وراها قرشين، يا بنت الحلال بلا برم فاضي. والله باين مريّشه من صوتها يلا زبّط حالك بلكي اشتريتلي اللي حكيتلك عنو ولا نسيت؟.

لا ما نسيت بس خلصي، متنا جوع حاضر حبيبي ربع ساعة وبكون الغدا جاهز.

ما تنسي بعد الغدا بنت أختي بدها تخطب وبدنا نروح بدري شوي طيب على رأسي بس خلصي الغدا.

وأكل دون ان يشعر بالأكل ذهنه في مكان آخر من هذه المرأة ؟ هل بعرفها ما هذا صوت أم نغمة أم أم أم ماذا وراء الطنين في أذنيه؟ بالله نروح يالله حبيبي جاهزة شو رأيك أوصلك وعندي شغلة أروح أشوف أرض إذا بعدها ظايلة بلكن زبطناها لمرة تبع التلفون وبرجعلك بكونوا أجو الجماعة وراحوا.

ماشي حبيبي ما تنسي اللي حكتلك عنه والله مش ناسي انزلي خلصي وطار بالسيارة إلى ابعد مكان هادئ مع طاولة فارغة واخذ نفسا بعد نفس وعقله في مين هالمرة التي تنتظرني على الغداء لا تثير فيه شيئاً من التساؤل بكون أحد اثنين يا كاذب، ما علينا بصراحة كان لي صديق يقول المرأة مصيبة لا بد منها المرأة كالموت لا بد منه أين ما هربت تجدها عشان هيك ما ترك شيء إلا ووضعوا المرأة غلافاً  له غلفوا كل شيء بالمرأة معجون الأسنان مغلف بالمراة ما أحلى أن تغسل أسنانك بمرأة جميلة أو تغسل جسمك بامرأة ناعمة، أو تنام على مرأة كالحرير الناعم الأملس أو تتعطر بامراة أو سيارة غلفوها بامرأة جميلة أو بأمرأة عارية أو تراها فقد تكون محجبة وتراها عارية وقد تكون دميمة وإلا لا تكون امرأة قد تكون مخلوقاً أخر ليس أمرأة . صوت المرأة هو امراة بحد ذاته هو امرأة كاملة إشارها كعب رجلها جسمها أظفارها كعب رجلها كسمها أي جزء من المرأة هو امرأة كاملة لا ينقص منا شيء.

في الحب تجد المتعة في كل شيء مع المرأة دون أن تفرق بين أي محطاتها كلها تعطي اللذة نفسها ولكن الطعم مختلف. من قال زهرة لم يعطها حقها فالمرأة حديقة غناء  محاطة بالأشواك لن تقطف منها وردة دون أن تدميك لذا لا تمل منها رغم دمائك التي تسيل تكرهها وتلعن اهلها و...تتمنى لو تعلق لها مشنقة وفي الوقت نفسه تتمنى أن تكون في حضنها تخنقك وتتنفس من شفاهها.

لا تشبع منها لا حبا ولا شتما ولا طلبا ولا شكوى ولا غضباً ولا جهلا ولا اسئلة وتستظل بها عند تعبك  ومرضك وجوعك ولهفتك آه منها وآه من بعدها..لغز مميز ومزعج منفر تحن اليها رغم أنك في داخلك تلعن نفسك الأمارة بالسوء ولكنك ترتمي في حضنها في كل مرة تراها ابدا ومرات لا تحب أن تراها ابدا ولا تسمع صوتها.

لها حنين دائم ولها كره دائم ولها حب من يحب ويكره ويغضب ويندم ويضحك ويبكي ويقطع ويوصل وفي لحظة يذوب.. لا يمكن للإنسان أن يصطلح مع نفسه بهذه السرعة أو يعود اليها في مرات كثيرة ولكن مانراه ابعد وأسرع وكأن شيئا لم يكن ايتها المرأة التي تحتل حيزاً في التاريخ والجغرافيا من أجلها قامت الحروب ومن أجلها شيدت أجمل البيوت ومن أجلها ابتكرت الأزياء والعطور والديكور والإنارة والأجبان والشموع والزينة من أجلها تعملوا الايتيكيت والدبلوماسية وفن الكلام المصبوغ لشفاه المرأة بكل أوان.

لأجلها كان الكذب ولأجلها كان الصدق ومن أجلها المال والكسب الحلال والحرام.

تعطي كل شيء وتأخذ بالشمال ما تقدمه باليمين إذا أرادت جعلت الدنياا جنة وإذا انقلبت فالجحيم أرحم من صورة وجهها.

عالمها غريب لا يسبر غوره أحد ضعيفة إلى حد الاستهتار بضعفها لكنها ممعتة شيء غريب فيه كل الضعف وله كل القوة. بنظرة منها إلى حد الجنون لا ضعف فيها ولا قوة لا ينبس أعطم الرجال ببنت شفة وبكلمة ترفع معنويات المهزومين المسكورين ومن أجلها تسفك الدماء منأجلها شيد العظماء أجمل القبور والتوابيت ماذا لو لم تكن المرأة في هذا العالم من نحن من دونها ونتملى لو لم تكن.

ترى صورتها في كل المجتمعات الإنسانية وغير الإنسانية فلها سطوة في عالم الحيوان انظر إلى ملك الغابة تراه بين يدي لبؤته طرياً لينا كالحرير. وانظر إلى ملكة النحل وعالم الطيور؟ كان عندي ببغاء لما ماتت حبيبته مرض مرضا المني رأيته يذبل يوما بعد يوم لم أر حبا كهذا الحب الى أن مات سقيما.

إذا هي في هذا الكون هي مركز الجاذبية والكل يدور في فلكها فالشمس انثى والقمر يدور في فلكها تعود إلى المرأة التي ساقنا هذا الهذر عنها من اجل دعوة الغداء. الغداء في مطعم دون أن نعرف من هي. عدت إلى سيدتي الاولى عند اختها لأحد أن الجاهة قد جاءت وذهبت وانا نسيت أو تناسيت الموعد اعتذرت ولم اعتذر وعدتها أن لا أنسى قبل أن أنام أدرت لها ظهري وقلت مش ناسي تصبحي على خير وفي الصباح صحوت باكرا شربت قهوتي وبدأت افكر ماذا ألبس اليوم احسست بالعيون تراقبني إذا اسرعت ستغضب زوجتي العزيزة وهي تعلم أنني مع زبونة وليس مع حبيبة تحتاج إلى كل هذه الأناقة اذا تعطرت رغم انني اتعطر يوميا لشو كل هالعطر يا زلمة وبدأ الزن من الصباح ؟ 

خلص ما بدي لا عطر ولا زفت بس ما راح اجيبلك لو اجالي مليون لا يا حبيبي أنا بمزح معك هاي رشة عطر وبوسة فوقها خلص ما تزعل بس ما تزعل بس ما تنسى حبيبي والله من زمان نفسي.. خلص يا بنت الحلال والله لأجيبلك بس حلي عني. طبعا لافيه ارض ولا فيه صفقة وأمام المرأة تهون كل الصفقات وتلغى أهم المواعيد وتحل أشد الأحزمة.

ما أطول النهار في الصباح أوف عشرين فنجان قهوة وكل جرائد اليوم وكل أخبار الصباح اليوم ما فيه داعي لقراءة الأخبار الله لا يردهم كلهم، ما فيه حد يستاهل، كل يوم نفس الأخبار: غلا وهمّ وحرب، وطخ، وفتح وحماس، وقريع وأم الشعر، وهاد تبع حماس شو اسمه؟ والله الواحد لو كان صاع من زمان مش كان أحسن له بدل هالدوشة على الفاضي؟ لو عارفين بده توصل لهالحاله والله مع النسوان كانت أشرف. على الأقل منها فايده بدل قلة هالحيا..قال أوسلوا قال صام صام وافطر على بصلة، عمري ما ضحكت من حالي قد يوم ما شفت عرفات ببوس في هالصراماية رابين.

خليني أروح اشوف مين مستنيني والله ما خرب بيتي غير هالسياسة اللي ما بتطعمي خبز حتى اليوم اللي بدنا نشوف حالنا فيه بنرجع عالسياسة يعني قربت الساعة على الموعد اطلع ولا لسه بدري ما بدي أروح استنى، أروح ولا ما اروح؟ صرت أفكر بلكي شافني حدا قاعد مع مرا غريبة بلكي واحد من الشباب بلكي واحد من الأصحاب بكلي شو هالحكي الفاضي؟ أنا شو عامل؟ ما كل البلد صايعة هوبس أنا؟ حملت اليوم لقب جديد أنا صرت صايع، والله يا عمي لسا ما رحت ولا جيت ولا عرفت مين ولا ليش رايح ولا مين هيه وليش جاية وصرت صايع بعد هيك شو بدك تصير؟.

رجل بتقدم ورجل بتاخر أبوك يالموت والله لأروح لو شو ما صار ولك يا مي شو مطعم عمومي ومكان عام ووقت غدا مش كوفي شوب معتم وقعدة مسكرة وأرجيل بتدور الرأس مطعم خدمة ذاتية أنت اذا شافك مديت أيدك على ايدها عشان اتزيدلوا البقشيش وأنت طالع خلص اقنعت حالي أني لازم أروح ما في مشكلة والله يستر لس افكر أول ما أدخل اشتري طلب ولا استنا لما تيجي.

كيف أسلم عليها؟ ابوسها ولا لا عيب اطلب اليها ولا..أنا طلب كبير عشان الفشخرة أو نسلم ونطلع على محل أحلى ولا اذا ما عجبتني خليها غدا على حسابها مش هي اللي عازمة بدل ما اطلع من المولد بلا حمص.

لا خليها في هالمطعم احسن، اخف، بلا ما نعرف اذا طلعنا بالسيارة  شو بصير بلا ما حدا يشوفنا ولايصير معنا حادث ولا ننقطع من البنزين والمصاري ما تكفي ولا الشرطة يوقفونا ويقولوا مين اللي معك على ساس طول النهار يسألوا كإنه ما في البلد غير أنا مركب مرا ولك يا عمي هيهم على الشوارع ما حد بحكي معهم.

خلص خلينا بالمطعم لنشوف اخرتها جد ما بنحكى معي من مبارح وأنا مش على بعضي من امبارح .. من ورا تلفون هامل؟ كيف بعد هيك شو راح يصير؟ طب اذا طلعت معرفة شو بدنا؟ خايف تطلع معرفة وتفضحني احسن ارجع بلاش هالقصة والله عيب عليك من شو خايف حتى لو طلعت معرفة شوفتها خير على خير يمكن ما بدها حدا يعرف شيء عني.

يا الله ما تطلع مصاري دين جد بكون خزوق كل هالتفكير وطلع بدها دينه؟ لا لو بدها مصاري ما حكت أشوفك بالمطعم، كان وفرت الغدا لتأخذهم كلهم، خلص بنروح ظل شيء ماجا في بالك؟.

كل هالتوتر علشان هالمي؟ مش معروف راح يصير غرامي ولا كلام وعالماشي!

صعدت الطابق الثاني دون أي تفكير وجلست معلنا أنني أنتظر أحداً كل ما دخل واحد واحد ينظر إلى من مثلي وأنا اقرا في أوراق المطعم حفظت الاسعار والطلبات وكل شيء يا الله فضيحة! أن شاء الله تكون محجبة بلا ماحدا يشك فينا؛ إن شاء الله حلوة من صوتها عرفت أنها في اواخر الثلاثينات صوتها حلو وكلامها حلو وضحكتها على التلفون حلوة ومبين عليها دمها خفيف والباقي على الله وبينما أنا في كل هذه الدوامة والتفكير أطلت يا الله هي هي لم تتغير! امتلأت قليلا واحلوَّتْ كثير، والله لو ذبحوني غير أبوسها شو ما يصير وبدون تفكير أخذتها بالحضن وبُستها من الوجنتين. إنتي شو هالحلاوة؟ ليش ما حكيتي؟ ما توقعتك. وكان غدا يوم أخر.



بالأربعة

أخيراً وصل وقف الجميع تفضلوا هون، لا والله وهكذا جلس في مكان اختاره بعناية.الله يمسيك بالخير، اهلاً  يا مسا النور ومن أخر المجلس مساك الله بالخير، يا هلا ومرحبا، اشلونك الله يسلمك الحمدلله، يا هلا بالشيخ، الله يمسيكم بالخير الجميع اشلونكم يا هلا ومرحبا، بخير الحمد لله.

صب قهوة يا ولد وتناول فنجانه الأول وزاد بالثاني وأكمل بالثالث، وهز وفنجانه، وعاد إلى مركاه خير إن شاء الله ما في شي؟ شو القصة مجموعين اليوم؟ لا شغلة بسيطة مومستاهلة قلنا نعطيك خبر يا زلمة احكي شغلت بالي بتقطر بالحكي تقطير ما بيبطل هالعادة. مالك ماخذنا بالصوت؟ على مهلك قلنا لك شغلة بسيطة مش مستاهلة يا سيدي كان ما بدك تحكي بلاش صب قهوة يا ولد وتناول فنجانه الأول والثاني وهزه بالثالث وعاد إلى حركاته وقال اذا انتو ما عندكو شيء انا عندي.

تراكوا معزومين الخميس الجاي عندي؟ نروح جاهة خطابة!

يا ريته مبروك ليمن إن شاء الله؟

إلي.. وبهت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير إلك؟ الي، مالكو؟ شو غريب بدي اتجوز؟

يا رجل معك أربعة على أي شرع الخامسة؟ هاي بسيطة بنلاقيلها فتوى ما يهمكوا، بنطلع وحده تقاعد ونجيب غيرها وكالة.

الله يقويك يا شيخ!!

ودارت العيون من حوله سريعة بين الحاضرين ما فيه حدا جاب سيرة  من نسوان القرية ولا وحدة حكت ولا في همس إنو الشيخ فادي بدو يتجوز، ولا حدا قال بنت فلان ولا بنت علان تساءل هالجاهة وين رايحة .

ساد صمت لبرهة كصمت القبور!! وبعدين فيه ملعون هالحرسي ما صارلو سنة متجوز ومرتو الجديدة بتحل عن حبل المشنقة ولك نص شباب البلد بلا جيزة الله لا يوفقك . شو ما قلت وين رايحين؟ ما خصكوا مأنا سألت ما جاوبتوا، أنا كما راح اجي يوم الخميس وبنروح سواء.

يا رجل خلي الزلمة يجهز حالو ويعمل القهوة لا قهوتنا وحلونا معنا كل شيء جاهز.

يا عمي ما حدا قدك مال على جنب وهمس في أذني شو لو تحكي يا زلمة الشغلة مستاهلة خليها للخميس، ما بدي  س وجيم الخميس بنكد جاهة والشيخ معنا بنعقد وبتروح العروس معي جهزت كل شيء.

نصب صيوانه يوم الخميس، وعلق حبال زينة وأشعل نار القهوة وفرش السجاد الأحمر والكرسي وعصراً وصلت الفرقة تدق وطبولها وكل شباب الحارة يرقصون ويتساءلون ما المناسبة الشيخ راح يتجوز اليوم، وَلكُمْ ما حدا يعرف مفاجأة أكيد متفقين وما بدهم يحكوا شو فيه واحد يعمل حفلة قبل ما يخطب؟ والله هاد صدق المثل معاه "جهز البردعة قبل الفرس" من الصباح والطباخين يعملون عشاء رائحته تسيل لها اللعاب، والله الليلة عشا ما فيه منو إن شاء الله كل يوم يتزوج واحنا انتعشى ونتحلى وتجمع الرجال في الصيوان والنساء في باحة الدار والكل يرقص ويتلهف لمعرفة العروس.

وصل الشيخ وأخذ مكانه وسأل العشاب بالأول ولا شو البرنامج.

صلى على النبي طول بالك بعدك ما وصلت صرت تسأل عن العشاء لا العشا بالآخر. أن شاء الله ما نطول تراني فارط من الجوع وريحة هالمناسف ذبحتني والله لو شراكة مع شقفة لحمة احلى فيها سني وتكون من لحمة الكتف وبعدين بنتعشى صاح بهم زبطوا الشيخ ترى ليلته طويلة معنا أوقف الطبالون طرق طبولهم احتراما لصوت الأذان ولصلاة المغرب.

أمّ الشيخ وصلى في الجميع وقرأ: أُحل لكم مثنى وثلاث ورباع، وفي الثانية، وأن لم تعدلوا فواحدة وسلم وصلى ركعتين بعدها ليدعوا للشيخ بطول العمر، وقال إن شاء الله جاهزين.

جاهزين يا شيخ بس لازم نطبق الشرع بالأول لازم نطلق بالأول يا شيخ عشان نقدر نتجوز.

والله هاي ما حسبنا حسابها كيف راحت عن بالنا القصة طويلة اكلنا هالقمة، تمتم الشيخ في سره وقال أن أبغض الحلال عند الله الطلاق لكنه حرام حلالا يا سبحان الله ما  أوسع شرع ربنا وكيف أنه لم يترك شيء إلا وأوجد له حلاً.

تقدم الشيخ وقال حتى لا اظلم حدا كلهن عزيزات على قلبي احسن اشيء اعمل  قرعة ونسحب مين تطلع مالها خطبة في رقبتي حطها اكتب يا شيخ: ملحة امليحة حسنة وجميلة كتب أربع أسماء في أربع ورقات جاء بوعاء ووضعهن وقرا الجميع الفاتحة على نية السحب؟ نسحب ونخلص عشان نكد بالجاهة ونرج نتعشى عالبدري.

يا لله يا شيخ، اسحب فكر قليلا وقال: الله حرام صمت الجميع وفكروا أنه تراجع شو هالشغلة؟ كيف راح يتجوز اذا ما طلق؟ طيب اذا حرام يعني كل يوم بدنا ننحرم ما دام عاملينها عاملينها خليها مرة واحدة يقولوا يطلق بالثلاث هالمرة بنطلق  بالأربعة روحوا كلكوا طالق بالأربعة. ويلعن  ابو اللي يتزوج بعد اليوم. حطوا العشا دقوا الطبول.



ليس على الأعمى

حياة ركنها الأساس الهجرة واللجوء والهرب من مكان إلى مكان من أهم المصطلحات المتداولة "اللاجئ" وجهك مثل وجه لاجئ، والمخيم وبطاقات التموين والبقج هرب عبدالله في الليل مع أخويه الأصغر واخته من سقيفتهم المطلة على البحر إلى كوخنا الذي كان في الداخل قليلا حيث كان يفصله عن البحر ثلاث أو اربع أسطر من البيوت كنا نسمع هدير الموج يجلجل في الآذان ليلا وعندما يموج البحر نشعر بالخوف كانوا يقولون البحر من آيات الله ومن لا يخاف في البحر لا يخاف من الله.

للبحر رهبة ولكن للبحر الفه ومع الوقت يصبح البحر صديقا يلاطفك، يلاعبك، لا تطيق أن تبعد عنه؛ لذا يقولون: كالسمك إذا أخرجته من البحر يموت وهكذا سكان الشواطئ من الصعب عليهم ترك الأمواج الرحيل إلى أماكن ابعد. كنا نلعب مع الأمواج ونمشي على البحر كان لي صديق اذكر كان اسمه أحمد كان يغوص في البحر حتى لا نعود نراه، وفجأة يعود كان حلمي ان أكون سباحا ولم استطيع أن احقق هذا الحلم، لكنني الفت البحر وكونت صداقة معه وما زال وفيا ولم يغدر بي. آه كم من صديق اعتبرته وفيا وغدر بي وما أصعب الغدر وما أكثر الغادرين.

في عتمة الليل جاؤوا وهل تفرق مع الأعمى ليل أو نهار؟ طرق الباب وقيل من قال أنا عبدالله يا خاله وبسرعة فتحت الباب ودخل عبدالله ينقر بعصاه الأرض ويعرف الطريق أكثر مما أعرفها سمعته يقول الله يلعن أبو اليهود واللي جاب اليهود مش حالين عنا شو هالعيشة وبعدين  يا الله؟ ما بدهم يتركونا بحالنا خربوا بيتنا الله يخرب بيتهم كل شوي طافشين وتاركين حالنا ومالنا وبيوتنا ولا قادرين نثمر ولا نعمر ولا عارفين نتجوز ولا نخلف ولا نصير مثل البشر، وحد الله يا خالتي، إن الله مع الصابرين، ما أنت شايف كل الناس على هالحال هو مين مرتاح؟ أي والله يا خالتي (قال عبدالله) صار النا يومين ماذقنا الخبز ولا دخل ابطونا اشي ما في بالدار ولا شيء الله كريم يله جيبو عشا شو الموجود جيبو أشعل السراج حتى جاء صوت من الخارج طفي الضو طفي الضو وفجأة اعتلى سور البيت وقفز داخل المنزل مين هون كل زلمة، مرة يرفع أيدو فوق يطلع برة كلو برة وخرج عبدالله وكان وحيداً رافعاً يديه وكيف لاعمى أن يعرف طريقه وهو رافعٌ  يديه ، أنزل على الأرض ارفع ايدك وين سلاح؟ ولك يا عمي أنا أعمى ما بشوف أنا ما دخلني أجابه الجندي الإسرائيلي انت شو يعمل هون؟ أنا خواجة ما بعمل شيء والله ما بعمل شيء فتش المكان وقلب البيت أو الغرفة رأسا على عقب ولم يجد شيئا وكسر السراج واطفأ الضو الذي لم يضىء لعبدالله شيئاً وخرج متوعدا الجميع أي حركة من هون بطخك.

بعدين با الليلة ما بدها تخلص على خير لا بدنا عشا ولا بطيخ، خلص عشان الله جلست إلى جانبه وامسكت بيده وقلت عبدالله ما بدك تغنيلي شوي! ولك احنا أي اشي وانت أي ايشي؟ مشان الله غنيلي شوي بحب صوتك يا لله عبدالله اسمع بغنيلك اذا جبتلي خبزة وحبة بندورة أكلها وبعدين خذ غناوي للصبح زحفت باتجاه الخبز وسحبت له رغيفا وكم حبة بندورة وأكل على عجل أكل جائع ملهوف وأكلت معه قليلاً فقد أصابني الجوع كذلك ودوما تهيج المعدة وتنفتح الشهية على الأكل عندما يقل المعروض يزداد الجوع.

كان عبدالله يحمل صوتا شجيا عندما يرتل القرآن الكريم (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا) عندما تسمع صوت الشيخ عبدالله كما كانوا يلقبونه ترق القلوب تذرف الدموع.

وكان صوتاً رائعاً دافئا عندما يدندن بأغانيه او لأحد المطربين أو المطربات.

يلا يا شيخ عبدالله صاح آه على كاسة شاي! بعد هيك عشا ولك ما سمعت شو عملوا اليهود فينا كسروا السراج وهم كسروه طز شو دخلني كسروه ما يهمني، من وين بعملك شاي خلص الصبح بعملك ابريق شاي وبنشرب سوا بدك اغنيلك قلت أنت شو أنت شو بدك؟ يا الله نغني سوا أخي جاوز الظالمون المدى وجاد بصوته وقال جاوز الظالمون المدى.

اخ أخ أيه العربي الأبي أرى اليوم موعدنا لا الغدا وكررو وبدأنا نسمع صدى صوته يتردد ويردد من يسمع اخ جاوز الظالمون المدى وتعالت الأصوات  من يصد عبدالله  يرددو وراء صوت الشيخ عبدالله بهذه الأغنية وصدحت الأصوات علا التكبير بصوت عبدالله الله أكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر وتردد الصدى وكبرالجمع يا الله اكبر الله اكبر وخرجوا من داخل غرفهم الى أحواش بيوتهم مكبرين الله أكبر الله اكبر وفر الصهاينة  مذعورين ولم نسمع الا قرع نعالهم يطردون بعضهم بعضا إلى آلياتهم وهدرت الأليات وخرجوا خارج المخيم مدحورين وصوت الله الله اكبر وعبدالله يؤذن إلى أخي أخي أيها العربي الأبي.

وما إن انفك منع التجوال حتى أذن الشيخ عبدالله لآذان الصبح صلى الناس جماعة لأول مرة منذ دخول اليهود وقبل الجميع وجنتي عبدالله وحيوه على عمله البطولي أصبح عبدالله منشدا ومُلهما للمقاومة وأصبح الجميع ينتظرون عبدالله ليدندن لهم ليلا بأغانيه واناشيد الوطنية حي على الجهاد حي على الكفاح يالله شعب الثورة يا الله ياشعب فلسطين. يامه بدي بارودة يامه أعطيني فداني.

وفلسطين حرة حرة واليهود برة برة وهكذا تتكون حصيلة من الأناشيد والأهازيج بعضها من الفلكور كثير للمقاومة وصار الشيخ عبدالله مطارد من الاحتلال أين هذا الأعمى الذي  فجر مقاومة شعبية سلمية وصلت إلى مقاومة عسكرية طاردة للاحتلال بالمولوتوف والبنادق الصغيرة والعبوات الناسفة.

 أصبح الشيخ عبدالله مطاردا لكنه في الليل يصدح وصدى صوته يتردد في كل مكان وكلما علا صوت عبدالله زاد رعب اليهود وفروا خارج المعسكر أو الكمب أو المخيم. وفي ليلة نصبوا له كميناً وحاصروا المنطقة التي فيها بيت عبدالله ومن بيت الى بيت امسكوا به ووثقوا يديه إلى خلف ظهره وربطوا رجليه بالسلاسل وجروه إلى الجيب ومن ثم تلقى الصفعات والعصي والركلات وهو يصيح يكفي الله أكبر الله أكبر وعندما رحل الاحتلال وفكوا أسرة سألته ماذا قلت لهم؟ قال كلما سألوني قلت لهم ليس على الأعمى حرج.

ليس على الأعمى ليس على الأعمى حرج.



الشيخ شحدة

كان ضخماً في الحجم طويلاً كثيف اللحية وقليل العقل أو عقله عقل طفل لم يكتمل النمو، بطيء النطق يتئنى في كل حرف وفي كل كلمة في زماننا زمان المصطلحات الدجيتال والعولمة يطلقون عليه صاحب اعاقة عقلية أو معاقاً أيها الأخوة فنحن المعاقون وأنتم الأصحاء معذرة مرة أخرى.

في زمانهم كانوا يطلقون عليه لقب بهلول ويسمونه بالشيخ شحدة كنت في السرير الخشبي عندما يلد الأطفال في بلادنا يضعون لهم سريراً هزازاً من الخشب وبقاعدتين نصف دائرية ليسهل تحريكه على الأرض للهز حتى ينام الأطفال وكنت واحدا منهم في سريري عندما جاء الشيخ شحدة سمعته يسأل عني وين حبيبي؟ وين أبن اخوي؟ بدي أشوفه م مشان الله خليني اشوفه، نايم باشحدة قبل شوي رضع ونام طيب أنا بقعد جنبه وبهز فيه وانتي كملي شغلك هكذا قال وأنا عرفت بان الشيخ شحدة قد جاء ويومي معه طويل من اللعب والقبل والتنطيط والهز فرحت كثيرا بس قلت خليني أشوف راح أسوي حالي نايم ما راح أصرخ ولا أطلع صوت لا أشوف شو بدو يعمل.

كان الجو حارا وكانت أمي قد وضعتني في سرير مع غطاء خفيف على معدتي ..ونسيم البحر يهب بين الفينة والأخرى رطبا ينعش الروح أحسستُ به يمشي باتجاهي فقد كان يحدث دويا في مشيته ورائحته نافذة تشمها وتميزها عن بعد كان بينه وبين الماء شبه عداوة والاستحمام اخر همومه إذا حصل مرة كل شهر شهرين ثلاثة فلا بأس وإذا لم يحصل فالجلد مدبوغ وانتهينا لم تهرب أمي ولم تغلق الباب في وجهه لا وين رايح ولا وين جاي ولا وسخت الموكيت شو هاد جاي يعمل هون شو هالريحة الأرف؟ لا لا فشحدة على الرحب والسعة أهلا وسهلا لم يكن في بيتنا موكيت كان في حصيرة مفروشة على التراب وفوقها بعض الفرش لمن أراد الجلوس، للعلم الحصير صديق للبيئة وجاؤوا لزيارتنا وعمل مقابلات معنا كذلك التراب صديق للبيئة لكن يبدو أن الفقر عدو البيئة فلا أحد يتقرب من الفقر ولا من الفقراء حتى البيئة، بيئة الفقراء الأغنياء قاموا بتخريب البيئة ونحن ندفع الثمن ولا من يهمه يومها احس بالندى على وجهي وأنا أغفو في سريري تحت أوراق العنب كنت أشم رائحة البحر والآن نشتم رائحة عوادم السيارات والمجاري وبدل الندى سخام يكسو الوجوه سوادا أسودت البيئة وأسودت الوجوه معها .

جلس شحدة إلى جانبي عصرت فتحتي منخاري لسدها منعا للروائح النفاذة فلم يكن بمقدوري بعد ان أسدهما بيدي أو تسحب الغطاء على رأسي تقدم نحوي وكغيمة سوداء من غيوم كانون غطائي فحجب عني رؤية الشمس والقمر وبدأ يغمرني  من كل الجهات شعرت وكأنني في عين العاصفة أو في القبر أين الهواء اين النفس أين الشمس أين القمر مشان الله الحقوني ولا من يجيب صرخت ولا من يسمع ياشحدة حل عني ولا هو يسمع ولا يعطي فرصة لخروج الصوت لا أدري ماذا حل بي أكل هذا شوقٌ وهبل وجنون يا أمي اين انت ولم تتركيني بين يدي هذا المجنون ذبحني صرخت صرخة يا امي أين انت ولم تتركيني بين يدي هذا المجنون ذبحني صرخت صرخة صرخة فرفع جسمه عني مالك يا حبيبي مالك يا حبيبي حبك برص وعشرة خرس موتني يا زلمة هو هيك اللي يحب؟ يقطع اهلك أي هو في الك اهل عشان ينقطعوا انا على الفاضي بسب وبصرخ ولا أنت سامعني ولا حد داري في كثير مثلي مثل غيري ما حدا سامعنا.

جاءت تركض من بعيد سائلة حال الولد شوصار له؟ أنا بعرف أنا بس بوسته صار يصرخ ولا يهمك هلا بسكت وهددتني وأنا ألومها لما تركتني وحيدا أنا أحب أن العب مع شحدة لكن بحضورها أكون أكثر أمنا!!.

يما اعطيني ياه أحمله شوي هيو سكت، كمان شوي أنا كنت بعملك لقمة تاكلها اكيد أنت بدون اكل بعد ماتاكل وتشرب شاي بخليك تلعب معه زي مابدك.

الله يخليكي الله يخليكي الله يوفقك انت احسن أم في الدنيا.

كان شحدة يحمل على جنبه حقيبة من القماش وغالبا ما تكون نصف أو ربع كيس طحين مطبوع عليه هدية من شعب الولايات المتحدة الامريكية ويدين تتشابكان مع بعضهما كان يعلق هذا الكيس في رقبته ويتدلى على جنبه ويضع فيه كل حوائجة. لم أكن أدري ما بهذا الكيس وكان يقول لي بس تكبر والله لاجيبلك كل شيء لتشوف بس إكبر يا الله ويلاعبني ويرجوني أن أكبر لاخذ ما في هذا الكيس وانا احترق شوقاً لأعرف ما بداخله كان يسمى بعض الأشياء ولا أفهم معناها شيبس دوريتوس وبرنقلز وكت كات وعلكة اكسترا على نعنع مرات باونتي وجالكسي بدون مكسرات عشان ما تشرد كان شحدة راقيا فلا يتعامل إلا مع الأصناف الراقية ملبس حامض حلو قضامة صفر بزر بطيخ حلاوة سكر مكعبات كان شحدة يموت في السكر المكعبات لذلك طلعت اسنانه كلها خربانه وما أن وصل الثلاثين حتى أصبح بلا أسنان فزاد ذلك من تقطيع كلامه وهو يتقطع باسنان كيف بدون اسنان.

كبرت عاماً أو بعض عام واصبحت أرى شحدة قادما من بعيد فأذهب لأخبر أمي اجا شحدة وأنا فرحان بمجيئه وتعرفت على ما كان يخبئه لي من حاجات بسيطة في مخلابه يأتي ويرحل دون أن نحس به ما أن يأتي حتى يرحل وفي بعض المرات  كان يقضي فترة أطول كان يقضي يومه ماشي لا يعرف معنى الحر أو البرد أو طول المسافة أو قصرها ولا الليل من النهار كلها عنده سواء. غاب عنا فترة وعرفت لاحقاً بان شحدة قد صدمته سيارة عندما كان يسير على الطريق فتحطمت السيارة وكسرت له ساق مما اقعده عن المشي فترة ليست بالقصيرة كان شحدة الوحيد الذي لامه لذلك اسمته شحدة من الله من الله عز وجل بعد أن مات لها العديد من الأنباء عاش شحدة وحيدا وبهلولا كان على خلاف دائم معها لا يتفقان على شيء يا رب اتموتي وارتاح منك يا رب تموتي على طول كان شحدة يدعي من الله على أمه أن تموت  كذلك كان لا يطيق معها الحياة في البيت كان يجد راحته في المشي بعد الحادث اثرت الحادثة على رجليه وأصبح يشكو من وجع من كثرة المشي وزيادة وزنه الذي تضاعف بسبب جلوسه وكثرة اكله وقل مشيه قبل الحادث كان يخاف من ركوب السيارات وإذا اضطر كان يركب عربة تجرها البغال أو الحمير وبعد الحادث صار يركب الباص.

طبعا شحدة لا يعرف بالنقود يجمع من مال الله وينفق في سبيل الله وعندما كان يأتي الينا كان يأخذ كمشة من المخباه ويعطيني اياها زيادة على الملبس والحامض حلو وما لديه الآن أصبحت افرح بالنقود أكثر من فرحي بزيارة شحدة وصرت اشاغب معه اكثر واضايقه اكثر في حركاتي ولعبي معه ورغم ذلك كان يحبني.

في يوم كان شحدة يزورنا قال(يمه) نادى أمي وكان يناديها يا يمه بدي ملوخية جاي على بالي ملوخية قالت على راسي ان شاء الله.

وطبخت له طنجرة ملوخية من اللي يحبها قلبك يمه بدي أوكِل الأكل جاهز يا شحدة وجاءت بزبدية من الفخار الأسود مليئة بالملوخية وبعض الفلفل الأخضر والخبز ووضعتها امامه تفضل يا شحدة صحتين وعافية أمسك شحدة زبدية الفخار والفخار صديق للبيئة كذلك والملوخية صديقة للبيئة كله اخضر ملوخية خضرا وفلفل اخضر يعني ما في الوان بحكوا إنو حماس بيحبوا الملوخية لأنها خضراء .

امسك شحدة زبدية الفخار المليئة بالملوخية ووضعها على فمه وشربها على نفس واحد وكانت الأولى ونادى يما ملوخية وعادت إليه بواحدة اخرى وكما فعل بالأولى شربها. ولك يا شحدة هاي ملوخية مش شرب هاي اكل أنت حمار يمه حمار ما بوكل ملوخية، قالت أحسن شيء اجيبلك الطنجرة وأن شاء الله بتشربها كلها أي هو  أنا مش فاضية غير إلك؟

شرب شحدة طنجرة الملوخية عن ابيها وسمعت بعد ذلك شخيرة مع بعض التقطيع مثل ماتور ديزل مخنوق.

يبدو أن شحدة أخذ برد وشارب طنجرة ملوخية انتفخ بطنه وكركعت مصارينه ولم يلحق أن يقوم من مكانه وكانت ليلة سوداء علينا لو كان بالإمكان طلب تنك الأمانة لسحب المخلفات كان أهون مما جرى من شحدة وعمايله.إذا عمرك بتجيب سيرة الملوخية والله لأدمرك وأصبح لشحدة لقب أخر بعد أكله الملوخية شحدة أبو(...) وكانت سببا لاستغلال شحدة.اناديه شحدة أبو (ويصرخ مشان الله ما تحكي خلص شو بدك بعطيك) ليرة يا شحدة ولا بحكي ليرة ليرة  وآخذها منه بعد شوي أعود شحدة طابختين ملوخية ما بدك، يلعن أبو الملوخية واللي جابها ما بدي حل عني (بس لو يصح لي زبدية وحدة بس) ليرة يا شحدة لجيبلك زبدية وما بحكي لأمي ويدفع لي وهكذا اصبح عندي صراف الي بمفعول الملوخية والرصيد كاف. كبرنا أكثر أنا أروح باتجاه الصبا وهو يشيخ ويهرم يأتي الينا يصلنا منهكا تعبا ياكل ينام وعند العصر يقول يا خوي يا حبيبي وصلني ع الشارع عشان اركب بدي أروح امي لحالها وصارت كثير تعبانه يمكن بدها تموت بلا ما تموت لحالها وصلني وبعطيك ليرة ماشي؟ يالله صرت أمنع  عنه الأولاد الذين يرجمونه بالحجارة أو ينعتونه بأوصاف شتى أوصله إلى الشارع وننتطر قدوم الباص أما التكسي فمستحيل شحدة يدخل إلى سيارة تكسي فجسمه أكبر بكثير من سعة السيارة ولكنه يحاول في الباص وقفنا على الشارع هو وأنا وانتظرنا جاء أول باص واشرب له ولم يقف وانتظرنا الأخر مر كذلك  ونظر الينا ولم يقف قال شحدة ليش ما وقفت الله يلعن أبوك وانتظرنا  الآخر جاء ونظر الينا ولم يقف كما كما هي العادة لعن شحدة أبوه وهذه المرة وعائلته الله  يجعلك تخرب ومضى الباص وما هي الا أمتار قليلة حتى توقف الباص وحسبنا أنه توقف من أجلنا ومشينا اليه فكان متوقفا ونزل السائق ينظر الى الباص وقد انطفأ المحرك وهو يقول مالذي جرى هالحين كان زي الحلاوة شو صارله حاول تشغيل الباص فتح الغطاء وسحب وركب وغير ولا من يجيب وانا وشحدة ننظر اليه توقف بعض السائقين الاخرين الركاب وكل واحد يحاول مع الباص ولا فائدة شو اللي صار، بعد عناء جال في خاطر السائق أن هذا  البهلول ربما كان السبب جاء الينا يا سيدي مش قصدي كنت مستعجل انت شو عملت قال دعيت عليك باصك يخرب ياسيدي مشان الله شو بدك أنا حاضر طول عمري عهد على وين ما اشوفك اركبك... بركاتلك ياسيدي يلا يا شحدة سامحه خلص أنا بدي اخلص صار النا ساعتين وحنا واقفين وبدي اروح وانت بدك تروح تشوف امك يمكن ماتت نهض شحدة على رجليه وأشار بعصاه في يده الى المحرك وقال بقلك اشتغل خلص وادار السائق المحرك فاشتغل وكبر الحاضرون الله أكبر وجلس شحدة في المقعد الأمامي معززاً مكرما وأوصله السائق مع عهد منه بتوصيلة دوما إلا انها كانت الأولى والأخيرة فقد مات شحدة من يومه وبكيت عليه.



رحلة عبر مطار القاهرة الدولي

عرفت مطار القاهرة مبكرا كانوا يسمونه مطار المازه مين المازة حتى الآن ما بعرف ولا يهمني أعرف فقط أذكر أنني سافرت من مطار القاهرة وانا مازلت طفلا شقيا الى أن شقيت في ما تبقي من هذه  الحياة كانت طيارات زمان باربع محركات تهدر هدرا عالياً تفقدك السمع والصوت... والخدمات زفت والرحلة طويلة بعكس رحلات اليوم .. اليوم الخدمة ممتازة والرحلات اصبحت قصيرة والموت جماعي. لا ما بتطلع بالطائرة وتربط الحزام حتى تسقط ويموت الجميع في أحضان المضيفات والطيارين.

كنت سافرت في رحلة وكعادتي أحب السفر واجد فيه متعة وحلاوة وكانوا يقولون في السفر فوائد سبع لكني وجدتها ثمانية والثامنة كانت متعة النوم في زنزانة الترحيل بمطار القاهرة الدولي.

شو رأيكو احيكلكوا القصة من أولها ولا أرجع فيها رجوع لأنني كلما حاولت تجاوز أو القفز عن فقرة ما بدي احكيها بلاقي حالي راجع اكتب فيها وغير هيك اقفز سا حاول أن اقفز ما استطعت .

ومن حيث القت  ساقتني رجلاي الى باريس يا لروعة باريس ايفل.. ومقاهي الرصيف كان يدور سؤال في ذهني هل الفرنسيون عاطلون عن العمل ولا يعملون الكثير في مقاهي الرصيف عندهم أم أنها للعاطلين امثالنا؟ في الصباح كنت اتفحص وجوه الجالسين اجدها  سمراء أو مائلة للسمار وبعد العصر كانوا شقراً وشقراوات في الصباح كانوا يحتسون القهوة والكرواسان وفي العصر يحتسون النبيذ الاحمر ووجوه الصباح عابسة ووجوه المساء  ضاحكة كان شكل الحوار مختلفا ما بين وجوه رواد المقاهي في الصباح وروادها في المساء.

كنت اسمع حوارا أو نقاشا باصوات مرتفعة يكاد يفسر على أنه عراك بالصوت والصورة أو استقبال بالخناجر في قضايا ما زالت عالقة  حتى يومنا هذا وفي المساء كان الحوار هادئا ابتسامات وغزل بالعيون وضحكات وقفشات وبعض الضم والاحضان والقبل كل ذلك دفعني لأن أكون من رواد المساء الا أن الغريزة وحب البقاء كان يدفعني للذهاب في الصباح .

وقبل أن ارتشف قوتي وابتلع أول قضمة من الكرواسان الساخن فاجاني هل سمعت ماذا قالت الاخبار؟ وماذا في الاخبار غير سخام وشحار؟ قال أكثر ولك شوفي قال السادات خطب قلت إن شاء الله بتجوز عن قريب شو المشكلة؟ بلا تخوبت خطب امبارح وكان ابو عمار قاعد في أول كرسي وقال أنا عاوز اروح اخر الدنيا عشان اتصالح مع الإسرائيلين وكان يقصد انو عايز يروح القدس وعلى الفور رابين رحب فيه والترتيبات على قدم وساق.

قلت أحلوت والله راح صير شغل لا للعاطلين  عن العمل وقاعدين على القهاوي قالي شو قصدك  شو مش عارف قلتلوا بكرة مظاهرات واعتصامات ويافطات ومؤتمرات صحفية وراح نعمل راح انسوي ونطالب بعقد مؤتمر قمة وبسقط السادات قمة شو راح تعمل  حجز السادات للقدس؟ وليش ابو عمار ظل قاعد وما طلع؟ وليش وليش؟ وهادا اول طريق كسر الحواجز.. مع اليهود(اسرائيل) وانفراط عقد العرب اذا كان لهم عقد اصلا وبداية ذهابهم واحد واحد الى القدس مما يعني انهم طوبوا القدس لليهود قال يعني لو راح على تل ابيب احسن على الأقل بتلاقي طعن في قوانين إلى ارض محتلة غير معترف فيها عاصمة لإسرائيل(يسموه طعن شكلي) حسب رأي اهل القانون (يعني الموضوع بدو شوي فلسفة حكي) شوفي عندنا غير الحكي؟

في جلسة المسا كان الموضوع اكثر حرارة وبدأ التنفيذ السبت راح نعمل مظاهر احتجاج ضد الزيارة وهو هكذا كان عرب أفارقة فرنسين وفرنسيات سوريات ومغربيات كلهم جهزوا حالهم يوم السبت ويسقط السادات اكثر خاين فعلا كانت مظاهرة حاشدة لكنها كانت مظاهرة سلمية بدون مشاكل وكان صداها في الإعلام بسيطاً.

خلصنا المظاهرة وكل واحد نادى صديقه وعاد إلى المقهى وبدأ النقاش جادا كيف كانت؟ والله حلوة ولك يا عمي بسالك عن المظاهرة التي كانت ماشية فيها يا زلمة شو بدريني؟ والله طول المظاهرة كنت بفكر فيها كيف اربطها اليوم قلتلوا السبت الجاي قال ليش السبت الجاي في مظاهرة قلتلوا اكبر من اليوم وأكثر حرارة قال ليش قلتلو عشان كنا اليوم.

كان لنا اصدقاء امرأتين وكانوا يتضامنون مع فلسطين وشاركوا معنا في المظاهرة وهتفوا ضد السادات معنا على فكرة كل واحد هتف ضد إلى بدو اياه ...السادات راح فيها.. إلى ما صابتوا طرطشتُ عليه.

يوم الأحد كان من العادة يتاخروا الشباب في حضورهم إلى المساء فمن عادة سهرات الأحد حمراء وصباحي فيكون النوم إلى ما بعد العصر والحضور لشرب القهوة وتعديل الرأس بعد السهرة الجميلة والمرهقة؟ لا ارهاق ولا اشي شوف مين بحكي؟

كان لقاء المسا حاسماً ولا بد من تداول الأفكار تطرح في سوق التداول.

وكانت المفاجأة من رفاقنا الإيرانيين قالوا اذا اردتم عمل مدوي فلا بد من احتمال العنف! كيف؟ قالوا عندما ما تأتي الشرطة والشرطة هناك اوادم مابيحكوا مع حدا كانوا كذلك مثل "جماعتنا. بيضربوك بعدين بيسالوا ليش جايين هون ... اذا اجوا كونوا أو نكون مجهزين حجارة ونرمي سيارتهم ونكسر زجاجها ونعمل اشتباك معهم في هذ الحالة تنطلق صفارات السيارات وتأتي الاسعاف والاطفائية ويلحق بها التلفزيون ووكالات الأنباء والأخبار والمراسلين وهكذا يصبح الخبر عاجلاً على كل شاشات التلفزيون اشتباكات في باريس بين المتظاهرين في مسيرة الغضب على السادات والشرطة وفي المقابل ياتي للزيارة والعنصريين واليهود في مظاهرة مقابلة وكثرت معهم كذلك ويتولع وهكذا تكون مسيرة غضب ناجحة في اتمام اتفاقيتنا على ذلك يعني مجموعة صغيرة لأن البوليس الفرنسي السري متردد في هذه التجمعات وكثير ذوي الوجه السمراء يعملون لدى البوليس السري في بلاد الغرب يتجسسون على بعضهم بعضا.

سمعنا أن المسيرات والمظاهرات تعم العالم احتجاجا مع الشرطة في الشوارع وأن مؤتمراً في طريقة للانعقاد واجتماعات هنا وهناك وكما توقعت اصبح في شغل للعاطلين عن العمل كان سبتا كما خطط له حاشدا وصاخبا وغاضبا اشتباكات في كل الشوارع وتكسير واعلام وصحافة ومراسلين ومقابلات مظاهر كان دويها الإعلامي يضايقها بعشرات المرات من مظاهرة السبت السابق وفي المساء جاء البوليس إلى المقهى واقتادنا إلى مركز البوليس الذي أمر باعتقالنا تمهيداً للطرد والترحيل لحق بنا المهاجرين واخرجونا بالكفالة وبدأت المعركة نعم الترحيل الا انها لم تفتح فقد كان الكنية قدموا اللوائح السوداء تحصنا فيها لتامر لأعمال العنف والشغب والاعتداء مع الشرطة واثارة المشاعر غير بداية القاهرة كما هي بوابة رفح اليوم من زمان وهم يمسكونا من اليد الموجعة.

تم حجز التذاكر وكانت عن طريق مطار القاهرة الدولي والتوقف لمدة تزيد عن عشر ساعات نصل إلى القاهر مساء ونغادر في الصباح تراني تالمت لفراق باريس كنت انوي أن اطيل الإقامة فيها فقد احببتها واحببت الكرواسون في الصباح طبعا ما في نقاش ما بين القول وما بين الكرواسون لا مجال للنقاش كأنني كنت أعرف أو هناك احاسيس بأنني لن أعود اليها اخذت امشي في شوارعها اودعها التهم كل ما فيها اشتري ما استطعت للذكرى قمصان تيشرتات بعض البطاقات حقيبة جلدية معطف وغيرها ومع رأي المثل القائل إذا مركبتك غرقت الحقها برجلك وأنا مطرود ومغادر فلم لا اشغل كل دقيقة وكل سايق؟ في محفظتي المخزوقة اشتريت بعض الجنيهات المصرية من صديق مصري تعرفت عليه على طاولة المقهى وكان لديه بعض الجنيهات تقارب المئتين وقال مسافر اذا عايزها خذها وأعطيته ثمنها واخذتها وكانت أهم مبلغ وضعته في محفظتي حتى يومنا هذا.

من يومنا دخلت إلى عين العاصفة ولم اخرج منها حتى يومنا هذا من دوامة إلى دوامة ومن لو إلى نو اخر ومن طوز إلى طوز أكبر منه والله يعلم ما تبقى.

ركبنا الطائرة المتجهة إلى القاهرة كنا ستة واربعين راكبا وكنت الوحيد بنيهم من جنسية عربية أو لدي.. قلت لو وقعت الطيارة ما حدا راح يجيب سيرت واحد من الستة واربعين ولو كان معي واحدا اخر كنت على الأقل اكثر اطمئنانا واذا وصلنا راح ينظروا في ولا تتعرض لعاصفة جوية تعيق الرؤية غبار كثيف مما تحط بنا في مطار اخر اسكندرية أو خيرص اذا واربنا عدة مرات حول المطار وفوق القاهرة وفي المحاولة الأخيرة هبط بنا بعد ان طلعت ارواحنا نزلنا وحاولت أن أكون في الوسط لا أول واحد ينزل ولا أخر واحد رغم هيك ما زبطت كل الي قدامي في الصف اخذ الجواز ومشي بسرعة دون توقف وانا قدمت جواز سفري ووضعته جانباً وقال استنى اشوي وخرجت وفي دقائق قليلة  كان كل من معي على الطائرة قد غادر المطار إلى اسرهم في الفنادق وأنا اجلس على مقعد خشبي يسمونها دكة يغسلون الأموات عليها لا ظهر لها ولا ارجل طارت ساعة وتقدمت اليه لو سمحت بدي جوازي استنى اشوي وسال اخرى لو سمحت شو صار معنا (انتوا مين) انا مين ما ءلتلك استنى؟ في غيرك صارلوا اسبوع ما توجعلي رأسي أولو انته أيه.. سألت آخر الشنط جاية ؟ ما يجراش حاجة اطمئن؟ اخرجت خمسة جنيهات ووضعتها في يده وقلت الشنط قال هي فين اجيبها لك اعطيته بطاقة الماستر وفي داخلها خمس اخرى وما هي إلى دقائق والشنط أمامي وارتحت من المهمة لا تفرح من بعدها وعرفت أن الطريق سالك نحو الحل بالخمسات.

دخلنا في صباح اليوم التالي تغيرت الوردية في المطار وذهبت إليه صباح الخير يابيه وسلمت عليه وفي يدي عشرة جنيه، اهلا وسهلا يا فندم ازيك انته بتاع باريس قلي والله وأنا زمان صار لي وطيارتي اقتربتان من الوصول؟ إلى سواني.

واشوفلك الحكاية انتا وشك مش وش بهدلة باين عليك ابن ناس وعاد إلي بعد قليل والجواز في يده وهو يؤشر قلي الحقني يابيه استبشرت خيرا وفي اعتقادي انه ياخذني إلى صالة الترانزيت لمتابعة السفر وسالته كلوا تمام اجاب لا مش كده بس مش بايدي كنت اخدمك بعيوني قلت شو القصة ال على الحجزابا قلت انا حاضر ومعي تكت" التفت الي وقال الحجز هنا غير هناك ده الحجز بتاع المطار يعني سجن الترحيل بالمطار يا راجل شو بتؤل؟ قلي والله العظيم اءول الحق أنت رايح اوديك الحجز وفي ناس فلسطنيين ويمنين وسودانيين وجزائرين وعراقيين وإرانين وغيرهم بئالهم اسبوعين وأكثر مرميين هناك الله يكون في عونك وانت مش وش بهدلة اخرجت خمسة اخرى ووضعتها في جيبه واعتقد أنها عشرة كالأولى وقلت له وصي صحابك جوه على أنت بامان أنا هجيلك كل شوية اطمئن عليك روح يا شيخ ربنا يسترها معاك وأنا اخذ حقايبي وافكر كيف سيكون الحال مع هذه الورطة"؟ الله يخرب بيت السادات" والله ليخربوا بيتي إذا عندهم صور من المظاهرات ولا مسجلين فيديو ولا يمكن المصري اللي اعطاني الجنيهات بعتلهم تقرير عني يعني راح اروح فيها مؤيد وبدأت اضرب اسداس في اخماس قلت المشكلة ولا واحد يعرف أنا وين لا في مصر ولا في الاردن ولا فرنسا يعني يمكن ادود في السجن وما حدا يعرف عني.

في هذه اللحظات اعيد الشريط بسرعة اتذكر كل شيء ويبدا الوم النفس اذا كان هذا انتقام من رب العالمين على العمايل اللي كنت اسويها في باريس بستاهل يعني لسه انا مو عامل أي عمل طيب ربنا ينتقم من السادات فهو يعمل قد اللي انا عملته 500 مليون مرة وهو لا سجن ولا ترحيل ولا غيره طيب كان لازم يتخبى عن مصر؟ أي و طريق غيرها وأنا جيت يا زلمة يا زلمة حل عني طز منك شو بدو يصير والله لشل أمله وبعدين معك وصلنا الباب وسع وسع هيك وسع يا زلمة وافسح المجال قليلا وعينك ما تشوف الا النور اكداس من البشر تتكدس على الباب لأن الفتحة الوحيدة كلها كانت بالباب فقط؟ اتفضل يابيه وصى علي ودير بالك على البيه ده البيه مش وش بهدلة ملوش علاقة بالحوش دول أوعى حد يكلمه أوعى يجي نحيته أوعى أوعى جارني بكرسي خشبي وقال اتفضل يابيه حيث المأمور والكل ينتظر البيه، مين البيه اللي جاي وكل هل الاحترام؟ مش عارفين البيه حقوا " تمنية وعشرين جنيه لسه" .

ممر الترحيل عبارة عن شريط طوله اكثر من اربعين مترا وفيه ثلاثة امتار يقع يقع في جانب القاهرة لا فتحة هواء ولا متنفس ولا حمام ولا ماء ولا وسائد ولا ارضية ولا كرسي كل واحد يجلس أو ينام على حقيبته وحسب الاقدمية والأهمية أضاءة خافتة لا تستطيع أن ترى أخر الممر اقصى رؤية متاحة حتى الوسط لا نعدام الرؤية والوقوف وما ان جلست حتى بدأت الأسئلة من وين جاي ومين أنت وشوبتسوي وشو جابك  ومن اتيحت له الفرصة ليحكي لي قصته بدا قلي عشرين يوم في ناس الهم اربعين يوم في ناس الهم اسبوع معك مصاري بتوكل ما معك مصاري بتموت من الجوع مافي ولا محامية ولا أي شيء أنت هون مقطوع من الله وجاي. اخر قال ارتاح خذ رقمك الحاقية طويلة صارلي اربعين يوم وأنا من السودان قلت له ساسمع قصتك بعدين اتركوني الان ارتب اموري مع المامور وبعدين منشوف اسمك ايه انا سيد يبيه وحضرتك قلت له احمد عاشت الأسامي من فين حضرتك وطنشت ولم أجيب عن السؤال عملت حالي مش سامع اذا راح بتقلب الدنيا رأسي وانا مش ناقص ولم يلح على السؤال ادرت راسي الله سيد قال نعم الله ينعم عليك يا شيخ أنا قلت عاوز شاي وساندويش جبنة وخيار تؤمر يابيه عينية ولا نقدية عشرة جنيه يابيه خليها علينا خير ريتها كثير قلت لسه عايز خدمة تانية قال اتفضل قلت لو تسأل كمان الشباب هنا يشربوا ايه معانا كان الشاي كمان شاي بخمس قروش والساندويش كذلك وعمل حفلة شاي مع ساندويشات للمجموعة المحيطة بنا اكثر من عشرة الله يكرمك يابيه يا بيه ابن اصول ده لسه ما وصلتني وعمال تشرب الناس شاي ويتسمموا اكل أنا رأيي سيبك منهم " همست في اذنه.. من حكيهم وقصصهم عشان هيك سكتهم بالشاي والساندويش...أنا فهمت طبعا الروائح في الممر لاتطاق لكن بعد قليل تصل حاسة الشم إلى الاشباع فلا يعود هناك مشكلة كلو زي بعضوا كأن النوم بتناوب اخر عشرين متر في الممر كانت للنوم  تنام مجموعة  اربعة ساعات وبعدين مجموعة غيرها وهكذا وكلما جاءت دفعة معتقلين ومرحليين جدد دحشوهم إلى الداخل سالت سيد انته ايمتا بتخلص  شغل إل ستة الصبح بس ما يهمش ده زميلي كمان زي حلاتي راجل طيب واذا كنت عايز افضل معاك قلت مش كده قال أمال إزاي قلت انا عايز اشوف انا هنا ليه اذا امكن تكلملي حد من المسؤولين وانا بكرمك اوي اوي؟ وسيدنا الحسين ده إنتا ابن ناس ومش وش بهدلة أنا احشوفك ؟ سيد قالو عاصم وكلمهولك وربنا يئدم اللي في الخير؟ أنت شوفو وانا هزبطك.

جاء الشاي وهمس في اذني البيك جاي يشوفك بعد الدوام انا كلمتوا عنك والي هيشوفك عشان كده أنا هفضل معاك اليوم كانت الساعة قاربت الرابعة فجراً ولم نكن نهتم كثيرا بمواعيد الصلاة لكننا كنا نسأل الله في كل ساعة أن يفرج كربنا. هدأت المحركات وراح البعض وهم جلوس في النوم ولا أدري إذا كنت معهم قد غلبني النعاس أم كان حلما فتح الباب ثم دفع مجموعة من الشباب إلى الداخل وهل هناك مكان في الداخل وحصلت جلبة واصوات ومما سمعته شاب يقول وين جابوا يمكن على المطار يا جماعة وين احنا سال احدهم اينتوا في المطار ؟؟وين راح يسفرونا راحت جامعاتنا انا في السنة الأخيرة والله حرام خربوا بيتي واخر يقول كنت في المستشفى لما اعتقلوني مناوب واخر عرفت أنه من جامعة الاسكندرية واستاذن من سيد ممكن اروح نحوه اشوي بس خلي مكان فاضي يابيه عايز ايه من الناس دي انت مش وش بهدلة قلت لابس عايز اسال إذا كان اخوي معاهم ولا لا فهو يدرس في الاسكندرية ولا اعرف عنه شيئا ممكن حد بيعرف قال بس ما تقولش صار المقاومة مع البية يا ريت يمكن يجوا يندهولك .

تعرفت من الشباب وسلمت عليهم وتعرفت عليهم وعرفت منهم أن اخي معتقل كذلك ولم يرحل بعد قال احد الشاب كان معنا في النيابة العامة وهم لحد الآن صاروا مرحلين اكثر من500 طالب من مختلف الجامعات المصرية إلى أين قالوا الأغلب إلى العراق والباقي الى بلدانهم أو سوريا وانتم قالوا إذا خيرنا سنذهب إلى العراق فقد علمنا انهم فتحوا ابواب جامعاتهم وينسب للسنة الدراسية والمستوى للطلاب المبعدين من مصر.

فرحني ذلك الخبر ورفع من معنوياتي فما زالت الدنيا خير عدت إلى مكاني ووعدت الشباب اذا طالت الجلسة ان انضم اليهم فهم في نفس المستوى العمري والثقافي وبيننا لغة مشتركة.

سعيت نحو اللواء قاسم اخذني عليه مخبر جارنا وانني من الممر طلب مني أن امشي إلى جانبه مشيت مسافة داخل المطار وصلت إلى ساحة وفي اعتقادي انني ذاهب الى لواء يجلس في مكتب وهيبة السلطة على كتفيه وقف المخبر وقفت وقال اهوه انت احمد قلت نعم سألني شخص يجلس إلى الطاولة ويضع رجيله على دكة خشبية أمام الطاولة.

وسالني ما دام مش عايز مصر جاي ليه ! وتجاهلت السؤال الأول فهذا ليس المدخل المناسب للحوار ياخ عايزين يدركوا روحوا حرورها وخلصونا بكفي ارفتونا فعيشتنا عايزين نعيش ايمتا نخلص من الارف ده؟

قلت وكأنني لم أسمع شيئا صباح الخير حضرتك سيادة اللوا قاسم قال نعم تفضل وكأنه للوهلة الأولى قلت كنت فأكر سيادتك أكبر من كده قال إزاي؟ يعني قلت ما شاء الله لوا في العمر ده؟ حضرتك شباب –شباب اكثر مني والله شايف كده؟ قلت: وأكثر من كده بدأت تنفك عقدته واختلفت نبرة صوته وقال: حضرتك جاي منين قلت: من باريس قال: والله هتفت والله مش مصدق الجوازات أكبر من حضرتك أجاب لا يا راجل حلوة باريس أيوه حلوة أوي قال سمعت في عطور جامدة هناك قلت جامدة أوي وحتشوفها بعينك دلوقت بس تجيب الشنطة قال : أنت عايز تروح فين؟ قلت: أنا ترانزيت إلى عمان قال معاذ والطيارة أنت ممكن تبقى بالطيارة الليل قال: شو الفندق؟ قلت يعني إذا بفندق المطار وخلي سيد معاية قال: يا راجل أروح الفندق.

 طار البالطوا وزجاجة عطر فرنسية يا سيد خد الجواز والتذاكر وروح الملكية شوف فيه حجز على طيارة الليل ويقال طار سيد وهو يعمم بالتنمية مسبقا في حجز منذ سال من قبل عند الشاي الأول عاد إلينا وهو يؤكد لهم تم يا بيه وعملت حجز وهاي ال ok .

اسمع أقولك حاجة حكاية صعبه اشوي أنا في الـ  لغاية بكرة الصبح كما اشوي ويروح صالة انترانزيت وتبقى هناك.

التفت الي شاب اسمر لحيته طويلة ولهجته خليجية وقال كنت في الحسين قلت له نعم قال كنت رايح اتعشا جوز حمام وتعشيت وشربت عصير- وشيشة ومعسل وشاي وخرجت إلى الساحة وإذا مجموعة من المصريين تهتف بعد العشاء ضد السادات  وجاء الأمن المركزي وكذلك الضرب في الناس وفرقوهم وهرب من ضرب وأنا ببساطة واقف والأمر لا يعنيني اتفرج على المشهد الدرامي وجاؤرا وامسكوا بي وقلت أنا عربي شو يعني؟ أن شاء الله مصري تعال معانا  يا جماعة أنا كنت بتعشى والله تعيشت حمام طيب تعال معانا واحنا انعشيك بط انا محبش البط انت لي ورموني في البكس ومن قسم إلى قسم إلى النيابة الى أن تم ترحيلي إلى هذا القبر والى مع اليوم عشرين يوم والله لا املك حق شاي ولا قادر أكلم حد ولا السفارة كلما طلع واحد اقول له يا جماعة التذاكر في الشقة وملابس وكل حاجة فقط احضروا الي الجواز والباقي قالوا – حاجة ومش عارف شو اعمل.

سوداني ازيك يا زولا زاي الحال والله يا زول والله يزول ونا عمري ما حييت السادات انا بعد عبدالناصر ما مشي تساءمت من سيرة وكل ما تشوف السادات بتشاءم يا راجل أنا كنت ماشي اروح العصر اعالج عيوني جابوني هنا و عيوني الله يوربني فيك يوم يا ظالم اضعتني ويظل وحده يخاطبني وكانني المسؤول عن المطار يا اخي انا من حقي امشي لبلدي مثل ما هو حق يمشي يروح اسرائيل أنا اسرائيل أنا من حقي اروح اليمن انا يا راجل كفرت ولا تخريب خصني لك اخو..راح ..يا سرائيل وانا جابوني هون والله اختوا بس روح على لبنان من غزة انا نخرب بيتي اقامتي راحت انتهت كنت مسافر وهلالا بقدر ارجع على غزة ولا على السعودية شو اعمل يمكن انتو تحكوا بنحل مشكلتوا وانا ربنا مين يحلها يا زلمة توكل على الله يا راجل حل على هو حدا خرب بيتنا غير الله وعمل فينا غير هيك استغر الله العظيم.

عراقي..يا معود فظها عاد هل قواد ا خال...راح لسرائيل وحنا نبتلي ..اخ الـ...ايش سووا بحلنا خرا-والله لو قدامي هسه ارميه مليون طلقة لعنة الف لعنة على ميتين اهله كلهم.

عجوز يجلس في العتمة صامتا تجاوز السبعين من عمره ينظر إلى الجميع بعينه ويحرك شفتيه دون أن يسمعه وأنا بين هذا وذاك مر اضحك ومرة ابكي في داخلي ومرة العن الحظ العاثر ومرة ابتسم ولكن الاهم ما زلت شعرت أن الجميع قد استنفذ كل ما لديه من قوة قال وفاض بهم ومحتاجون إلى تفريغ الشحنات المليئة بالغضب على ما هم فيه سيد سيد:كان في غفوة خلال هذه الجولة من الحديث وناديت سيد: نعم يابيه عاوز حاجة قلت نعم عاوز شاي عشرة اخرى يا بيه لسه باقي من الأول قلت لا هداك خلص خليهم للعيال علمت فيها بعد أن راتب سيد كان 1.75مائة جنيه وخمسة وسبعون قرش أي أنني لاحد الآن راتبي السنة كاملة قلت له وبطريقك شو اذا الكثير موجودة هزت رأسه بالاجاب واقفل الباب القبر خلفه ومضى . قلت سارفع من معنويات الآن جاء د وري  لحثهم وبدأت اسرد لهم ماذا حدث ومسيرات الغضب وما يدور خارج الزنزلة ذات الرائحة الكريهة وماذا يحدث في بلدانهم من مسيرات واستنكار وان العرب كلهم اجمعوا على عزل مصر وسادات ومقاطعاتا وسحب الجامعة لديه من مصر إلى بوش ورفض هذا الزيارة العينة وقطع العلاقات مع مصر لذلك هذه ردت فعل مصر على ما جاء رغم أن الشارع المصري باغلبيته رافض لهذه الزيارة ولأي صلة مع اسرائيل وان ما نراه هو من كتاب الماجور وبعد الحاضرين على الامة .

قلت الي بتشوفه يا بيه

نظر إلى سيد وقال خلاص روح مع البيه الحجز وعدنا إلى الحجز وعادت الروائح من جديد ووجدت الشباب ما زالوا دون نوم فلا مكان لديهم للنوم واخبرتهم انني مغادر اليوم فرحوا وكل واحد اعطاني رقم تلفون اهله لأخبرهم وأطمئنهم عليهم قررت ان اخرج ما في محفظتي واعطيته لهم مخافه أن يغدر بي اللوا قاسم وقلت اتركها للحظة الأخيرة مثل الخروج وساترك ستة اخرى إلى سيد فهو يستحق ذلك.

وشربنا شاي اخر مع سندويشات جبنة ولا انكر أنه كان من الذ ما تناولت في حياتي فلا يعرف قيمة الشيء الا عند فقدنه ولا يعرف طعم الحرية الا من ذاق ذل الاسر من الظهر جاء مخبر ينادني  وأن أخرج مع الشنط هات شنطك وتعال ودعت الشباب  وأعطيتهم بعض ما تبقى لدي وفي الطريق كما وعدت سيد تركت  قليلاً  لدي من اجل بعض المصاريف من في الترنزيت.

شلحت ال معطف ووضعته في اكياس السوق مع زجاجة عطر فرنسي وجاء مخبراً اخر ينادني وسألني الامانة فين وحملته الأمانة التي لم استطع حملها ومضى وهكذا كانت ليلة زنزنة مطار القاهرة الدولي .



صدمتني امي

قالت امي وامي لا تكذب وكانت رحمها الله تروي الأحداث بطريقة شيقة ودقيقة وموثقة من حيث المواقع والاسماء والتواريخ. وما اكثر الاحداث وما أكثر القصص المرتبطة بالوطن أرض الاباء والاجداد.. أمي رحمها الله من بلده تقع على شاطئ البحر المتوسط بلده متوسطة من حيث عدد السكان والمساحة وقد اتخذ منها العدو اكبر ميناء على البحر المتوسط انها أسدود التي اشتهرت ببياراتها وكرومها وارضيها الخصبة وتنوع سكانها ما بين ملاكين وفلاحين  وبعض من العائلات وأعمال الذين جاؤوا من مصر وسكنوا البلدة واصبحوا من اهلها تقول في منتصف الاربعينيات انتعش الحال واصبح الناس اكثر بحبوحة وثم تجديد الكثير من البيوت والاثاث وتزين النساء بالذهب وغلت المهور وتغير الحال: واصبحت محط انظار المستوطنين الجدد الذين استوطنوا في المجدل التي سموها عصقلان وهي لا تبعد كثيراً عن اسدود وفي المجاورة ايضاً ....تقول بدأ قطعان الذاهبين للبيارات والكروم والحواكير وقد زاد خطرهم مع اشتداد الاعتداءات في يافا واللد والرملة والمناطق الوسطى حيث كانت تصل أخبار  القرى المجاورة ويصل بعض المهاجرين واعداد العده لذلك من الشباب والسلاح. قالت من لديه المال اشترى بارودة  ومن لا يملك باعت النساء الذهب واشتروا بثمنها بواريد وذخيره وكان ذلك بالتنسيق مع المجاهدين بقيادة المجاهد عبدالقادر الحسيني.. وقد بدأت المناوشات الليلية ما بين المدافعين عن القرية وبين المهاجمين من المستوطنين الذين كانوا أكثر تسليحا وتدريباً. ثم توزيع المناوبات والمهام والاستعداد مع الاستمرار في ممارسة حياتهم اليومية والاهتمام بمزارعهم وقطف الثمار والحصيد والبناء.

استمر الجميع في مراقبة المواقف واستمر وصول المهاجرين من القرى المجاورة الذين اكرمهم اهل البلد واحسنوا  ضيافتهم والترحيب بهم.واستمر الحال ما بين مناوشة وترقب وخوف وتشاور. قالت كان البعض يفكر في ترحيل العائلات إلى المجدل النساء والأطفال لكن الجميع رفضوا واصروا على الصمود وعدم الرحيل رغم ان الاشتباكات التي أصبحت ليلية.. تقول في الـ 47 سمعنا أن العرب اجتمعوا وشكلوا قوة من 7 جيوش عربية لأنقاذ فلسطين وطرد اليهود وكانت منطقة الساحل من حصة الجيش المصري من غزة حتى الفلوجة مروراً بالمجدل واسدود وكل هذه القرى والبلدات.. تقول استبشرنا خيرا وأن العرب آتون خلص؟ شو اليهود مع 7 جيوش عربية؟ تقول اول ما وصل الجيش المصري جمعوا كبار البلد والمخاتير وقالوا لهم نحن الآن مسؤولين وما بدنا فوضى.. كل السلاح في البلد بتجمعوه وبتسلموه لقوة واي حد بيخالف رح يتعرض للعقوبة ..قالت الكل رفض وقالوا نحن أهل البلد ولن نسلم بواريدنا لحد والمفروض تكونوا سند النا مش تحاربونا..قالت رحمها الله بدا المصريون يمارسوا شتى انواع الحصار والتضييق على الناس وأي واحد يتم الابلاغ عنه بان عندو سلاح ياخذو ويضربوه ويبهدلوه وغير الخاوات والرشاوي..قالت اصبحنا نعاني من المستوطنين اليهود من الجيش المصري واصبح المقاومون بين نارين.. بدا المصريون بتشجيع الناس على الرحيل ومنعهم من الوصول إلى مزارعهم واراضيهم بحجة المناطق العسكرية.. الموقف يتطور والهجمات تزداد واخذت تصبح معارك ليلية... وقد استشهد بعض الشباب في معركة اسدود المعروفة وأصبح الموقف اكثر خطورة.. قالت اشتد الحصار وبدأ اليهود يدخلون إلى داخل البلدة ويعتدون على من فيها ليلا وفي  النهار يقول الجيش المصري انتو بس اتركونا ونحنا عارفين شغلنا.. قالت رحلت بعض العائلات إلى المجدل وتركت خلفها كل شيء فلم يسمح لاحد أن بحمل شغلنا..قالت رحلت بعض العائلات إلى المجدل وتركت خلفها كل شيء فلم يسمح لأحد يحمل إلا ملابسة وحاجاته الخاصة وكان البعض يصفون من يخرج بالخون والجبناء ويمنعونهم من اخذ حاجياتهم وغالبا ما يكونوا من الأقارب أو الأهل تقول الاغلبية بقوا في بيوتهم وأرضيهم ورفضوا الرحيل وهناك من لا يملك القدرة على الرحيل فلا مال لديه ولا متاع..تقول في صيف 48 اشتدت الهجمات وبدأت القرى ترحل الواحدة تلو الأخرى وبدأ اليهود يقصفون بالطائرات واخبار الخوف والترويع يتناقلها الناس.. تقول اكمل الناس بصعوبة لم موسمهم ومنهم من لم يستطيع.

إلى أن جاءت ساعة الحسم حيث هاجم اليهود البلدة وقصفوها بالمورتر ودخل الهاجاناه البلدة بعد معركة استمرت لساعات طويلة سقط فيها شهداء واستبسل أهل البلدة ومواقع الجيش المصري في الدفاع لكن دفاعاتهم سقطت وترك الجنود مواقعهم ودخلوا إلى داخل البلدة يامرون الناس بالخروج ويبحثون عن ملابس مدنية يلبسونها ملابسهم العسكرية.

قالت بقينا آخر الناس دخل اليهود جمعوا من بقي من الرجال في الجامع وبدا اطلاق النار لترويع النساء والصغار للهرب..قالت خرجنا ليلاً في مجموعات صغيرة من طريق الساحل باتجاه المجدل والطائرات تقصف الناس الذين يختبئون بين الكثبان الرملية وتحت الاشجار.

قالت كانت ليلة  سوداء بكل معانيها وقد فقدنا اثر بعضنا بعضاً نتيجة الخوف والهلع والصغار وتابعنا المسير في ظل هذه الحال التي لا يعملها إلا الله الى أن وصلنا المجدل قالت أوصانا والدي أن نذهب إلى عند صديق له في المجدل كان عنده مخزن لبيع الاقمشة قالت ذهبنا إلى هناك ايام قليلة ولا ندري عن بعضنا بعضاً ولا عن الرجال الذين تم اسرهم البعض يقول ثم اطلاق النار عليهم واخرون يقولون اخذوهم إلى سجن المسكوبية.

قالت رحمها الله التقينا أنا واخواتي ومن الطرائف أن خالتي حملت صره للخبز وتركت الذهب الذي تركو عندها.

قالت لم نمكث في المجل كثيرا ايام قد تصل إلى اسبوع ورحلت وقد واصل اليهود الهجمات وانسحب الجيش المصري إلى غزة وكانوا يطردون الناس امامهم باتجاه غزه يبدو أن الاتفاق كان الى غزه لطرد الناس الى هناك فلم يهاجم اليهود غزة وبدات الوكالة في تصب الخيم واسكان الناس في مجموعات حسب بلداتهم وغالبا ما تم تجميع المهاجرين في المنطقة الوسطى من القطاع قالت اعطوا خيمة أو زعموط لكل اسرة مع بطانيات وبعض المفارش ومن لديه مال بحث عما يستربه نفسه واسرته..

قالت كان الجميع يعتقد أنها ايام وسنعود لكنه كان شتاءا قاسيا جادت به السماء علينا بكل ما استطاعت وكم مرة خلعت الريح اعمده الخيام وما الشكوى إلا لله..

هذا ليس تاريخا أنه ما قالت أمي وأمي لا تكذب..



لا خوف بعد اليوم

حدثني ذات يوم عندما لم يبلغ بعد الثانية من سنين عمره قال الراوي أتريد أن أقص عليك قصة أو أحكيلك حكاية قلت اسمعك ماذا تريد قصة حكاية خرافية نكتة يلا سلينا قال منذ أيام أسابيع أشهر لا أدري فكما تعلم أنني صغير وذاكرتي لم تحفظ بعد أحداث كبيرة ولا صغيرة ولكني يومها كنا واختي سلمى الأصغر مني بعام وقد أوصاني والدي بها خيرا نظرا لغيابهما عن الدار في زيارة إلى بيت جدي من والدتي. اذكر يومها أن الهواء كان رطبا فقد كان يوما صيفيا من أيام الصيف في مدينة بحرية على شاطئ المتوسط الله ما أجمل شواطئ المتوسط العربي من بيروت إلى اللاذقية إلى حيفا وغزة مروراً بدير البلح ذات الشاطئ الذهبي وصولا إلى شواطئ خان يونس ورفح حتى الاسكندرية! كنت أمشي في البحر وياخذني الموج ويردني بلطف احيانا وبنشوة أكثر أحيانا أخرى اقفز فوق الماء وأذكر أنه لم يكون أيام زمان مايوهات للبحر فقد كان شاطئا للعراة انظروا إلى عمق الثقافة العربية واصالتها ويقولون أننا لم نصل إلى مستوى الثقافة الأوروبية أو غيرها في التحرر من الملابس بلاش من الملابس في التحرر من الكذب والنفاق في التحرر من عبودية انفسنا في التحرر من الزيف الذي يكشف عوراتنا مع اعتقادنا اننا نعطي اكثر مما نكشف .

أية كان البحر وكان شجر النخيل وكانت ثماره الحبة كأنها موزة صومالي من يعرف نخيل دير البلح وطعم ثماره لا يعرف باشجار الجميز التاريخية من لا يعرف بالكروم وبساتين التفاح وبيارات البرتقال وعنب الشواطئ المقلي بالرمل الساخن والشمس؟

كنا في حوش الدار نلعب مع صيصان وديك وأرانب وكره شرايط أكمل؟ كل هذا وأنت لم تبلغ السنتين بعد يا الله شو واسع! بلاش احكي عنك كذاب ماشي أكمل اتوق شوقا لآخر ها لقصة أو الحكاية أو الخرافة.

من أين تعرف كل هذه أسماء الأماكن وأنت من مواليد الأعظمية على شواطئ دجلة صحيح أن الأجواء متشابهة ولكن هنا يجري نهر دجلة من لا يعرف نخيل العراق الباسق وضفاف دجلة في منطقة السفينة والإمام الأعظم رأس والحواش كلها تتشابه وطعم البرحي كما تتشابه الأجواء والأفكار رغم البعد بينها فلا أرواح جنود ما تعارف منها ائتلف وهكذا احب الأعظمية أحب بلح العراق أو تمر العراق أحب رطب ضفاف دجلة كما أحب شواطئ دير البلح ورمالها الذهبية ما أجمل ذلك الخص الذي كان نعمله من جريد البلح لنستظل به على الشاطئ وأكوام الرمل التي نحفزها لنخرج من بينها ماء عذباً بارداً نشرب منه! ما أحلى كراسي القش على شواطئ دجلة وعواماتها ودخلات الماء التي كانت تنفع في أيام الصبا لمعانقة صبية ورشف شفافها كما تترشف شاي العصر الطيب مع حبات من( كليجة هكذا يسمون الكعك في العراق.)!

يومها كنا في حوش الدار كما قال نلعب وسلمى مع الصيصان والديك والأرانب يقول إن الحوش كان واسعا مزروعا بأشجار كبيرة وشتلات صغيرة كان فسيحا بأسلاك شائكة وباب خشبي يطل على شارع طبعا باب لازم على شارع ولكنه كان طريق  فرعي وليس شارع بمفهوم الشارع لا شارع عربي ولا مصري شارع هادي لا سيارات فيه وأكثر ما يجري فيه عربات تجرها الحمير أو بعض النساء العائدات من الكروم محملات على الجانبين عنباً وتيناً وصبراً وجميزاً في سلال قش حتى لا يتهتك فهو لا يحتمل كثيرا، قال ما يحب الجهز بلامات تحبوا من قلة ما يصلحلك كنا نلعب ونركض خلف الصيصان نطارد ونعيد لملمتها قبل أن نرجعها إلى الخم وهكذا  كان العصر وصارت سلمى تحن إلى أمها فأخذت بالبكاء وبدأت أهدهدها لعلها تسكت خلص هلا بيجوا لا تبكي لا تبكي خلص خلص إذا ظليتي تبكي بضربك خلص بكفي لكنها تختنق بالبكاء بلا صوت تدفن وجهها في الرمال وتخنق صوتها حتى لا يسمع وحسيت أنها سكتت ولكنها تبكي بلا صوت هكذا القهر بلا صوت ماذا  يسمونه بالعربية؟ لا أدري من كثر القهر لم نعد نعرف حتى أن نبكي لا بصوت ولا بدون صوت ومالت الشمس نحو عشها لتختبئ خلف البحر رويدا رويدا رويدا. كل يوم كنت أرى غروب الشمس وأمسك بخيوطها حتى لا تتركنا  وتضيع مني نهائيا لذلك كنا نمسك بها لتعود في الصباح مشرقة لامعة مع اختبائها كنا كذلك نختبئ في احضان امهاتنا في عشتنا لم يكن لا TV ولا انترنت ولا بليستيشن ولا طاولة كان عنقود من العنب نخبئه لنقطفه في ليلنا الطويل كنت كلما اصحو التهم حباب من العنب واعود للنوم مسرعا شيئان احببتها في طفولتي ثدي أمي وحبات العنب كنت أمص حبات العنب مع رضاع حليب أمي. مالت الشمس نحو الغروب وبدأ الظلام يحل شيئاً فشيئاً كان عتما مخيفا؟ من قال مخيفا لم تكن الظلمة حالكة كظلمة هذه الأيام لم يكن كهرباء ولا أعمدة ولا أسلاك ولكنا نسير في الظلام ولا نخاف ونكتشف الأشياء ونركض إلى الدجاج ونجلب منه البيض في وقت متأخر بعد الغروب ولم نكن نعرف الخوف إلا متأخرا لم تعد الأم بعد هكذا قال لي رأى أنه في ما يراه النائم أن رجلين يركبان فرسين ابيضين عليها كل المهابة والقدر يطوفان بالبيت وبرفق يناديانه لا تخف قال من أنتما؟ قالا البدوي والخضر مكلفان بحراسة البيت فلا تخف.

وأفاق ليجد نفسه في حضن أمه تهدهده : حبيبي طولت عليكم فقد كان جدك رحمه الله مريضاً جدا وفاضت روحه إلى السماء وجئت لأخذكما معي لا تخف. لا تخف ولم يعد للخوف مكان بعد يوم كان فيه أم تهدهد ولدها بكل هذا الحب والحنان لا تخف حبيبي وجدي فارق الدنيا  بعد شيخوخة صالحة وفرسان الله يحرسون البيت لا خوف بعد اليوم لا خوف بعد اليوم وكبر ولم يعرف الخوف إلى يومنا هذا أو يومه.



احلى من الحب

الخريف كثيرون لا يعرف الخريف الا عند خريف العمر.عندها يبدأ يستمتع بالخريف، بأوراق الشجر المتساقطة صفراء وحمراء وزرقاء لتزين الأرض استعدادا لقدوم المطر. وأجمل من الأرض العطشى المزينة بالألوان ،لا امرأة عطشى لكل الألوان.

في يوم من الأيام ذات صباح باردة وهواء رطب، دخل إلى مكتبه الذي لا يشغله أحد غيره قبل أن يسرح سكرتيرته الوحيدة ليبقى وحيدا ليقوم بأعماله وينظمها بحده طبعه وصلابة رأيه وعناده مع إرادة قوية في البقاء رغم كل العثرات والهفوات والسقطات والمصاعب، رغم كل الهموم المتتالية التي افقدت الحياة طعمها وجعلت لونها قاتما كيوم شتائي عاصف.

هكذا معالم حياته قبل هذا اليوم تفحص أوراقه وأين سيبدأ بالقهوة أم بالفاكس وفضل الفاكس فقد كان ينتظر ردا على عرض قد أرسله لأحد العملاء يلفت انتباهه رسالة مكتوبة باليد مرسله من صديق  عزيزي مع الاحترام السيدة أحلام في دياركم في فندق الأمراء، لو تكرمت إذا احتاجت للمساعدة فلا تبخل عليها مع تقديري. لا بأس فالوقت مبكر على الاتصال وبد يتفحص ما تبقى من أوراق واجراء ما يلزم من مكالمات وما يتطلبه العمل من متابعة، وغاص في حل مشاكلة وأعماله وانقضى الوقت بسرعة وجاء موعد الرجوع إلى المنزل بعد الظهر، ياه لقد نسيت أن اتصل للاطمئنان والاستفسار عن السيدة أحلام! والله عيب. الو، نعم السيدة أحلام نازلة عندكم لحظة من فضلك الدكتورة ليست في غرفتها، لو سمحت نادي عليها فقد تكون في اللوبي أو المطعم. وهكذا مع الانتظار سرح فهو لا يعرف من هذه الدكتورة أحلام ولا شكلها ولا عمرها ولا طبيعة عملها، هل في الطب أم في مجال أخر، وتخليها حسب  معرفته لمرسل الرسالة طويلة ضخمة سمراء البشرة سمينة، أو هكذا توقع ، ذات صوت خشن أو أجش ولم لا يتوقع مثل هذه المواصفات فهذا هو حظه في الحياة كبطيخة بيضاء مالحة بالوان كالحة ؟ صدق يقابله كذب وتضحية يقابلها نكران وذوق  عال يقابله إدمان على التخلف ، راح بعيدا وطال انتظاره أو قبل أن يفصل الخط جاء صوت من بعيد" الو" ! أفاق من غفوته على صوت نسائي يا الله ما أعذب هذا الصوت وما انقاه! يا الله ، لم اسمع بمثل هذه أل " ألو" من قبل الو مرة أخرى ليصحو قبل أن يجيب: نعم، قال دون أي مقدمات أو تعارف أو سؤال: أنا فلان بدون غداء، انتظريني لنذهب سويا إلى الغداء، سأكون  عندك خلال عشر دقائق، بانتظارك.. وأقفلت الخط تعثرت الألوان وتبدلت ملامح الصورة التي كان قد رسمها، من مثل هذا الصوت العذب لن يكون إلا لصاحبه قوام رفيع، أسم على اسم على مسمى، صوت وشكل وذوق وهذا التلاقي بالروح هذه الجرأة في الدعوى عدم استعمال كلمات النفاق والمجاملة إلى الهدف دون التوقف لمحطات لا تفكير ولا انتظار لا لا ولا حتى سؤال واضح ولم ولماذا أو كيف .

طار إليها وكأنه ذاهب إلى موعد حبيبة طال انتظارها لم يكن جائعاً للنساء، ومعروف عنه أنه جاف معهن وجديته أكثر من اللازم مع الذي جرى له، لم يتأنق ولم يتعطر ولم يضيف أي شيء على ما هو عليه غريب؛ ما  الذي سيكون بانتظاره وكأنه واثقٌ من دقات قلبه تزداد، خطوات تتسارع، أوقف سيارته وتركها بالباب فهو الفندق الكبير لم يسأل عنها. ذهب إليها مباشرة كما هي، كما رسمها في مخيلته لما رأته داخلاً  وقفت ابتسما وتسارعت الخطى تقدم إليها بأسرع مما كان.

يا الله ما الذي يجري ما هذا اللقاء العاصف! من أين كل هذه العواطف؟ فلا معرفة مسبقة  ولا حديث ولا رسائل ولا تفكير، يجري إليها وتجري إليه وكأنهما عاشقان حبيبان متعطشان للقاء. دخلت في حضنه، ضمها وضمته للحظات طالت قبل أن ينتبها أنهما في بهو الفندق وأن العادات الشرقية لا تسمح كثيراً بذلك، وملامحها تبدو عليها الرزانة وتصافحا بسلامة ورحب بها بحرارة وتلاقت العيون لتسأل من أنت؟ من أنتِ؟ أين كنت من قبل؟ يا الله، وساد الصمت وانطلق، هيا لنذهب،وانطلقا كأنهما يعرفان بعضهما منذ أن ولدا، طار بها لم يستأذنها ولم يسألها ولم تسأله لم تعترض ولم يدر في خلدها أنها ستعرض.

 أنا جائعة انتظر لنتغدى معاً من قال لك أنني أت؟ احساسي أن شيئاً ما قادم !! أكثر من دعوة تلقيتها اليوم ورفضتها، لم أكن على موعد مع  احد لكني انتظر شيئا ًما أكاد اجن، ما الذي يجري؟ من أنت؟ أعرفك ولا أعرفك أهيم بك احضني فأنا بحاجة إليك .

طويلة لا قصيرة متوسطة الطول، سمراء لا حنطية البشرة حسن الوجه، عيون المها شعر كستنائي اذا دخلت عليه الشمس ترى به كل الألوان، ريح المسك، ما هذا العطر؟ ما هذا العطر؟ ما هذه المرأة ما الذي جاء بها ومن الذي جاء معها؟، منذ سنوات لم يذهب إلى المطعم؟ ومنذ سنوات لم يذهب بصحبة امرأة، كل أصدقائه معروفون ومعروف هو بالأماكن التي يرتادونها بلا اسم فهو كثيراً ما يرتاد المطاعم في أيام الصيف والشتاء، أما هذا المطعم فمنذ زمن لم يصل إليه كيف اهتدى اليه. كيف فكر فيه رغم أن كثيرا من المطاعم الجميلة مرت في طريقه! رغم أنها قالت له جائعة، ما أجمل المكان بهذه الصحبة! ومن قال أن الأماكن لا تزدان إلا بجالسيها، هي لا تتغير ولكنها تزدان وتحلو بمن فيها والأكل كما هو لكن الطعم مختلفٌ مين الشيف اليوم؟ والله نفس الشيف ما تغير بس في كثير حاجات تغيرت لتجعل للأكل طعماً مختلفاً وللمكان ميزة ورونقاً والنفس مفتوحة والحياة حلوة اليوم.

نسي ما اليوم من الأيام: سبت، احد، ثلاثاء، ما بعرف جلسا وكانت الساعة بعد الرابعة وطالت الجلسة وامتد الحديث دون توقف ودون سؤال. ما هذا الجنون؟ الن نذهب هيا وانطلقا ليوصلها إلى الفندق موعدها في المطار الثالثة صباحا وتحتاج لترتيب حقيبة سفرها استعدادا للعودة.

لم يعرف البكاء قبل ذلك الوداع، مسافر ولا رقت للوداع، وكثيرا ما كان سافر دون وداع ولم يكن للوداع له معنى في حياته حتى في كثير من الأحيان كان لا يخبر أحدا ما بموعد سفره.

وضع حقيبة سفرها في سيارته وانطلقا قبل الموعد، قبض على يدها ووضعت رأسها على كتفه وسألت دموعها وبدأت بالبكاء، سالت الدموع حارقة، لم كل ذلك على لقاء لم يدم أكثر من ساعات؟ على تعارف لا يشكل لحظة في العمر؟ لم كل هذا البكاء؟ على العمر الذي انقضى دون أن يساوي شيئاً؟ .. هذا اللقاء مع هذا النصف الثاني الذي طال انتظاره، ولما جاء مالبث أن طار على هذا الحلم الجميل، على هذا النهار الخريفي علامَ كل هذا البكاء؟ ألا يستحق؟ نعم يستحق، وأكثر تعانقاً ولم يودعها ولم يرها بعد ذلك.



عشاء

حلف بأغلظ الإيمان أن أشارك في العشاء الذي يقيمه للضيف القادم وبالطلاق من زوجته إن لم أحضر، وبأنه سيقاطعني بقية العمر، وتهديدات كثيرة لها أول وليس لها آخر، كل ذلك بسبب عشاء، ولم يكن اعتذاري مقبولاً لا لسبب كثرة الاستعمال ولا بسبب بعد المسافة لحضور العشاء ولا بسبب عدم الرغبة في المشاركة في هكذا مناسبة اجتماعية، لا بسبب عدم وجود صلة قوية بيننا تحتم على التواجد، بين أخذٍ ورد وكثير من الخجل قررت أن أشارك ووجدها الضيف القادم فرصة لتوصيلة براحة إلى مكان العشاء المزعوم وفي موعده المناسب فالسيارة جاهزة ومريحة.

انطلقنا مع الموعد وماذا سيكون حديث الطريق إلى موعد عشاء غير العشاء نفسه أو ما يدور حوله؟ قلت للضيف: ألم يكن بإمكانك أن تعتذر للرجل بشكل أو باخر وتعتقنا من هذا العناء؟ قال: ألم تره كيف حلف وطلق بأغلظ الإيمان؟ قلت كان بالإمكان باستعمال التنشية (تقول بعد كل يمين) أن شاء الله) فذلك يبطل مفعول اليمين أو مفعول الطلاق لتركه لمشيئة الله عز وجل، قال: الرجل زارنا قبل فترة وذبحت له، أولمت وليمة حضرتها العشيرة، قلت وهل هو من الوجهاء مثلاً أو شيخ عشيرة حتى تولم له بهذه الطريقة؟ قال: ولكن العادة تحتم علينا عند حضور ضيف من مسافة بعيدة أن نولم له بهذه الطريقة وهو اليوم يريد أن يسد دين هذا الحلف، قلت له: إذاً أنت السبب في ما يجري، قال النبي عليه الصلاة والسلام وصانا بالضيف واكرامه سكت ، نعم ولكن إكرام الضيف لا يعني الوليمة فهناك الكثير من الوسائل لإكرامهم الضيف، أولها التبسم في وجهه وإجلاسه في المكان المناسب للضيف والبشاشة والتأهيل به وتقديم الطعام مع وجه السرعة إذا كان قادما من سفر وتجهز مكان الاغتسال أو الوضوء لأهمية ذلك وعدم الإلحاح عليه بالأسئلة الصعبة والمحرجة فور وصوله، أما الوليمة فهي في أخر المطاف قال: كل ذلك مش مهم، المنسف لو عملت كل هذا وما فيه منسف والرأس يلمع فوقه ما بنفع شيء من كل ما قلت، اذن هي العادات وليس الدين، هي العادات التي توارثناها وترهق عقولنا وجيوبنا ولا نستطيع التخلي عنها في وقت تترك فرائض وسنن بأبسط من ذلك وأعذار وأوهام أقل سهولة، وحسب ما تقتضى المصلحة أو العلاقة ما بين الدين وما بين العادات وخاصة الاجتماعية، على الدين والسنن وتجاوز الشرع في كثير من الأحيان نرضي العادات فنحن نريد رضي الخلق على حساب غضب الرب سبحانه وتعالى، واستمر النقاش وبدأنا الوصول إلى قرية فقيرة متواضعة، ومن شارع رئيسي إلى شارع فرعي إلى زقاق فزقاق إلى مكان لا تستطيع فيه السيارة أكمال المسير فلا بد من إيقافها والترجل مشيا على الأقدام، أطفال شعث غبر هذا يمسك بالباب وهذا على الجناح وذلك على البوز والكل يهلل ويركض: أجو، او يبا أجو. أطفال بلا ملابس حفاه دون سراويل، على الأغلب قطعة واحدة تغطي نصفهم العلوي والنصف الآخر كما جاء إلى هذه الدنيا كثير منهم لم يعرف الطريق إلى صالون الحلاقة أو الحلاق المتنقل منذ أشهر، وجلهم لم يغسل وجهه منذ الولادة شوارع ضيقة تفوح منها رائحة الغنم والأبقار، وأحواش منزلية بها غرفة أو غرفتان والباقي مكشوف، براميل مكشوفة للمياه نساء مغمغمات يحمل على رؤوسهن الكثير كما حملن أعباء الحياة القاسية سمعت هنا أن الفتاة تتزوج في عمر الثانية عشرة وتنجب أول طفل لها في الثالثة عشرة وما أن تبلغ العشرين حتى تجر خلفها عشرين، أطفال، اطفال، أطفال كلهم بلا مدارس ولا رياض أطفال ولا ملاعب ولا يعرفون من الطفولة شيئاً سوى اللعب بالحجارة وطية الشرايط وضرب بعضهم بعضا فالعنف سيد الموقف بينهم يتزاحمون لاستقبالنا ويضربون بعضهم من سيكون الأول في السلام وتقبيل الأيادي، تقبل يد القادم مهما كان ولأكثر من مرة.

 أين نحن وفي أي عصر؟ هل نحن على قيد الحياة؟ هل هذه هي الحياة؟ هل هؤلاء أطفال وأطفال عبدون أطفال؟ هل هؤلاء بشر وسكان الرابية بشراً هل هؤلاء جزء من الشعب وسكان عمان الغربية جزء من الشعب؟ هل زارهم مسؤول؟ هل لديهم مسؤول هل سيحاسبون يوم القيامة كما يحاسب أهل بعض عمان؟ أكثر ما يحلمون به صحن فول وراس بصل وترف أهل عمان واغنج على الكاش عند أبو الفلافل لأهل  عمان ووجبة للفقراء في خارجها. دارت في رأسي الكثير مما رأيت، وخلال ذلك خرج العديد من الرجال لاستقبالنا رجال برؤوس منكوشة لم تعرف الحلاق من قبل ولا لحى هي مسترسلة أي انها متروكة لسبب غير الدين؛ أما لعدم وجود موس حلاقة أو عدم القدرة على الحلاقة أو عدم وجود وقت للحلاقة من كثر البطالة أو عدم الرغبة في الحلاقة أو عدم وجود ماء للحلاقة، اسباب كثيرة أما عن الروائح فحدث ولا حرج، فالكل مصر على اخذك بالأحضان وتقبيلك على الوجنتين 5 مرات وبارفان الأجسام لا مثيل له ودشاديش صفراء وأصابع صفراء من التدخين ولحى صفراء من التدخين ومن قلة الماء، ويا هلا ومرحبا دخلنا إلى حوش الدار فوجدناه مليئا بالرجال الواقفين أكثر من الجالسين، وقدم للقادمين الجدد في مجلس الضيوف بعد ساعة من السلام بالأحضان والقبل والترحيب وبقي الصبية خارج الباب يتصارحون وتعلوا أصواتهم والنسوة تعد الطعام والشباب يصبون ويستعدون بالأباريق لغسل أيدي الضيوف والمعازيم قبل تقديم الطعام بالأيدي ولا شيء آخر دارت القهوة، فنجان الضيف، ودار الترحيب والأسئلة نفسها: اشلونك واشلون العيال والأهل؟ واشلونك وعساك بخير وبعد شوي اشلونك؟ وهكذا وإذا كان زيادة فهي فلان والله يسلم عليك، سألته: هل تعرف فلان؟ قال اعرفه، بس والله الى سنة ما شفته، شو بدي أقول، مهو حكي مشيها يا شيخ.. قال لي كان عندهم قبل كم يوم ويسألوني عنه، قلت سأغير الموضوع سألتهم: شلونكوا شو اخباركم؟ ردوا جميعا الحمد الله بخير من الله انتو شلونكوا؟

قلت والله يا جماعة أنا اللي يسأل: عندكو شغل قالوا لا، والله أكثرنا يشتغل يوم ويقعد عشرة. كيف عايشين؟ قالوا: على الله. كيف المدارس؟ قالوا: المدرسة بعيدة وعشان هيك لولاد ما يرحوا عليها، أما البنات لا تسأل ما الهم خص البنات بالموضوع، طيب عندكوا عيادة؟ لما واحد يمرض وين يروح؟ قالوا: على البلد، والبلد بعيدة عشرة كيلو من هون، يعني المرة لما بدها تطعم الولد أو توزنه أو تقيس حرارته ينقضي يوم كامل في المشوار، المواصلات في باص واحد رايح جاي، والمغرب بينام أي واحد ما عندو بكم مقطوع، المي بالتنكات، بتعبي البراميل المكشوفة. وبنشرب وبنغسل وبنجلى في الشارع والشوارع الغير مرصوفة عشان هيك المياه ما بتنشف والكل يرمي في الشارع ليصبح مرتعا للذباب والقاذورات ومخلفات الأغنام والأبقار. عندكو مجلس بلدي؟ قالوا: لا، مجلس قروي. احدهم قال والله طالبنا بسيارة مرسيدس رئيس المجلس وما وافقولنا غير على دبل كبين، يعني بيصير رئيس مجلس قروي يركب بكم؟ والله ما في عدالة قلت: شو بسوي المجلس القروي؟ قالوا: مشاكل على الانتخابات مش اكثر من هيك. وبدأ الحديث يتضاءل أمام الاستعداد لتقديم العشاء، لحظات وبدأت المناسف بالوصول رأس كبير الباقي تم وضعه أمامنا والضيف وتم توزيع باقي الصواني امام الحضور جلبة وصراخ وين الشراب؟ ولك مش قلتلك حضر الشراب بدري، احدهم صرخ بصوت عالي، والله ما بحط أيدي إلا تحلفوا على الغداء بكرة عندي، واخر العشاء عندي، وأخر أنا أولا، وهكذا بدأت العملية بالهدوء. اتعشوا يا اخوان وبصير خير، قال: اتفضلوا يا اخوان لى ما قسم والله مقصرين، هاد ما هو عشاكو وجيرة الله على الغداء بكره، ولفت الدائرة حول المنسف الكبير، ومال الجالس بجانبي وقال هامساً! والله اجاني اخذ ذبيحتين من عندي، عمل عشاء منهم والله، لحد اليوم مديون بعشاء سابق! ا دفعلي وتناول في غفلة مني قطعة من اللحم ووضعها أمامه وبدأ بالتهامها، تعشوا يا اخوان وهل الأخوان لديهم صبر أو انتظار؟ طار العشاء ولحظات والصواني بدأت تفرغ عن أخرها لم تكن من عادتي القرف أو التقزز لكني هذه المرة شعرت بالغثيان وأنا أنظر إلى الجالسين حول صواني المنسف يلتهمون دون شفقة أو رحمة أو دون اعتبار لمن لم يسعفهم الحظ في الجلوس، أو حتى الأطفال الواقفين بالخارج ينتظرون بفارغ الصبر ما يعود إليهم من بقايا الطعام. أين الدين؟ أين الأخلاق؟ أين الرحمة؟ يأكل الكبار وتترك النسوة والصغار لا شيء لديهم حتى الأرز نظفوه، أين أخلاق العرب يوم كان الواحد يوهم الآخرين أنه يأكل وهو لا يأكل ليبقى  حصة للدور الثاني والثالث؟ أين أخلاق واداب الطعام التي لا تظهر أرض المنسف ويعتبر عيبا في عرف البعض أن تصل اصابعه إلى قاع المنسف؟ أين الرحمة بالنساء اللواتي عليهن فقط غسل المخلفات بدل الأكل؟وهل  بقي مكان للأكل بعد أن علمت بأن العشاء بالدين وأنه لم يسدد بعد العشاء السابق؟.

في داخلي أيقنت أن كل من أكل من هذا العشاء أكل حراما ونارا في بطنه، لعنت العادات والتقاليد، أو لم يكن أولى إطعام الأطفال أو كسوتهم أو حلاقة رؤوسهم أو أن يحلق من أولم هذه الوليمة رأسه؟ ألم يكن من الطبيعي أن يقوم بعمل عشاء يكفي للضيف وحده دون هذه الجلبة الكاذبة؟ ألم يكن يكفي لنا جميعا أن أنفسنا من ظلمنا لنفسنا؟ وأوقفت على صوت يقول ما تتعشى يا ضيف؟ بعد أن شبعوا انتبهوا أن الضيف لم يأكل وما زال أمامه مليئاً باللحم والأرز، ما أكلت شيء، قلت: أشبعت والحمد لله. غسلنا أيدينا وتقهوينا وعادت سواليف ما بعد العشاء وتركزت حول النساء، سمعت أبو فلان بدو  يتزوج الثالثة! أي والله ويش عليه؟ ما ناقصوا شيء. وتنطح أخر من بعيد وأنا والله بدي أتزوج الثانية، يا رجل بعدك ما كملت الحول على الأولى! وش عليه الخير أبو ثنتين وثلاثة. وورد عليه أخر اذا فيك هل مروة ترى بنتي جتك قال وأنا قبلت وهكذا تم عقد أول صفقة زواج بعد العشاء مباشرة مبروك مبروك اقروا الفاتحة، جريمة أخرى أبطالها الجميع ويشارك فيها الجميع واحد ما معو يحلق وتزوج قبل سنة ويتزوج الثانية بهذه البساطة؟ وين بدو يسكنها؟ قال بنبني غرفة جنب غرفة المرأة الأولى وبسقفها زينكو ونتجوز فيها.

زريبة غنم أو حتى لا تصلح للأغنام، سيتم إسكان هذه الصبية التي لم تتجاوز الخامسة عشر كما علمنا من أبيها، أي ظلم اجتماعي هذا؟ أي قدر يعيشه هؤلاء؟ أين الدولة عن هكذا مجتمعات؟ أين رجال الدين؟ أين المدارس؟ ولا من يجيب، مصائب تخلف جهلاً. ومن فقر وزواج دون السن القانوني وبطالة، لا تعليم، لا صحة، أهذه حياة تستحق العيش؟ هل تسمحون لنا! دياركم عامرة إن شاء الله وودعنا الجميع على أمل اللقاء في عشاء أخر ومشى بجانبي والله شرفت واحنا كثير مبسوطين بهالزيارة، وزارتنا البركة، وخليها بعودة، وهكذا وقبل أن يمطعني بقبلتين همس في أذني: والله خجلان منك بس بدي ألف ليرة قرضة، ودنا نجوز الولد الصغير كل ولاد عمامو تجوزوا وإن شاء الله بسدك اياهم بعد الجيزة. لم أعرف طريقي من أين، وزاد  غثيان معدتي، وفي الصباح كنت بحاجة طبيب باطنية وأعصاب وكل عشاء وأنتم بخير.



تايجر..تايجر..

كلمات هزت كياني سمعتها ذات يوم صيفي حار رطب من أيام مومبي الهندية... كنت يومها انتقل من الفندق الذي أسكن فيه قريباً من المطار إلى وسط المدينة، وكنت أعتقد أنني اخترت الوقت المناسب من للتنقل .... قال لي موظف الكاونتر: دعني أطلب لك تكسي مكيف فالجو حار، قلت له أفضل الريكشا ذات الثلاث عجلات، قال: كما تريد سير.. هذه الكلمة لا تفارق لسانهم الكل يناديك سير أو مستر.

ناداني: سير الريكسا بانتظارك، وبدأت الرحلة بوسط المدينة المزدحمة جدا لدرجة أنك لا ترى إلا جموعاً من البشر تتدافع  في أزمة السير الخانقة تتسوق خلالها فهناك من يبيع الماء والعصير والفواكه، القطعة المكسورة بالثلج وغيرها الكثير..لنعد إلى موضوعنا: الطريق مزدحم وعجلة السير بطيئة للغاية قد يكون المشي أفضل من الركوب..وهكذا لابد من شيء يقطع الطريق بدأ به السائق وسألني، ومن دون مقدمات، ..سير.. هل تحب صدام حسين؟؟ انتبهت وكأنني كنت في مكان آخر...ماذا ماذا ؟؟؟وعاد السؤال: سير هل تحب صدام حسين ؟؟؟ ..طبعاً السؤال في هذا المكان وهذا الوقت بعد الحرب الكونية على العراق في 1991 .. بنسبة او أكثر ...وأطباق الحصار على العراق.. قلت ما دفعك لتسألني؟؟ قال لا شيء أنا أحب صدام حسين لدرجة أني أكاد أعبد صدام حسين، أنا بوذي ولست مسلماً لكنني مستعد للموت في سبيل صدام...ومن خبرتي كسائق عرفت أنك عربي ممكن عراقي بس مو خليجي ..يس يا سير . ؟؟؟ قلت له: قبل أن أجيبك جاوبني، بصراحة لماذا تحب صدام وما الذي دفعك لسؤالي؟؟ وأنا من طبعي مُقِلّ في الحديث مع سائقي السيارات، فأنت لا تعرف مع من تتسامر وغالبا ما يسطعون رأسك بقصص وأسئلة غريبة معظمها شخصية ...ما زال الشارع مزدحماً ونمشي خطوة خطوة  رغم أنهم مغامرون جداً في التسابق لدرجة التهور.. العراقي يتصبب من شدة الحر والرطوبة لكن الحديث القريب للقلب هون عليّ كل ذلك ؟؟ قال سير صدام حسين من مثله في هذه العالم ؟؟؟أنه الوحيد الذي وقف في وجه امريكا وقال لا ..لقد اجتمعت عليه ثلاثون دولة كبرى وصغرى ولم يخفض رأسه ولم يستسلم ...كان بإمكانه القبول وكان بإمكانه التسليم والخضوع ..لكنه وقف في وجههم ..أنه أسد أنه أسد...تايجر...تايجر قالها بفخر واعتزاز... قال: سير ألم تر كيف رسم صورة جورج بوش الصغير في مدخل الفندق ليدوسها الجميع؟ ... من يجرؤ على ذلك؟ من يستطيع فعل ذلك؟؟؟ واستمر كأنه بركان وانفجر يريد الحديث ويريد من يستمع له، ونسي أنني أركب معه ...وأخذ يردد يعيش صدام، يحيا صدام النصر لصدام ... سير هل تحب صدام؟؟؟ عاد السؤال هذه المرة: من أي بلد انت وهل تعرف عن صدام؟؟؟ سير لو كان صدام هندي كان ممكن أن يكون مثل بوذا ربا يعبد...وهكذا اذهلني هذا الهندي بهذا الحب لدرجة أنني أحسست إن أعجبت بغير ما يريد أن يرمني في الشارع أو يفعل بي شيء آخر...

وأثار فيّ كل أنواع الفخر، أنا لدينا زعيم يحظى بكل هذا الحب، وأثلج صدري في هذا الجو الخانق...قلت له لدي كل المبررات لحب صدام أضعاف أضعاف ما لدي ... طار فرحاً وأخذ يسابق الطريق، أنه وجد من يشاركه الحب ...وصلت العنوان الذي أريد بعد أكثر من ساعة ونصف وحلف بإطلاق أن لا يأخذ الأجرة حباً لصدام حسين، قلت له تستحق عشر أضعاف على هذا الحب ولم يقبل اخيراً الا ما استحق الموقف... تواعدنا على لقاء آخر لم يحدث، هذه مومبي مدينة العشرين مليون التي تحب صدام حسين ... وللسياسة فيها وجه آخر...



كلمات هزت كياني

الجزء الثاني

بعد أن تركت السائق الهندي الرائع بدأت أبحث عن العنوان الذي أريد، وكان معرضاً لبيع المنسوجات القطنية والمطرزات يقع في وسط شارع مزدحم جداً لا تكاد تنفذ بجلدك من كثرة الشحاذين الذين يمسكون بأطراف وتلابيب ملابسك وبرجليك، ويركضون خلفك وأمامك وعن جانبيك في كل اتجاه، إنهم كالنمل، منهم من يبكي ومنهم من يصرح ومنهم من يشكو الجوع وكل الأمراض والعاهات سبحان الله! منظر لن تراه في مكان آخر.

اقتربت من الباب وساعدني بعض العمال في الداخل للدخول ومنع هذه المخلوقات التي التصقت بي من الدخول..المشكلة أنك لا تستطيع أن تمد يدك إلى جيبك وتعطي أي واحد منهم سيأكلك الباقون من دون رحمة، ولن تخلصك ملائكة السماء والأرض من بين أيديهم.

دخلت المحل وسألت عن شاندي وجاؤوا به، هذا الهندي صاحب الكرش القصير في الاربعينات من العمر وابتسامة دافئة، ولْكم سير، ولكم سير وأخذ يسألني بعربية هندية كيف حالك؟ إن شاء الله ما في تعب ما في مشكل، بومبي كلو مشكلة ازدحام كتير كتير، ناس كتير، سوري سير أنا متأسف بس كان زروري أنت تيجي محل مسان أنا ما أقدر آخذ كل هاد دكان لعندك على أوتيل ..يو آر ولْكم سير. وشكرته على هذا الترحيب واللطف وأخذ بيدي الى الطريق العليا لنخرج من هذا الزحام، عشرات العاملين في مساحة ضيقة والدكان يمتلئ بملايين ..الهنود تجار لا يوجد في قاموسهم ما فيه أو ما بعرف، كل شيء عندهم موجود وإن لم يكن متوفرا في الحال يتم توفيره دون أن تشعر بذلك..لا يتبرمون لذلك يصلحون للخدمة. كلو ما في مسكل سير.

ساندي يتكلم العربية فقد عاش في مسقط سنوات عدة، وكان عنده دكان فيها لكنه عاد بعد وفاة أبيه لاستلام الفرع الرئيس في مومبي، لذلك فهو فنان متمرس في البيع، أخذني إلى الطابق الثالث حيث قاعة فسيحة مكيفة مفروشة بالسجاد يحيط بها بعض المساند والأرائك، ومن عادتهم أنهم يفرشون بضائعهم أمامك حسب اهتمامك.. يتخلل ذلك ضيافة مستمرة من عصير وفواكة مقطعة وبطيخ ومياه باردة مما يضفي على الموضوع راحة وأهمية، ويوصل بالنتيجة إلى عمل أوردر، وخلال ذلك، وفي لحظة خاطفة لاحظت مرور فار كبير انطلق من امامنا كالصاروخ.. شاندي فارفار.. لاحظ اهتمامي وعلامات الدهشة والخوف وبكل برود قال نو برويلم سير، ما في مسكل سير كيف ساندي هذا فاز ممكن يخرب كل شيْ. ممكن هاد في ميلون فار هون.. نو سير نو ما في مسكل.. سير هاد محل مال أنا وقبل أنا كان بابا وقبله كان جدي، يعني هاد دكان مال عيله، أنا أعرف دكان كويس.. سير بابا كان بيقول حرام لا تاكل فار ما بخرب..حرام لا تأكل فار ما بخرب.. مال حلال ما يغرق سير.. شاندي بوذي بيعرف حلال وحرام ولديه كل هذا الإيمان الراسخ.. أذهلني إلى درجة أنني لم استطع الرد.. جملة في غاية الاهمية والروعة تسمعها من بوذي في مومبي.. وكان لي بعدها مع شاندي الكثير الذي أثبت صدقيته والتزامه وأمانته.



 الجزء الثالث والاخير

في طريق العودة من مومبي، وكانت عبر مطار ابوظبي، وبتوقف طويل في الترانزيت، جمعتني الرحلة برفيقي سفر من العراق يعملان في التجارة غالباً في المواد الغذائية! شاي، أرز...جلسنا نحن الثلاثة في مقعد واحد وقطعنا الطريق بأحاديث مختلفة عن العراق والحصار والحريات وطريق الخلاص إلى أن وصلنا مطار أبو ظبي، وهو على شكل نصف كرة زرقاء مضيء كأنه لؤلؤة من البحر. خرج الركاب وأغلبهم هنود بكل ترحيب، وعندما جاء دورنا قال أنتم ما في خروج إلى الترانزيت.. قلنا نروح أوتيل لقضاء الليلة على حسابنا، نو سير ما في مسموح إنت ما في فيزا..ولك يا أخي أنا ما بدي فيزا أنا عرب..هههه سير كل عرب هون ما في مسموح هندي ممكن عرب نو...إنت روح ترانزيت خذ فاوتشر لشرب الشاي والأكل كتير كويس.. يا الله سير بليز.. كثير من الشتائم صاحبت الموقف وزاد الطين بله أن المطار من الداخل غير مريح أو هكذا بدا لنا بعد هذه المعاملة السيئة.. فلم نعد نرى شيئاً جميلاً..نزلنا إلى الطابق الأرضي حيث الكافتيريا والمطاعم لنقضي الوقت الطويل والانتقام من الفاوتشر أكثر ما نستطيع..هناك تبادلنا الحديث مع سيدة مصرية تعمل في المطعم . مساء الخير، مساء الخير وبلهجة عراقية سألها الشباب: اش عندج ناكل؟ أنتو أكيد من العراق يا أهلا وسهلا يا ستميت مليون مرحبا ازيككم؟ إزي العراق وأهل العراق؟ دنتو نورتونا، وهكذا بدأت حدة المزاج السيئ تخف وأخذنا بالحديث الذي عرفنا منه أن السيدة وزوجها عملوا فترة طويلة في العراق وتركوه بعد العدوان الثلاثني.

سألتنا: تأكلوا إيه؟ تحبوا أعمل لكم أكل عراقي؛ شوية كباب أو شوية مخلمة بيض أو جلفراي؟ وإزا تحبوا ممكن تشريب كمان؟. إيه المال ده كلوا تشريب في المطار وكباب..ما صارت هاي احنا وين؟ لا يا معوده شوية خفايف مالنا خلق أكل ..ده أنا لحم كتافي أنا وجوزي من العراق وبصوت أخف ربنا يخلي الريس ويطول عمره، ربنا يحيمه وينصرو علا  كل من يعديه ده احنا كنا ملوك ولا حد يقدر يدوس لنا على طرف غير التحويلات والفلوس..واستدركت بعد ذلك أن شاء الله انتو كمان تكونوا بتحبوا الريس صدام..لا عليكي نحن نحبه ونحب من يحبه.. وهكذا انقلبت ليلتنا من مزاج سيء إلى ليلة صدامية كلها حب وفخر وعزة لكل من احب صدام حسين.. إنه صدام خيره عم الدنيا أينما وليت وجهك تجد له أثراً..وكان ذلك الموقف وكلمات هذه السيدة مما أذهلني..رحم الله صدام حسين وغفر له
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف