الأخبار
السفير اللوح: المسافرون العالقون بمعبر رفح وصلوا مدينتي الإسماعيلية والقاهرةالسفير حساسيان: أجندات إقليمية وداخلية تعرقل المصالحةترامب: إبرام صفقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين الأكثر إشكالاًنتنياهو عن قرار نقل السفارة للقدس: أنه يوم عظيم لشعب إسرائيلالديمقراطية تحيي ذكرى انطلاقتها في المزرعة الغربية بمسيرة ضد الاستيطانترامب: ما تقوم به روسيا وإيران في سوريا "عار"مصرع 18 صومالياً في تفجيرين منفصلين بمقديشووزارة الخزانة الأمريكية تفرض أكبر حزمة عقوبات على كوريا الشماليةالسعودية تطرح وظائف عسكرية للنساء.. هذه شروطهاإدخال 40 شاحنة محملة بالوقود المصري لمحطة توليد الكهرباء بغزةقيادي بحماس: وعود مصرية بعودة العمل بمعبر رفح بشكل طبيعيالأسبوع المقبل.. نتنياهو يقدم إفادته في قضايا فسادسيئول: لا يمكننا الإعتراف بكوريا الشمالية كدولة نوويةعلى الحدود الشرقية للقطاع.. جريمة إسرائيلية من نوع آخرغضب فلسطيني من قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس بذكرى النكبة
2018/2/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

محمد الفيتوري شاعر إفريقيّا بقلم:د.سوسن رجب

تاريخ النشر : 2018-02-14
محمد الفيتوري شاعر إفريقيّا بقلم:د.سوسن رجب
د/ سوسن رجب               جامعة تبوك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد الفيتوري       شاعر إفريقيّا
تُعد أفريقيا فضاءً ومشهدًا أساسيًا في نصوص الشاعر محمد الفيتوري  الشعرية ،فقد نظم  عدّة  دواوين للقارّة السوداء منها "أغاني أفريقيا" 1955، و"عاشق من أفريقيا" 1964م، و"اذكريني يا أفريقيا" 1965م، و"أحزان أفريقيا" 1966م، حتى أصبح هو صوتَ أفريقيّا وشاعرها، حيث تغنّى بها ، ودافع  عن كرامتها  .
 وُلد الفيتوري في مدينة الجنينة بالسودان1936م ، ونشأ في مدينة الإسكندريّة بمصر، حفظ القرآن الكريم في مراحل تعليمه الأولى، ثم درس بالمعهد الديني ، وانتقل إلى القاهرة حيث تخرج في كلية العلوم بالأزهر الشريف، عمل محرّرًا أدبيًّا بالصحف المصريّة والسودانيّة، وعُيّن خبيرًا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة ، ثم مستشارًا ثقافيًّا في سفارة ليبيا بإيطاليا، كما عمل مستشارًا وسفيرًا بالسفارة الليبيّة في بيروت بلبنان ، ومستشارًا للشؤون السياسيّة والإعلاميّة بسفارة ليبيا في المغرب ، وتوفي في عام 2015م
 كتب الفيتوري عن محنة الإنسان الإفريقي وصراعه ضد العبوديّة والاستعمار، وتوقه إلى التحرّر:
صوتك يا أفريقيّا..هذا الذي يهزّني هزّ الأعاصير صداه
أحبّه.. وهو انفعال..ودم يغلي.. وثورة مطبّقة الشفاه
أحبّه.. وهو بريق أعين..تشنّجت فيها إرادة الحياة
أحبّه.. وهو خطى عارية..تحفر في الأرض مقابر الغزاة
أحبه لأنّه صوتي أنا..صوتك يا أفريقيّا

تدرّج الوعي الثوري في قصيدته " من أغاني أفريقيّا" من الدعوة إلى التشبّث بالأرض إلى وحدة المعاناة الإنسانيّة ، للنهوض بوعي الإنسان، لرفض واقعه ، وصولا إلى الدعوة للثورة الإنسانيّة الشاملة، حيث مزّقت كلماته ستائر الظلام ، وحطّمت قيود العبوديّة ، وانتفضت على واقع الشكوى والتفجّع ، متجاوزًا إيّاه، ليرى نفسه ماردًا يصنع مستقبله: 
يا أخي في الشرق ، في كل سكن
يا أخي فى الأرض ، فى كل وطن
أنا أدعوك .. فهل تعرفنى ؟
يا أخا أعرفه .. رغم المحن
إننّي مزّقت أكفان الدجى
إننّى هدّمت جدران الوهن
لم أعد مقبرة تحكى البلى
لم أعد ساقية تبكى الدمن
لم أعد عبد قيودى
لم أعد عبد ماض هرم عبد وثن
أنا حى خالد رغم الرّدى
أنا حُر رغم قضبان الزمن
...
يا أخى فى كل أرض عريت من ضياها
وتغطّت بدماها
يا أخي فى كل أرض وجمت شفتاها
واكفهرت مقلتاها
قم تحرّر من توابيت الأسى
لست أعجوبتها
أو مومياها انطلق
فوق ضحاها ومساها
وللهّم العربي مكانة خاصة في شعر الفيتوري، فقد كان ملتصقًا بهموم الوطن والمواطن ، مناهضًا للقيود والاستبداد والظلم، بمختلف أشكاله الاجتماعيّة ،والسياسيّة، وأينما كان مأتاه:

قد صبغوا وجهك العربي
آه... يا وطني
لكأنّك، والموت والضحكات الدميمة
حولك، لم تتشح بالحضارة يومًا
ولم تلد الشمس والأنبياء


سبح الفيتوري  بأشعاره ضد التيّار أحيانًا ، ومعه أحيانًا أخرى، وتجولّت أشعاره في أحيان كثيرة في الأفق الصوفي الوجداني كنوع من تلطيف المرحلة الشعريّة ،يقول في قصيدة "معزوفة إلى درويش متجول:

شحبت روحي صارت شفقًا
شعت غيًما وسنا
كالدرويش المتعلّق
في قدمي مولاه أنا
إنّ الفيتورى جزء من الحركة الأدبيّة العربيّة المعاصرة، بل هو أحد أهم روّاد الشعر الحُر ، تجلّى ذلك في الكثير من قصائده، ومنها قصيدة "تحت الأمطار"، التي تحدّى بها كل ما نصّت عليه القواعد القديمة لكتابة الشعر، كما تأثّر بالتراث السوداني، واتّضح ذلك في إيقاع أبياته الشعريّة التي تحمل الطبول والدفوف الأفريقيّة، وكذلك أثّرت فيه تجربة والده وجدّه الصوفيّة، فاستقى منها الكثير من الأفكار والمفردات، لكن ما سبق لا يقارن بما تأثّر به من جدته، التي طالما كانت تشكو إليه وهو صغير مّما تلاقيه من اضطهاد بسبب لون بشرتها الأسود، لتزرع فيه هذه الحكايات عقده ضد ّكل ما هو عنصري وضدّ العبوديّة.
لقد ذابت ذاته الصغرى في الذات الكبرى، وهي الذات الإفريقيّة التي غدت خطًّا نفسيًّا يتلمّسه الشاعر، ويسير على هديه، و كان لجدتّه " زهرة" الأثر الكبير في نفسه ، فأضحت شاحذًا وباعثًا قويًّا لتفتق شعريّته:

ألأنّ وجهك أبيض
سميّتني عبدًا !
ووطئت إنسانيتي
وحقرت روحانياتي
فصنعت لي قيدًا!

لقد أثبت وجوده، رغم عقدة " سواد اللون" ، فلم يعد هناك ما يتحرّج منه، بل راح يصيح مقرّا بزنجيتّه،  وبوراثة اللون الأسود:
" قلها..لا تجبن، لا تجبن!
قلها في وجه البشريّة
أنا زنجي
وأبي زنجي الجدّ
وأمي زنجيّة
أنا أسود
لكنّي حرّ امتلك الحريّة
أرضي إفريقيّة
عاشت أرضي
عاشت أفريقيّة

سكب الفيتوري حريّته على كل بقعة من أرض أفريقيا وأسال دم قصيدته فداء للقصائد الأخرى..، مستنشقًا نسيم الشعر الذي لا تحدّه الحدود، ساخطًا ومعريًّا أبشع صور الموت داخل الحياة:
 
.. لا تحفروا لي قبرا..
سأرقد في كل شبر من الأرض
أرقد كالمساء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي..
مثلي أنا ليس يسكن قبرا..
.....
لا تحفروا لي قبرا...
سأصعد مشنقتني..
وسأغلق نافذة العصر خلفي...
وأغسل بالدم رأسي..
وأقطع كفي....
وأطبعها نجمة فوق واجهة العصر
فوق حوائط تاريخنا الماثلة..
وسأبذر قمحي للطير... والسابلة ..
...
قتلوني وأنكرني قاتلي
وهو يلتف.. بردان.. في كفني..
وأنا من!..سوى رجل..
واقف خارج الزمن
كلمّا زيّفوا بطلا..
قلت..قلبي على وطني

إنّ تحليل مثل هذه القصيدة فنيًّا وموضوعيًّا يتطلّب جهدًا مضنيًّا ، ويثير من القضايا الشيء الكثير فيما يرتبط بدور الشعر، وقضية التزامه، وطبيعة الشعر الحُر ، ودور الكلمة فيه، والأدوات الفنيّة المستحدثة في الشعر الحُر، من رموز وأساطير وصور فنيّة مطوّلة ، وتوظيف التراث الثقافي للشاعر وللأمّة ، واستغلال الإمكانات الدراسيّة والأسلوب الملحمي داخل القصيدة الحديثة ، متوسطة الطول أو حتى المقطوعات القصيرة .
فإنّ ورود التراكيب التراثيّة في شعر الفيتوري، قد أغنى بناءه الفني، وزاده قبولا، ولامس الوجدان، وخاطب الضمائر، إنه يستحضر بمثل هذه التراكيب ملامح المرحلة المقبلة، ويرسم المعالم المرجوّة والمأمولة، وكأنّ هذه الاستحضارات شروط حضارية ، لتجاوز الواقع المشوب بالسقوط.

رحم الله شاعر إفريقيا
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف