الأخبار
الاحتلال يُصوّر منزل أسير في قرية بير الباشا جنوب جنينروضة المتميّزون بقلقيلية تحيي يوم الكوفية وإعلان الاستقلالبلدية الحمرية تطلق حملة لتوعية مستخدمي الدراجات المائيةسبعة قرارات أممية جديدة لصالح القضية الفلسطينيةارتفاع عدد ضحايا حرائق الغابات في شمال كاليفورنيا إلى 71 شخصاًوزارة العدل الأمريكية تُعلّق على أنباء صفقة "غولن مقابل خاشقجي"الأحمد للسنوار: الحوار والوحدة الوطنية أقوى من الصواريخ والقنابل النوويةنتنياهو يسعى إلى إرجاء حل الكنيست الإسرائيليتوصيات جديدة للشرطة ضد نتنياهو في (الملف 4000)الكشف عن التفاصيل الفنية للرياضات الجديدة والموحدة بالألعاب العالمية للاولمبياد الخاص أبوظبي2019اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني ومجموعة كشافة ومرشدات العودة ينظمون مسيرة كشفية"التربية" تدعم ترشيح رفعت الصباح لموقع رئيس الحملة العالمية للتعليمدوري جوال السلوي.. غزة الرياضي يواصل مسيرة الانتصارات ويكتسح خدمات خانيونسفتح تدعو إلى إعادة إسكان المنازل الفارغة في شارع الشهداء بالخليلمصر: معهد الاقتصاد بـ 6 أكتوبر ينظم ندوة عن الرياضة وبناء الإنسان
2018/11/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي

تاريخ النشر : 2018-11-08
استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي
        مادونا عسكر/ لبنان
- النّصّ:
الدّاخل أرحـب
سقطتُّ في السّماء
كنت أعرجُ في أرض
بلا نافذة..
هناك على الحافّة..
أصرخُ لا يَسمعني أحد
..
أمشي ببطء كعادتي
أطلق بسملتي على البّاب
لكنّي لا أفتحه ..
..
الفكرة تقسو على العتبة
الإنصات لما تقوله الاشياء
يُكلّفني كثيراً..
..
أين الأرض..؟
الفسيلة كادت تذوي
في يدي..
لا أعرف أين أنا
غير أنّي أتّجه إلى هناك
العثراتُ أقسى
من أشواك الطّريق
**
أجثمُ في نفسي بصمت
لا محراب إلاّ في القاع الجليل
الّذي يغمرني ببياضه..
..
الدّاخل أرحب
الهذيان الذي أَغْرَقَنِي
في حكمته..
مَدَدْتُ في رحابه سجّادي
..
ما ثمّة آفاق موصدة..
وراء الغيم مباشرة
تتشرّع النّوافذ..
- القراءة:
في درجة متقدّمة من الاستنارة الشّعريّة، يرتدّ الشّاعر التّونسيّ يوسف الهمّامي إلى الدّاخل معلناً حقيقة أدركها بالفعل (الدّاخل أرحب) وكأنّي به يلج عمق المعنى القائل "وتحسب أنّك جـِرمٌ صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر". لقد دخل الشّاعر عمق هذه الحقيقة الّتي يحياها ومن خلالها يعيد قراءة ذاته ومحيطه واختباراته. ولعلّه يخطّ سيرة ذاتيّة من نوع خاصّ تنطلق من خارج إلى داخل، لا لتبيّن لنا انتقال الشّاعر من خارجه إلى داخله وإنّما يروي من خلالها يوسف الهمامي مسيرته نحو الاستنارة الفكريّة والرّوحيّة.
(الدّاخل أرحب) العنوان الحقيقة المستحوذ على الشّاعر الإنسان بمعنى أنّ الشّاعر وصل إلى رتبة خاصّة في الشّعر مكّنته من ولوج العالم الدّاخليّ الّذي عاشه بالقوّة واليوم يحياه بالفعل. الدّاخل أرحب ممّاذا؟ من الأرض أم من الكون أم من الشّاعر نفسه. ولعلّنا أمام المدخل إلى القصيدة (سقطتُ في السّماء) نتيقّن أنّ الشّاعر يعيد قراءة تاريخه على ضوء حضوره في لحظة نشوة شعريّة سماويّة فصلته عن كونه، فحلّق عالياً ثمّ سقط في المكان المعدّ لهذه الاستنارة. ويشير الفعل (سقطت) إلى ارتقاء سابق جعله في الأصل فوق العالم. فهو لم يستخدم لفظ (صعدت إلى السّماء) أو (رأيت السّماء) بل يتحدّث عن فعل سقوط في السّماء. وكأنّي به يشير إلى أنّ الدّاخل الأرحب هو السّماء. فيفهم القارئ أنّ السّماء حاضرة في كينونة الشّاعر وسقط فيها كفعل ارتحال نهائيّ وانفصال نهائيّ عن الأرض.

لم يكن الشّاعر غافلاً عن الحقيقة ولا يعرّف القارئ على حقيقة اكتشفها، وإنّما يعرّفه على القرار بولوجها. وهو يعي جيّداً أنّه كان على مشارفها فوضعنا أمام مشهدين. المشهد الأوّل السّماء الحاضرة فيه (سقطّت في السّماء) الدّالّة على التّحرّر من كلّ شيء، والمشهد الثّاني الخطوة المتعثّرة  بضعف الإنسان الّذي لم يتحرّر بعد، ما يشعره أنّه مقيّد بذاته (كنت أعرجُ في أرض  بلا نافذة.. ). النّافذة المفقودة في الأرض دلالة على الانغلاق الكلّيّ. ومن جهة الشّاعر هي دلالة على  صعوبة العيش في منطق هذا العالم (كنت أعرج). وتكمل المعنى عبارة (أمشي ببطء كعادتي ) تدلّ على سعي دؤوب للشّاعر ولكنّه سعي تنقصه الاستنارة ليعاين الحقيقة (أطلق بسملتي على البّاب / لكنّي لا أفتحه .. ).
الشّاعر أمام الحقيقة الثّابتة، يعاينها يتّصل بها بالرّجاء (أطلق بسملتي) لكنّه لا يلجها ليس لأنّه متردّد وإنّما لأنّ الوقت لم يحن بعد. الارتداد إلى الدّاخل أمر شديد الصّعوبة، ويتطلّب الكثير من التّأمّل والإصغاء إلى الصّوت العميق في قلب الإنسان. الشّاعر على عتبة الحقيقة يصغي بتمعّن إلى صوتها على الرّغم من كلّ الصّعوبات الّتي تواجهه نتيحة هذا الإصغاء الدّقيق. فالشّاعر يرى ويسمع ويعاين لكنّه محاط بأرض بلا نافذة. أي أنّه مقيّد بشكل أو بآخر بوجوده في هذا العالم. هو يحيا من جهة في السّجن الكبير/ الكون ويحيا من جهة أخرى الحرّيّة الدّاحلية/ السّماء. وهنا تتجلّى الغربة الّتي تشكّل ذروة الألم.
 (الإنصات لما تقوله الاشياء/ يُكلّفني كثيراً)/ (لا أعرف أين أنا/ غير أنّي أتّجه إلى هناك) إشارات إلى وعي الشّاعر الكامل بداخله الأرحب، لكنْ لا بدّ من السّعي لاستحقاق هذا الدّاخل. كما أنّه لا بدّ من قرار يُتّخذ في اعتناق هذا الدّاخل والمكوث فيه والتّحرّر من خلاله بمعزل عن المحيط.
أجثمُ في نفسي بصمت
لا محراب إلاّ في القاع الجليل
الّذي يغمرني ببياضه..
يجثم الشّاعر في السّماء حيث سقط فنفسه هي المكان الحقيقيّ الّذي يلتقي به بالحقيقة، بالسّماء، بالله. في نفسه، في عمق العمق، حيث لا حس ولا سمع ولا بصر يسكن الصّوت الإلهيّ الّذي يغمر الشّاعر ويطهّره ويحرّره ويكتبه. في هذا العمق الجليل يتحاور الشّاعر مع محبوبه الإلهيّ معتبراً هذا العمق هو المكان الأرحب المهيّأ للصّلاة (الدّاخل أرحب / الهذيان الذي أَغْرَقَنِي / في حكمته.. / مَدَدْتُ في رحابه سجّادي).
وإذا ما جثا الشّاعر في سمائه اتّحد بالصّوت والكلمة وتحرّر وبلغ الحقيقة (ما ثمّة آفاق موصدة)، بل انغمس فيها واغتسل بمائها (وراء الغيم مباشرة / تتشرّع النّوافذ..). الغيم الدّال على فيض الماء وانسكابه يشير إلى لحظة خاصّة وربّما دامعة انقشعت بعدها الحقيقة ولعلّه في هذه اللّحظة المقدّسة أطلق بسملته على البّاب وفتحه.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف