الأخبار
إصابة سيدة بجريمة إطلاق نار في دير الأسدفيديو: شاهد كيف اقتحم الشبان ثكنة عسكرية لقناصة الاحتلال.. وماذا فعلوا؟فيديو: لحظة وداع الشهيد مؤمن أبو عيادة بخانيونس جنوب القطاعالعملات: انخفاض على سعر صرف الدولارالخميس: أجواء غائمة جزئياً إلى صافية ولا تغير على درجات الحرارةوقف الرواتب.. إغلاق البنوك وحل التشريعي.. ملامح قرارات المركزي بعد خطاب الرئيسالجيش الإسرائيلي يزعم: 20 فلسطينيًا اجتازوا الحدود مع غزةشهيد برصاص الاحتلال الاسرائيلي شرق رفح جنوب القطاعليبرمان: سنهدم منزل منفذ عملية الطعن بغوش عتصيون بأسرع وقتالامن الوقائي والشرطة ببيت لحم يعثران على شاب اختفت أثاره اليوم.. وهذه قصتهسفارة فلسطين بالقاهرة توضح آلية سفر الجرحى الفلسطينيين للعلاج بالمستشفيات المصريةصور.. عدد من مؤسسات جنين ومخيمها تكرم اللواء جمال سويطات والصحفي حوشيةوزارة الداخلية الفلسطينية تزور تجمع الخان الأحمراليمن: "صدى" تنظم محاضرة تدريبية عن التسويق الإلكتروني بالمكلافيديو: البطش: (أونروا) تنصلت من التفاهمات التي توصلت إليها مع اتحاد الموظفين
2018/9/20
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قصة العربة بقلم:رحيم الحلي

تاريخ النشر : 2018-04-14
قصة العربة / كتابة رحيم الحلي

بعد ان يتناول وجبة الغذاء الفقيرة يلبس دشداشته العتيقة التي حملت اثار الخيوط التي رتقت بها امه بعض شقوقها ، كان في العاشرة من العمر ، هزيل البنية يعاني من سوء التغذية حيث بدا وجهه شاحباً للغاية لم تغيره حبوب الحديد التي اوصى بها طبيب الصحة المدرسية ، كان يتناول صحنه من المرقة التي تعدها امه كل يوم وكانت تلك الوجبة الرئيسية حيث لم يتعدى الفطور الصباحي قطعة من الخبز مع كأس من الشاي .
عند الظهيرة في اغلب الايام ، كان يذهب الى سوق الخضرة ليبحث عن والده الذي يجلس على بعض الارصفة او البسطات الخشبية للبقالين او داخل بعض الدكاكين حين يذهب بعضهم الى جامع السوق حيث يجلس قليلاً لحين عودة ذلك البقال صاحب الدكان ، كانت تلك الخدمة تفقده بعض الزبائن حيث كان يعمل حمالاً مقيماً في ذلك السوق لكن اصحاب المحلات يكرمونه ببعض الخضرة الرخيصة او المجانية.
في ايام الصيف كان البقالون في سوق الخضرة ومعظم اصحاب الدكاكين في اسواق المدينة يذهبون لتناول الغذاء واخذ قيلولة لبضعة ساعات امام المبردات المائية التي لا يملكها سوى الاغنياء ، والتي كان يراها نوع من النعيم الذي يشابه نسيم الجنة التي تحدثت عنها الكتب السماوية .
اما والده الحمال كان يجلس عند الظهيرة في السوق منتظراً احد الزبائن الذين جلبتهم المصادفة او الحاجة الطارئة في تلك الساعة الهادئة من النهار حيث يدخل الجميع في سبات بعيداً عن ضوء شمس الظهيرة اللاهب ، كان يتطلع في تلك الوجوه القليلة المارة او الجالسة في السوق امام المحلات ، وفي حال تعذر عليه رؤية وجه والده الحنون والجميل يتجه صوب جامع التجار او جامع الجباوين او حتى مسجد عكَد اليهود فقد عرف الاماكن التي يلجاً اليه والده عند الظهيرة حيث تتعدد المرواح الهوائية في تلك الاسقف العالية التي تجعل المكان بارداً قياساً الى اللهيب في الفناء الخارجي ، وحين يعثر على والده نائماً في احد تلك المساجد كان يذهب اليه بلهفة ولكن بمنتهى الهدوء كي لايوقظ اولئك الفقراء النائمون في الجامع التي وجدها الخدمة الاهم بالنسبة اليه كطفل احب والده كثيراً رغم انه كان يرى ان الجامع كان سبباً لابتعاد الوالد عن النوم في البيت ، فهو يعلم ان والده لن ياتي للبيت عند الظهيرة فهو اما يجلس في السوق منتظراً احد الزبائن العابرين او الطافرين على قائمة المألوف ، او يذهب لاخذ قيلولة صغيرة حيث بدا ذلك الرجل الثلاثيني متعباً حين يدفع عربته التي يستاجرها من عربات الحنبوزي لبضعة ساعات مقابل اجرة معينة ، فلم تكن لديه الامكانية المالية لشراء عربة خشبية طويلة الى حد ما اذا ما قيست بعربات هذه الايام ، كل تلك العربات كانت تستند على عجلتين من البوربين ولتترك وراءها ضجيجاً مزعجاً للمارة ، شعر ان والده كان يجد صعوبة في التنفس وهو يدفع عربته التي حملت البضائع التي اشتراها احدهم من الذين سكنوا في احياء مدينته الجديدة ، كان يتمنى ان يجد والده في تلك الساعة وليساعده في دفع العربة وليخفف عنه ضيق تنفسه ولهاثه السريع فقد اخبره الطبيب بانه يعاني من التهاب قصبات مزمن وان عليه ترك التدخين .. وفي احدى زيارته للطبيب طلب منه ان يستريح كثيراً فهو يعاني من عجز في القلب ولكنه بقي هادئاً فلم يخبر الطبيب بانه لا يمكنه ترك العمل ولو ليوم واحد فهو في كل يوم يشتري بما يحصل عليه من نقود تعود عليه بما تحمله عربته من حاجات الزبائن المنزلية التي توزعت بين علب السمن والرز والبطيخ والخضروات ، فهو يعلم ان الاغنياء لا يدركون ما يعانيه الفقراء ففي هذا الوطن مات الانسان منذ ان عمل الحكام على تفريق الناس واشغالهم .
وحين لا يعثر على والده في السوق رغم كل البحث المضني بين سوق البقالين وسوق القصابين او في سوق الخلال او السوق الكبير الذين يسمونه سوق المسكَف كان يعود خائباً الى البيت ولينتظره عند المغرب في جامع الجباوين حيث يؤدي الصلاة ، ولكن بعد ان بنى احد الاثرياء مسجد ابن النمى انتقل والده للصلاة في ذلك المسجد الجديد الذي احتوى على مراوح ومبردات جديدة جعلت المكان مبهجاً وناعماً ومترفاً اشبه ببيوت الحكام او اشبه بالجنة التي يتخيلها وكما وصفتها الكتب الدينية وربما لان ذلك المسجد كان الاقرب الى البيت فقد بني في تلك الحارة الفقيرة عكَد الكرعين ، تلك الحارة التي خرج منها احد اشهر مطربي وطنه وهو المغني سعدي الحلي ، تلك الحارة التي شاهد فيها كثير من الصور الموجعة التي ينتجها الفقر والتي لم يستطع رجال الدين ولا الحكام التخفيف من اثاره المحزنة .
كان عليه ان يبحث عن والده الذي لم يعلن عن مكان تواجده ربما لانه اراد ان يهرب من الواقع بعض الوقت ليعيش مع عالم اخر رسمه رجال الدين فقد عجز من تغيير مفردات واقعه اليومي حيث لا وجبة فطور ولا وجبة عشاء مهمة وذلك البيت المتهالك الذي كان ينتبه بحذر الى جدرانه المتساقطة والتي كان يخشى ان تدفن اسرته ذات يوم ، في مسجد ابن النما بدأ يتعرف ذلك الصبي الفقير ابن ذلك الحمال الفقير على ما كتبه بعض الكتاب المصرين مثل مصطفى محمود واللبناني محمد جواد مغنية لكن تلك الكتب لم تكن مقنعة بالنسبة له فهي لم ترد على اسئلته الكثيرة التي تتقاطع وتتصادم بين جدران عقله الصغير الذي بدأ في رحلة البحث عن اسرار الكون واسباب التمايز بين الناس خصوصاً حين رأى ذلك الغني الذي بنى ذلك المسجد والذي يضع عقالاً ذهبياً ويحتذي نعالاً محلى بالخيوط الذهبية .. تلك الصور المتناقضة رسمت كثيراً ملامح تفكيره المستقبلي والذي لم يخلوا من المغامرة والانقلاب على الواقع والمتاعب والاحلام والخيبات الكثيرة ..
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف