الأخبار
وزير الحكم المحلي: سنواصل معركة الدفاع عن القدس ومقداستنا الإسلامية والمسيحيةاشتية: سيتم دفع 60% من نسبة الرواتب لهذا الشهرالأناضول: أردوغان قد يعقد لقاءً مع ترامب في وقت قريبفلسطينيو 48: شاب من النقب محتجز لدى السلطات التركيةالنقل والمواصلات: ندرس إمكانية نقل الفحوصات العملية للتخفيف من الأزمات المروريةالكرملين: الزعيم كيم يلتقي الرئيس الروسي في 25 أبريلالأسواق العالمية تقترب من هزة اقتصادية مدمرة بسبب ترامباشتية يدعو النرويج للضغط على إسرائيل للإفراج عن أموال المقاصةالرئيس عباس يوعز لوزيرة الصحة بالاهتمام بالطفلة رداد وعلاجها في المكان المناسبانطلاق فعاليات الدعاية الانتخابية في جامعة بوليتكنك فلسطينماذا وصف غرينبلات صورة لأبو جهاد معلّقة في إحدى مدارس الضفةالوزير أبو مويس يبحث مع الجيوسي تعزيز دعم التعليم العالي والبحث العلميوزراء الشباب والرياضة العرب يعتمدون مدينة القدس عاصمة للشباب العربي 2023قيادي فلسطيني يحذر من مواصلة مماطلة الاحتلال تطبيق خطوات تخفيف الحصاروفد من جامعة الاستقلال يهنئ أبو سيف باستلام منصبه الجديد
2019/4/23
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

أدب الرحلة في القرن التاسع عشر رحلتي الفاسي والصفار بقلم محمد زيطان

تاريخ النشر : 2018-11-25
محمد زيطان باحث في سلك الماستر كلية الادب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي المغرب ، تطوان .
موضوع الدراسة : أدب الرحلة في القرن التاسع عشر رحلتي الفاسي والصفار.
مقدمة:
يرى الدكتور محمد فهيم في كتاب ” أدب الرحلات” أن تناول التراث ودراسته يجيب أن يستند إلى منطلقات فكرية غير تقليدية وأن يخضع إلى وجهات متعددة ومناهج متنوعة. وبينما يعتبر أدب الرحلات جزءا من التراث ولونا من ألوانه فإن دراسة الرحلة من الناحية المنهجية يهدف الى إبراز بعض ملامح وعناصر التراث الشعبي، الذي غالبا ما أغفلته المدونات التاريخية الرسمية.
وينقل محمد فهيم عن أستاذ الجغرافية صلاح الشامي أن الرحلة اعتبارا من القرن السادس الهجري ” العاشر الميلادي ” انطلقت على أوسع مدى وتجاوزت ديار المسلمين على أمل أن تحقق أهدفا متنوعة اقتصادية وهي تعمل لحساب التجارة ، ودينة وهي تعمل لحساب فريضة الحج ، وإدارية وهي تعمل لحساب العلاقات بين الدول الإسلامية ومجتمع الدول الخارجي . وظلت الرحلة العربية بصفة عامة جهداا ذاتيا واجتهادا شخصيا بحتا.
• معنى الرحلة .
قبل الحديث عن الرحلة المغربية لا بأس من التعريف بمفهوم الرحلة ، ففي كتابه” الرحلة في الإسلام” يعرف عبد الحكيم عبد اللطيف السعدي الرحلة ويقول أنها من مشتقة من الارتحال وهي تعني الانتقال من مكان لآخر لتحقيق هدف معين، ماديا كان ذلك الهدف أو معنويا ، أما الحرمة من خلال الرحلة بقع المسافات فهي السفر ، وجمعه اسفار ومنه قوله تعالى ” فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا “
أما الدكتور أحمد رمضان أحمد فيعرف الرحلة استنادا إلى ما ورد في دائرة معارف القرن العشرين لفريد ودي مادة رحل . ويقول الرحلة : من يرحل رحلا ورحيلا وترحالا ذهي ، ورحله من بلده اخرجه منها ، وارتحل القوم انتقلوا والراحلة الناقلة الصالحة لأن تركب ، و الرحل مركب للبعير أصغر من القتب ، والرحل أيضا ما يستصحبه المسافر من الأوعية جمعه رحال .والرحلة بضم الراء الجهة التي يقصدها المسافر يقال مكة رحلتنا ، وهو عالم رحلتنا أي يرحل إليها .
القيمة العلمية للرحلة:
أما القيمة العلمية للرحلة بحسب حسني محمود حسن فإنها تحتوي على الكثير من المعارف الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، ممالا يدونه الرحالة تدوين المعاين في غالب الأحيان، من جراء اتصاله المباشر بالطبيعة وبالحياة خلال رحلته . وبالنسبة للقيمة الأدبية في الرحلات فهي تتجلى في ما تعرض في موادها من أساليب ترتفع به أدب الرحلات من تنوع في الأسلوب من السرد القصصي إلى الحوار إلى الوصف وغيره. وإن أبرز ما يميزه أسلوب الكتابة القصصي. المعتمد على السرد المشوق بما يقدمه من متعة ذهنية كبرى .
وقد تميز الرحالة المغاربة والأندلسيين تقول عواطف محمد يوسف نواب في كتاب” الرحلات المغربية الأندلسية ” بميزات خاصة في تدوينيهم لرحلاتهم،فكل رحالة يكمل ما نقص من سلفه،ويضيف لفن الرحلة إلى بناء جديدة أعطته عن صيفته وميزته وعن باقي الرحالة المسلمين في العالم الإسلامي ولا شك أن الرحلات المغربية والأندلسية …ظاهرة أدبية وتاريخية واضحة جلية …ولهذه الرحلات المدونة الفضل في إمدادنا بمعلومات قيمة لم يدر بخلد مؤلفيها اهميتها في وقت تدوينيها وخاصة أنهم أودعوا فيها معظم شهادتهم ..
البناء السردي في الرحلة:
يمكن النظر إلى الرحلة كما يقول الدكتور شعيب حليفي في كتاب “الرحلة في الأدب العربي” بما تتوفر عليه من معطيات مكثفة بالمقارنة مع باقي الأشكال التعبيرية في التراث السردي العربي، وقد عرفت البشرية الرحلة باعتبارها فعلاً إنسانياً في كل المراحل وبأشكال مختلفة، حاملة لتجارب وخبرات مختلفة اختلط فيها اليومي بالمتخيل بتلوينات وإشارات دالة.
وفي دراسته للرحلة المغربية في القرن التاسع عشر ” مستويات السرد ” نشرها على موقع ” الفرات ” يسعى محمد مودن بعيدا عن استعراض مضامين الرحلة . إلى محاورة الجانب البنائي للرحلة قبل الحديث عن المحتوى، ما دامت الرحلة نصاً حربائياً بالمعنى الإيجابي، ـ بحسب رأيه ـ يأخذ لون كل فضاء، سواء أكان مادياً أم مجازياً، يمر به الرحالة. في المغامرة الجريئة لهذه الدراسة قد تكون الرحلة حجازية الموضوع، ولكنها متعددة طرائق الكتابة، بحكم انتقالات الرحالة بين الفضاء الأليف والفضاء الغريب، بين لغة المناسك ولغة المعجم الجديد غير المألوف، بين صورة العروض والأطوال والصورة الواقعية.. صورة المرئيات المرتبطة بالنشر اليومي المنحط على حد تعبير لوكاش.
تاريخ الرحلة عند المغاربة:
يرى محمد الفاسي في كتابه ” وحي البينة “ حول موضوع الرحلة السفارية أن المغاربة برزوا في هذا النوع من الرحلة ولم يؤلف أحد من العرب بقدر ما وضع المغاربة من رحلات سفرية وكلها كتبت في العصور الحديثة ابتداء من ايام السعديين. وأقدم رحلة سفارية هي التي لخصها ابن دحية السبتي في كتابه” المطرب من أشعار أهل المغرب” وتتضمن سفر يحيى الغزال موفدا من قبل الخليفة الأموي عبد الرحمان بن الحكم إلى ملك المجوس اي النورمانديين وذلك سنة 824 ميلادية. وهذه الرحلة اقدم من الرحلتين السفاريتين اللتين قام بهما أيام العباسيين ابن فضلان وابو دلف إلى إيران والهند والصين وذلك في النصف الأول من القرن الرابع.
اما في المغرب الأقصى فإن كتابة الرحلات السفارية لم تظهر إلا في ايام السعديين وأول رحلة بلغت من هذا النوع هي التي وضعها سفير المنصور الذهبي إلى الخليفة العثماني ” مراد الثالث ” سنة 997 وهو أبو الحسن علي بن محمد التامكروتي من رجال الدولة السعدية ، وقبل هذه الرحلة كانت للمغرب والأمم الأجنبية علاقات ديبوماسية ، لكن الخزانة العربي المغربية لا تعرف مؤلفا من هذا النوع حتى ظهرت ” النفحة المسكية في السفارة التركية “. وقد توالت السفارات بين المغرب وتركيا أيام السعديين .
وتضيف الدكتورة سعاد الناصر في إطار الحديث عن الرحلة المغربية في” موقع ملتقى الاديبات “، ” أقدم رحلة لدينا هي رحلة أبي بكر بن العربي المعافري إلى المشرق التي تمت أواخر القرن الخامس للهجرة، واختلطت فيها الدوافع من طلب العلم وأداء فريضة الحج وقضاء مهمة سفارية تخص دولة المرابطين في المغرب والأندلس آنذاك “.
ومنذ ذلك التاريخ والمغرب يعرف بحسب صاحبة المقال العديد من النصوص التي تسجل رحلات أصحابها، ورغبتهم العارمة في التواصل والتعارف، تشتهر منها رحلات ابن رشد السبتي وأبي القاسم التجيبي وأبي عبد الله العبدري في أواخر القرن السادس للهجرة، وتضيف أنها رحلات حجازية حركتها دوافع طلب العلم وقضاء فريضة الحج والزيارة، كما تشتهر في قريب من ذلك نصوص رحلات أخرى .

وانطلاقا من هذه الدوافع ورغبة أصحابها في الكتابة، تنوعت أصناف الرحلات وتعددت طريقة كتابتها. وقد جعلها الأستاذ محمد الفاسي خمسة أنواع في رحلات المغاربة. وهي: الرحلة الحجازية، والرحلة السفارية، والرحلة الرسمية، والرحلة السياسية والرحلة العامة، كرحلة ابن بطوطة. غير أنه كان ينبغي بهذا الاعتبار، أن يفرد بينها أيضا الرحلة الفهرسية، ليكون صنفا سادسا، يضم الرحلة غير الحجازية، التي سجل فيها كاتبها تنقلاته للقاء الشيوخ والأخذ عليهم والاستفادة منهم، مثل رحلة ابن قنفد المسماة “أنس الفقير وعز الحقير”، و”روضة الآس” للمقري الحفيد، و”نشر أزاهر البستان” لابن زاكور الفاسي.
ويمكن أن يفرد بهذا الاعتبار أيضا صنف سابع للرحلات النظمية. سواء كانت حجازية أو غير حجازية، لتميز طريقة العرض فيها بالنظم عن بقية أصناف الرحلات الأخرى، مثل رحلة ابن الفكون القسنطيني، ورحلة العبدري النظمية التي ختم بها رحلته الكبيرة، والرحلة العامرية، والرحلة المقدسة لمحمد بن محمد المرابط الدلائي ورحلة أحمد بن المأمون البلغيثي النظمية.
مميزات الرحلات السفارية في عهد العلويين:
يذكر محمد الفاسي انه لما تولى الشرفاء العلويون أمر المغرب ووحدة أطرافه واجلوا الأجانب عن شواطئه اتجهوا إلى الناحية الخارجية وبدأ نشاط ديبلوماسي كبير نتجت عنه من الناحية الأدبية ثروة قيمة تتجلى في عدد الرحلات السفارية التي ألفت في العصر العلوي منذ من أيام المولى إسماعيل إلى عصر مولاي يوسف.
ويقدم في هذا الكتاب رحلة ثانية من الرحلات السفارية ،وهي وان لم تكن في درجة الرحلة الأولى : الإكسير ، في فكاك الأسير ،لإبن عثمان المكناسي التي نشرناها سنة 1965 ،فإنها حلقة من هذه السلسلة الطويلة التي بدأت بالنسبة للمغرب الأقصى برحلة التامكروتي إلى اسطنبول أيام السعديين والتي امتدت إلى أوائل القرن العشرين .
وتعتبر إحدى الرحلات الأولى التي سجلت اتصال المغرب بالحضارة الحديثة الأوربية قبل أن تنتشر معالم هذه المدينة باختراعاتها المبنية على الطاقات الجديدة ،من بخار وكهرباء واستعمالهما في آلات كثيرة متنوعة في وقت كان المغرب لا يعرف عن هذا الانقلاب الجديد شيئا ،وكان لا يزال يعيش على حضارته القديمة فكان من الطريف أن نقف على ارتسامات أحد المغاربة انتقل فجأة من حياة مدينة فاس الهادئة المبنية على عوائد وتقاليد تصطبغ بما خلفته القرون الماضية للمدينة العربية إلى عالم جديد بدأ يأخذ بمظاهر المدينة العصرية ببواخرها وقطاراتها وأسلحتها ومصانعها وتنظيماتها المدنية والعسكرية .
حركة كتابة الرحلة واتجاهاتها في المغرب على عهد العلويين
ويمكن العودة إلى كتاب الدكتور عبد الله الترغي لتتبع نبضات ” حركة كتابة الرحلة واتجاهاتها في المغرب على عهد العلويين” حيث يستعرض انواع الرحلات ومن خلال التقديم والعرض بشير إلى ما تمثل كتابة الرحلة صنفا متميزا من الكتابة الأدبية التي عرفها العصر الإسماعيلي. يعتبر هذا الصنف امتدادا لكتابة الرحلات التي عرفها المغرب والأندلس من قبل، مع رحلات ابن رشيد (ت 721)، وأبي القاسم التجيبي (ت 730) والعبدري (ت بعد 740)، وأبي البقاء البلوي (ت 768)، وابن الخطيب السلماني (ت 776) والمقري الجد (ت 759)، والقلصـادي (ت 891)، وغيرها.
وتتحرك نفس الدوافع التي عهدها الدكتور الترغي من قبل في إنتاج الرحلات المذكورة، لتكون وراء كتابة أكثر الرحلات التي عرفها العصر الإسماعيلي. في مقدمتها ، الشوق إلى الحج وزيارة الأماكن المقدسة، في صنف الرحلات التي تسجل أحداث الذهاب إلى المشرق وتأدية مناسك الحج. ثم لقاء العلماء والجلوس إلى حلقاتهم، والاستفادة منهم، دراية ورواية. وهي محركات كتابة الرحلة الحجازية وغيرها. بل هي أساس مهم للكتابة في هذا الصنف الأدبي.
وتتضافر مع هذين الدافعين دوافع أخرى، يكون لها الأمر في كتابة الرحلة وصياغة موادها.
فتكون مجرد الرغبة في بعض الأحيان – في تسجيل أحداث الرحلة، والتعريف بالمسالك والممالك، ووصف الطريق والمجتمعات المقيمة بها. والتركيز على ما يحتاجه الراحل من مواد، والتذكير بما يصادفه في الطريق من أسواق، وما يوجد بها، وما يقتنيه هنا أو هناك – عاملا في كتابة الرحلة، فيسجل الراحل مشاهداته وملاحظاته، قاصداً بذلك الإفادة برسم الطريق وظروفها ومراحلها، وفي بعض الأحيان عجائبها، كما هو الأمر في الرحلة العجيبة لابن بطوطة، أو الرحلة الاقتصادية كرحلة أبي سالم العياشي الصغرى.
أوتكون تقريراً مفصلا لنشاط الراحل أو الوفد الذي ينتمي إليه كاتب الرحلة، فيسجل كل ما يتعلق بأحداث الرحلة، وبخاصة في الرحلة التي تكون المهمة فيها سفارية. وقد تكون مجرد رصد لمراحل التنقل وأسبابه ودوافعه، وما ينتج عن ذلك من ظروف وحالات ولقاءات وغير ذلك، كما يحدث في الرحلات الداخلية المحدودة في المكان والزمان. وقد يعمد الرحالة إلى تحويل رحلته من وصف للمشاهد والطريق إلى تأليف في الحج ومناسكه، فيكون العمل مجالاً تأليفياً تطبيقياً، تراعى فيه الإفادة العلمية، والتوجيه الديني، للراغب في الحج وتأدية المناسك على الصورة الصحيحة.
أصناف الرحلات:
وانطلاقا من هذه الدوافع ورغبة أصحابها في الكتابة كما يقول الدكتور الترغي ، تنوعت أصناف الرحلات وتعددت طريقة كتابتها. وقد جعلها الأستاذ محمد الفاسي خمسة أنواع في رحلات المغاربة. وهي: الرحلة الحجازية، والرحلة السفارية، والرحلة الرسمية، والرحلة السياسية والرحلة العامة، كرحلة ابن بطوطة. غير أنه كان ينبغي بهذا الاعتبار، أن يفرد بينها أيضا الرحلة الفهرسية، ليكون صنفا سادسا، يضم الرحلة غير الحجازية، التي سجل فيها كاتبها تنقلاته للقاء الشيوخ والأخذ عليهم والاستفادة منهم، مثل رحلة ابن قنفد المسماة “أنس الفقير وعز الحقير”، و”روضة الآس” للمقري الحفيد، و”نشر أزاهر البستان” لابن زاكور الفاسي.
ويمكن أن يفرد بهذا الاعتبار أيضا صنف سابع للرحلات النظمية. سواء كانت حجازية أو غير حجازية، لتميز طريقة العرض فيها بالنظم عن بقية أصناف الرحلات الأخرى، مثل رحلة ابن الفكون القسنطيني، ورحلة العبدري النظمية التي ختم بها رحلته الكبيرة، والرحلة العامرية، والرحلة المقدسة لمحمد بن محمد المرابط الدلائي ورحلة أحمد بن المأمون البلغيثي النظمية.
والخلاصة بحسب محمد الفاسي كلما تنوعت الاعتبارات، إلا وارتفعت معها أعداد الأصناف، وتمايزت النظائر إلى حين ملامسة كل رحلة من حيث ميزتها وخصائصها عن الأخرى ،. لذلك يدعو إلى إعادة النظر في اعتبارات التصنيف ومراعاة تقليص الأجناس ليسهل ضبطها. ولاسيما إذا كان أعمال الرحلات الموجودة محدودة في الزمان والمكان، مما تغيب معه بعض الأجناس، وينعدم وجود أصناف منها.
الرحلة الابريزية ،إلى الديار الإنكليزية
تصف هذه الرحلة كل ما شاهده مؤلفها ،منذ الباخرة التي أقلته من طنجة إلى أن رجع للعاصمة المغربية –وقد دامت سفرته سبعين يوما (في صيف سنة 1276 هـ -1860 م) .ويهتم بالخصوص بمظاهر المدينة الحديثة ،ويقول محمد الفاسي في مقدمة هذه الرحلة ” لا نتعجب من استغرابه للأشياء التي يراها لأنها كانت بعيدة كل البعد عن مألوفه ، ولكنه يتفهمها ويصفها بدقة ووضوح ،ويرجع الأشياء كلها للقدرة الإلهية بحيث يقول ،إنها وإن كانت غريبة فقدرة الله صالحة لذلك ، كما قال مثلا عند وصفه لميزان الطقس (بارومتر) حيث وصف دواليبه وكيفية تأثير الضغط الجوي على الزئبق حتى يحرك عقربه نحو اليمين أو اليسار فينزل على رسم الصحو أو الغيم أو المطر” .
ويضيف الفاسي ” ما ترك مظهرا من مظاهر هذه المدنية الجديدة التي انتقل إليها فجأة من وسطه القديم إلا وتعرض لها بالوصف مع إعطاء كل المعلومات الكافية عنها والإحصاءات التي توصل إليها خصوصا من الناحية المالية والإقتصادية والعسكرية ،والملاحظ أن كل واضعي الرحلات إلى أوربا في القرن الماضي يولون القضايا العسكرية اهتماما كبيرا لحكومتهم ولمواطنيهم لأهميتها من حيث الدفاع عن حوزة الوطن.”
ويرى الفاسي أن الحركة الإصلاحية التي بداها سيدي محمد بن عبد الرحمن وتابعها مولاي الحسن الأول ،كانت نتيجة لكل هذه الكتابات الكثيرة التي كان يضعها كتاب السفارات في الرحلات التي يؤلفها ،وفي التقارير التي كانوا يرفعونها للمسئولين مما أهاب بالملك العظيم مولاي الحسن لتوجيه عدد من شبان المغرب للتعلم بمختلف عواصم البلاد الأوربية في نفس الوقت الذي بدأت فيه تقريبا حركة النهضة اليابانية ،إلا أن المطامع الغربية في بلادنا عملت على احباط هذه المساعي مما ليس هنا محل تفصيله الآن .
وصف هذه الرحلة :
ومما تعرض له بوصف دقيق من هذه المظاهر ،الباخرة التي ذهبت فيها السفارة ،ونظام عمل البحرية فيها ومحطة السكة الحديدية ،واختراع الطاقة البخارية ،واستعراض الملكة فكطوريا للجيش بمحضر أعضاء السفارة المغربية مع مناورة حربية ،وقعت بعد ذلك ومعامل السلاح ،وكيفية صنع الرصاص والبندقيات والمدافع ،واقامة معرض عام ،وحديقة الحيوانات ،وتدريبات في الرماية ومتحف السلاح ،وحديقة النباتات ،والغراسة بالتسخين الصناعي ، والبنك مع المعاملات بالأوراق البنكية ومكتب البرق ،وغير ذلك من الشئون التي كانت كلها جديدة بالنسبة إليه ،وقد توفق كل التوفيق في شرحها وإعطاء البيانات الشافية عنها .
وهو يستعمل لغة سهلة ،ولا يحجم عن استعمال الكلمات الجارية على الألسن للزيادة في البيان والتوضيح ،كما يستعمل (على عادة كاتبي الرحلات السفارية ) كثيرا من الكلمات الدخيلة ،تلجئ إليها ظروف وجودهم بأوربا واتصالاتهم بالتراجمة الذين كانوا في الغالب من الأجانب الذين يحسنون اللغة العربية في الجملة أو من اليهود المغاربة لم تكن لهم ثقافة عربية وإنما كانوا يعرفون اللغة العامية فحسب.
المؤلف محمد بن عبد الرحمن يوسف الفاسي:
ومؤلفها من كتاب المخزن أيام السلطانين ،مولاي عبد الرحمن وابنه سيدي محمد بن عبد الرحمن .وهو أبو الجمال محمد الطاهر بن عبد الرحمن بن محمد الرضى بن محمد –فتحا- بن الطاهر بن يوسف بن محمد أبي عسرية بن علي بن أبي المحاسن يوسف الفاسي رضي الله عنه .
ولد بفاس سنة 1246هـ-1830 م ودرس بها وبعد انهاء دراسته عين في القصر الملكي من جملة كتابه ،وكان أخوه أبو محمد عبد القادر من أكادير الكتاب المنشئين ،ترجم له محمد غريط –في كتابه- فواصل الجمان ،في أنباء وزراء وكتاب الزمان .
ويظهر من التحلية التي حلاه بها ناسخ هذه الرحلة ،أنه كان من العلماء المدرسين النفاعين ، فلعله هجر الكتابة بدار المخزن بعد رجوعه من السفارة .وأقبل في السنين التسع الأخيرة من حياته على نشر العلم، ولا نظن أن ذلك وقع قبل اشتغاله بالوظائف المخزنية ،لأنه لما توجه إلى انكلترا كان في السنة الثلاثين من عمره ،فلا يمكن لمن تخلى عن التدريس في مثل هذه السنين أن يقال عنه ،العالم العلامة المدرس النفاعة إلا إذا فرضنا أنه كان يجمع بين عمله في القصر وإلقائه الدروس بجامعة القرويين في نفس الوقت ، ولم تطل حياة أبي الجمال هذا إذا توفى ببلده وهو لم ينه العقد الرابع من عمره سنة 1285 هـ-1868 م رحمه الله .
سبب الرحلة :
ولما بويع سيدي محمد بن عبد الرحمن اقتضى نظره أن يوجه سفارتين إلى كل من فرنسا وانكلترا ،وجعل على رأس السفارة المبعوثة الإمبراطور نابليون الثالث الكاتب الوزير ادريس بن محمد بن ادريس العمروي ،وقد تكلم على هذه السفارة ابن زيدان في ترجمة ابن ادريس (ج2 ص 33) وفي ترجمة السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن .
أما السفارة التي وجهت للملكة فكطوريا والتي كلف بها الأمينان الحاج عبد الرحمن العاجي ومحمد الشامي ومعهما الكاتب محمد الطاهر الفاسي ، فلم يتعرض لها لا ابن زيدان ولا غيره من المؤرخين ،كما أنه لم يذكر من بين أمناء سيدي محمد بن عبد الرحمن لا العاجي ولا الشامي ،نعم ذكر من بين سفرائه الحاج عبد الرحمن العاجي (ج 3 ص 570).انما وقعت السفارة إلى فرنسا نحو عشرين سنة بعد تاريخ السفارة التي وجهها إلى انكلترا والتي نحن بصددها كما أشار إلى ذلك في الصفحة 530- من الجزء الثالث ، وكانت تتعلق بقضية الحدود المغربية الجزائرية .وعلى كل حال ،فلولا وقوفي على نص هذه الرحلة عند ابن عمنا الفقيه القاضي السيد عبد المجيد بن عبد الله الفاسي لما كنا نعرف شيئا عن هذه السفارة ، مع أنه كانت لها أهمية كبرى حيث أن انكلترا إذ ذاك كانت تساند المغرب في مشاكله مع اسبانيا في حرب تطوان .ثم إن هذه السفارة غادرت العاصمة المغربية في نفس اليوم الذي توجهت فيه سفارة ابن ادريس قاصدة فرنسا ،أي في رابع يونيه سنة 1860 م.
ولعل هذا راجع لكون الرحلة التي ألفها ابن إدريس عن سفارته وسماها –تحفة الملك العزيز ،بمملكة باريز – عرفت وانتشرت حتى أنها من أول ما طبع بفاس في المطبعة ”السلكية ” في حين أن رحلة أبي الجمال الفاسي لم يقع لها مثل هذا الرواج ،وربما كان ذلك بسبب وفاة صاحبها في سن مبكرة ، ولم يعط المؤلف لرحلته اسما وإنما ذكر متواضعا في آخرها ،” هذا آخر ما يسر الله كتابته في هذه البطاقة “.
وقد اختار محمد الفاسي لها اسما تعرف به على غرار مثل هذه الرحلات وهو “الرحلة الابريزية ،إلى الديار الإنكليزية ” .والمؤلف على عادة واضعي الرحلات السفارية الذي شرحه في مقدمة الإكسير ،لا يتعرض لتفاصيل المأمورية التي أنيطت به بالسفارة ولا للمفاوضات التي أجرتها مع الحكومة الإنكليزية .
الرحلة التطوانية الى الديار الفرنسية للشيخ محمد الصفار .
اردت أن نقدم نموذج لرحلة ثانية غير بعيدة عن الرحلة الإبيريزية وفي فترة تعالت فترة الأطماع خاصة بعد انهزام المغرب في معركة إيسلي فكان الدعوة ملحة لتحريك البعثات إلى أوربا لمعرفة هذا الأوربي والتعرف على عاداته وتقاليده ومظاهر حياته .
وهي اول رحلة سجلت أحوال البلاد الغربية في العصر الحديث ، وقد وصف المؤلف كل مظاهر المدينة الجديدة التي لم يكن له سابق عهد بها وهو يهتم في نفس الوقت بعوائد أهل ” باريز” وطبائعهم . وذكر أن منها الخفة والطيش والأنفة ، وذكر أن البارزيين أصحاب جدة في بيعهم وشرائهم ، وعقد فصلا عن عوائهدهم في المأكل مع بيان مآكلهم ، وتكلم عن السكة ” النقد والأسعار” ,
ومن جملة فصولها الممتعة، وصف يوم الملك للسفارة واعتناء الحكومة بذلك ، وتوجيه أربعة عربات فخمة لنقل أعضاء السفارة ، مع وصف المأدبة التي أقامها وزير الخارجية ” كيزو” على شرفهم وتعرض بهذه المناسبة لزي النساء وملابسهن .ومن مظاهر الحظارة الحديثة التي أعطى عنها بيانات التلغارف والصحافة كيف تسير / والتأمين والشركات التجارية ، ودار الطباعة، وما يسميه دار الفيزيك ، ولعلها كلية العلوم، وأما عن مدينة باريس، فإنه لم يترك مشهدا من مشاهدها ولا مؤسسة من مؤسساتها إلا وتحدث عنها بتوضيح. فوصف قصر اللوفر ، والخزانة الوطنية …وجعل ف آخر هذه الرحلة خاتمة في بيان مداخلهم ، ووجوه جباياتهم ومخرجها ، ويعني بذلك ميزانية الدولة، وقد أعطى تفاصل عنها بذكر اعتمادات كل وزارة بتدقيق.
وتلخص الدكتورة سعاد الناصر في نفس المقال المنشور على موقع” ملتقى الأديبات” أن الرحلة التطوانية الى الديار الفرنسية للشيخ محمد الصفار هي في الأصل، تقرير عن رحلة قام بها المؤلف إلى باريس في دجمبر 1845، حرص فيها على تسجيل مشاهداته، حين عين كاتبا للسفير المغربي عبد القادر أشعاش، الذي بعثه السلطان مولاي عبد الرحمن في مهمة دبلوماسية إلى فرنسا، وكتب تفاصيلها بعد عودته إلى المغرب.والرحلة التي بين أيدينا تعتبر إرهاصا لبداية تغير صورة العلاقة مع الآخر, ولم يعد الآخر ذلك الذي نستطيع أن نفصل أنفسنا عنه, ونضع بيننا وبينه حواجز ومسافات، وإنما أصبح في إمكانه بما يملك من قوة أن يغزونا في عقر دارنا. من هنا نجد أن المسؤولين في المغرب اقتنعوا أنه من المفيد فتح قنوات للتواصل بين المغرب وفرنسا تختلف عن العنف والاستعمار.
وتكمن أهمية رحلة الصفار” بحسب الكاتبة ” في قدرة كاتبها على تسجيل تجربته في السفر الى عالم مغاير عن عالمه بدقة، وتقديمها في صور ذات عمق إنساني واضح، الأمر الذي أتاح فيه لقارئها فرصة المشاركة في لحظات الاتصال بين الرحالة والعالم المغاير الذي يحكي عنه، والتزود بمصادر إخبارية تفيد في إعادة بناء تصور جديد للواقع.
خاتمة
يظهر إذن من خلال هذا العرض القيمة التاريخية والأدبية من رحلتي الفاسي والصفار التي وقعت في فترة تاريخية متقاربة، أن كان المغرب يعيش وضعا مضطربا بسبب الأطماع الأوربية، وبعيدا عن استعراض القيمة الفنية والأدبية للرحلتين، فهما تدل أن الرحلتان على استعداد كبير لتفهم الرحالتين لقبول المدينة الحديثة من خلال الانجذاب الكبير الذي أظهرهما خلال نقلهما لما وقف عليهما وشاهداه من تحول في الحياة اليومية التي كان يحيياها المغرب.
وهذا يشير أن الرحلة الأوروبية في العصر الحديث تنطوي سواء رحلة الفاسي أو الصفار أو الحجوي أو غيرها من الرحلات على زخم من المشاهد التي تصور بدقة وتفصيل كبيرين واقع الحركة العلمية في أوروبا في بدايات القرن العشرين، وما كانت تشهده من تطور في جميع حقوق المعرفة العقلية – إضافة الى ما كان يوازيها على الصعيد المجتمعي، من منتديات ومجالس ومحافل عمت الحركة العلمية سائر الطبقات المجتمعية.إن رؤا الرحالتين قريبة إلى حد ما من كتاب الرحلات السفارية وقد استطاعا ان يعكس واقع أوربا سواء في الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية والتربوية … هذا الواقع الذي افرز تقدم الشعوب الأوربية التي تحولت إلى شبح يهدد استقرار المغرب . وقد تمكنا من نقل مشاهد ووقائع وحقائق ضمن التقارير التي دونوا فيها ملاحظاتهم .
ومن هنا يمكن اعتبار الرحلات التي تمت في نفس الفترة شواهد تاريخية لمرحلة تاريخية من أوربا وموقف روادها من تلك التحولات التي واكب الفترة العصيبة من المغرب .
لكن الملاحظة التي تسترعي الانتباه أن الرحلة التي اشتهر بها المغاربة كجنس أدبي منذ عهد المرابطين وتطور في عهد الدولة العلوية يمكن استعراضه كجنس الروبرتاج في مجال الصحافة نظرا لما يبرزه تلك الرحلات من خصائص ومميزات فنية وموضوعية . ولهذا يمكن الخروج باستنتاج أن المغاربة كانوا سباقين إلى ممارسة فن الرحلة / فن الروبوتاج الصحفي قبل الأوربيين بقرون، وهذا سيفتح شهيتي للخوض في الموضوع في القادم من الأيام بحول الله .


• لائحة المراجع والمصادر المعتمدة في هذا العرض

1. الرحلة في الإسلام” عبد الحكيم عبد اللطيف السعدي
2. أدب الرحلات” محمد فهيم
3. وحي البينة ” محمد الفاسي
4. حركة كتابة الرحلة واتجاهاتها في المغرب على عهد العلويين” عبد الله الترغي
5. الرحلة الابريزية ،إلى الديار الإنكليزية” محمد الفاسي
6. أدب الرحلة عند العرب” حسني محمود حسن .
7. موقع ملتقى الاديبات في المغرب العربي ”لسعاد الناصر
8. ” الرحلات المغربية الأندلسية” محمد يوسف نواب
9. ”الرحلة في الأدب العربي” شعيب حليفي في كتاب
10.neelwafurat 
11. الرحلة التطوانية الى الديار الفرنسية للشيخ محمد الصفار، دراسة وتحقيق سعاد الناصر.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف