الأخبار
2018/8/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

التربية على اللاعنف من لا عنف التربية بقلم د. محمود عبد المجيد عساف

تاريخ النشر : 2018-04-21
التربية على اللاعنف من لا عنف التربية بقلم د. محمود عبد المجيد عساف
التربية على اللاعنف من لا عنف التربية
بقلم /د. محمود عبد المجيد عساف
أستاذ أصول التربية المساعد

ينظر للعنف على أنه نتاج خلل وتناقض كامن في البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ويتخذ صوراً عدة، منها: ضعف التكامل الوطني، وتنامي النزعات الانفصالية، وغياب العدالة الاجتماعية، وحرمان قوى اجتماعية من حقوقها السياسية، وعدم إشباع الحاجات الأساسية لقطاعات مهشمة، والسقوط في فخ التبعية لأجندات خارجية.
ولما كان اللاعنف والسلم الاجتماعي قائم على ضمان الحقوق والحريات، وكانت الحضارة قائمة أساساً على تقليص العنف، كان من الضروري تعظيم شأن ثقافة اللاعنف، وتربية الأطفال منذ نعومة أظفارهم على حقوق الإنسان والديمقراطية، وهذا ما يشترط في الأساس أن تستقي التربية نفسها من مبادئ اللاعنف وقواعده ومناهجه (تبدأ التربية من لاعنف التربية).
وعليه فإن مصطلح ينطوي تحت اللاعنف أو السلم الاجتماعي سيكون غرضه الاعتراف بالكرامة المتأصلة في أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة، ولعل هذا ما أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1998واعتبرت على أساسه الفترة (2001-2010) عقداً دولياً لتشجيع ثقافة السلام واللاعنف لصالح أطفال العالم .
ولكن بالاطلاع على الأدب التربوي والسياسي المتعلق بثقافة التسامح واللاعنف والسلم الاجتماعي، يجد من التداخل ما يجد بين المصطلحات إلى الحد الذي يجزم فيه أنها جميعها متراكمة، فالتحول الديمقراطي على سبيل المثال في أي مجتمع رهن بنشر ثقافة اللاعنف وتعزيز حقوق الإنسان، وتحويلها إلى سلوك يحكم علاقات المواطنين ببعضهم من جهة، وعلاقتهم بالمؤسسات من جهة أخرى.
 ورغم أن المجتمع قد أوجد المؤسسات التربوية والاجتماعية بهدف تنمية الإنسان ونموه من جميع جوانبه، إلا أنه حالياً أول ما يمارس العنف إلى فيها من خلال سياسات التسلط، والحد من الحريات، وما كان العنف إلا تبريراً لواحد من التفسيرات التالية :-
التفسير النفسي/ حيث يتولد العنف أو عدم التسامح نتيجة الإحباط، فأي حاجز يحول دون تحقيق إشباع حاجات الطفل ينمي لديه الشعور بالإحباط، ويؤدي إلى سلوك عدواني يتسلط فيه على الآخرين وعلى الأشياء .
التفسير الاجتماعي/ حيث يرى العاملون في ميادين علم الاجتماع أن التراجع في السلوك اللاعنفي أو سيادة السلوك العنفي يأتي من خلال التعليم ليس على مستوى المؤسسة التربوية فقط، بل بما تعززه البيئة، فيقترن ضعف السلم الاجتماعي بالانحلال في نسيج العلاقات الاجتماعية.
وبعيداً عن النظريات المفسرة للعنف وانسحاب اللاعنف مثل النظرية البيولوجية أو نظريات الإحباط أو النظرية السيكولوجية أو نظرية الصراع، فإني أرى أن أهم مداخل  تحقيق ثقافة اللاعنف والسلم الاجتماعي، هما : التسامح والتربية على حقوق الإنسان .
فالتسامح يقوم على مجموعة من المبادئ والركائز، أهمها: أن البحث عن الحقيقة يكون لذاتها لا لهزيمة الآخرين، والاعتراف بأن الكل معرض للخطأ، وأن الإقرار بظاهرة التعددية أمراً طبيعياً وأن الاختلاف سنة كونية، وأن يكرم الإنسان لإنسانيته فقط بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى كالجنس أو العرق أو اللون أو المكانة أو...، وأن التسامح على المستوى الإنساني يتجلى في القدرة على قبول الآخر  المختلف  واحترامه.
ولا أعتقد أن كان هناك تجربة عبر التاريخ أنجح من التجربة الإسلامية الأولى في نبذ العنف وتعزيز التسامح من خلال مرحلتين :
 الأولى/ التخلية: من خلال تطهير التربية من كافة الأفكار والأيديولوجيات القائمة على التعصب والتميز، والإقصاء والتهميش والكراهية والنبذ والعنصرية والفئوية، وجميع الأفكار المناهضة لقيم التسامح .
الثانية/ التحلية: من خلال تعزيز قيم الحي والتضامن بين الأجيال وتوسيع مدركات الأطفال والشباب حول المردود الإيجابي لمبادئ الحب والحق والخير، والرفق واللين والسخاء والمشاركة والمواطنة الصالحة، والأخوة الإنسانية .
ولعل من التجارب الدولية المعاصرة الناجحة في تعزيز ثقافة اللاعنف والتسامح التجربة الألمانية، حيث قام (فريدرش ناومان) بأول تجربة للتثقيف المجتمعي والسياسي عام 1918م  من حيث التركيز على الأطفال، وعلى أساس ذلك أنشيء معهد (بون) ليكون المركز الرئيس للتثقيف المدني في ألمانيا، هدفه تأهيل قيادات الأحزاب السياسية والمجتمعية على مفاهيم التسامح والمشاركة وقبول الآخر، وتقديم المبادرات المجتمعية لمساعدة الأطفال على تعزيز ثقافة التسامح واللاعنف.
والتربية على حقوق الإنسان، رغم أنه من الواجب ألا يجتاح فيها الإنسان إلى تربية، إلا أن اللامبالاة المجتمعية والسياسية أفرزت سلوكيات مجتمعية انتهكت الحقوق وأدت إلى ظاهرة التسلط والتنكر للآخرين في عالم تشح فيه الفرص والعدالة .
وقد كشف التاريخ الإنساني وجهتين متناقضتين للعلاقات الإنسانية أحدها تعبر عن الحرية، وأخرى عن القهر والاستبداد الاجتماعي ومن أجل ذلك كان التاريخ الإنساني سلسة من الكفاح والنضال من أجل الحقوق. ولعل من أهم الأسباب والدوافع وراء ضرورة التربية على حقوق الإنسان كأساس للسلم الاجتماعي :
1-    الواقع الاجتماعي المتردي/ حيث يشير الواقع العام إلى تردي مستوى الوعي بالكثير من القضايا المرتبطة بالحقوق والواجبات، وانتشار ظاهرة الفساد والمحسوبية .
2-    تردي الأنساق الاجتماعية/ فمهما تظاهرت العلاقات في المجتمع وتجملت، فإن هناك أنماطاً متناقضة بين المفاهيم النظرية والواقع العملي .
ولهذا انتبهت العديد من الدول إلى ضرورة هذا الأمر للحفاظ على السلم الاجتماعي، وتحقيق الحد الأدنى من الأمن القومي، وأقرت تدريس حقوق الإنسان في الجامعات منذ نهاية الأربعينات كخطوة خجولة أمام مسؤولياتها ، لكن ما يثير القلق أن يتم انتهاك الحقوق داخل أروقتها .
 ولأننا أصحاب همة، ونسعى دائماً لتعزيز ثقافة اللاعنف والسلم الاجتماعي، يجب أن نتمسك بزمام المبادرات نحو ذلك، وعليه، أقترح بعض الأفكار التي يمكن العملي عليها، منها :-
1-     تأليف بعض السيناريوهات لاستكتشات مسرحية تعرض في المدارس الأساسية، تظهر المردود الإيجابي للتسامح والآثار الوخيمة للعنف .
2-     تصميم حقيبة تعليمية تهدف (تأصيل المفاهيم الصحيحة وربطها بحياة الطلبة)، والاعتماد عليها لتكون وسيلة لتعميق مبدأ المشاركة .
3-     تنظيم بعض المناظرات بين طلبة الجامعات بعد تدريب مكثف ينتهي بميثاق الشرف الإنساني.
4-     قيادة بعض المبادرات في الأحياء البسيطة من خلال تدريب الصغار على التسامح ونبذ العنف من خلال الألعاب وتقديم الحلوى الصغيرة، دون تخطيط مسبق (زيارات ميدانية مفاجئة).
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف