الأخبار
مشاهد تُنشر لأول مرة لصاروخ "جحيم عسقلان"الجهاد الإسلامي وحزب البعث يؤكدان على التمسك بنهج المقاومةتحديات الثقافة والمثقف العربي في مؤتمر القمة الثقافي العربي الأولفلسطينيو 48: إيمان القاسم تخصص مساحة لوضع قائمة مطالب من رؤساء المجالس المحليةصيدم: إطلاق مشروع الشراكة مع إيطاليا لتطوير التعليم ما قبل المدرسيمصر: الاتحاد العام للاعلاميين العرب يكرم رئيس رابطة مثقفي مصر والشعوب العربيةمصر: مستقبل وطن القاهرة يحتفل بالمولد النبوي الشريفمحمد صلاح على أجندة برشلونة بطلب من ميسيمدير عام الدفاع المدني يختتم زيارته لجمهورية أستونياالمطالبة بتكريم مؤلف كتاب (د. حيدر عبد الشافي – الرجل والقضية)نقيب المقاولين يدعو لحل مشكلة الإرجاع الضريبيالفرقان تقيم معرض لتوزيع الألبسة في عين الحلوةسوريا: إدارة "ترامب" تنفذ تعليمات إسرائيل حول الجولانلبنان: المفتي الحبال يستقبل وفد الهيئة الاسلامية الفلسطينيةلبنان: مهرجان شعري حاشد للمنتدى الثقافي الأدبي الجنوبي في الصرفند
2018/11/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

هكذا نجحت الامبريالية وأذنابها باغتيال ثورة 14تموز المجيدة بقلم: حامد الحمداني

تاريخ النشر : 2018-02-12
هكذا نجحت الامبريالية وأذنابها باغتيال ثورة 14تموز المجيدة بقلم: حامد الحمداني
هكذا نجحت الامبريالية وأذنابها باغتيال ثورة 14تموز المجيدة
بقلم : حامد الحمداني       9/2/2018

لم تكن ثورة الرابع عشر من تموز 1958 انقلاباً عسكرياً كما يحلو لبعض الكتاب، بل كانت في واقع الأمر ثورة شعبية قادها الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم بدعم وإسناد حاسمين من قبل جبهة الاتحاد الوطني التي تشكلت عام 1957 وضمت الحزب الشيوعي  والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وحزب البعث والعناصر القومية، فكان الدعم الشعبي الهادر بقيادة جبهة الاتحاد الوطني العامل الحاسم في نجاح الثورة.
التآمر على الثورة:
لكن الحزبين القوميين بقيادة عبد السلام عارف، الشخص الثاني في قيادة الثورة ما لبثا في التآمر على الثورة وهي في أيامها الأولى ومحاولة اغتصاب السلطة بدعوى إقامة الوحدة الفورية مع العربية المتحدة آنذاك بقيادة عبد الناصر، والتي أثبت التاريخ كذبها وتنكر أصحابها للوحدة المزعومة بعد انقلابهم المشؤوم في 8 شباط 1963.

ولقد وقفت الأحزاب الديمقراطية المتمثلة بالحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني بصلابة دفاعاً عن الثورة ومنجزاتها، وكان موقفها آنذاك أمر طبيعي حيث كانت تناضل من أجل عراق ديمقراطي متحرر من أية هيمنة أجنبية، وضمان الحقوق والحريات العامة، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي والجمعيات، وحرية الصحافة، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وتشريع دستور دائم للبلاد يضمن كافة حقوق وحريات الشعب بكل فئاته وقومياته، وتولي حكومة دستورية حكم البلاد تكون مسؤولة أمام البرلمان .

لكن الأحداث التي جرت في البلاد والثورة ما تزال في أيامها الأولي عطلت المسيرة الديمقراطية، وأدخلت البلاد في دوامة العنف والعنف المضاد، وأدى ذلك بالتالي إلى ارتكاب أخطاء جسيمة من جانب السلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، والأحزاب الديمقراطية الملتفة حول الثورة، وتحولت المواقف إلى الاختلاف والصراع الذي اضرّ بكل تأكيد بالغ الضرر بمستقبل العراق والحركة الديمقراطية، وأدى في نهاية الأمر إلى اغتيال الثورة بعد أن استطاعت قوى الردة البعثية والقومية، وأذناب الاستعمار من استغلال التدهور الحاصل في العلاقات بين قيادة الثورة والأحزاب الديمقراطية والتي أدت إلى عزل قيادة الثورة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، واستطاعت اغتيال الثورة في انقلاب الثامن من شباط 1963 الفاشي، وإغراق القوى الديمقراطية بالدماء في حملة تصفية لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل .
فهل كان هناك مبرراً لوقوع ذلك الصراع بين حلفاء الأمس، ومن يتحمل مسؤوليته؟
وما هي الأخطاء التي ارتكبتها جميع الأطراف ؟
في حقيقة الأمر أن جميع الأطراف كانت قد ارتكبت الأخطاء التي ما كان ينبغي أن تقع فيها، فالأحزاب الديمقراطية الثلاث كلها تتفق على كون الزعيم عبد الكريم قاسم كان شخصية وطنية صادقة لا شائبة فيها، حارب الاستعمار، وحقق الحرية والاستقلال الحقيقي لوطنه، ولم يكن عبد الكريم قاسم شوفينياً، بل كان على علاقة مع العديد من الشخصيات الديمقراطية المعروفة، وعلى صلة بالأحزاب الوطنية ذات الخط الديمقراطي، وقد أبلغ عدد من أولئك القادة الوطنيين بموعد الثورة، وضم العديد منهم في حكومته.

فالطرفان المتمثلان بالسلطة بقيادة عبد الكريم قاسم والأحزاب الديمقراطية الثلاث الوارد ذكرها يمثلان قوى وطنية، وأن أي تناقض بين هذه القوى يعتبر تناقضاً ثانوياً، في حين أن القوى القومية التي تخلت عن جبهة الإتحاد الوطني، وانسحبت من الحكومة، وتآمرت على ثورة تموز وقيادتها مستخدمة أسلوب العنف لاغتصاب السلطة كانت قد فقدت صفتها الوطنية، وبذلك أصبح التناقض بينها وبين السلطة والأحزاب الديمقراطية الثلاث يمثل تناقضاً أساسياً .

كان على السلطة المتمثلة بقيادة الزعيم عبد الكريم  قاسم، والأحزاب الديمقراطية الثلاث أن تدرك المخاطر الحقيقية التي تمثلها تلك القوى المتآمرة على الثورة، والقوى التي تقف وراءها وتدعمها، فالجميع كانوا في حقيقة الأمر في سفينة واحدة، والمتمثلة بالثورة، وأن غرقها سيعني بلا شك غرق الجميع، وهذا هو الذي حدث بالفعل بعد نجاح انقلاب الثامن من شباط الفاشي عام 1963، حيث لم تسلم أي من هذه القوى من بطش السلطة الانقلابية.

فلماذا حدث كل هذا ؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك ؟
وإنصافاً للحقيقة التي عايشت أحداثها بكل تفاصيلها بحكم ارتباطي بالحزب الشيوعي آنذاك أستطيع القول أن الجميع وبلا استثناء يتحملون مسؤولية ما حدث، واليوم وبعد مضي 55 عاماً على حلول تلك الكارثة التي حلت بالعراق وشعبه نتيجة ذلك الانقلاب الدموي الفاشي فإن استذكار مسببات ذلك الحدث أمرٌ هام جداً يستحق الدراسة والتمحيص للخروج بالدروس البليغة للحركة الوطنية لكي لا تقع بمثل تلك الأخطاء من جديد .
لقد أخطأت الأحزاب الوطنية في طريقة التعامل مع الزعيم عبد الكريم قاسم، وتغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي، مما أدى إلى فقدان الثقة بين الطرفين، وبوجه خاص الحاح قيادة الحزب الشيوعي على اشراك الحزب في السلطة واستخدام اساليب الضغط على عبد الكريم قاسم من خلال المظاهرة المليونية التي قادها الحزب في الأول من ايار1959، ومن خلال المذكرة المسهبة التي رفعها الحزب لعبد الكريم قاسم والتي تطالبه باشراك الحزب في السلطة مما ادخل الشك في قلب قاسم من نوايا الحزب الشيوعي، وساهمت القوى اليمينية في الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة محمد حديد وكذلك الامبريالية الأمريكية والبريطانية في ادخال الرعب في قلب قاسم وتحذيره من نوايا الحزب الشيوعي لانتزاع السلطة منه، وكان رئيس المخابرات الامريكية [ ألن دالس] قد صرح في ذلك اليوم قائلأ: {أن اخطر ما يواجه عالنا اليوم هو الوضع في العراق}.
كما ان الحزب كان قد سيطر على المقاومة الشعبية حتى باتت جزءً من الحزب ، ووقعت بأخطاء كثيرة اثارت الريبة والشك في قلب قاسم جعلته يقدم على سحب السلاح منها بأقرب فرصة، ثم الغاها فيما بعد .
ثم التفت قاسم الى النقابات والمنظمات والاتحادات كافة والتي كانت كلها تحت قيادة الحزب وأقدم على حل تلك القيادات وسلمها للقوى الرجعية المتآمرة على الثورة وعلى قاسم بالذات.
لقد عالج قاسم اخطاء الحزب بأخطاء أشد وطأة وأكثر خطرا على الثورة ومصيره هو بالذات، وذلك عندما قام بعزل كل القيادات العسكرية التي يشك أن لها أية علاقة بالحزب من قريب او بعيد، وعاد الضباط الخونة الذين تآمروا عليه، وسلمهم الكثير من قيادة الجيش الذين قادوا فيما بعد انقلاب 8 شباط المشؤوم، ثم اقدم قاسم على إعفاء الوزراء الوطنيين، واصدر اوامره بعزل الموظفين الاداريين من درجة مدير عام حتى مدير مدرسة ابتدائية وسلم تلك المناصب للقوى الرجعية المشاركة في انقلاب الشواف، وعبد السلام عارف، ورشيد عالي الكيلاني، وبذلك هيأ الجو المناسب لإنقلابيي 8 شباط من عملاء الامبريالية الأنكلو امريكية لتنفيذ جريمتهم الكبرى بحق العراق والعراقيين.

لقد أخطأ الزعيم عبد الكريم قاسم في تعامله القوى الوطنية ظناً منه أن الأخطار تأتيه من اليسار وليس من جانب القوى اليمينية التي مارست ونفذت الحركات التآمرية ضد الثورة وقيادتها فعلياً .

 لكن الذي لا يجب إغفاله أن الزعيم عبد الكريم كان فرداً أولاً، وكان قريب عهد في السياسة ثانياً ، فلم يكن مركزه العسكري يمكنه من مزاولة أي نشاط سياسي، وعليه فإن احتمالات وقوعه بالخطأ كبيرة شئنا ذلك أم أبنينا .

 لكن الأحزاب السياسية التي تقودها لجان مركزية، ومكاتب سياسية كانت قد تمرست في النشاط السياسي، وهي تجتمع لدراسة وتمحيص القرارات السياسية قبل اتخاذها، فإن وقوعها في الخطأ ينبغي أن يكون في أضيق الحدود إن وقع، مع تحمل المسؤولية عن ذلك حيث من المفروض إن تحرص على عدم الوقوع في الخطأ، ولاسيما حينما يتعلق الخطأ بمستقبل ومصير شعب بأكمله !!.

مسؤولية الزعيم الراحل :
ولكون الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم كان في قمة السلطة فقد كان بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل صيانة الثورة، والحفاظ على لحمة الصف الوطني، واليقظة والحذر من غدر قوى الردة، لكنه لم يدرك خطورة الموقف ووقع في تلك الأخطاء الخطيرة والتي يمكن أن نلخصها بالتالي :
1 ـ  لقد اخطأ الزعيم عبد الكريم في سياسة عفا الله عما سلف، وسياسة فوق الميول وفوق الاتجاهات، وعفا عن الذين تآمروا عليه وعلى الثورة جميعاً، وأطلق سراحهم في محاولة منه لخلق حالة من التوازن بين القوى الوطنية المساندة للثورة، والقوى الساعية لاغتيالها ، وكان ذلك الموقف خطأً قاتلاً يتحمل هو مسؤوليته الكاملة.

2 ـ لقد اعتقد عبد الكريم قاسم أن الخطر الحقيقي يأتيه من قوى اليسار [القوى الديمقراطية]  وبوجه خاص من [الحزب الشيوعي] الذي وقع في أخطاء كبيرة ما كان له أن يقع فيها بحيث تحولت الشكوك لدى الزعيم إلى القناعة أن الحزب الشيوعي قد بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع السلطة، ومما زاد في قناعة الزعيم هذا الموقف الذي وقفته القيادة اليمينية للحزب الوطني الديمقراطي بغياب زعيم الحزب المرحوم كامل الجادرجي والتي أدخلت في روعه الخطورة التي بات يمثلها الحزب الشيوعي على سلطته، فقرر تقليم أظافر الحزب وأضعاف نفوذه الطاغي في الشارع العراقي آنذاك، وكانت باكورة إجراءاته، كما ذكرنا آنفاً، سحب السلاح من المقاومة الشعبية، ومن ثم إلغائها بدلاً من إصلاحها، ولو كانت المقاومة باقية يوم الثامن من شباط لما تسنى للانقلابيين النجاح في انقلابهم .
 لقد كان رد فعل الزعيم يمثل الرد على الخطأ بخطأ أعظم وأفدح، حيث افتقد قوى واسعة ومؤثرة أكبر التأثير في الساحة العراقية، وعزل نفسه عن الشعب، مما سهل للانقلابيين تنفيذ مؤامرتهم الدنيئة في الثامن من شباط 1963 .

3 ـ لقد اخطأ الزعيم في أسلوب التعامل مع القضية الكردية وقيادتها المتمثلة بالزعيم مصطفى البارزاني، بلجوئه إلى القوة العسكرية لحل التناقض مع تلك القيادة ، كما أن القيادة الكردية قد أخطأت في إيصال الخلافات مع عبد الكريم قاسم إلى حمل السلاح و  الصراع المسلح ، مما سبب إضعافاً خطيراً للسلطة، وشق جبهة الاتحاد الوطني، ودفع الحزب الديمقراطي الكردستاني للتعاون مع انقلابيي 8 شباط 1963، على الرغم من أنه لم يكن يحمل أي أفكار شوفينية تجاه القومية الكردية، وأن استقباله للسيد البارزاني ورفاقه العائدين من الاتحاد السوفيتي، وتكريمهم، والتأكيد على الحقوق القومية للشعب الكردي في الدستور المؤقت، يؤكد هذا الموقف لديه، في حين أن القوى القومية التي نفذت انقلاب 8 شباط كانت غارقة في شوفينيتها وكراهيتها للشعب الكردي بحيث لم تصبر على المباشرة بقمع الحركة الكردية سوى أقل من أربعة أشهر، على الرغم من تحالفها مع الانقلابيين قبل وقوع الانقلاب، منزلة الخراب والدمار بكردستان بشكل وحشي يندى له جبين الإنسانية .

4 ـ لقد اخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لمسألة الصراع مع القوى المضادة للثورة الذي أججته قرارات الثورة، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي، الذي أحدث ثورة اجتماعية حقيقية، سلبت السلطة من الإقطاعيين  دعائم الإمبريالية، ولذلك فقد بدأ الرجعيون والإقطاعيون وكل المتضررين من ثورة تموز بتجميع صفوفهم وبعث نشاطهم من جديد، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد الكريم قاسم من الشيوعيين والقوى القومية الكردية. لقد استغلت الرجعية تلك الظروف من أجل تنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها، وإضعاف السلطة، وعزلها عن الشعب .

5 ـ لقد أخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لخطورة  الصراع مع شركات النفط ، من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية، والحفاظ على استقلاله الوطني، وإصداره القانون رقم 80 لسنة 1961 ، والذي أنتزع بموجبه 99,5% من مناطق امتياز تلك الشركات من سيطرة شركات النفط الاحتكارية، والعمل على استغلالها وطنياً .

لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط، وتبادل الطرفان التهديدات، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي، وكان الوفد يعني ما يقول، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة 14 تموز وقيادتها، والأمر المؤسف حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة  والحذر من أحابيل  ومؤامرات شركات النفط حرصاً على مصالحها، حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء.
لقد كان على عبد الكريم قاسم إن يدخل في صراعه مع شركات النفط محصناً بجبهة شعبية قوية قوامها هذه الأحزاب الوطنية والديمقراطية تقف إلى جانبه وتدعم موقفه لا أن يدخل في صراع معها غير مبرر إطلاقاً فتستغل الإمبريالية موقفه الضعيف لتنفذ مؤامرتها الدنيئة بنجاح في الثامن من شباط 63 .
6 ـ إطالة فترة الانتقال وإجراء الانتخابات وتشريع الدستور الدائم :
كانت إطالة الفترة الانتقالية والتأخر في إجراء الانتخابات العامة وتشريع دستور دائم للبلاد  والتي استغرقت 4 سنوات، أحد العوامل الرئيسية في نشوب الخلافات بين القوى الوطنية والسلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، وتحول الخلافات نحو الصراع بين الأطراف الوطنية والسلطة.
لم يكن هناك مبرر لإطالة فترة الانتقال طيلة هذه المدة، وكان بالإمكان اختزالها لمدة أقصاها سنتين، والتوجه نحو إجراء انتخاب مجلس تأسيسي يأخذ على عاتقه تشريع دستور دائم للبلاد، وعرضه على الشعب في استفتاء عام، ليتم بعد ذلك قيام حكومة ديمقراطية تمثل إرادة الشعب .

لكن الزعيم عبد الكريم شاء أن يختار لنفسه أن يكون [فوق الميول وفوق الاتجاهات]!، و[سياسة عفا الله عما سلف ] وأطلق سراح المتآمرين الذين أطلقوا عليه الرصاص في رأس القرية والمحكومين بالإعدام، وفي الوقت نفسه أصدر أمره بتنفيذ حكم الإعدام بحق الشهيد الشيوعي [ منذر أبو العيس]، وحاول أن يخلق نوعاً من التوازن بين حماة الثورة والمدافعين عنها، والحريصين على صيانتها،  وبين الذين تآمروا عليها وحاولوا مراراً وتكراراً إسقاطها والوثوب على الحكم  وهذه هي إحدى أخطائه الجسيمة التي أوصلته إلى تلك النهاية المحزنة، وأوصلت الشعب العراقي إلى الكارثة.

تدهور العلاقة بين السلطة والقيادة الكردية:  
كانت ثالثة الأثافي في تدهور الأوضاع السياسية في البلاد ، وانقسام القوى الوطنية ، حدوث الخلافات العميقة بين قيادة عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مصطفى البارزاني ، ولجوء الطرفين إلى الصراع المسلح ، واستخدام السلطة للجيش في حسم ذلك الصراع .

 بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني  والسلطة بالتدهور عام 1961، عندما هاجمت صحيفة الحزب [ خه بات ] أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد واحترام الحياة الحزبية، وحرية الصحافة.
كان الرد من قِبل عبد الكريم قاسم أن أمر بغلق مقر الحزب في بغداد، وغلق صحيفة الحزب ومطاردة قادته، واعتقال البعض منهم في آذار 1961، واستمرت العلاقة بين الطرفين بالتدهور حتى بلغت مداها في شهر تموز من ذلك العام، وفي 20 تموز 961 ، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم تضمنت العديد المطالب .
لكن عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة، واستمر في حشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران، حيث كانت قد اندلعت حركة تمرد بقيادة اثنان من كبار الإقطاعيين هما كل من [رشيد لولان ] و[ عباس مامند] بدعم وإسناد من النظام الإيراني، والسفارة الأمريكية في طهران، وقد أستهدف رشيد لولان، وعباس مامند إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية وعميلها شاه إيران  زعزعة النظام الجديد في العراق وإسقاطه .

وهكذا اتخذ الحزب الديمقراطي الكردستاني من حشود القوات العراقية لقمع تمرد عباس مامند ورشيد لولان ورفاقهما ذريعة لحمل السلاح ومقاتلة القوات العراقية ، فقد استهل صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان  في 6 أيلول 961 ، حيث توقفت كافة الأعمال، و أصاب المنطقة شلل تام، وقام المسلحون البيشمركة  باحتلال مناطق واسعة من كردستان حاملين السلاح بوجه السلطة.

كان على القيادة الكردية أن تقدر دوافع تلك الحركة، والقائمين بها، والمحرضين عليها، ومموليها، وعدم تغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية وأذنابها سواء كانوا عرباً كما هي الحال مع حزب البعث وحلفائه القوميين، أو كانوا من الكرد، كما هو الحال مع تمرد الاقطاعيين رشيد لولان وعباس مامند.

كما أن عبد الكريم قاسم فضل هو الآخر اللجوء إلى استخدام القوة، ورفض  الحوار وحل المشاكل مع القيادة الكردية، وإيجاد الحلول الصائبة للقضية الكردية حسب ما نصت عليه المادة الثالثة من الدستور المؤقت.
 ظن الزعيم عبد الكريم قاسم أن اللجوء إلى السلاح سينهي الأزمة خلال أيام، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد، لكن حساباته كانت خاطئة، وبعيدة جداً عن واقع الحال، وكانت تلك الحرب في كردستان أحد أهم العوامل التي أدت إلى اغتيال ثورة 14 تموز يوم الثامن من شباط 1963 .
لقد رد الزعيم عبد الكريم قاسم  بدفع المزيد من قطعات الجيش في 9 أيلول 961، لضرب الحركة الكردية مستخدمأً كافة الأسلحة، والطائرات ، وهكذا امتدت المعارك وتوسعت لتشمل كافة أرجاء كردستان .

ولم تجدِ نفعاً كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال، واللجوء إلى الحوار، وإيجاد حل سلمي للقضية الكردية، حيث شن الحزب الشيوعي حملة واسعة شملت كافة أنحاء العراق تحت شعار [ السلم في كردستان، والديمقراطية للعراق ]  وقد أثارت تلك الحملة غضب الزعيم عبد الكريم قاسم على الحزب، وتعرض المئات من رفاق الحزب للاعتقال والتعذيب وحتى السجن وكنت أحدهم، لكن تلك الجهود باءت بالفشل، ولم تلقَ الاستجابة من الطرفين، واستمرت الحرب بينهما حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963 .

ومن المؤسف أن يقع قادة الحركة الكردية في خطأ جسيم آخر، عندما وضعوا أيديهم بأيدي انقلابيي شباط 963 ضد السلطة الوطنية بقيادة عبد الكريم قاسم، ظناً منهم أن بالإمكان حصول الشعب الكردي على حقوقه القومية المشروعة على أيدي أولئك القوميين الفاشيين والمتعصبين.
 لقد كان موقفهم هذا أقل ما يقال عنه أنه ينم عن جهل بطبيعة حزب البعث، والقوى القومية المتعصبة المتحالفة معه، الذين لم يكّنوا يوماً المودة للشعب الكردي، ورفضوا حتى إشراك الحزب الديمقراطي في جبهة الاتحاد الوطني عام 1957 .

 وهكذا فلم تمض ِسوى أربعة أشهر على انقلاب 8 شباط ، حتى بادر الانقلابيون في 10 حزيران 1963 إلى شن حملة عسكرية هوجاء على الشعب الكردي، لم يشهد لها مثيلاً من قبل، منزلين فيه الويلات والمآسي و ألوف القتلى، وتهديم القرى، وتهجير الشعب الكردي .
لقد تمزقت الوحدة الوطنية ، وتحولت الجبهة الوطنية إلى الصراع المرير بين أطرافها، ومع السلطة  جراء الأخطاء القاتلة لكافة الأحزاب السياسية والسلطة على حد سواء، فقد كان لكل طرف حصة ونصيب في تلك الأخطاء التي أدت إلى التمزق  والصراع، وضياع الثورة، وتصفية كل مكاسب الشعب، وإغراق البلاد بالدماء.

ولاشك أن عبد الكريم قاسم يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية تلك الأخطاء، لأنه كان على قمة السلطة، وكان بمقدوره أن يفعل الكثير من أجل إعادة اللحمة للصف الوطني، ومعالجة المشاكل، والتناقضات التي نشأت، والتي يمكن أن تنشأ مستقبلاً بروح من الود والتفاهم، والمصلحة العامة لشعبنا ووطننا، والتحلي بإنكار الذات  وتغليب مصلحة الوطن على كل المصالح، لكنه اختار طريق الصراع مع الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني، وبات نظامه اعزلاً وهشاً وبذلك مهد السبيل لقوى الثورة المضادة لنحره، ونحر الشعب العراقي معه يوم الثامن من شباط المشؤوم عام 1963.

كان بمقدوره أن يعمل على إنهاء فترة الانتقال  ويجري انتخاب المجلس التأسيسي، وسن الدستور الدائم للبلاد  وإرساء الحكم على أسس ديمقراطية صلبه، ولو فعل ذلك لتجنّب، وجنّب الشعب العراقي كل تلك الويلات والمصائب والمصير المظلم الذي حلّ بالبلاد على أيدي انقلابيي 8 شباط 1963 منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، وهو لو شاء
 أن يؤسس له حزباً ويخوض الانتخابات لفاز فيها بكل تأكيد.

إن عبد الكريم قاسم، رغم كل أخطائه، يبقى شامخاً كقائد وطني، معادى للاستعمار، حارب الفقر بكل ما وسعه ذلك، وحرر ملايين الفلاحين من نير وعبودية الإقطاع، وحرر المرأة، وساواها بالرجل، وحطم حلف بغداد، وحرر اقتصاد البلاد من هيمنة الإمبريالية، وبقي طوال مدة حكمه عفيف النفس، أميناً على ثروات الشعب، ولم يسع أبداً إلى أي مكاسب مادية له أو لأخوته، ورضي بحياته الاعتيادية البسيطة دون تغيير .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف