الأخبار
فيديو: غناء وثعابين بقبر"أم كلثوم"وجثة "حليم" لم تتحلل.. هذا ما يحدث داخل قبور الفنانينفلسطينيو 48: أعضاء عرب بالكنيست للأمم المتحدة: اضغطوا على إسرائيل لإلغاء قانون القوميةرغم طرد كريستيانو.. يوفنتوس يصعق فالنسيا بهدفينفيديو: مشادات خلال جنازة الفنان المصري جميل راتب بحضور4 فنانين فقطفيديو: ريال مدريد يقهر روما بثلاثية نظيفةإصابة سيدة جراء إطلاق نار في دير الأسدفيديو: شاهد كيف اقتحم الشبان ثكنة عسكرية لقناصة الاحتلال.. وماذا فعلوا؟فيديو: لحظة وداع الشهيد مؤمن أبو عيادة بخانيونس جنوب القطاعالعملات: انخفاض على سعر صرف الدولارالخميس: أجواء غائمة جزئياً إلى صافية ولا تغير على درجات الحرارةوقف الرواتب.. إغلاق البنوك وحل التشريعي.. ملامح قرارات المركزي بعد خطاب الرئيسالجيش الإسرائيلي يزعم: 20 فلسطينيًا اجتازوا الحدود مع غزةشهيد برصاص الاحتلال الاسرائيلي شرق رفح جنوب القطاعليبرمان: سنهدم منزل منفذ عملية الطعن بغوش عتصيون بأسرع وقتالأمن الوقائي والشرطة ببيت لحم يعثران على شاب اختفت أثاره اليوم.. وهذه قصته
2018/9/20
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

صديقي القديم!بقلم :محمود حسونة

تاريخ النشر : 2018-03-18
صديقي القديم!بقلم :محمود حسونة
صديقي القديم!!!
أسير في شوارع مدينتي، أسيرمع آذار، مع الربيع المتجدد للأزهار، أتحسسه وأشمه فينساب في دمي كعطرلا ينضب، ينثر ريشه الأبيض فوق خطواتي، ويزفني بالورد والبراعم .
كان آذار يلتصق بي، صار آذار بعيدا، بيني وبين آذار مسافة ممطوطة لا أصلها ولا تصلني!! صرت في غيبوبة الوعي أطارد آذار أتوسله، بيني وبين آذارما بين الجفافِ والماء، بيني وبين آذار مساحات قاحلة من الانتظار!!! أرى آذار ضئيلا منكمشا حزينا !!! صارآذار في مدينتي قمرا بلا أفق، آذارمعي لكني مع وعي غيبوبتي لا أراه!!!
***
أرى مدينتي كالصحراء؛ أشجارها مصعوقة، وشوارعها صاخبة مجنونة، هواؤها كالصدأ لزج ثقيل بالغباروالسخام والزحام! !! آذار معي ولكني لا أراه!!! أرى وجوها شاحبة وشائخة هيكلها البؤس، وأجسادًا تتلوى ببطء وسط وحل هائل!!! كأنها تبحث عن موت، والموت يخطئها!!! أوأنها هاربة من شيء يطاردها ويفزعها!!! إنهم ينقبون عن مؤى يحميهم من هذا البؤس!! أين هذا المأوى ؟؟!! كدت أستوقف أحدهم لأسئله !! فأنا بحاجة إلى ذلك المأوى المفقود!!
هل نبحث عن الموت، أم نفرمن الموت؟؟!! هل نقتل الوقت، أم الوقت يقتلنا؟؟!! آذارمعي ولكني أبحث عن آذار!!!!
***
مخلوقات تتحرك مفزوعة كالمجانين، كطائر مكسور الجناح يحاول التحليق ولو قليلاً فيرتطم في كل مرة، إنه مستمرٌ في ذلك، إنه منهك ذبيح.
يحاولون مع اليسار، مع اليمين، مع الوسط ، مع يمين الوسط، مع وسط اليسار! !! للإفلات من الفزع المحيط بهم، لكن أين ستهربون يا مساكين؟؟!! إ
البحر خلفكم وخلف البحربحروقبر!!! والصديق يطبق بيديه القاسيتين على خناقكم !!!! لا رحمة، ولا شفقة، لا اتفاق ولا وفاق!!!!
لكني ما زلت أطارد بقعة ضوء باهتة خافتة صغيرة وسط ليل عميق!!! أنا زورق تائه في عبّ عاصفة، لكني ما زلت أبحث عن آذار!!! بيني وبين آذار ما بين الموت والحياة! !!
***
العدالة في السماء، هل يعني ذلك أنه لا عدالة في الأرض ، هل هذا تبرير للظلم ؟؟!! هل يمكن أن تكون عدالة في مدينتي؟ ؟!! هل يمكن أن تكون حياة في مدينتي ؟؟!!
هناك صوت يأتيني من داخلي!! من خارجي!! من فوقي !!
_:ماهذا الهراء؟؟!! اسكت يا جبان وإلا ...السكوت من ذهب والكلام فضة!!!
أيّ حكمة هذه ؟؟!! إنها خدعة!!! فالكلام أثمن من الذهب، والسكوت اضمحلال وموت!!! كيف لا تصرخ من الألم والحصار؟؟!! كيف لا تصرخ في وجه جلادك؟؟!! كيف تسكت وهناك من يقضم لحمك؟؟!! كيف تصمت وهناك من يدوس عليك يسحقك ويستل دمك، ثم يتركك وحيدا ومريضا وجائعا ومجنونا؟؟!!! كيف لا تصرخ لتوقظ نومتك؟؟!! كيف لا تلملم فتاتك وتهزه عنيفا من كتفيه؟؟؟!! كيف لا تصرخ في بقاياك المتناثرة ؟؟!! هل أنت شيطان؟ ؟!! الساكت عن الحق شيطان أخرس .
***
سأتجه الآن إلى البحرإنه صديقي القديم!!! لعله يأخذي من جنوني، لكن هل صديقي البحر شريك في الحصار؟؟!! أم هو محاصر مثلي؟؟!! سأتوجه إليه الآن وأسأله: لماذا وكيف وأين ومتى؟ ؟!! سأسأله كل الأسئلة المكدسة في حلقي وتكاد تخنقني؟ ؟!! سأسأله كل الأسئلة التي تتشظى داخلي كالزجاج المتطاير!!! سأبوح له بكل همومي وأوجاعي التي أذابتني كشمعة تحترق، سأنفث النار التي تلتهم دواخلي وتتركني رمادًا هامدا !!!
هل أنت معنا أم علينا؟؟!! هل أنت مع المؤمنين أم مع الكافرين ؟؟!! أما زلت وفيا ؟؟!! أم تغير حالك ؟؟!! هل نحن كفار؛ لأننا كفرنا بالوفاق والاتفاق والنفاق والأنفاق والارتزاق؟؟!! ألا لعنة الله على الكافرين والمنافقين والدجالين والفاسدين والمفسدين
***
أنا بحاجة لهواء كي أتنفس، أفسحوا الطريق لألتقط نسمة هواء، أفسحوا الطريق ﻷرتشف قطرة ماء!! أريد الدواء! !!
يأتيني صوت يثقب رأسي، يطن في أذني، يعفرني بالتراب، يوبخني، يشتمني ويطعنني!!!
_أنت محاصر!!!!! أصرخ بعمق الطعنة !! هل يذهب صراخي مع الريح؟؟!!
الصوت ما زال يأتيني ويأتيني مدويا، يهوي كعصا غليظة على رأسي،على ظهري، على أضلاعي، بين ساقي، أتلوى والدم ينفر مني عنيفا صاخبا، دمي يملأ فمي أتجرعه مراعنيفا! !!! دمي يقرع الأبواب، هل دمي ماء؟؟!!
والسوط والصوت يأتيان معا ، يصرخان معا: توقف يا جبان لا تتحرك أنت محاصر!! توقف لا تقترب خطر الموت!!!!
أين الموت؟؟!! هنا أم هنا أم هناك!! الموت يحيط بي يفتح ذراعيه عن آخرها يغص بي، يقذفني في الركن الرطب يعصرني !!! كل شيء كالح مالح!! أين المفر؟؟!! حصار و حصار، جدار وراء جدار ومن وراء الجدار نار!!! لا نوافذ ولا باب في الجدار!!! هل نهرب نحو عدونا من صديقنا؟؟!! فرب عدو لك ولدته أمك !!!
أنا أخجل أن أقف أمام نفسي!!! أنا تافه! !! أنا عاطل!! هل أنا كافر؟؟!!
***
ما هذا الذي يطفو في رأسي فوق بركة آسنة من الأفكارالعفنة المدوية، ويجرفني إلى أشد الزوايا إظلاما ورعبا ؟؟!!، شيء عنيد رخو دبق يجيء ويروح ، يغوص في دمي ثم يطفو متجبرا!!! ينغرس في رأسي كإبر الشوك، ثم يتدلى على قلبي ويعصره كليمونة ،ثم خاصرتي فيقضمها قضمات مهووسة، إلى أن يصل أظافري فيقتلعها؟؟!!
هل الموت يشعرني بالحياة؟؟!! أسمع دبيب الموت يقترب مني، يمور في داخلي كدوامة!!! يراودني وأراوده!!! ينزع مني الإحساس بالحياة!! الحياة والموت يتصارعان في داخلي!!! يتنازعاني، لحظة واحدة، خطوة واحدة تنقلني من موت لموت !!! من موت لحياة!!! من حياة ميتة إلى موت حي!! أنا في علو الموت الشاهق!!! الموت يتخللني يتسلق سيقاني كنمل أسود، فيخدرها، ويواصل بطيئا نحو خاصرتي فصدري، بيني وبين الموت صفر، لحظة رهيبة كأنها الأبد! !! خطوة واحدة ووحيدة وتنقلني إلى ما بعد الموت!!!
لمعت مخالب الموت بين عيني الجاحظتين كسكاكين مشرعة، فأغمضتها بصعوبة وأنا أسمع فوضى انهيار راهب في داخلي! !! عادت المخالب من جديد تتشابك و تلتمع أمامي، فيزداد إحساسي بالخوف والموت، أغلقت عيني بكفين مرتعشتين، وأخذ جسمي يرتجف كسمكة صغيرة تبحث عن شبرماء، وفجأة لاحت أمامي بقعة الضوء الصغيرة الباهتة التي استدارت خلفي، وأخذت تجذبني بقوة من بين مخالب الموت المشرعة، فانزلقت نحوها بصعوبة، وصرت أتبع خط دمي النازف!!! أتبع بقعة الضوء الصغيرة الباهتة بين وعيي وغيبوبتي!!! وعرق ساخن يبللني!!!
أسندت ظهري علىى جدار خشن وأنا أشعر بإعياء ثقيل جعلني أنهار دفعة واحدة ككومة تراب، انغرست نتوءات الجدار في جلد ظهري لتصل إلى الفقرات فيتراكم ألم فوق ألم!!!
استسلمت لخدرالتعب وأسبلت عيوني المنطفئة، كانت عروقي نافرة كشبكة خضراء من الديدان، وأنفا سي متلاحقة تنفث بخارا لاهبا، أما جسمي فكان يهتز من شدة خفقان قلبي المتهالك، كنت أخشى أن أفتح عيني المطبقتين، فأرى مخالب الموت مرة أخري.
لا أدري كيف أخذتني غفوة ناعمة رقيقة وبدأت أسمع هدير البحر، فتملكني شعورلذيذ بالأمان.
كنت طفلا صغيرا عندما وعيت البحر أول مرة، دائما كان لدي رغبة هائلة في اكتشاف عالمه الخفي الغريب!!!
كان هديره يصرخ في الليل كوحش خرافي هائل؛ فيعمق إحساسي بخوف لا قرار له، انشغلت كثيرا في البحث عن ملاذ آمن؛ لأني ظننت أن البحر سيبتلعنا يوما ما ونحن نائمون ويغرقنا في جوفه السحيق !!! ،
خطوت أولى خطواتي على رمالك، وملأت عيوني بزرقتك النادرة، كل همي كان البحث فيك، أبحث عن شيء في زرقتك، بين صخورك الناتئة، في زبدك، تحت أمواجك، في أصدافك، في أعماقك المعتمة المجهولة!!!
لقد قالوا لنا أن البحر غول!!! وأنه لا أمان له وأنه غدار، ماكر، ولا يقبل الأموات، وأنه نظيف يلفظ الأوساخ والقاذورات، أن كل الغزاة و الغرباء جاءوا منه وكذلك فروا منه!!!
وقفت متماسكا و أنا أضم في صدري هدير البحر فيمنحني جرعة من الشجاعة، وصارت عيناي الصغيرتان تتسعان رويدا رويدا، تلتمعان كبريق قمربعيد، وبقعة الضوء الباهتة الصغيرة تتراءى لي.
بدأت أسير بهدوء وثقل، أقتلع أقدامي من دبق الطريق، أنقل خطواتي فوق جمر الحريق !! هاربا بضوئي، هل يطفئ النزيف حلمي؟ ؟!!
***
أغوص عبر الزحام ، أبحث عن دليل في غبش الغبار والسخام، زورق صغير تائه بشراع ممزق يناضل دوامة عاتية، زورق يبحث عن قرار، آذار معي لكني لا أراه، وبقعة الضوء الصغيرة تنوس خافتة في أعماقي المعتمة !!!
أمضي إلى صديقي القديم!!! لا أسمع ضحكة!!! لا أرى ابتسامة! !! وجوه واجمة، أستشعر صراخا مكتوما يكاد ينفجر، ما هذا الشقاء؟ ؟!!
المكان فوضى صاخبة، أبواق سيارات تنعق وسط زحام ضجر ، باعة متجولين، بضاعة مفروشة على الأرصفة يكسوها السخام والغبار كما يكسو وجوهنا المتعبة من الحصار والنضال!!! متسولون أرهقهم الذل شباب، نساء وأطفال يتحركون بانكسار ما هذا؟ ؟!! أنا غريب في مدينتي! !أنا مرتبك !!! أنا حائر!!!
فوضى، فوضى، صراخ، لهاث، نباح، نعيق، نهيق، دوار، من أنا؟؟!! أنا مشوش! ! أنا تائه؟ ؟!! أتعثر، أحبو، أتدحرج، أزحف، أنزف، أموت، أبعث !!!
***
الجداريات مملوءة بالإعلانات ألوانها باهتة، حروفها عريضة ونافرة :تخفيضات، تنزيلات، شركات، تطمينات، تسهيلات، استدراكات، اتفاقيات، تنازلات، لا أرى كلمة انتخابات! !!!! من الذي يهزأ بنا؟ ؟!! من هذا الذي يعاملنا كأغبياء ؟؟!! من الغبي الذي يحجرعلى عقولنا ويسوقنا كقطيع؟؟!! أتمتم بكلمات غاضبة ملتهبة، تتساقط من جوفي على رصيف الطريق فتحدث دويا عاليا! !!
كلام في كلام في كلام في كلام، كلام مطحون محترق، فقاعات فارغة، تهريج، هراء، كذب، نفاق، زيف، تجميل للقبيح، مدينتي مذبوحة بحاجة لإسعافات وليس لشعارات أو مزايدات! !
***
أهرب بنظري أسرحه إلى فوق نحو الفضاء، أبحث عن نافذة، عن ثقب بين البحر والسماء، بين النار والصحراء، أبحث عن شيء في داخلي وخارجي، شيء يراوغني، شيء من لا شيء، شيء من عدم !!! شيء يتحداني وأتحداه، شيء يتخفى في داخلي مني !!! شيء يتخفى خارجي من داخلي، دوامة من شيء وداخل وخارج!!! دوامة من مرض وأغنياء وفقراء ونفاق واتفاق ودواء ومعبر وكهرباء وماء وغاز وسولار وأنفاق، دوامة مدينتي الضحية!!!
***
أتلهى بمنظر الغيم الأبيض الشفيف النظيف، غيم يزدحم و يلتحم ثم تمزقه الريح متفرقا فيتطايركريش منتوف أبيض، الغيم أعظم فنان !! يحركه النسيم فيرسم أجمل اللوحات: غابات فسيحة، جبال عملاقة، خيول تمرح سارحة ، أشكال متداخلة متعانقة، يتخللها ضوء الشمس المائل فيصبغها بلون سحري، فتبدو كمدينة أحلام من الثلج .
ترى كل ما تريد في حركة الغيم ، تفسرها كما تشاء !!عالم فسيح من الرقة والوداعة يسلبك من ضجرك لتتماهى معه، فتنزاح أثقالك، يشعرك بجمال أنيق رشيق، يشعرك بضآلة ما يحيط بك، يشعرك بتفاهة الكبرياء، يشعرك بفرح بعيد، بالانفراج رغم الضيق، السماء ساحة فسيحة للسلام، تزيد وعي بحب العصافير للفضاء؟؟!!
***
بدأت أشتم رائحة البحر، رائحة الملح والسمك، رائحة تركض في دمي، رائحة تسحبني إلى أقصى حدود الفرح المختنق!!! توقظ في داخلي ذكرياتي المختبئة في صدري، وذكريات أخرى خبأتها في موجه العالي، وزبده الكثيف!!!
أقف الآن أمام البحرالعظيم الملتصق بالسماء، أنا مصلوب أمامك كتمثال عذاب يا صديقي.
هل تسمعني؟؟!! هل ترى وهج النار في داخلي؟؟!! كيف يمكن أن تسمع صرختي؟؟!!
هل عرفتني ؟؟!! هل تراني وأنا ألوح لك بقلبي؟؟؟هل سئمتني؟ ؟!!
أنا صديقك البطل ،الزاحف، النازف، النازح، اللاجئ المنهك المريض، الباسل، التافه، العاطل، الكافر، الجاهل! !!
شاخت أحلامي، شاخت لغتي وعواطفي وشاخت مدينتي الحزينة!!!
أنت معلمي الأول، أنت من علمني مواجهة الحياة بشجاعة، وأن الحياة مد وجزر، صعودا وهبوطا ، فهلا علمتني كيف أنتصرعلى نفسي ؟؟!! كيف أخترق هذا الحصار؟ ؟!! كيف أتحدى الانكسار؟ ؟!! كيف أحقق الانتصار؟؟!!كيف أتفادى الانهيار؟؟!!
كنت أقف أمامك طفلا على رمال الشاطئ؛ فأرى موجك العالي يهدر يرتفع عاليا ثم يندفع نحوي بسرعة فأهرب مسرعا؛ خوفا من طغيانك، لكن ما يلبث موجك أن ينحسر ويتراجع، فأعود مكاني وأنا أضحك من قلبي .
صرت بعد ذلك أستقبل موجك وأنا ثابت لا أتزحزح فما أن تلمس ماؤه أقدامي حتى يتراجع هاربا، فألاحقه كأنه لص جبان هارب، وأنا أصرخ عليه، من يومها عرفت أنه ما من موجة عالية غاشمة تندفع بقوة إلا ومصيرها الانحسار والتراجع، ثم صرت أتقدم نحوك شيئا فشيئا، حتى صرت في مواجهة موجك، وما أن يرتفع الموج ويهم في الانقضاض نحوي حتى أنسل من تحته بمهارة وسهولة، فأخرج من تحته وأنا مزهوا بالإفلات منه، وألتفت إليه وأراقبه وهو يبتعد و ينكسرثم يهبط ويتلاشى، علمتني فن المواجهة ليس برعونة واستعباط، وإلا سحقك الموج العالي وحطم عظامك، إنما بانسياب إنه فن الحياة، فإذا أسأت مواجهة الموج العالي، فسوف يسحقك ويرطمك بالصخر، سيتغلب عليك بالتأكيد وسيتركك مهشما منكسرا، فهو الأقوى و في القوة غطرسة وحمق!!! وبعد ذلك صرت أغوص في داخلك أبعد فأبعد كما أغوص الآن في بحر الحياة، وعندما ألتقي بتيار جارف أسيايره، أتحايل عليه، ثم أنسل في أقرب فرصة مبتعدا عنه وإلا جرفني معه للخطر، خبرتي بك ازدادت يوما بعد يوم، أعين الدوامة من بعيد، أعرف أمكنتها وأتجنبها.
كنت أمضي ساعات طويلة أبني بيتي الرملي العالي المحصن على شاطئك، وفي لحظة كالومضة تهدمه وتجرفه، أراقب ذلك وأنا حزين مندهش، فأعيد بناءه من جديد بإصرار وتحدي مرة تلو مرة
علمتني يا صديقي التحدي و الإصرار!!! علمتني عدم الانكسار فهلا علمتني فن مواجهة الحصار!!!
***
أيها البحر ما أجمل أن ترسمني زهرة على رمل شاطئك ثم تمحوني بمائك و تأخذي إلى عالمك وحيدا لأنام !!
خذني أسيرا، فأنا طفل أرهقه السفر !!
خذني شهيدا، فأنا جريح جرحه يتسع وينمو كالشجر!!!
خذني زعيما وعلمني تحدى الخطر!!!
خذني حجرا وضعني في مكان ما لكن تحت المطر!!
خذني من جنوني وجنوني؛ فقد مزقني القهر!!!
***
أيها الحصار، أيها الحقير، أيها الشرير، أنا مصمم على ارتقاء العتبات التي تكاد أن تهوي!!!
فيا صقر السماء أعرني فضاءك! !
يا حجر الأرض ضعني مكانك لأرى نور القمر!!!
مدينتي لم تعد صالحة للموت ولا للحياة !!!
مدينتي صحراء
مدينتي دماء
مدينتي شهداء
مدينتي بلا أحياء
مدينتي سجناء
مدينتي بلا ماء ولا هواء ولا كهرباء
مدينتي كبرياء
مدينتي زهرة على عرش النبلاء
والله ما سئمتك ولا سئمت بحرك الأزرق ولا طائر الدوري المحلق في سماء عينيك الهائلتين !!!
شكرا للنخيل الشامخ وسط الحريق ...
شكرا لسيدة تعد طعام أطفالها و تداري جرح الوطن ...
شكرا لتلميذ يصلح مركبات الريح رغم ضيق الطريق! !!


بقلم :محمود حسونة (أبو فيصل)
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف