الأخبار
لتسهيل عملية البحث.. "يوتيوب" يضيف هاشتاغ بالفيديوهات"شبشب" مايا دياب يُفجر أزمة انتقادات على "انستجرام"4 شائعات عن الرضاعة الطبيعية.. لا تصدّقيهااغتصاب جماعي لقاصر بمدرسة بالمغرب.. شاهد التفاصيل"القدس المفتوحة" تشارك بمؤتمر "دور المغاربيين في دعم نضالات فلسطين"النضال الشعبي: على المجتمع الدولي مغادرة مربع الصمت ازاء سياسات الاحتلالالتميمي يستنكر إقرار قانون يهودية فلسطين ويؤكد عروبة وإسلامية أراضيهاتكريم أوائل الثانوية بمديرية غرب خانيونسأب يرضع الـ"بيرة" لابنه.. يثير غضب رواد الانترنت"قدمي بلكي استشهدتي وأكلنا كبسة 3 أيام".. مريم أبودقة تستذكر آخر ماقاله شقيقها الشهيدالرئاسة الفلسطينية: (صفقة القرن) قد تتحول لـ (صفقة إقليمية)فوائد جوزة الطيب في الرجيم والنومالحكومة: الصمت الدولي تجاه جرائم الاحتلال تشجيع على مزيد من العدوانالتغيير والاصلاح :إقرار قانون يهودية الدولة دليل على مدى عنصرية الاحتلالاصبغي شعرك بمكونات في كل منزل دون تكلفة
2018/7/21
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

مسعده وجارتها فلحه

تاريخ النشر : 2018-01-12
مسعده وجارتها فلحه
 بقلم: د. كاظم ناصر

كانت مسعده وفلحه من نفس الحامولة في إحدى قرى فلسطين، وجارتان طيّبتان تكنّ كل منهما الودّ للأخرى وتفرح لأفراحها وتحزن لأحزانها، وتثق بها وتشاركها اسرارها. كانتا تلتقيان على مصطبة بيت فلحة في فترات ما بعد الظهر لتتبادلا الحديث عن آخر أخبار أهل الحامولة والقرية. كانت كل منهما تعيش هي واسرتها في بيت بسيط كبيوت القرية التي كان يتكون معظمها من حجرة ، أو حجرتين متلاصقتين، أو حجرة وعليّة ( بيت من غرفتين أحداهما فوق الاخرى ) مبنيّة من الحجر والطين، ومسقوفة بقباب من العقاد، واسمنتية الأرض.
كان في البيت قوسا لحفظ الأثاث الذي يتكّون من عدد قليل من الفرشات واللحف والمخدات ( الوسائد )، وحصير من القش يستخدم كمفرش للأرض، وجنبيّات ( فرشات صغيرة ورقيقة ) تعمل من الشرائط أو بقايا الملابس المطحونة وتستخدم للجلوس أو كفرشات ينام عليها الأطفال. لم يكن في القرية سوى بيوتا معدودة على الأصابع في كل منها كراسي خشبية، أو طاولة، أو سرير ينام عليه الزوج والزوجة؛ أفراد العائلة صغارا وكبارا ينامون على حصيرة فوقها فراش خفيف، ويجلسون على الأرض، ويتناولون طعامهم من نفس الصحن وهم جالسون على الأرض، ويشربون من نفس الجرة ومن نفس الكوز ( الكيلة الحديدية).
وكان من ضمن الأثاث صحّارة ( صندوق خشبي ملوّن ومزكش ) كجزء من جهاز صاحبة البيت عندما تزوجت تستخدمه لحفظ الأشياء القيّمة كالفلوس والصماده ( غطاء ثقيل للراس مكوّن من عدد كبير من القروش الفضيّة التي كانت تقّدم كمجوهرات لجيل جدّتي وما سبقه من أجيال) والمكحلة ( كيس مصنوع من القماش والخرز ) تضع فيه المرأة الكحل، ومرواد الكحل ( عود خشبي رفيع ) تستخدمه للحصول على بعض الكحل من المكحلة وتكحّل به عينيها عندما تذهب إلى عرس، أو مناسبة سعيدة، أو تتجمّل لزوجها. كانت وسائل التجميل محصورة في الكحل، والمكحلة، والمرواد ، والحنّاء إذا أرادت المرأة ان تصبغ شعرها أو تحنّي يديها وأجزاء من قدميها. وكان رعاة الأغنام الذين يعزفون على الناي أحيانا ويتغزلون بالصبايا المكحّلات يغنّون " مرّت ما مّرت مرّت ما مرّت ..... ومرواد الكحل في العين جرّت / خبطت ع الأرظ والأرظ اخظرّت .... ومطرح خبطتها نبت حنّونا ( ورود .)
أما أدوات الطبخ فكانت تتكوّن من قدرة فخاريّة أو طاسه (طنجرة ) أو طنجرتين لطبخ وجبات العائلة، أو قدر ( طنجرة نحاسية ضخمة تستخدم في الطبخ في الأعراس والولائم )، وصحن من النحاس أو باطية من الألمنيوم للعجين، ومروجه ( وعاء على شكل صحن صغير من القش ) تحفظ فيه خميرة العجين، وسدر ( صينية كبيرة مستديرة من النحاس أو الألمنيوم ) ودبسيّة ( وعاء) المنيوم مستدير تضع الأم ما تطبخه فيه لتتناول العائلة وجباتها الجماعية، وكان يوجد عند جدّي وجدّتي قدح ( صحن كبير من خشب الزيتون) يستعملانه لوجبة العشاء الرئيسيّة واتصور أن استخدامه كان شائعا في القرون الماضية، وبعض الزبادي المتنوّعة (صحون الألمنيوم الصغيرة الحجم)، ومغرفة من الخشب، وبعض الخواشيق ( الملاعق ) وخوصة ( سكينة ) أو اثنتين، وفي حالات قليلة كانت توجد في بعض البيوت صحون زجاجية أو فخّارية بأحجام مختلفة وجونة أو أكثر( الجونة سلّة دائرية مصنوعة من القش ومغطّاة بجلد حيوان من الخارج) تستخدم كخزانة للملابس، أو لحفظ بعض أغراض العائلة، وببور ( بريموس لعمل الشاي أو الطهي)، ولكن غسيل ( صحن كبير ) لغسل الملابس، وتنكة لنقل الماء من البئر أو النبع.
أما الملابس فكان الرجال يملكون عددا قليلا جدا من القنابيز ( الكبر الفلسطيني التقليدي ) والسرطليّة أو الديماية ( الكبر الأبيض المخطط الجميل )، وحذاء لكل فرد من أفراد العائلة، وكوشوكة يستخدمها الرجل عندما يعمل في الأرض، والنساء يملكن لفحة قطنية ( غطاء الرأس )، وعصبة ( منديل خفيف تطويه وتربطه المرأة حول رأسها) وشدأد ( حزام جميل ملون للصبايا وأبيض اللون لكبار السن )، وعددا محدودا من الفساتين الطويلة الواسعة التي خيّطنها عند خيّاطة القرية، وما زلت أذكر فستان عرس أمي ( خلق ورق تين أخضر ) الذي كان ما زال موجودا ومعلقا على حبل ملابسنا عندما كنت في السادسة او السابعة من العمر. أما الأطفال أبناء جيلي في ذلك الوقت فكانوا يرتدون البنطلونات والقمصان الكاكية لأنها كانت الزيّ المدرسي الموحّد، وكانت ملابس العائلة تعلق على حبل رفيع مربوط بمسمارين في زاوية الحجرة.
كانت البيوت بسيطة جدا وغالبا ما تتكون من غرفة واحدة تستخدم للنوم والمعيشة والطبخ وفي حالات كثيرة كانت الحيوانات، وخاصة الأبقار، تحفظ في داخل البيت نفسه في فصل الشتاء مع السكان ! وكانت التدفئة مقتصرة على اشعال النار في الكانون في أيام الشتاء الباردة لتعطي الغرفة شيئا من الدفء، ويستخدم أهل البيت اللحف لحماية أنفسهم من البرد القارس .
وكانت مونة ( مؤونة ) العائلة التي تتكون من القمح والعدس والسميد والبرغل والفريكة، والزيت والزيتون، والسمنة البلدية، والطماطم المجففة، ومعجون الطماطم، والجبنة والألبان المنتجة محليا، تعتبر من هذه أهم متطلبات الأسرة القروية طوال العام وكانوا يقولون " الفلاح إلى عنده مونته الله منعم ومفظل عليه ومش ناقصه اشي." وكان معظم الفلاحون في قريتي يشترون ما يحتاجونه من لحوم ومحروقات ( كاز) وخضرة وفاكهة وسكر وأرز وشاي بالدين من إحدى محلات البقالة في البلدة ويسددون دينهم بعد البيادر، أي بعد جني محصول القمح.
في هذه البيئة البسيطة عاشت مسعده وفلحه اللتان كانتا تمثلان جيل نساء ريف فلسطين السابق لجيل أمي؛ كن جدّات في منتصف القرن الماضي وامتدادا لعصور مضت اتّسمت خلالها الحياة بالرتابة والجمود، وبقيت كما كانت ولم تتغير إلا قليلا. وفي أيام طفولتي كنت كثيرا ما أشاهدهما في جلساتهما المسائية وهن منسجمات تماما في أحاديثهنّ وقصصهن، لكنني لم أسمع إحداهما تتكلّم بسوء عن الأخرى في غيابها. فبالرغم من البيئة المقيّدة المنعزلة التي عشن فيها، فإنهما كانتا تمثّلان نبلا إنسانيا بدائيا مجردا من ذكاء ومكر ونفاق الحداثة !
كانتا تقدّسان الجيرة، وتحافظ كل منهما على ممتلكات جارتها، وتساعدها في قطف الزيتون، وتنقل معها التبن والقصل إلى البيت من البيادر، وتقف معها في السراء والضراء، وتحرس أبناءها عندما تذهب لجلب الماء أو للعمل في الأرض، وتتبادل معها نماذج من الطعام الذي تطبخه، وتعودها وتقف إلى جانبها في حالات الولادة والمرض؛ كانت صداقتهما دائمة، ومشاعرهما أصيلة وخالية من التكلّف والمظاهر.
كان بيت مسعده قريبا من بيتنا، وكان أحد أحفادها في نفس صفي الدراسي، وكنا نلعب في بيت جدّته أحيانا وأشاهد تصرفاتها. كان لها ابن مغترب تعلّق قلبها به، وآلمها بعده عنها، وعندما تتذكّره تجهش بالبكاء وترنّم بصوت حزين مثقل بلوعة الفراق ( من جلد حيّه كندرتك يمّا يا حامد.. من جلد حيّه / روحه وجيّه يمّا يا حامد.. روحه وجيّه في حفظ الله .. روحه وجيّه / من جلد ظبعه كندرتك يمّا يا حامد .. من جلد ظبعه / روحه ورجعه يمّا يا حامد .. روحه ورجعه في حفظ الله .. روحه ورجعه.) كان وجهها الحزين، ودموعها المنهمرة، وصوتها المتهدّج يعبّر عن طهر ونقاء شعورها الإنساني النبيل الأصيل، ويهز مشاعري كطفل، وما زال يذكرني ببساطة ووفاء جيل جدّتي وجيل أمي، وربما يؤكد لي بأن الإنسان المتخلّف كان أكثر نقاء وعطاء وإيثارا من الإنسان المعاصر!
إن جهود وتضحيات الإنسان التراكميّة قادت إلى هذا التقدّم التقني والفكري الهائل الذي غيّر الكثير من المفاهيم العلميّة، وأدّى إلى ثورة حداثيّة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني مكّنتنا من زيادة معرفتنا بأسرار الكون، وبحقائق حياتنا، وغيّرت أنماط تفكيرنا وسلوكنا وقناعاتنا، ولكنّها فرضت علينا الكثير من الضغوط النفسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وحوّلت وجودنا إلى معركة شرسة من أجل البقاء والتميّز؛ فهل كان عالم مسعده وفلحة المحدود التفكير والرغبات والاهتمامات أكثر نقاء وسعادة من عالمنا المعاصر؟
تتضارب آراء الناس في الإجابة على هذا السؤال، لكن الحقيقة هي أن الانسان يصنع عالمه الخاص، ويحدّد فرصه بإرادته، وتستمر عجلة الحياة في الدوران، وتأخذنا إلى دواخلنا لنتأمل في ذاتنا، ونظلّ نردّد .... كان يا ما كان مسعده وفلحه وعاقله وعدله وفهميّه وأيام زمان .... ، وخبز وعدس، وتين وعنب، وزيت وزيتون ، .. وسراب وأمل .. ، وأناس حولنا يأتون قبلنا أو بعدنا، يزرعون ويبنون، ينجحون ويخفقون، يفرحون ويبكون، ويلعبون اللعبة نفسها، ويغادرون عالمنا وهم يحلمون !
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف