الأخبار
فيديو: مشاهد من داخل المنزل الذي استشهد فيه اشرف نعالوة بنابلسشاهد: استشهاد المنفذ وإصابة شرطيين إسرائيليين بعملية طعن في القدسحماس تتبنى الشهيد صالح البرغوثي منفذ عملية (عوفرا) برام اللهاستشهاد منفذي عمليتي (عوفرا) و(بركان) الشابين صالح البرغوثي واشرف نعالوةالديمقراطية: هناك ورقة جديدة لِجدولة تنفيذ قرارات المجلسي الوطني والمركزيفتح: التحضيرات لذكرى الإنطلاقة مستمرة وأي تصريحات خلاف ذلك ملفقةبلدية الخليل تشارك في جلسة النقاش التي نظمتها الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بالمحافظةبيت لحم: مكرمة رئاسية لسكان خربة عابدة وسط (غوش عتصيون) تعزيزا لصمودهمأمان: المواطن الفلسطيني يدفع أكثر من 87% من متوسط راتبه الشهري للغذاءاتحاد الشطرنج يواصل تحضيراته لإقامة بطولة الأندية الغزية بمعهد الأملجمعية بيت لحم العربية تعقد ورشة حول التخدير ما قبل العملياتالإحصاء ووزارة التنمية يحتفلان باليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقةغنيم يبحث الخيارات المستقبلية لتوفير احتياجات المياه للأراضي الزراعية بأريحاأبو بكر: تواصل الهجمة والضغط على الأسرى قد يؤدي لانفجار السجون بأي لحظةوزارة الخارجية وعدة بلديات يوقعون مذكرة شراكة لتنظيم مؤتمر لمغتربي بيت لحم ٢٠١٩
2018/12/13
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

في ماهية التقنية ..!؟ بقلم:يونس عاشور

تاريخ النشر : 2018-11-14
في ماهية التقنية ..!؟ بقلم:يونس عاشور
في ماهية التقنية ..!؟
 
يونس عاشور*
يستجلب السؤال عن ماهية التقنيّة إهتمامات كثير من النخب الفكريّة خاصةً أولئك المشتغلون في حقل مسائل التقنية بأبعادها ومستوياتها وطبقاتها العلمية والمهنية والصناعية وما يُطلق عليهم في عصرنا الراهن بمسميّات مُختلِفة منها ما يُعرف بمصطلح التقنيون أو الفنيون أو الصناعيون أو الحرفيون كل من هذه التسميّات أصبحت تتداول وتنشط في أروقة الخطاب الفلسفي المعاصر لإيلاء المعنى أكثر أهمية ودلالة بمناحيه المختلفة، ونحن بدورنا سنقوم في هذا العرض بالتركيز على شرح "مفهوم ماهية التقنية" من وجهة نظر فلسفية لما للموضوع من أهمية بالغة على المستوى الإيديولوجي والإنتروبولوجي معًا حيث بدا مؤخراً توغله في جميع مناحي الحياة بما في ذلك حياة الإنسان ذاته وهذا ما يحثُّنا ويدفعُنا نحو التنقيب والإشتغال في البحث لنتناول مادة أو مفردة من المفردات والموضوعات الهامّة التي باتت تشغل كثير من المثقفين والمفكرين في السعي للوصول المنهجي الميثدولوجي ومن ثمةَ الحصول على جدوى تفصيلية نفعية حول ماهية التساؤل الذي يُطرح من الناحية السيكولوجية والتأثيرية على قاعدة الوضعية السوسيولوجية المعاصرة التي قد تتأثر بمثل ظهور هذه المفاهيم الميلادية الحديثة التي تتداخل وتشابك معانيها ومبانيها الفكرية والفلسفية ببعضها البعض عندما تستأثر حيّزاً مكانياً في العقل البشري فتجعله يُسخِّر كافّة إمكاناته وطاقاته للعمل الدؤوب الذي يسعى في الاتجاه نحو الكينونة من أجل تملّك هذه التقنية العملاقة ليتسنّى له مُمَارسة التحكّم والتسلّط وتسخير كل نفوذه  الإقتصادي والسياسي والاجتماعي بأشكاله المختلفة وصوره المتعددة .
I.    في ماهية التقنية:
تعرّف التقنية Technology بأنّها الأشياء الموجودة الماديّة وغير الماديّة، والتي يتمّ تخليقها عن طريق تطبيق الجهود الفيزيائيّة والماديّة للحصول على قيمةٍ ما، ومن هنا فإنّ التقنية بمفهومها ومدلولها الفسيح تشير إلى الآلات والمعدّات The machines and the equipments التي يمكن أن تستخدم لحل العديد من المشاكل على نطاق العالم وتعتبر التقنية التطبيقات العلميّة لجميع العلوم والمعرفة في شتّى المجالات، وهي بمعنى آخر جميع الطرق التي استخدمت من قبل الإنسان وما زالت تستخدم – كالاختراعات والاكتشافات(Discovery)   – لإشباع رغباته وتلبية احتياجاته،ينضاف إلى ذلك بأن للتقنية منهجان في التعريف أيضاً، يمكن توظيفهما في هذا البحث على النحو التالي:
•    سيرورة السعي وراء الحياة بمنهجيات مغايرة للحياة.
•    وهي مادة منظمّة لا عضويّة.
في ظل التطور الكبير الذي يشهده هذا العصر في المجال التقني التكنولوجي في شتى الطرق وجميع الميادين، وفي الوقت الذي نتمتع به بروعة ومتعة هذه التقنيات، يتبين لنا مدى ضررها أيضاً في مجالاتٍ عدة، لذا يجب مراعاة استخدام هذه التقنيات بشكلٍ واعٍ وصحيح. (1)
     ولو رجعنا إلى التعريف الإغريقي للتقنية لوجدناه هو العمل الحرفي الفني للصانع فهو الفن في معناه الرفيع أو ما يُطلق عليه بالفنون الجميلة Fine arts  يقول الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر : "التقنية لا تعني فعل الصانع و فنه فقط ،بل تعني كذلك أيضا الفن و الفنون الجميلة.
     التقنية جزء من فعل للإنتاج: إنها صناعة أو إنتاج شعري بالمعنى الأسمى للكلمة "Poietique  ("التقنية ــــ الحقيقة ــــ الوجود ترجمة محمد سبيلا و عبد الهادي مفتاح ص 53") . (2)      كما   إن التقنية في عرف الإغريق هي تجربة أولى للطبيعة ،و معرفة تكشف الكائن (الشيء) بما هو كائن .
أما التقنية الحديثة  فهي في نظر هيدجر : انكشاف ومن جهة أخرى هي استثارة و لم تعد قط  إنتاجا.
يقول هيدجر في كتابه ما التقنية ترجمة إسماعيل المصدق ص 179:" إن الكشف الذي يسود التقنية الحديثة هو استثارة تفرض على الطبيعة تسليم الطاقة التي يمكن استخراجها و تخزينها ".
و يخلص هيدجر إلى أن التقنية :"ليست وسيلة فحسب ،بل هي نمط من الانكشاف " ومن ثم فهي عمل إنساني بامتياز.
     "وقد نتجت إختلافات وإجتهادات تعريفيه بين الفلاسفة والأنتروبولوجيين في تحديد مفهوم التقنية لأنّ له تاريخا طويلا فالتقنية كمفهوم شامل كما عرفها لالاند، هي مجموعة من العمليات و الإجراءات Processes المحددة تحديدًا دقيقًا و القابلة للنقل والتحويل بل والرامية إلى تحقيق بعض النتائج النافعة. وهكذا يمكن إعتبارها نشاطًا أساسيًا تنبني عليه باقي الأنشطة الإنسانية ، وإنها جزء من النسيج السوسيولوجي Social unity.  واعتبرها الفيلسوف الألماني شبنغلر، خصيصة إنسانية مرتبطة بالوجود الإنساني مند القدم، فإذا كنّا نتحدث عن التقنية عند الحيوان فهي تضل مجرد خطة حيوية للدفاع عن نفسه كما أنها محددة بالغريزة. بينما ترتبط عند الإنسان بالعقل والفكر أساسا مما يجعلها خطة للحياة و إستراتيجية توجه السلوك البشري . فحسب هذا الفيلسوف لا ينبغي فهم التقنية من خلال وظيفة الأداة بل تتجاوز ذلك بكثير فشملها في كونها تلك الأهداف و المخططات التي تقف وراء صنع الآلات .وقد جاء مارتن هايدغر، ليكمل ما قد بدأه شبنغلر إذ أقرّ بأن ماهيّة التقنية تكمن في اعتبارها نمط وجود إنساني لم يعد الإنسان يتحكّم فيه، بل أصبح خاضعًا للفكر المتمثّل في السعي وراء إكتشاف أسرار الطبيعة واستخراج مواردها." (3)
     بعد هاته المقدمة في إستعراض التعريف الماهوي الكلّي للتقنية يستأثرنا الحديث عن الجانب الفلسفي والماهوي للتقنية التي غدت بكل أبعادها تجتاح وتتوغل جوانب حياة الإنسان بدون إستئذان على أنها في جوهرها تقنية استلاب ورهان أي ترهن الإنسان إلى درجة لا يتصوّر كيف يعيش بدونها وكأنها المكمل والمتمم لشؤون حياته اليومية والآتية وهذا هو سر إنتشارها وتعبيدها الطريق بالورود الجميلة من أجل الاستمرار في السيطرة والنفوذ، ولعل التهديد الكامن في ثناياها يشي بهذا التصور في الجانب الذاتي لحياة الإنسان فهي تقدم الاندماج والاسترخاء والدخول المرن بشقيه المكاني والزماني في عالمها على أنها المخلّص الوجودي أيضًا لذاتية الذات عندما يتحوّل الأمر إلى الضغط على أزرارها وأداتياتها مثلاً كما قد تطرقنا إليه في موضوعات فلسفية متفرقة من أبحاثنا التي عُنيت بهذا الشأن.
     إنّ إضفاء المعنى على مفهوم التقنية كمفهوم يتولّد من الانطلاق نحو تكوين العلاقة بين الأهداف الذاتية والغايات الإستراتيجية التي تقوم عليه، فهي ليست أداة صماء بل هي من تمد الإنسان وجوده وتحدد له طموحاته المستقبلية وترسم له صوره العقلانية التي تتسم بوضوح الرؤية وتحقيق سمات الفكرة التي يركض الإنسان من وراءها سعياً منه لتحقيق المكاسب والإنجازات الحداثية الكبرى وهذا ما تحقق بالفعل في أزمنتنا الراهنة عبر منجزاتها ومكتسباتها اللامحدودة، كما أنّ فعلها يشرئبُّ دوماً في فضاءات الإستحواذ وحبَّ التملّك والإتجاه نحو الكينونة بإقامة منطقة حرّة تهدف إلى إستجلاب ليس فقط في الجانب الإقتصادي فحسب وإنما خلق مفهوم الإسترقاق والعبودية والتسجين الذي يهدف إلى إذابة عنصر الحرية والاستقلال ومن ثمةَ التمرد والانقلاب على الإنسان كإنسان مما يجعله في نهاية المطاف أسيراً لكل أدواتها التي تمارسها هذه التقنية على كافة شؤون حياته اليومية،  فالوضع بخطورة هذا التوجه اللامحدود يشي عن أنّ الوعي يخلق لا وعياً أخلاقياً كما نراه اليوم ونشهده في مسائل التدمير والاحتراب والقتل والفتك وممارسة الإجرام المنظّم بإستخدام وتوظيف كل هذه التقنية لصالح الأطماع والغايات البشرية التي من أجلها تخلق سوقاً رائجاً عالمياً يقوم بالتصنيع وإعداد أجهزة التنصت الإلكترونية المختلفة التي تدفع لأجلها ملايين الدولارات في شبكات الاقتصاد العالمي اليوم.
II.    التقنية والطبيعة والإنسان.
     علاقة التقنية بالإنسان علاقة يشوبها التباس والتصاق في آن،  فإلانسان بقدر ما هو ساعد على التكفير في صيرورة التقنية واختراعها في النقل الصوري الشكلاني الجنيني أي من الطور التقليدي إلى الطور الحداثي ومن المفهوم البدائي إلى المضمون النهائي ومن المسار الجزئي إلى التفكير الكلي الذي جعل منها فيما بعد في موقع  السلطة والنفوذ واستعباد هذا الإنسان بشتى أشكال الصور  التقنية أيضاً بما لها مسارات وأغراض تقنية أخرى في مواضع الاستلاب لذاتية الإنسان فهذا الأخير هو الذي ساعد على تطويرها ونقلها عبر مسارات وممرات أضفت صبغة على إعادة تشكيل الوجود الإنساني ذاته  بما أن لها اليد الطولى في بسط نفوذها بإتجاه فرض نتائجها وغاياتها التي تمثلّت في إيجاد السلطة والسيادة والقانون وقد أصبح الإنسان بعدئذ في موقف الضعف والعبودية إزاء الطبيعة بدل أن يكون في موقع القوة والسيادة ، وهذا ما سنحاول عرضه وتفصيله بالإعتماد على دراسة الأستاذ سمير مجذوب في فلسفة مفهوم التقنية وعلاقتها بالطبيعة والإنسان.
     إن التطور الهائل الذي واكب التقنية الحديثة قلب المعادلة، فمع بداية العصر الحديث راودت الإنسان فكرة السيطرة على الطبيعة، وقد عبر فرانسيس بيكون عن هذه الرغبة في عبارته الشهيرة " لا يمكن السيطرة على الطبيعة إلا بالخضوع لها والخضوع يقتضي فهمها عن طريق اكتشاف القوانين التي تحكمها وابتكار الأدوات التقنية الأولية وصنع الآلات التقنية الحديثة. من هنا يمكن تلخيص طبيعة العلاقة من خلال التصور الديكارتي، فقد دعا ديكارت إلى ضرورة الإهتمام بالفلسفة العلمية عوض الفلسفة النظرية، وذلك من أجل السيطرة على الطبيعة، لكن إذا قارنا هذا التصور بتصور مسكوفيشي، بالنسبة إليه إن التقنية ليست مضادة للطبيعة كما هو الشأن بالنسبة لديكارت، بل هي جزء منها، أي هي الوجه الآخر للتطور الذي حصل في العالم الطبيعي ككل، فالأشياء التي حولها الإنسان إلى صناعات آلات هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة وليست غريبة عنها ويقول موسكوفيشي" إن كل ممارسة إنسانية، بما هي إنسانية، لا يتولد عنها ما هو مصطنع أو ما هو مضاد للطبيعة، بل إنها تنخرط بشكل توافقي في حركة الكون المادي نفسه. بعبارة أخرى، إن الإنسان يؤسس فنه وطبيعته، بالطريقة نفسها. في هذا السياق يقر جون جاك روسو أنه كلما كانت علاقة الإنسان مع الطبيعة علاقة جيدة، كلما عاش سعيدا " فطالما أن البشر يقنعون بأقواتهم وحاكوا لباسهم بجلود الحيوانات إلا وعاشو سعداء" أي مند اللحظة التي كان فيها الإنسان يعيش مع الطبيعة، كان سعيدا وحرًا، لكن بمجرد أن أصبح في حاجة لمساعدة الآخرين، أصبح في صراع معهم وملكًا عليهم وسيدًا، فالمساواة التي كانت حاصلة مع الناس الذين يعيشون في الطبيعة سوف تنمحي، آنداك تحدث اللامساواة Inequality، وتظهر الملكية الخاصة Private property، حتى صار العمل أمرا فضروريا. والغابات التي كانت في ملك الجميع أصبحت ضيعات مدجنة في ملكية شخص أو جماعة أو دولة، هنا نطرح السؤال من الذي أحدث هذه الثورة؟
التعدين والزراعة هما الفنان اللذان أنتجا الثورة، خاصة ثورة انفجار العلاقات وانقلاب الوضع مع الطبيعة، فبعدما كان الوضع حميميا مع الطبيعة، أصبح الإنسان في حاجة أجر، فظهرت المزايدات والتكالب والمآخدات، حتى صارت العلاقة الإنسانية علاقة قرضية.
إذن ماذا نفهم من هذا القول؟ نفهم منه أن اكتشاف المجتمع والتقنية أدخلتا الحضارة على الإنسان، لكنهما أفسدتا الطبيعة البشرية. هذا من جهة ومن جهة أجرى، لقد ذهب هنري برغسون إلى اعتبار أن التدخل التقني في الطبيعة نزع عنها جانبها الحيوي، لذلك فإن استعمال الإنسان لذكاءه واستخدامه للأدوات والآلات حول الطبيعة إلى مواد جامدة، ثم إهمال ما يتعلق بالحياة والإندفاع الحيوي. هذه الفكرة نلاحظها من خلال قول هنري برغسون في كتابه évolution créatrice " ذكاءنا إذ يخرج من بين يدي الطبيعة ليس له من موضوع رئيسي غير ماهو جامد وغير منظم."
إذا كان الهذف من التقنية هو السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصالح الإنسان، فهل تحقق هذا الهدف في الحقبة المعاصرة، أم قلبت المعادلة فأصبح الإنسان خاضعا لسلطة التقنية مجرورا بحبال الآلة، وبما أن التقنية أصبحت منتشرة كمنضومة واسعة تشمل جميع مناحي الحياة، فهل أثر هذا سلبا على الكائن البشري أم إيجابا على حياة الإنسان ومصيره؟ (4).
__________________________________
المراجع :
(1)    موقع "موضوع" أكبر موقع إلكتروني عربي بالعالم.
(2)    (التقنية – الحقيقة – الوجود). ترجمة محمد سبيلا وعبدالهادي مفتاح. المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 1995م.
(3)    بحث في التقنية والإنسان – بقلم: أعلاش حبيبه.
(4)    مفهوم التقنية وعلاقتها بالطبيعة والإنسان. للإستاذ سمير مجذوب – الحوار المتمدن العدد 4130 تاريخ 21/06/2013
كاتب وباحث فلسفي*
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف