الأخبار
2018/4/21
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

أزعل على بلدك ... وأترك القدس لحاله.!!بقلم:د.جبران صالح علي حرمل

تاريخ النشر : 2018-01-13
أزعل على بلدك ... وأترك القدس لحاله.!!
د/ جبران صالح علي حرمل

كاتب وأكاديمي يمني الجنسية.

بعد جولة سريعة في عناوين الصحف ، والتي سبقها مشاهدة شاشات التلفزيون ومتابعة الاخبار وبعض التحليلات من اتجاهات عدة ، فتحت متوجاً رحلتي القصيرة صفحتي بالشبكة العالمية للمعلومات (الفيس بوك) ، فكل هذه القنوات لا تختلف عن بعضها البعض في ما تنقل سوى في الألوان إما المضمون فواحد ، حيث الرائحة المنبعثة من هذه القنوات على اختلافها تعطي انطباع واحد ، وهذه الانطباع لم يولد بليلة وإشراق شمس ضحها، فقد انتجت هذه الرائحة لا أقول وجود بكتيريا تحت الإبط أو روائح تفوح من الفم والتعرق ومن مطابخ الطعام ، لكن الأسباب الأكثر شيوعاً هو وجود شخصيات في الصفوف الأولى في المناصب الحكومية العربية ، هي السبب الرئيس في انبعاث الروائح غير المرغوب فيها ، وذلك من خلال تصرفاتها وسلوكياتها التي تشبه التاجر الذي يسعي للربح ولا همه سوى الربح والربح فقط ولا قيمة لديه لشيء اسمه مبادئ وقيم وحلال وحرام ، وهم كذلك يتاجرون بالقضية الأم القضية المركزية العربية والإسلامية القضية الفلسطينية كل فلسطين وفي القلب منها القدس ، حيث يجوبون الأرض شرقاً وغرباً وباسم القضية الفلسطينية يسافرون وباسمها يجتمعون ، ويسكنون الفلل والقصور ، ويبيتون بأعلى الفنادق رسوماً وأكثرها نجوماً، ويمتطون أحدث موديلات العربيات، حتى أصبحت القضية الفلسطينية كشعار لشركة تجارية عملاقة ، يتاجر بها الوزراء والزعماء العرب والمسلمين وفي مقدمتهم – للأسف - بعض الزعماء والقادة من أبنائها الفلسطينيين . هذه حقيقة ولا تحتاج للوقوف عندها أكثر بالشرح والبيان ، وضرب الأمثلة بقواطع الحجج والبرهان، فالكل يدرك ذلك حتى الأطفال فمن كثر مشاهدتهم لشاشات التلفاز وتكرار صور الشخصيات أقصد التجار ورحلاتهم المكوكية غير المنتهية ونقلها عبر شاشات التلفاز يدركون ذلك، كما أن شواهد هذا الرائحة الكريهة المتفشية من المطابخ السياسية ، تعكس فيما تعكس نظافة الحكومات العربية بشكل فرادى ، وتعكس مجتمعه نظافة البيت العربي (الجامعة العربية) مما يجعلها مصدر إزعاج وإحراج لها جمعاً وفرادى.

 ولذا ومن دون لإطالة في الحديث، والنبش في هذه القمامة لاستنشاق روائح الغدر والخيانة والمؤامرة على تفتيت الجسد العربي والإسلامي، المصاب بالوهن حاضرة واقتصاده .

فإن هذه الرائحة السيئة تفشت عبر وسائل عدة واعتلى رحيقها سماء المنطقة العربية بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي الحالي الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية دونالد جون ترامب، يوم 6 كانون الأول/ديسمبر 2017م ، القدس عاصمة لإسرائيل ، والذي يشبه إعلان وعد بالفور حيث اعطى ترامب من لا يملك لمن لا يستحق ، فهذا الحدث العظيم في جُرمه ووقعه على النفوس الحرة والمسلمة ، والتي  كادت عفانة رائحتها الكريهة تزكم الأنواف وتجلب الغثيان، ولا يطيقها كل من في قلبه ذرة إيمان، وقليل من هوى حب تراب الأوطان، كما أن إعلانه المشؤم ينسف ما يسمى بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان ، ويؤسس لاشتعال النيران في المنطقة العربية الغير هادئة أصلاً والمتوترة وتعيش في غليان .

حيث لم تمض ساعات من الإعلان المذكور حتى بدأت الروائح تعلو سماء الأقطار العربية عبر أبواق عدة ، ومن شخصيات كثيرة ذو مناصب مختلفة لا يعيشون إلا في الوحل والأماكن القذرة ويرغبون في الصيد بالماء العكر وينتظرون منصباً ما – أو المحافظة عليه -  حتى لوكان بعد بيع القضية .

وهذه الرائحة والجيفة النتنة ، تلخصها وتترجمها مقولة : (أزعل على بلدك ... واترك القدس لحاله) وهذه الرائحة ما كنت تظهر جيفتها للعلن ويستسيغ قذارتها ألسن وحناجر شتى إلا من الغلي والقلي والشوي ونزيف الدم من الجسد العربي وما تشهده دول المنطقة العربية ، وضع مأساوي  طارد ومُنفر لكل حر، الأمر الذي ساعد على  خلق الضيق لدى المواطن العربي والذي قد يترجم أحياناً إلى انعزال عن المجتمع والناس وقضايا الأمة .

ساعد على هذه الصورة العربية المحزنة ، قلة نظافة مسيري الشأن العام فيها، وأنغماسهم في النجاسات السياسية ، وتذبذب بعض رجال الدين – وكذا بعض المفكرين والمثقفين - وعدم استخدامهم مواد مضادة من الكتاب والسنة للبكتيريات السياسية المفسدة والفاسدة والمتهالكة صلاحيتها، فتركوهم يلبسون الحرير، ويسكنون القصور، ويترنحوا يميناً وشمالاً ، ويلعبون بخيرات البلد كيفما وأينما شاءوا ، والشعب من حول قصورهم وقلاعهم الفخمة تتضاوى جوعاً وفقراً ومرضاً ...الخ .

لا ضير أن يحزن المرء ويتألم ويبكي على بلده أياً كان اسمه ، بل لا يوجد مسلم وعربي أصيل و حر لا يذرف الدمع على وطنه، ويفجر الزفرات على شعبه أباً وأخاً وجداً وخالاً وعماً ونسيباً وبزياً وجاراً وأخاً في العقيدة والوطن، يحزن على بشره و شجره وحجره وتدمير بنيته التحتية . وفي نفس الوقت إن زعلة وحزنه على بلده لا ينسيه أمر المسلمين، فقد جاء في الحديث الشريف بإن من لم يهتم بأمر المسلمين ليس منهم . والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى. فما بالك أن يكون هذا الأمر هي تلك التي لها مكانة عظيمة في نفوس المسلمين ، تلك التي  توصف بالمباركة والمقدسة }يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ{ [المائدة:21] . }وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ{ [الأنبياء:71] ، تلك التي فيها مدينة القدس المدينة الثالثة بعد مكة والمدينة المنورة ، تلك التي هى:-

1-   مسرى النبي محمد (r) ومنها عرج إلى السموات العلى قال تعالى: } سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{ [الإسراء:1] .

2-   محضن المسجد الأقصى المبارك الذى بارك الله حوله هو ثاني مسجد أقيم على وجه الأرض بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة ، كما هو المسجد الذى شرع شد الرحال اليه مع المسجد الحرام والمسجد النبوي ، فعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي (r) أنه قال: "لا تشد الرحال إلا الى ثلاثة مساجد ، مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى" متفق عليه . والصلاة فيه بخمسمائة صلاة فعن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: قال النبي (r) : " الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجدي بألف صلاة ، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة " حديث حسن رواه الطبراني في الكبير.

3-   أولى القبلتين وثالث الحرمين حيث ظلت قبلة النبي (r) والمسلمون يصلون إليها لمدة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً.

4-   المكان الوحيد الذى ذهب خليفة المسلمين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه لاستلام مفاتيحه علاوة على هذا ، توجد بالقدس كنيسة القيامة المقدسة عند المسيحيين والتي لها في وجدانهم مكانه متميزة فإليها يحجون وبها يتعبدون .

لهذا ، وما هو أكثر من هذا ، سأهتف ويهتف كل حر: لن اترك القدس سأحزن وأزعل عليها مثلما زعلى على وطني وأكثر.

وفي المقابل لا نقول : كل واحد يهتم بشأنه وليس له دعوى من الآخر. الأخ لا يهتم بأخوة ، والجار لا يهتم بجاره ، ولا يعلم كيف حالة ، أي نشر تلك الثقافة التي بدأت تنتشر في بعض أروقة العواصم العربية ، وتسري بداخل ضعيفي النفوس (وأنا مالي عاوز أكل لقمة عيش) يموت الجار ولا يعلم به جاره ، تتعاكس الفتاه بالشارع ولا احد يغير عليها، و...الخ ، وهذه هي خطط يهودية أفصح عنها منذ زمن تلك الوثيقة التي أعدها اليهود لغزو العالم (بروتوكول حكماء صهيون) حيث يشير بإنه لن نتمكن من المسلمين حتي نمزقهم ونفتت عضدهم من الداخل . وهذا ما ينطبق على واقعنا العربي والصورة  العربية الراهنة ، شعوب منشغلة بالداخل تتقاتل مع حُكامها تارة وفيما ببينها تارة أخرى ، وحكومات عربية تقاتل بعضها البعض ، وينطبق عليها المثل والشطر البيت الشعري : (أسد علي وفي الحروب نعامة) ، ونسينا عدونا الحقيقي ، ونسينا قضيتنا المركزية القضية الفلسطينية وقلبها النابض القدس والمسجد الأقصى .

لذا أدعو كل من يرشون روائحهم الكريهة والممزقة للأوطان والشعوب والحمة العربية والذي لا يشكلون حتى الآن إلا نسبة لا تستحق الذكر من الشعوب العربية والإسلامية، لكنها خطيرة رغم قلتها وصغر حجمها ، ولن يسلم من ألسنتهم أو روائحهم أو أيديهم أحد ، أقول: كفي تمزيق للأوطان ومتاجرة بقضايا الأوطان والشعوب.

وأقول لمن أصابته البكتيريا ولايزال يستنشق هذه الروائح الكريهة ، رائحة الخيانة ، رائحة الخراب والدمار ، سمها ما شئت ، أقول له : عليك أن تصحح منهجك، وشغل عقلك ، أفلا تتفكرون – أفلا تعقلون - أفلا تتذكرون – أفلا تذكرون – أفلا تسمعون . فلن تتحرر الأقصى إلا بتكاتف أبناء المسلمين، أدعوك لنشر ثقافة (الجسد الواحد) و (من لم يهتم بأمر المسلمين ليس منهم) بدلاً لثقافة (وأنا مالي) و(أترك القدس لحاله) .

قال الشاعر :

كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى

*** خطب ولا تتفرقوا آحـــادا

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً

*** وإذا افترقن تكسرت أفرادا

 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف