الأخبار
الأحمد للسنوار: الحوار والوحدة الوطنية أقوى من الصواريخ والقنابل النوويةالكشف عن التفاصيل الفنية للرياضات الجديدة والموحدة بالألعاب العالمية للاولمبياد الخاص أبوظبي2019اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني ومجموعة كشافة ومرشدات العودة ينظمون مسيرة كشفية"التربية" تدعم ترشيح رفعت الصباح لموقع رئيس الحملة العالمية للتعليمدوري جوال السلوي.. غزة الرياضي يواصل مسيرة الانتصارات ويكتسح خدمات خانيونسفتح تدعو إلى إعادة إسكان المنازل الفارغة في شارع الشهداء بالخليلمصر: معهد الاقتصاد بـ 6 أكتوبر ينظم ندوة عن الرياضة وبناء الإنسانالتجمع الفلسطيني للوطن والشتات بأوكرانيا يشارك فتح بإحياء ذكرى استشهاد ياسر عرفاتأبو بكر يبدأ جولة القاهرة بزيارة برناوي والقيادي عبد اللهوزير الاعلام اليمني يوجه بلاغاً للأمم المتحدة حول خرق الحوثيين لهدنة الحديدةالحلواني يزور مهرجان ذكرى تكريم الرئيس الشهيد أبو عمار بمخيم اليرموككيف جاءت أسعار العملات مقابل الشيكل اليوم السبت؟السبت: ارتفاع على درجات الحرارة وأجواء غائمة جزئياً إلى صافيةالجعفري: الجولان أرض سورية وسنستعيده سلماً أو حرباً(CIA) الأمريكية تتهم محمد بن سلمان بتوجيه أوامر قتل خاشقجي
2018/11/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الزراعة وشيء من برمجة العقول (الحلقة الأولى) بقلم:سعد داغر

تاريخ النشر : 2018-10-17
الزراعة وشيء من برمجة العقول (الحلقة الأولى)

سعد داغر
مركز العمل التنموي/ معا
 
يجب تعويض التربة عما تفقده من عناصر غذائية، لأنها تُستنزف بسبب زراعة المحاصيل، التي تستهلك تلك العناصر، مما يؤدي إلى تراجع في خصوبة التربة على مر السنين. وتعرّف خصوبة التربة، كما هو مألوف، بأنها: قدرة التربة على تزويد المحاصيل المزروعة فيها بكل ما تحتاجه من العناصر الغذائية من أجل نمو تلك المحاصيل وتطورها!!
 (التضليل الأول) ولأننا في عصر نحتاج فيه إلى زيادة إنتاج المحاصيل وتوفير الغذاء لتسعة مليارات إنسان على وجه هذه الأرض، يصبح من الضروري استخدام "مخصبات" كيماوية توفر للنبات ما يحتاجه من العناصر بشكل سريع، حيث تحتوي هذه "المخصبات"/الأسمدة الكيماوية على تراكيز عالية من العناصر القابلة للامتصاص مباشرة من قِبَلْ النباتات.
أمّا (التضليل الثاني) فيتمثل بالإشارة إلى الأسمدة الكيماوية باستخدام كلمة مخصّبات، أي ما يزيد من خصوبة التربة). هذه التراكيز العالية من العناصر الغذائية "لا تتوفر" ولا تستطيع الأسمدة الطبيعية توفيرها للنبات، حيث تحتوي الأسمدة الطبيعية على نسب ضئيلة جداً من العناصر الغذائية التي يحتاجها.
تلك هي، بشكل أو بآخر، الديباجة، التي نقرأها في الكتب الزراعية المألوفة، أو نسمعها من ذوي الاختصاص، عند الحديث عن الزراعة وتغذية النباتات، وتُنقل هذه الأفكار إلى المزارعين والفلاحين، الذين يتلقونها ببساطتهم ويبدأون التصرف بناءً عليها، لتبدأ بعدها رحلة نحو تدمير التربة وظهور مشاكل، لا قدرة للمزارعين ولا أولئك المختصين على حلها.
تدهور التربة
في الحقيقة، لقد تمت برمجة العقول لكلا الطرفين على تلك الأفكار، ليصبح "البديهي" هو استعمال الأسمدة الكيماوية "الغنية" بالعناصر المتاحة مباشرةً للنبات، والتي تعطي نتائج سريعة، في عصر يدفعنا نحو السرعة في كل شيء، لدرجة أننا غيرنا طبيعة الكائنات الحيّة، من نباتات وحيوانات نتغذى عليها، من أجل أن تنتج لنا "بسرعة"، دون أن نقف ونتأمل حياتنا ونسأل: إلى أين نحن مسرعون؟
يذكر جون جيفونز في كتابه "كيف تنتج خضاراً أكثر" أن الطرق والتطبيقات الزراعية المُتَّبعة، أي الطرق التي تعتمد على الكيماويات، تؤدي إلى إفساد 6 كغم من التربة تقريباً، من أجل إنتاج 1 كغم من الغذاء، ما يعني أن هذا النمط الزراعي غير قابل للاستمرار، وزراعة من هذا النوع هي ببساطة زراعة غير مستدامة.
 في الولايات المتحدة الأمريكية تتدهور التربة السطحية نتيجة النمط الزراعي السائد بسرعة تصل إلى ثمانية عشر ضعفَ سرعة التكون الطبيعي للتربة. وبشكل عام فإن سرعة استنزاف التربة بسبب الممارسات الزراعية الحالية تصل ما بين 8 إلى 80 ضعف قدرة الطبيعة على بناء التربة، وذلك بسبب نقص المادة العضوية من التربة وعدم تعويض هذه المادة بالأساليب الزراعية الكيماوية. وإذا ما استمرت تلك الأساليب الزراعية، فسوف لن يبقَ لنا تربة نزرعها خلال الـ 50-100 عام القادمة على مستوى العالم.
وعلى سبيل المثال، يعتقد البعض أن النمط الأمريكي في الإنتاج الزراعي هو الأكثر تقدماً على مستوى العالم، وهذا خطأٌ يقع فيه من ينظر إلى قمة جبل الجليد، فهذا النمط الإنتاجي يعتمد على كميات هائلة من الطاقة، إذ أن إنتاج طن واحد من السماد يستهلك ثلاثة أطنان من النفط.
من هنا ندرك، أن النمط الأمريكي في الإنتاج هو النمط الأقل جدوى في العالم، ولا يمكن الاعتماد عليه على المدى البعيد، بل ربما على المدى القريب أيضاً، خاصة في ظل غلاء أسعار مشتقات النفط المستعملة في الإنتاج الزراعي، وقد تأثرت نتيجة لذلك ولعوامل أخرى أسعار المنتجات الغذائية على المستوى العالمي، وأثرت هذه الأسعار على حياة شرائح واسعة من الناس خاصة الفقراء ومتوسطي الدخل. ويذهب إدغار بيزاني وزير زراعة فرنسي سابق،  إلى القول أن إنتاج وحدة طاقة واحدة من الغذاء (سُعُرْ حراري) بالطرق الكيماوية، يحتاج إلى (10) سعرات حرارية. فأي استدامة يمكن الحديث عنها في ظل هذه المعادلة المختلة في الإنتاج؟ بينما في الزراعة البيئية فإن وحدة من الطاقة تنتج وحدتين من الغذاء، حسب الدراسات التي أجراها جون جيفونز وفريقه.
تضليل وعواقب وخيمة
إن الأساليب الزراعية "الحديثة" نسفت كل الإبداع الفكري في مجال الزراعة، والذي تطور عبر مئات، بل آلاف السنين، ونشأ لدينا نوع من التضليل القائم على فكرة أننا وصلنا إلى قمة المعرفة في هذا الميدان، والواقع أنها معرفة في مجالات ضيقة ومحددة جداً أنتجت خسائر في ميادين أخرى، كالصحة والبيئة والعلاقات الاجتماعية وغيرها. ولا نجافي الحقيقة حين نقول، أن هذا النمط الزراعي يدر الأرباح من وجهة نظر اقتصادية بحتة، ولكن التنمية والاستدامة عملية ذات طبيعة شمولية، لا تقتصر على الربح فقط، بل تقتضي احترام البيئة التي لا نملك الحق في إفسادها لأنها لم تكن من إنتاجنا، بل من إنتاج خالقها، وهي ليست ملكاً لنا فقط، لكن البشرية في هذا العصر تتصرف بأكثر حالات الأنانية الممكن تصوّرها، باستنزافها لموارد الأرض ومنها التربة للعصر الحالي، دون الأخذ في الحسبان إحتياجات الأجيال الآتية بعدنا.
ولكي ندرك حجم التضليل الذي يمارس على المزارعين والدارسين لعلوم الزراعة، علينا تأمل الطبيعة وكيف تعمل، ونتأمل وضع التربة في الغابة وتحت شجرة البلوط تلك. تلك التي تراها تقف هناك شامخة منذ عشرات، ربما مئات وأحياناً آلاف السنين، تزداد نمواً واخضراراً، تلقي بأوراقها القديمة وثمارها تحتها وتكتسي بأوراق جديدة كل عام. تربتها لا تنقص، بل العكس تماماً هو ما يحصل، فالتربة في الغابة تحت تلك الشجرة لا تنقص ولا تُستنزف بسبب النمو الدائم للأشجار، بل نراها تتزايد، وتزداد خصوبة، وفيها من المادة العضوية والدبال ما لا تستطيع أن تجده في أي أرض زراعية تزرع بالطرق الحديثة.
العبرة في الغابة
 تلك هي الشجرة، التي لا تنتقل من مكانها لتبحث عن تربة جديدة تنمو فيها لأن تربتها "استهلكت" بسبب هذا "الاستنزاف" الطويل، كما يقال لنا في الزراعة الكيماوية. إن حياة الغابة والتربة فيها يجب أن تدعونا للتأمل وإعادة الحسابات في كيفية التعامل مع التربة.
 سيقال لنا، بأن الزراعة تختلف عن وضع الغابة، لأننا نحتاج للزراعة المكثفة لإنتاج محاصيل أكثر، لكن أليست الأشجار والنباتات في الغابة كثيفة أيضاً؟ ونعود للسؤال المهم: لماذا لا تنقص التربة في الغابة ولا تُستنزف، بل تزداد خصوبة عاماً بعد عام؟ والجواب: لأن التربة هنا تحتوي على أعداد هائلة من الكائنات الحية، التي تعتبر هي المؤشر الحقيقي على خصوبة التربة، لأن وجودها يعني زيادة متواصلة في المادة العضوية "الكربونية"، التي هي أساس مقياس خصوبة التربة.
عقدة (NPK)
في التعليم الزراعي تبدأ عملية أخرى من برمجة العقول والتي أطلق عليها "عقدة ن-ف-ب" (نيتروجين-فسفور-بوتاسيوم) أو ما يسمى (NPK)، فمنذ اليوم الأول لبدء تعلم الزراعة وحتى الحصول على أعلى درجات العلوم الزراعية تبدأ عملية "قصف" العقول بـ NPK. ولندرك كيف تجري هذه البرمجة دعونا نتأمل السؤال الآتي: ما هو العنصر/العناصر الأكثر إستهلاكاً من قِبَلْ النباتات؟
إنه الكربون ويشكل نحو 50%، وإذا أضفنا الأكسجين والهيدروجين نصل إلى ٧٨٪، وهذه العناصر لا يجري الحديث عنها، لأنها ببساطة لا تتحول لأسمدة كيماوية يتم الإتجار بها!! وإذا أضفنا النيتروجين الموجود في الجو ونسبته هي الأعلى من مكونات الهواء سنصل إلى ٩٣٪ من حاجة النبات. هذا لا يعني بالمطلق عدم حاجة النبات إلى العناصر الأخرى، لكن تلك الـ ٧٪ الباقية موجودة في التربة باستمرار، بالضبط كما هي في تربة الغابة، التي نادراً ما نلحظ على نباتاتها علامات "نقص" العناصر.
آليات الحفاظ على التربة
نحتاج لتغيير النظرة المألوفة للتربة والتي تقول بأن التربة هي "الوسط" الذي تنمو فيه النباتات ويمدها بالعناصر الغذائية (وهذا نوع آخر من التضليل وبرمجة العقول)، لتصبح النظرة للتربة على أنها جسم حي نابض بأشكال الحياة، التي ندرك بعضها ولا ندرك بعضها الآخر وندرك شيئاً من العلاقات بينها ولا ندرك الكثير من تلك العلاقات. وبهذا المفهوم يجب أن ننطلق في عملنا الزراعي للحفاظ على التربة، من خلال:
1.    الحفاظ على الكائنات الحية وعلى توازنها في التربة بالابتعاد عن استخدام الكيماويات الزراعية بما فيها الأسمدة الكيماوية التي تخل بتوازن الكائنات داخل التربة.
2.    حفظ وزيادة المادة العضوية للتربة وتحسين خصوبتها من خلال التسميد بالأسمدة العضوية (سباخ، روث حيوانات المزرعة، السماد الأخضر).
3.    تقليل تعريض سطح التربة للعوامل الجوية وعوامل التعرية بالحفاظ على سطح تربة مغطى بالمحاصيل والقش باستمرار.
4.    الحفاظ على التربة رطبة بالشكل المناسب أطول فترة زمنية ممكنة من العام، لتوفير البيئة المناسبة للإبقاء على الأحياء الدقيقة وعلى نشاطها في التربة.
5.    تقليل السطح المعرض للشمس، للحد من التأثير القاتل لأشعة الشمس على أحياء التربة.
إن تربة غنية خصبة وقوية تنبت فيها محاصيل قوية قادرة على تحمل الآفات، والتعايش مع الظروف غير المناسبة، بسبب المقاومة الطبيعية التي تكتسبها التربة وتُكْسبها للنبات، تماماً كالأم التي تتمتع بصحة جيدة وتكون قادرة على ولادة طفل سليم يمتلك مقاومة كافية لتجعله قادراً على مواجهة المرض. التربة المُعاملة بالكيماويات تماماً كما جسم الإنسان، الذي يكثر من تناول الأدوية الكيماوية، يصبح جسده ضعيفَ المقاومة وحساساً للمرض، فهي تصبح فاقدة للمقاومة وحساسة للمرض عند استعمال الكيماويات الزراعية. لذلك يجب الحرص على صحة التربة من خلال الحرص على الحياة الموجودة بداخلها. فحياتنا فوق الأرض تحتاج مزيداً من الحياة في باطن التربة.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف