الأخبار
2018/2/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

المرأة العربية في الفن التشكيلي

المرأة العربية في الفن التشكيلي
تاريخ النشر : 2018-02-05
بشرى بن فاطمة
  
المرأة العربية في الفن التشكيلي

بين تأثير لوحات المستشرقين والواقع العربي المعاصر توظيف الجسد وتفاعل الرمز

علاقة المرأة بالفن التشكيلي ككل والفن التشكيلي العربي هي علاقة تتداخل في كل جوانبها من ناحية الحضور والفكرة بين الرمزية والجسد بين التعبير والتشييء بين الرسالة والديكور التزييني فهي علاقة لا تختلف عن الانتماء للوطن والأرض والطبيعة والرمزية المكثفة التي تطرحها كيانا وقضية مهما اختلفت أساليب التعبير.
 فمنذ الخطوات الأولى التي اعتمدت فيها كعنصر من عناصر العمل التشكيلي أو التي حوّلتها بدورها إلى مُنفّذ للعمل، لم تنفصل عن الرؤية الفنية في لوحات المستشرقين تلك التي أثرت بشكل ملفت في أعمال التشكيلين العرب وخلقت الجرأة في التعبير والتماهي في اعتماد الجسد مع الفكرة فقد تلازمت فكرة حضور المرأة مع تأثيث اللوحة غير أن العديد من التجارب نضجت وتخلصت من أطر تلك الرؤية ومن سطحية تقييد المرأة في الجانب التزييني الجسدي وتحوّلت نحو الواقع أكثر للتعبير عن القضايا والتطور ولذلك فإن تسليط الضوء على هذا التأثير والنضج الذي رافق احتواء المرأة كيانا ورمزا بنى الفكرة وأسس للرؤية الحداثية التي خلقت جدليات بحثية نابعة من الذوات الفردية إلى المجتمع.
من أعمال جيللز



المرأة والحضور الجسد العلامة والرمز
 
تشبعت رؤى الرسامين المستشرقين بتفاصيل الشرق ثقافة تنوعا طبيعة وملامح لامست كل عنصر من عناصر المجتمع وزواياه الغير مكتشفة التي استلهم غموضها في لوحات لاقت نجاحا واهتماما بشرق سكن مخيّلة أهم الفنانين المستشرقين أمثال "دي لاكروا" و"دينييه"  أرنست، ميللر، جيللز، باكون، باليفانو، فقد برعوا في تفصيل الخيال في اللّوحة فكان حضور المرأة الأكثر إغراء وإنعاشا للمخيّلة.
فالمرأة الشرقية ظلت أيقونة المستشرقين بعالمها الخاص الذي بدت فيه صورتها المغرية وراء ستار "الحريم" وأحجبة "الحر ملك" والغرف والدور المسقفة، ما وسم فضاءاتها بالغموض المثير والشهواني، فأصبح ذلك العالم المحرّم ملهما لسرد الحكايات وتحوّلت صورة المرأة إلى خيالات بالغت اللوحات الفنية الاستشراقية في تصويرها بأشكالها الملونة والبديعة الباذخة والمترفة، فكانت مرحلة الانبهار بالألوان والأسرار المثيرة  والأضواء بجاذبيّة وجرأة وفتنة متقنة التفصيل التشخيصي والتشكيلي.
 
من أعمال موريال باكون

حيث كانت المرأة العربية الشرقية الموضوع الفني المفضّل، إذ تجلّت في صور متعدّدة، تجسّدت في اللوحة بألوان مختلفة صوّرتها بين الوسائد الحريريّة، عارية أو مغلفة بالأثواب الثمينة فكان تأثيرها ايروتيكي المشاهد التي سكنت الذهن الغربي حيث اعتمدها كعلامة ثابتة تدل على فتنة الشرق.

وظلّت تلك الصورة مؤثّرة على الفنانين العرب في حدّ ذاتهم لأنهم تتلمذوا على لوحات الغرب وفي أكاديمياته الفرنسية والإيطالية والانجليزية فكانت المرأة رمز العري الفاتن الذي حمل عدة تأويلات تمثلت في الخصوبة والحب لتقع كمشهد غير مألوف ومفاجئ ومخالف لعادات وتقاليد الشرق العربي الظاهرة والمكشوفة بتلك الجرأة فقد دعت تلك المشاهد إلى تجريب الفكرة المبنية على الانفتاح والتحرر في الفن فبين التحريم أو الرفض وأثيرية الجسد وإغراء الفكرة ظهرت صورة المرأة في الفن التشكيلي العربي مشابهة لرؤية الغرب الأولى أي الرؤية الاستشراقية.
 

 فكانت في البداية رؤية العرب الفنية متقبلة لذلك المصدر مما أوقع صورتها وصورة الشرق عموما في اختلافات وتناقضات، وقد ربطت المجتمعات العربية المتقبلة لصورة المرأة تلك بمدى تحررها من رجعيتها في رؤيتها للمرأة اللوحة وفي صورتها أمام تذوق الجانب الفني فيها مع تفاوت كبير من بلد لآخر ومن فنان لآخر، خاصة وأن بعض الفنانين العرب وتفاديا لمواجهة النظرة الرجعية لرمزية المرأة الجسد أو التصادم مع المجتمع الرافض لتلك الصورة والفن عموما تحول بأفكاره الفنية نحو التجريد والسريالية والمفاهيمية للتعبير عن التحرر برؤى وتقنيات أخرى مختلفة ومواكبة للفكرة المعاصرة والتحديثية في الفن.
ومع بروز قضايا التحرير والتحرر في العالم العربي والنهضة الاجتماعية، تحولت صورة المرأة وحضورها داخل اللوحة إلى رمز آخر منبثق من الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي لا من الواقع الخيالي الحالم فجسدت في الأعمال الفنية لتلك القضايا بكل معاني الاستقلال والتحرير والمشاركة والندية والتحمل والأمومة والأسطورة وأصبحت صورتها تحمل معاني اكتنزها المجتمع في مسيرته نحو تحقيق الاستقلال والانعتاق وأصبحت تختصر في شكلها وأزيائها ومواقفها محنة الشعب ونضاله وتشبثه وتمسكه بالذاكرة والحنين والمكان المسلوب وصارت صورتها تحمل مفاهيم الحرية والأرض خصوصا عندما خاضت المرأة نفسها المجال الفني وصارت تعبّر عن صورتها بذاتها وعن قضاياها من معايشتها.
 
التشكيلية البحرينية بلقيس فخرو

لتظهر صورة المرأة "الرمز" المتعدّد الدلالات التي تجلّت بأساليب متنوعة في عدة تجارب عربية منها التجارب الفنية الخليجية التي تشير إلى ضرورة الخروج بصورة المرأة من المباشرة إلى التعبير عن مشاكلها وصداماتها ورغبتها في النهوض بكيانها، أو التجارب العراقية التي عبرت عن الذات الموجودة والفاعلة لكيان المرأة الضاربة في عمق التاريخ والأسطورة، أو التجارب التشكيلية المصرية وتجارب منطقة المغرب العربي التي صورت المرأة المتصادمة مع المجتمع والناهضة نحو آفاق مختلفة لمواجهة كلاسيكية الصورة وقيود المجتمع والجسد.
وفي التجربة التشكيلية الفلسطينية كانت المرأة رمزا للوطن والأرض بشكل يتفاعل مع الواقع السياسي والحدث التاريخي الصادم، فهي الأم والابنة والحبيبة هي المواطنة التي تمتزج بقصائد الانتماء هي المقاتلة وأم الشّهداء، تتجلى بعمق في اللوحات بكل جمالها الفلسطيني الثابت البارز هي الشعبية الشامخة بعز وكرامة هي الضاربة في عمق التاريخ وأساطيره، هي رمز لاستمرارية الحياة وبقاء الأرض والعودة.
التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور


 هي التي تحتضن كل الهموم وتلمع من عينيها الحرية المنشودة، تصل الأرض بالخصب والعطاء ومواسم الفرح، ترد داخل اللوحة بشكل بسيط يومي لكنه بانورامي يحكي قصة الوجود التاريخي على تراب الوطن الكامل.

 
من اعمال التشكيلي الفلسطيني عبد الرحمان المزين

كما لم تنفصل رمزية المرأة عن قضاياها في الفكرة الفنية التشكيلية فالكثير من التشكيليين المعاصرين أخذوا على عاتق فنهم تعرية المجتمع والنبش في صورة المرأة وحضورها بتقليب التابوهات من المجتمع والمقدس كما في تجربة التشكيلي السوري خالد ترقلي أبو الهول حيث تجسد لوحاته التوترات المشحونة في الأحاسيس والأفكار والانفعالات التي تلامس المعاني المرجوة من التعبير لتتجادل فنيا من خلال الأشكال ومزاج الألوان ومجاز الرمز في تشكيل انفعالي صاغه بتمثلات الحرف العربي على الجسد حتى يمازج بين الحدة والضيق من خلال الحرف والأشكال والملامح والألوان ودرجاتها بين الفاتح والداكن بين الأحمر والأسود وبالتالي طال السلوكيات المتناقضة التي تحاول كبت الحياة وتعتيم الصورة وإقصاء الجسد بين الحق المنقوص والواجب المفروض، فاللون الأحمر عبر عن تلك التناقضات فهو لون الدم والعنف ولون الرومنسية والحب، والأسود عكس درجات الحضور العتمة انغلاق المنافذ والكبت، ليحيل على كيان أنثوي احتوى الحياة بين العنف والأمل والتهميش والحضور والعدم في هواجس وطقوس وانفصال وانفعالات حاول بها أن يتمرّد على السائد الاجتماعي الذي ينعكس على المرأة ككيان ليخرس أفكارها أو ليقصي تعبيراتها أو ليجبرها على التبعية أو ليسلط عنفه المشكل في ذبذبات تلغي حضورها.

من أعمال خالد ترقلي أبو الهول


تجربة الفنان التشكيلي الفلسطيني أيمن عيسى بدت في خروجه من الإطار العام لصورة المرأة الفلسطينية وربطها بالجوانب السياسية فأعماله اتسمت بخطواته الجريئة التي كسرت حواجز الرمزية الكلاسيكية للشخصية الفنية الخاصة بالمرأة سواء في ملامحها شكلها وشخصيتها كأيقونة تشير لانبعاثات الحياة، للرمزية الأسطورية الطافحة بالحب والأمل والجمال، برؤيته سلط ألوانه على المرأة كجسد ظاهر شكّل نظرته الماورائية الخاصة، لذلك الجسد، التي يرى فيه امتلاءها وخصوبتها كجمال حقيقي متفجر في حضورها بعيدا عن الموديلات المقولبة في الدعايات وعروض الأزياء تلك التي تضعها في سجن المقاييس وفي الشحوب والهزال.
 

 فهو يرتقي بها إلى عوالم خارقة للجسد كمعنى ومحتوى، بتوازن في اكتمالاته التي تتواتر مع توترات الواقع لتتفاعل وتنطلق وتحرّر ذاتها في الكيان وفق رمزيات تتخلص من الايروتيكي لتطال الأسطوري الخارق في الحضور الواقعي والمتفاعل مع كل لون وكل امتزاجات المزاج في الحالة التي يرسمها ويجسدها ويحاكيها فهو يمنحها الإحساس بالهيبة في والامتلاء الحضور الطاغي الحضور المتفرد متماثلا مع دور المرأة سواء مع ذاتها ككيان أو مع كيانها في المجموعة.
 

التشكيلية العراقية ليلى كبة عبّرت برمزية طافحة بالشجن والحنين عن الأنثى والمرأة جسدا وتاريخا عابقا بصور العراق الأرض والتاريخ والحضارة فلوحاتها حملت بصمتها الممزوجة بأنوثة التعبير وعمق الطرح في تأثيرات إنسانية متنّوعة ومثيرة تصل بالمتلقي إلى التّأمل والاستبطان ومحاولة احتواء الروح والإمساك بالمادة مما يعادل نظرة غير محدودة بين الشّكل واللّون والظّلال لأنها تقتنص الفكرة المعبرة عن المرأة من شفافية العمق بين ثنايا الأسطورة فهي تجمع رمزية الآلهة القديمة وتستجمع منها سحر الأنثى وخلود الحياة المكثفة بالعلامات بين اللون والشكل والزينة فهي تعيد للعراقية صفاء الحضور وقوة الكيان وتستخرج من الأسطورة دهشتها لتوازن الإيقاع مع الاثارة.
 
أعمال ليلى كبة


إن صورة المرأة في الفن التشكيلي العربي تختزل تلك المرحليّة وذلك التحول من التلقين والتقليد إلى الابتكار والتعبير الذاتي أي من صورة نساء الحريم ثم النساء الملهمات والارستقراطيات والعاريات إلى الرمز والتراث والهوية والوطن والحرية والندية والمساواة فتحولت بجسدها إلى الرمز من مجرد مثال ملهم إلى عنصر فاعل في اللوحة له حسه وأبعاده وقيمته الفنية وتساؤلاته واشكالياته وكيانه.
 

الأعمال المرفقة:

*متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية
Farhat Art Museum Collections
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف