الأخبار
2019/4/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

أم علي غراب - ميسون كحيل

تاريخ النشر : 2018-05-08
أم علي غراب - ميسون كحيل
أم علي غراب
 
كانت تجلس على باب خشبي عتيق متهالك أكل عليه الدهر وشرب، الباب يتوسط حائطاً إسمنتياً من جهة وسياجاً خلفه نبات الصبار من الجهة الأخرى. كان المذياع رفيقها الدائم يصدح بصوت عبد الباسط أو الحصري أو المنشاوي. لا تبدل المحطة الاذاعية أو تحرك المؤشر عن إذاعة القرآن الكريم من القاهرة فهي ترفض الاستماع الى الأخبار أو متابعتها!! وكان المذياع أو "الراديو" أغلى ما تملك فهو من أهم وصايا زوجها أن تواصل الاستماع للقرآن الكريم. وبالرغم من الفقر والعوز الذي تحياه كانت معتدة بنفسها وبابنها "السبع" فهي أم الشهيد علي، الذي التحق بصفوف الثورة الفلسطينية بعد أن حصل على "الهوية" -أي البطاقة الشخصية-، عندما ناهز علي السادسة عشرة من عمره توجه الى الأردن للالتحاق بصفوف الثورة الفلسطينية، وكما كانت تفتخر وتُحدث أن السبع "علي" شارك الفدائيين في العمليات ضد الاحتلال الى أن استشهد في أحداث الأردن في أيلول الأسود!!
كان يظن بعض الصغار والأطفال أن أم علي وقصصها عن ابنها "السبع" محض تخريف وخراريف امرأة عجوز وحيدة تندب على فتاها الوحيد الذي ضاع منها؛ فجعلت منه بطلاً وهمياً كما كان يروج بعض أراذل الناس!! وما كان يعزز هذا الكلام أن هذه العجوز كانت ترفض بشكل قطعي أن تحصل على أي مساعدة مالية أو عينية من أي مؤسسة!! وكانت تطرد كل من يقول لها هذا حقك!! كانت ترد وتبكي ابني ذهب فدا الوطن .. فدا فلسطين.. حقاً الأغبياء والأراذل كانوا يصدقون أن هذه العجوز سليطة اللسان تصنع الأساطير حول ابنها الشهيد علي!! لكن لو فكر أحدهم وسأل هذه العجوز العفيفة وعزيزة النفس لماذا لا تتقاضي راتب تقاعد زوجك الراحل الذي كان يعمل في البلدية؟ لعرف أن هذه السيدة صادقة ولم ترسم الأساطير حول ابنها أو زوجها من بعده!! فهي لم تبحث بعد وفاة زوجها عن أي راتب تقاعد أو مساعدة !! فكيف ستبحث عن راتب او مكافأة بعد استشهاد ابنها؟! كانت قناعاتها الراسخة بأن ابنها الشهيد سيدخلها الجنة مع زوجها الرجل الصالح..
أم علي غراب هكذا كان اسمها في الحارة. الإسم الذي تعتز به ولم تتنازل عنه أبداً. الكل يعتقد أن اسم ابنها هو علي ومنهم أنا ولكن في أحد الأيام قبل سنوات من وفاتها حضرت الى بيتنا وفي يدها صرة نظيفة مطوية ومربوطة بعناية شديدة. نادت علىّ وفتحت الصرة بأيد مرتعشة وقالت لي هذه هي هديتي لك اعطتني سبحتين واحدة كانت لزوجها الرجل الصالح وأخرى كانت لها .. قالت هي لكِ .. وأضافت؛ وهذه انظري فأخرجت صورة قديمة بالأبيض والأسود لشاب وسيم يرتدي بدلة أنيقة وربطة عنق وقالت هذا السبع علي .. خلف الصورة كتب "علي" و بخط يده اهداء الى أمي وأبي ووقع خلف الصورة باسم علي غراب " محمد المصري" .. سألتها اسمه محمد قالت نعم ولكن مع الفدائيين خوفاً عليه وعلينا سموّه علي غراب، أخذت مني الصورة وأعادتها برفق الى الصرة.. كانت ببساطتها الشديدة التي لا يعلمها أحد، ولا يفقهها أحد باستغنائها هي وزوجها عن لقب أم محمد وأبو محمد قد أعطوا درساً ربما لا يفهمه الا قلة من الناس.. الاعتزاز والافتخار بالشهيد في سنوات كانت أي عائلة يخرج منها فدائي تعاني الأمرين سنوات الستينات والسبعينات!! لم يخف أبو علي وعاش ولم تخف أم علي وعاشت بعد الشهيد سنوات طويلة لم تتخلّ عن اسم ابنها الحركي علي غراب والقلة من يعرفون أن ابنها اسمه كان محمد. ربما وأقول ربما أن انطلاقة الثورة الفلسطينية وعنفوانها في الستينات كانت قد تشربتها جارتنا أم السبع علي. وأنا غير مستغربة ما أقره الكنيست الإسرائيلي ضد رواتب الشهداء والأسرى. وإني على يقين بأن القيادة الفلسطينية لا زالت وفية وستبقى وفية بالحفاظ على حقوق الشهداء والأسرى كما ظلت أم علي وفية للشهيد السبع.
 
كاتم الصوت: لو كان علي غراب حياَ ما كان قد تم اختياره عضوا في المجلسين الوطني والمركزي!؟
 
كلام في سرك:
الشهداء أكرم منا جميعا "مقولة" حقيقية صادقة لكن البعض يستخدمها من أجل العبور!
 
من خارج النص: لقاء الرئيس مع ناصر القدوة القادم لن يحل المشكلة! المشكلة ليست شخصية بل مشكلة شاملة وعند ذلك ستظهر الأمور بأي اتجاه تسير.
 
أخر الكلام: شكراً لمن شكر على كلمة حق سابقة.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف