الأخبار
2018/12/15
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

أمي، سيدتي الجميلة بقلم: محمود حسونة

تاريخ النشر : 2018-03-20
أمي، سيدتي الجميلة بقلم: محمود حسونة
سيدتي الجميلة ...
أمي، اسطي كفك الطاهرة الهابطة من السماء لأقبلها ما شئت، ثمّ خذي برأسي المثقل بالدمع والهموم وضعيه في حجرك ، لأنظر في عينيك اللتان تنوسان كقمر بعيد حتى أولد من جديد، ودعيني أشتم فوحان أريج الياسمين من عرقك المجبول بالحناء ، ومسدي براحتك الطرية على وجنتي لتزول عني قشعريرة الخوف ، فأغفوا هانئا في ليل الشتاء الطويل ،و قبلها قصِّي عليّ حكاية الجنية الشمطاء التي خطفت الشقراء لتربيها في كهفها المسحور ،وحكاية الغولة الشريرة التي رأفت على الصغير اليتيم ، وفي عزِّ الليل تفقدي غطائي ، واحرسي أحلامي السعيدة ، وتمتمي بالتعاويذ و الأدعية والرقيا التي تحميني من العين والحسد و الأرواح الشريرة، وفي الصباح البارد جهزي الخبز الساخن لصغارك وأودعيهم في رعايةالله ، لقد اشتقت لك كثيرا يا أمي ، فمن يرى أمي من أهل الأرض أو السماء فليسلم عليها ، وليبك على كتفها بدمعي .
2_أمي فاطمة الطاهرة
فاطمة تعيش هنا فوق هذه الأرض الصعبة الذبيحة ،والاعتقاد الحتمي الباهظ، فاطمة تتجول بين المجنزرات و الحيطان المتصدعة ،والحقول المنزوعة من جذرها الأبدي ،بوجه يشبه قمح البراري وطين البيارات ، وروح نبتت من دخان الحكايا والطوابين ، من أعشاب الدروب.
فاطمة تحتضن الصغار المفزوعين باليتم والقصف والموت المباغت، فاطمة من أمهات المخيم تتجاوز كل العقبات كملكة لا تركع ،عزاؤها في قلبها الذي ينبض بين الورد والنار، ويفيض بالصلوات والدعوات ،فاطمة متهمة بالبراءة ،فاطمة تتهادى بخطوات الضوء كالرسولة القادمة، وهي صامتة هادئة صابرة طاهرة كحروف الكتب المقدسة التي يرتلها المؤمنون في كل صلاة ،تخطو فتنبت وراءها غابات من ماء ونار وغار، في خطواتها الصاعدة نحو جبال الليل عاصفة مختبئة توزع الغيم والنار والريح.
في اليوم الموعود عادت فاطمة لرحم الأرض ،عادت من حياة لحياة ،واستقبلت قبلتها الأولى،من مرقدها رعدت خيول السهوب واندفعت مع شفق الشروق كالريح وهي مبللة بالضوء و العسل.
حاصروا قبرها وسيجوه بالجنود والكلاب والسجون ، ضحكت فاطمة ولوحت بشالها العابق ببخار الياسمين الفواح للصاعدين إلى الحقول و الغيم وغابة الماء ،ثم نامت على وسادة الرضا والطمأنينة في روضة الخلود.
3_ عليك السلام .
أتذكر أجمل الوجوه التي مرت بي منذ أن وعيت على هذه الدنيا، فلا أجد أجمل من وجه أمي، أحاول رسم وجهها الذي ضاع مني ، وأنا أسمع نداءها كناي شجي بعيد ، تتقاطع الخطوط مع الظلال، أنتظر بزوغ وجه أمي، لكن لا أرى سوى غبشا، أتوسل المحاولة مرارا، فجأة تقفز أمامي بكامل ملامحها وقوامها مثل زنبقة الربيع ، على رأسها تاج ثمين ، وحمام أبيض يطير من بين يديها ،آه يا أمي ، كم أنت جميلة وطاهرة، أنظر إلى عينيها فأعلق على رموشها ، أقترب منها لأتحسس بأصابع قلبي وجهها ، لأبصم قبلة هادئة على جبينها فلا أستطعْ، شيء ما يحجبني، أمد يدي لأضعها في يدها ،أحاول الذهاب إليها أو الرجوع فيها ،فتطير مني كفراشة، وتحط على أعلى غيمة ،و أنا أركض خلفها لاهثا صارخا :أمي أمي. .. وهي تطير في الأعالي حتى تختفي بعيداً بين الغمام .
رأيتني طفلاً صغيراً مشردا يغفو في ظل الشمس !!! ينتظر نجمته ،العرق يغرقني ، أريد ماء يحملني من هذا الغرق !!أنا ثوب بلا جسد ، ألملم فتاتي ، أهزه من كتفه ، أعثر على سؤال عنها وعني ، أسمعه خلال انهيار اللحظة يقرر أن حان الموعد ، هو إجابة !! أدخل إلى خارجي ، أراني فيها ، أراني فيّ ... الموت سرق أمي ، تمرد الموت علي ،الموت يهزأ مني ويختال !!! لست هنا وليست هي ،لم يبق أمامي سوى لوحتي البيضاء التي تشبه قلب أمي.

بقلم : محمود حسونة ( أبو فيصل )
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف