الأخبار
ريفلين يدّعي: الإسرائيليون والفلسطينيون وُلدوا للعيش معاإصابات في قصف اسرائيلي على عدة اهداف في محافظات قطاع غزةشاهد: فجرا.. إطلاق صاروخ من غزة أصاب منزلا في بئر السبعالرئيس يستقبل وفد مجلس أمناء جامعة الازهر الجديدابو هولي يطالب روسيا التحرك على المستوى الدولي لدعم تجديد تفويض عمل (أونروا)المالكي ونظيرته الاندونيسية يترأسان الجولة الأولى من المشاورات الثنائية السياسية على المستوى الوزارياتحاد السلة يجري قرعة بطولة الناشئين لمواليد 2001فتح تنعى الاخت المناضلة هند الحسينيفتح: إغلاق مدرسة "الساوية اللبن" اعتداء على حق الطلاب في التعليمالشيوخي يدعو جمعيات المستهلك لتصويب اوضاعها للمشاركة في انتخابات الاتحادمركز شؤون المرأة بغزة يختتم جلسة تغريد تحت وسم "#هي_تقود"‫باحثة بجامعة حمد بن خليفة تتنافس في الموسم العاشر من برنامج نجوم العلومهيئة مكافحة الفساد تنظم دورة لتأهيل محاضرين حول تعزيز النزاهة في القطاع الأمنيهيئة مكافحة الفساد تختتم دورة "دور القضاء في مكافحة الفساد"جامعة "خضوري" تطلق فعاليات المؤتمر الشبابي الجامعي الفلسطيني الاول
2018/10/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

فرصة النجاة..بقلم: هبة القطوس

تاريخ النشر : 2018-06-12
فرصة النجاة..بقلم: هبة القطوس
فرصة النجاة.. قصة الحكمة والصبر
بقلم: هبة القطوس.. ليبيا

الساعة كانت العاشرة والنصف صباحا حين أيقظني منبه الهاتف المزعج، فتحت عيوني وبدأت تمر في مخيلتي قائمة طويلة بالأعمال التي يجب أن أتمها اليوم، والتي كان من المفترض أني قد أتممتها قبل أسبوع, ياله من يوم طويل.. من أين سأبدأ؟ وكيف سأبدأ؟ لا أدري!.

نهضت من مكاني بشعر منكوش، وعيون منتفخة، وبخطي متناثرة اتجهت إلى الحمام القريب من غرفتي في الدور الأول حيث أقيم في منزلنا، يعتبر هذا القسم الخاص بنا نحن الأولاد، بعد أن كبرنا أصبح المنزل الأرضي لا يتسع لنا جميعا فقمنا ببناء غرفتين بالإضافة إلى حمام بالدور الأول، غسلت وجهي ونزلت الدرج واحدة تلوا الأخرى، وتقابلني متجهة إلى أعلى رائحة الخبز (تفطاحين بالامازيغية) الذي تعده أمي على الشواية الكهربائية الآلة الدخيلة على مجتمعنا. هي فعلا توفر عليها الكثير من الجهد والوقت حيث كانت تعده على الحطب، إلا أنه طعمه على الحطب يظل أزكي وأطعم، صبٓحت على أمي وكالعادة:

- أنت نائم إلى الآن؟، من غير أن أرّد تعرف ماذا أجيب عليها. فهو سؤال مكرر مئات المرات، بل يمكنني القول آلاف المرات، إنها عطلتي وما الذي سأفعله إن استيقظت مبكرا!. أيضا كنت متعبا بالأمس وسهرت قليلا، هي الإجابة النموذجية لسؤالها، بعد أن قضيت على صحن (المرفوسة): هو ذلك الخبز الذي تعده حيث يقطع إلى قطع صغيرة وهو ساخن ويضاف إليه بعضا من زيت الزيتون ويعجن مع بعضه.

أجزم لكم أن طعمها أفضل بكثير مما تتخيلونه، بعد أن أكملت كأس الشاي بالحليب عدت أدراجي إلى غرفتي، بدلت ملابسي، وبدأت أشطب بعض الأعمال من تلك القائمة الطويلة باعتبار أن الوقت قد تأخر خرجت من المنزل، قابلني أحد جيراني وهو يقوم بإصلاح سيارته، فنحن في مجتمعنا نقوم بإصلاح سياراتنا بأنفسنا خاصة الأعطال البسيطة. صبّحت عليه وشغّلت سيارتي.

في ليبيا لابد من أن تترك السيارة تسخن حيث تشغلها، وتضل مكانها ليس أقل من عشرة دقائق، لا أعرف ما الغرض من هذا!، لكنها أصبحت عادة، نعم إني رأيت استغراب كل الأجانب الذين زاروني من هذه العادة، إلا أنه لا يمكنني مخالفة العادات, تركت السيارة تسخن على مهلها وتمشيت إلى نهاية شارعنا، ربما ليس لكل الشوارع نهاية، لكن لشارعنا نهاية جميلة فهو يطل علي سفح الجبل، فأنا لم أقل لكم أني أقيم في نالوت المدينة الجبلية، على حافة الجبل وقفت في المكان الذي لا أمل الوقوف فيه منذ أن خرجت إلى الشارع، هذا المكان محظور على الأطفال إلا أننا كنا وقتها نختلس الفرصة حينما يكون الجميع منشغلين، فهذا المكان يشهد لنا بكثير من المغامرات، لازالت طعمة المعكرونة (الخرز) التي نعدها على الحطب في فمي حتى الآن، وقتها كل شخص يقوم بإحضار شيء من المقادير ونجمعها وكانت فرحة الإنجاز عندما نكملها لا توصف بالرغم من أنها غالبا ما تكون محروقة.

من هذا المكان كنت أتأمل دائماً، من هنا كنت أتسائل دائماً، لماذا صعد أجدادنا فوق الجبل رغم صعوبة المعيشة آنذاك، وتركوا المياه والحياة أسفله. في ذلك الوقت كانت النساء ترد الماء كل يوم لزام الطبخ والغسيل، إنه عمل شاق، وكنت أتسائل أيضا، لماذا (الشليوني) الطريق الجبلية ملتوية وليست طولية من تحت الجبل إلى فوقه. أسئلة كثيرة لم أعرف إجابتها، إلا بعد أن كبرت، من هنا أيضا كنت أري كل شيء صغير؛ الأشجار، السيارات، الشاحنات، المباني، كل شيء إلا الجبال، كم هي ضخمة وكبيرة سبحان الله، لا سيما جبل ابن عسكر الذي يقابلني شامخا والذي شهد قصص جهاد ومقاومة عظيمة كانو يروونها لنا، وخاصة قصة تلك البقرة التي رموها من فوق الجبل، قصة يتخللها من الحكمة والصبر التي كانت لدى أجدادنا مالا نملك ربعه الآن.

فوق هذا الجبل يتواجد (غسرو ان دروج) قصر الدروج هو قصر يخزن فيه الأهالي مؤونتهم طيلة السنة، يتكون من العديد من الغرف الصغيرة، لكل عائلة غرفة خاصة بهم يخزنون فيها مؤونتهم من الحنطة والقمح والزيت والعديد من المؤن الأخرى، في تلك الحقبة كانت الحروب والغارات في كل مكان، هي إجابة سؤالي الأول، لماذا صعد الأجداد فوق الجبل، فهم كانو يستطيعون الاستطلاع والدفاع عن أنفسهم كالرماة من فوق الأبراج وكالصقور يستطلعون ولا أحد يستطيع الوصول إليه، فهم يستطيعون محاربة العدو حتى بالحجارة فقط، عندما اشتدت العداوة بينهم وبين أعدائهم، بدأو يستعدون لحرب كبيرة، فحاول العدو مباغثتهم لكن لتواجدهم فوق الجبل استطاعت فرق الاستطلاع أن تنبه الأهالي الموجودين تحت الجبل بالصعود قبل أن يصل العدو، لم يستطيعو تجهيز أنفسهم جيدا لصعودهم الجبل باقصى سرعة وتواجد معداتهم أسفله، حاصرهم العدو من جميع الجهات في محاولة منه لتضييق الخناق عليهم وإجبارهم على تسليم أنفسهم، إلا حنكة وذكاء الأجداد كانت أقوى من قوة عدوهم وحصاره. استمر الحصار مدة طويلة وبدأت كمية المؤونة المخزنة تنفذ، وبدأ الأهالي يتبادلون الحديث بالتسليم:

- سنموت جوعا وعطشا إن زادت مدة الحصار أكثر من هذا.

وفي اجتماع لأعيان وحكماء وأهالي المدينة في محاولة لإيجاد سبيل للنجاة فالجميع يرى أنه لا سبيل للنجاة من مطرقة الجوع وسندان الحرب إلا أن يسلمو أنفسهم:

- أنا لدي سبيل للنجاة.

صمت الجميع واتجهت أنظارهم نحو مصدر الصوت!. من هذا؟ وماذا يقول؟ لابد أنه يمزح!، إنه الشيخ علي أحد حكماء المدينة، فقد كان مريضا طيلة فترة الحصار واستعاد عافيته بالأمس. الجميع ينتظر يا ترى ما الذي يخبئه هذا الشيخ في جعبته:

- كما مؤونتنا بدأت تقل فالعدو أيضا بدأ يمل.

الجميع ينصت، أكمل حديثه:

- العدو ينتظر أن نسلم أنفسنا، وهو يعلم أن مؤونتنا على وشك أن تكتمل، أخبرو أحد الرعاة بأن يحضر واحدة من بقراته إلى هنا.

استغرب الجميع لطلبه!. ما علاقة البقرة بما نحن فيه الآن، ولكن لا مجال للنقاش هنا فهو الأمل الوحيد، وما علينا إلا السمع والطاعة.

أكمل الحديث بعد أن أحضر أحد الرعاة أفضل بقراته:

- فليذهب كل منكم إلى غرفته بالقصر، ويحضر ما بقى لديه من قمح وشعير وحنطة ويضعها أمام هذه البقرة.

ازدادت علامات التعجب على الجميع!. وهم يقولون:

- ما بال هذا الشيخ، نحن قاربنا على الموت جوعا، وهو يريد أن نعطي هذه البقرة كل ما لدينا!.

- أنصتوا إلي، هي فرصتكم الوحيدة للنجاة، ثقو بي.

اطمئنو لنبرت صوته الجدية، واتجهو للقصر، وبدأو يحضرون الواحد تلو الآخر كل ما لديهم من مؤونة ويضعونها أمام البقرة، بعد أن أكلت البقرة ما طاب لها، أخذها الشيخ علي، بعد أن طلب من مجموعة من الشباب أن يرافقوه، واتجه بها إلى حافة الجبل، تأمل الشيخ علي تحركات العدو ودقات قلبه تزداد تسارعا فمصير أهالي المدينة جميعهم مرهون بفكرته. العدو لازال مخيم ولا بوادر لرحيله، هي فرصتنا الوحيدة للنجاة واستعادة قوتنا، أتمنى أن تسير خطتي كما رسمتها، اتجه نحو الشباب الذين رافقوه:

- الليلة ستعودون هنا وستقومون برمي البقرة باتجاه خيمة قائدهم دون أن ينتبهو، عليكم أن تكونو حذرين، إنتظر الشباب حتى غابت الشمس، واتجهو بالبقرة إلى حافة الجبال بأعصاب متوترة وهم لا يدركون قيمة العمل الذي يقومون به، ومالفائدة من رمي بقرة أكلت الكثير من مؤونتهم التي هم بأمس الحاجة إليها للعدو!، هل هي هدية؟!. سننتظر للغد وسنرى مالذي سيحدث، الآن؛ واحد اتنين ثلاثة، رمو البقرة باتجاه خيمة قائد العدو كما أوصاهم الشيخ علي، وعادو أدراجهم بسرعة للمدينة كي لا يلفتو الأنظار، ولا يظهر الموضوع بفعل فاعل، وأن البقرة سقطت من تلقاء نفسها. سيطر الهدوء على المدينة، الجميع نائمون وعقولهم لم تنم خوفا من ما يحمله يوم الغد من مفاجئات، يا ترى ما السر من رمي البقرة؟، الشيخ علي وحده يعرف!، على صوت أحد الجنود استيقظ خميس قائد العدو:

- أيها القائد، أيها القائد، أنظر ماذا وجدنا هنا:

- ماذا هناك.

- أنظر.. بقرة يبدو أنها سقطت من فوق الجبل، أصيبت في أرجلها ولاتزال حية، هل نذبحها؟.

- نعم يبدو أن الجوع قد حل بهم، وبدأو يطلقون مواشيهم لعدم مقدرتهم على إطعامها. إذبحوها على شرف النصر، لابد أنهم سيسلمون أنفسهم في اليومين القادمين.

بعد أن ذبح الجنود البقرة، وأخذ أحد الجنود بطنها لينظفها، إذا به يصرخ:

- أيها القائد تعالى بسرعة.

إنتبه خميس لصوته واتجه إليه:

- ما بك..

- أنظر إلى بطن البقرة وما بها، إنها أكلت مؤخرا من أفضل أنواع

الحبوب!.

- نعم، ياله من أمر عجيب، حاصرناهم لمدة طويلة، ولا يمكن أن يكون لهم مخرج آخر، تبا من أين يأتون بالطعام، إذا كانت أبقارهم تأكل الحنطة والشعير، فماذا يأكلون هم، بكل تأكيد أنهم يستطيعون العيش على هذا الحال ضعف مدة الحصار وربما أكثر.

هيا جهزو العدة لنعود للديار فلا فائدة من بقائنا هنا...

وهو متكئ في داره أرهقه تعب التفكير، وتأخده أفكاره يمينا تارة وشمالا تارة:

- شيخ علي شيخ علي. يدخل عليه أحد الأطفال وهو يلهث..

- ما بك يا بني على مهلك.

- العدو بدأ يغادر، والجميع يتتظرك في الساحة.

إعتلت الفرحة وجه الشيخ علي، وانتظمت نبضات قلبه:

- الحمد لله، يبدو أن الخطة سارت كما رسمت لها، حسنا سآتي معك.

* هناك صوت، أوووه، أبي يناديني، نسيت السيارة، والساعة قاربت أن تصل.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف