الأخبار
صور: الأقراط الناعمة خيارك في كل المناسباتإضاءة شجرة الميلاد في سفارة دولة فلسطين في أبوظبيشاهدي أبرز إطلالات النجمات المتشابهةمهرجان العيون للشعر العالمي.. ترسيخ للعلاقات الثقافية بين الشعوبفي جبل لبنان.. طعنت زوجها بسكين مطبخ لفتور العلاقة بينهمافوز فريق جامعة فلسطين بالمركز الثاني لخماسيات كرة القدم لمؤسسات التعليم العاليفتح تبحث دمج القطاعات العمالية في اللجان التحضيرية لإحياء ذكرى الانطلاقةلبنان: بريندا هيرد الكاتبة الدولية: المقاومة في لبنان دفاعية وليست هجوميةاللواء الرجوب: قرارنا ثابت بتأمين الدعم للاتحادات بدءا من العام المقبلممثّلة تفقدُ يدها في مشهدٍ خطير.. والتعويض 2.7 مليون دولارمنة فضالي تكشف حقيقة أزمة بدل الرقص وخلافها الأخيرالهباش يُطالب العرب والمسلمين بقطع العلاقات مع أستراليا إذا اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيلاللجنة الاولمبية تنظم وقفة تضامنية استنكارا لاقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لمقرهاالجامعة الأمريكية في رأس الخيمة تحصل على الإعتماد من الأمريكيمصر: ندعم الرئيس عباس وموقفنا راسخ تجاه القضية الفلسطينية
2018/12/16
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الذاكرة الخصبة في ديوان "الذاكرة المنسية، بيت الريش" محمد العامري بقلم: رائد الحواري

تاريخ النشر : 2018-08-10
 بقلم: رائد الحواري

الذاكرة الخصبة في ديوان
"الذاكرة المنسية، بيت الريش"
محمد العامري
احيانا نميل إلى حياتينا السابقة، رغم ما فيها من شدة، ولا أدري السبب وراء هذا الميل، هل هو ناتج عن وقع لحياة الصعبة الآن، فنجد الماضي أقل صعوبة؟، أم أن ذاكرتنا بعد عقود، تعمل على محو تلك القسوة، فيبدو لنا الماضي أجمل؟، أم لأننا كنا في حينها نحمل أحلاما وآملا كبيرة، والآن أصبحنا نجتر العيش لننهي مهمتنا؟، الشاعر "محمد العامري" يحاول أن يقدم لنا تعليلا/تفسيرا لهذا الميل إلى الماضي في قصيدة "كثرة البيوت" والتي قول فيها:
"...
حبيبي
أنا أول الورد في كفل النهر
خذني قليلا إلى شمعدان الطفولة والطين .. خذني
قليلا ... سأروي إليك فراغي
فقل للذين أسورهم بالعقيق
إني الطيور التي حلقت في البعيد
لتلقي على الماء أسمالها وتشيخ
قليل علي الغناء
كثير علي الهواء" ص80و81، هذا المقطع بفكرته مطلق البياض، بحيث نجد كل المعاني تحن إلى المكان، إلى الماضي، إلى الطفولة، إلى الطبيعة، إلى الفن والإحساس الجمالي والتمتع به، لهذا نجد الشاعر يميل إلى ماضيه، فهو الآن يفتقد هذا الأشياء أو يفتقد بعضها، وهذا ما جعله يحن إلى الأشياء/العناصر الحيوية التي لم تعد موجودة.
في هذا الديوان هناك شيء جميل، أليس فقط ذلك الماضي، بل اللغة التي استخدمها "محمد العامري" والاسلوب الذي قدم به قصائده، فهناك تناسق بين اللغة والأسلوب والأفكار التي يتناولها الشاعر، ونجد في هذا الديوان العديد من تراثنا، العاب الطفولة، عمل الأمهات، علاقتنا بهن، التعليم، المكان/الجغرافيا، وعلاقتنا به، الطبيعة والبيوت، لهذا نجد غياب المرأة/الحبيبة، لكن الشاعر يحدثنا بشكل مستفيض عن أمه، وهذا ما يجعل الديوان منسجما ومتناسقا.
قبل الدخول إلى الديوان نتوقف قليلا عند عناوين القصائد والتي تخدم الفكرة التي أراد الشاعر تقديمها، فكرة ميله إلى الريف، إلى قريته، إلى بيته، إلى أمه، إلى ألعابه، إلى النهر الذي تعمد به، فأصبح ذلك الماء (مقدسا) للشاعر، فنجد حضور البيت في أكثر من عنوان، "رائحة البيت، بيت الريش، كثرة البيت، باب البيت" وهذا يشير إلى العلاقة الحميمة بين الشاعر وبيته الريفي، ونجد الطبيعة من خلال "النهريون، رحيل الغائب في نهر الفضة، تمرينات نهرية، الشتوة الأولى، الثعلب، فخاخ الأب، القليعات مملكة الطير، شتاء الراعي، ممحاة البازلت" ونجد الحياة الاجتماعية في "تمائم جدتي، فخاخ الأب، اخوتي، الشتوة الأولى، طقس الختان" إذن من خلال العناوين يمكننا أن نأخذ فكرة عن طبيعة القصيدة والمادة التي سيقدمها الشاعر، فهي مجتمعة تخدم عنوان الديوان، "الذاكرة المنسية، بيت الريش"، وكأن الشاعر يريدنا أن نتذكر ما نسيناه، ما كانت عليه طفولتنا، وبالتأكيد هناك أفكار تتبع هذا التذكر، وتجعلنا نتوقف متسائلين عما آلت إليه أحوالنا، فمثلا عندما قال في قصيدة "فخاخ الأب":
" نهرب أجسادنا باتجاه الشريعة مأخوذين بالسمك
والبط المائي" ص40، فأين أصبحنا من الشريعة؟، وأين أصبحت منا؟"، من منا يستطيع أن يصلها الآن؟، أنها (محرمة) لقد أمست "من الماضي، وهنا يكمن ابداع الشاعر، هو لا يتحدث ـ بطريقة مباشرة ـ عن ضرورة العودة إلى الشريعة، لكن الفكرة تصلنا، تثيرنا، تستوقفنا، وتجعلنا نتألم إلى ما آل إليه ذلك المكان، ما آل إليه حالنا، وهذا ما يجعل الماضي الذي أفضل مما هو الآن، وإذا ما توقفنا عند المكان، نجد الشاعر لا يتعاطى معه بشكل مجرد، بل هناك علاقته حميمة بينه وبين الشاعر/الإنسان، فالمكان والإنسان يجتمعان معا في تأكيد العلاقة بينهما.
الأم
غالبا ما تأتي الأم بصورة بهية، فهي من تمنح الحنان، وهي من تعطي لأن العطاء حالة طبيعية عند الأم، لهذا تجد العديد من الكتاب والشعراء يقدموها بصورة جميلة، :محمد العامري" يقدم لنا أمه في قصيدة "العين الأولى" بهذه الصورة:
"لم أزل أذكر صياح الديك
كانت أمي تهيء للتو قهوتها
وصرة من طحين وملابس ترشقها الريح بأصابعها العمياء
أمي التي تحمل في وجهها وشم العزة،
تخيط لزمن قاد
مناديل الأعراس الطين والصبيان
وعرائش من الخيش والبامياء الملظومة بالكتان
تراتيل للنوم وهدهدة للنعاس
رائحة حليبها الدافئ، وصحون التوتياء، حركات يديها على الصاج ورائحة الخبز الشفاف، تقاسيم وجهها، ثوبها المطرز بالعصافير والديكة، الخرز المتدلي من قراطها ميزان حب بالقسطاس" ص32، من يقرأ هذه المقاطع يتمنى أن تكون هذه أمه، رغم أن أمهاتنا اعطيتنا مثل هذا وأكثر، لكن الطريقة التي قدم بها الشاعر أمه، هي التي تجعلنا نتمنى أن تكون أمنا، فنبدو كأننا عاجزون عن وصف امهاتنا كما وصف الشاعر أمه، فقد ربط بين نشاطها وبين صياح الديك بطريقة رائعة، ويحدثنا عن كافة الأعمال التي تقوم بها، من اعداد قهوة الصباح، إلى العجين، والغسيل، حلب الماعز، تجفيف الخضار للموسم الشتاء، هدهدتها لينام بسكون وهدوء على انغام صوتها، هذا على صعيد الأعمال التي تقوم بها، لكن أيضا نجد هيئة/شكل الأم يعطي الشاعر احساس بالجمال وتقدمه من العطاء والانتماء والإخلاص في العمل، فعطاء الأم لا يقتصر على الماديات فحسب، بل نجد عطائها في الروحانيات، لهذا نقول أن الشاعر قدم أمه بطريقة جعلتنا نتمنى أن تكون أمنا.

الأب
الأب على النقيض من الأم، فغالبا ما يقدم بصورة سلبية، وهذا ما نجده عند "محمد العامري" الذي تحدث عن الأم بصور ايجابية وفي أكثر من قصيدة، بينما تناول الأب في قصيدتين وبصورة سلبية، يقول في قصيدة "فخاخ الأب":" ...
كنت أتسلل من فراشي إلى تفاصيل القرية الهادية
كنت أنجو من فخاخ أبي
أعد نفسي لغزوات يومية.
غزوات اللعب بالطين والبنانير وعربات السردين
وعجلات المطاط المصنوعة من أحذية الجدة وأمي
...ها هو أبي
قامة من السنديان، جبروت منحوت من الصخر
نهرب أجسادنا باتجاه الشريعة مأخوذين بالسمك
والبط المائي
ندخل رحمه كأم لنا
....
نسحب أقدامنا باتجاه البيت
نقرص قفل الباب بطيئا .... بطيئا
ندخله كقطن يشرب ماءه
نتحدر في بطن الغرفة
مسكونيين بالحرارة والارتجاف
...
الآن سيأتي وصوته العالي
أين كنتم؟
في النهر يا أبيتي
لماذا؟
نتعلم فن العوم
يعلو صوته في الغرفة
وتهتز الحيطان
لن نفعل هذا يا أبتي
ستقرأ ما تبقى من سفرك في الغرفة
نعدك بالطاعة والإذعان
لكن في اليوم التالي
نعاود نفس اللعبة" ص 39 -42،
خروج الشاعر من البيت كان للعلب مع الأصدقاء، وهذا امر طبيعي وضروري لأي طفل، فهو يجد المرح والفرح معهم، كما أن الطبيعة الجميلة تأخذه إلى عالم التمتع بالجمال، كما أن النهر يمنحه النشوة، إذن خروج الطفل/الشاعر من البيت يعد حالة مفيدة له، فهي تغذيه نفسيا وروحيا وتمنحه قدرة على تنمية احساسه بالجمال.
لكن الأب كان (يعكر ويصعب) هذه المتعة من خلال: "كنت اتسلل، كنت أنجو، نسحب اجسادنا، نسحب أقدامنا باتجاه البيت، نقرص قفل الباب بطيئا .... بطيئا، مسكونيين بالحرارة والارتجاف" من خلال هذه المقاطع يمكننا تبيان الحالة النفسية التي (تعكر، تنغص) على الشاعر تلك المتعة، فهو بعد أن يحصل على فرحه، يتعرض لهذه الغصة من الأب، وهذه المشاعر بالتأكيد تعطينا فكرة سلبية عن صورة الأب.
وإذا كان غياب الأب يسبب كل هذه الخوف والترقب، فكيف سيكون حضوره؟:
"...
الآن سيأتي
بسياطه وصوته العالي
أين كنتم
...
يعلو صوته في الغرفة
وتهتز الحيطان" فالأب عامل مانع للفرح، حاجب للتمتع بالطبيعة، بالنهر الذي يفتقده الشاعر الآن بعد أن أصبح التقدم منه يعني الموت، وكأن الشاعر يقول للأب: "لماذا لم تتركنا يا أبي نأخذ كفايتنا من السباحة في النهر والتمتع به" فالشاعر إلى غاية الآن يستمتع بالحديث عن النهر، ويتغذى على ومن تلك الذكريات التي ما زالت حية في وجدانه، وهنا نطرح سؤال، هل هناك علاقة بين دور الأب الذي كان يمنع الشاعر من الذهاب إلى النهر، وبين الوضع القائم الآن، الوضع الذي يمنع الشاعر من الذهاب إلى النهر؟.
ونجد صورة الأب القاسي في قصيدة "اخوتي" والتي جاء فيها:
"...
يذهبون إلى الدرس مندهشين من عصا الأستاذ.
...
أبي سينام على ظلي
ويسألني عن دروس الحساب
عصا تتهجى اليدين في الضرب والتقسيم
ماذا تفعل يا أبتي
فالدرس المرقوم على اللوح المحفوظ ... محفوظ
كفي يا أبي
لا تكفي محفظة الرأس لكل الأرقام
...
تعبنا من الضرب .....
من صف الأدراج على الدور
ومن مسح الألواح
نعود إلى البيت المشنوق على التل
تذبحنا شمس وتقودنا طريق" 52 و53،
الشاعر يجمع بين قسوة الأستاذ والأب، فكلاهما يسبب له الكآبة والإحباط، فطريقة الضرب العصا كانت وما زالت تسبب له ألم، الجميل في المقاطع السابقة أن الشاعر يتجاوز الزمن، فيحدثنا عن الطريقة القاسة التي عُومل بها من الأب، لكنه الآن يقول له "كفي يا أبي" فهذا القول لم يكن ليجرؤ أن يُقال حينما كان الشاعر طفلا، طالبا، لكنه الآن بعد أن أصبح شابا يريد على الطريقة السيئة التي عومل بها من الأب والأستاذ معا.
وإذا ما توقفنا عند قول الشاعر عن البيت " نعود إلى البيت المشنوق على التل" يتأكد لنا حالة الإحباط والقهر التي كان يجدها في المدرسة وفي البيت، وهذا هو التعبير الوحيد الذي وصف البيت بصورة سلبية، مما يؤكد على أن الشاعر كان يتعرض لضغط شديد من الأب.

النهر
النهر جاء عنوان لأكثر من قصيدة، وهذا له مدلول إنساني، بمعنى أن الشاعر والنهر ساهما معا بتكوين شخصية الشاعر "محمد العامري" من هنا نجد النهر والأم تم تناولهما في أكثر من قصيدة، فما هو السر وراء ذلك؟، وما سبب هذه العلاقة الحميمة بينهما؟، نجد بعض الاجابات في قصيدة "تمرينات نهرية" والتي يقول فيها:
"وحيدا على كتف النهر أرصد تمرينه
أرصد الجريان بأمعائه
وأرى شجرا يهطل الآن سيلا من الظل فيه
رعاة تذوب بناياتهم سجف الريح
والأفق خيط نعاس
ينوء بلا هودج للحنين
مراياه...
وحدته...
فضته...
ساحل للتزين سهوا على عشبة المستطيل
وأعضاؤه درج للمياه الرقيقة
سهوا دخلناه ...
نفتح قمصاننا المستريبة
ندخل باب المياه بمفتاحه المتآكل من بهجة الصفو
نحو خطوط العبور بريش الإوز
قرأنا تراتيل خلوته وكتبنا على جسمه لثغة....
تتعثر بالماء..." ص96،
حالة الوحدة اعطت الشاعر قدرة على تأمل النهر، ومن ثمة تشكلت علاقة خاصة بينهما، فالشاعر وجد في النهر ضالته، الاحساس والتمتع بجماله وجمال الطبيعة، فبدون النهر ما كان ليكون هناك شاعر اسمه "محمد العامري" هكذا يبدو لنا أثر النهر في الشاعر، وهذا ما وجدناه من خلال الألفاظ التي استخدمها الشاعر: "كتف النهر، الجريان بأمعائه، شجرا يهطل، تذوب بناياتهم، خيط نعاس، ينوء بلا وهج" كل هذه العبارات تحمل شيء من اللغة الشاعرية، وما كان لها أن تكون عند الشاعر دون وجود النهر.
من هنا يمكننا القول أننا أمام ديوان مميز في لغته وفي اسلوبه، وفي الأفكار التي يقدمها، فالشاعر يحدثنا بإنسانية عن ماضيه، عن أمه، عن النهر، عن المكان، عن الطبيعة التي أكلتها المدينة وذوبها الواقع، وكأنه يدعونا إلى التقدم من ذلك الجمال الذي فقدناه، لكن هذه الدعوة لم تظهر بشكل مباشر، وإنما جاءت بإيحاء، فنصل إلها من خلال جمالية الديوان، من خلال اللغة الشاعرية التي تعبق فيه، من خلال الصور التي امتعتنا، فكانا أمام لوحة طبيعية خلابة، هذا ما يمكن أن يقال عنه: الذاكرة الخصبة، "الذاكرة المنسية" الذاكرة التي نحتاجها الآن كحاجتنا للهواء، حاجتنا لماء النهر.
الديوان من منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت لبنان ، ودار لفارس للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى 1999.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف