الأخبار
"الجهاد الإسلامي" تلتقي "جبهة النضال" في "الرشيدية"في اطار جولته الأوروبية.. الرئيس عباس يلتقي المسؤولين الإيرلندييناصابتان في انهيار سقف مبنى قيد الانشاء في مخيم الدهيشةاعلام الاحتلال يزعم: فلسطينيون اقتحموا السياج جنوب القطاع وحاولوا تخريب معداتفتح وحماس تتفقان على ابعاد مخيمات لبنان عن ملف الانقساممنذ بدء مسيرات العودة.. 184 شهيداً وأكثر من 20 ألف جريح شرق القطاعحماس: المفاوضات السرية طريقة بائسة والأفضل تطبيق المصالحةصور: حادث سير غريب في نابلس.. ونشطاء: السيارة تطيرالجزيرة يحقق فوزا ثمينا على جمعية الهلال الأحمر لكرة السلة للكراسي المتحركة لذوي الاعاقةتخريج الفوج الثالث من طلبة معهد وورلد تكنيكال اليت للتطوير والتدريب المهنيأبراج تحب سماع الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة.. هل انت بينها؟فلسطينيو 48: الخطيب: نحذر كافة الغيورين على الأقصى من فرض واقع مرير عليهدفعة جديدة من الملازمين الأوائل للشرطة تؤدي اليمين القانونية بمجلس قضاء البليدةمصر: محافظ الإسماعيلية يستقبل وفد الكنيسة الانجيليةحرفوش يدعو الى اجراء انتخابات للمجلس العام لطلبة فلسطين
2018/9/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

كتاب الإنطاء الشريف، (العام التاسع للهجرة): أول إقطاع في الإسلام:

تاريخ النشر : 2018-01-11
كتاب الإنطاء الشريف، (العام التاسع للهجرة): أول إقطاع في الإسلام:
كتاب الإنطاء الشريف، (العام التاسع للهجرة): أول إقطاع في الإسلام:
(المناصرة، الطرايرة، والتميمي)
•    عزالدين المناصرة
مقدّمة:
في العام التاسع للهجرة، سافر من (الخليل) بفلسطين، راهبان مسيحيان من عائلة (الداري) الخليلية إلى بلاد الحجاز في الجزيرة العربية، بهدف (التجارة)، حيث كانا يتاجران بـ(الزجاج، والحُصُر، والزيت، والنبيذ) وأشياء أخرى من صناعة مدينة الخليل. ويبدو أن سفرهما لبلاد الجحاز، لم يكن لأوّل مرّة، إذْ تعوًَّدا على هذه التجارة بين فلسطين والحجاز. كانت فلسطين تقع تحت (الاحتلال الروماني)، ولم يكن قد دخلها الإسلام. اصطحب هذان الراهبان التاجران في إحدى سفراتهما، مجموعة من أصدقائهما قيل: عددهم ستة، وقيل: أربعة، وقيل: بل هو شخص ثالث من عائلتهما (الداري). هؤلاء الثلاثة، هم: (تميم بن أوس الداري)، وأخوه (نعيم بن أوس الداري)، أما الثالث، فهو: (أبو هند برير الداري)، شقيقهما من الأُم المشتركة وهو من أبناء عمومتهما. ويتفق الباحثون حول هؤلاء الثلاثة، لكن بعضهم يضيف أسماء أخرى لوفد (عائلة الداري)، والأرجح أنهم من معارفهم، وليسوا من عائلة الداري. هؤلاء قابلوا الرسول محمد (صلى الله عليم وسلم) في الحجاز، وبعد حوار معه حول أحوال فلسطين، وحول العقيدة الإسلامية، أعلنوا إسلامهم أمام الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فأكرمهم بأن منحهم (حُبرى = الخليل، وما جاورها) بفلسطين في العام التاسع للهجرة، في وثيقة تاريحية مكتوبة، توصف بأنها (أوَّل إقطاع في الإسلام)، واسم هذه الوثيقة (كتاب الإنطاء الشريف)، أقرَّ العلماء بصحته، وتداولت عائلة الداري هذه الوثيقة جيلاً بعد جيل. وعندما فتح المسلمون فلسطين، تمَّ التأكيد من جديد على صحة هذه الوثيقة، فأصبحت (عائلة الداري)، هي متولية (وقف الخليل الإسلامي)، واسمه (وقف عائلة الداري)، أما في العصر الحديث، فيُسمَّى (وقف خليل الرحمن). وقد ذكر الإخباريون، والرحَّالة، والمؤرخون هذا الوقف، أنًّ عائلة الداري كانت تتصرَّف بأموال الوقف حسب الشرع الإسلامي، وأنها كانت تقدم (يومياً) وجبة طعام لخمسمئة شخص من الفقراء وضيوف المدينة، كما أكد ذلك الرحَّالة الفارسي (ناصر خسرو).
اقتسم الأخوان (تميم الداري، ونعيم الداري) المسؤولية عن المدينة وما جاورها، فتولّى (تميم)، مسؤولية (الوقف، والفقه)، وتولّى أخوه (نعيم)،مسؤولية (الأرض)، والزراعة، والرعي. لم ينجب (تميم الداري) سوى ابنته (رقيَّة)، أما أخوه (نعيم الداري)، فأنجب ولدين هما: (منصور، وطارق). تزوّجت رقيَّة ابن عمها منصور، كما يؤكد المؤرخون. فكان (منصور) هو جَدُّ (عائلة المناصرة)، وكان طارق، هو جدُّ (عائلة الطرايرة). أما شقيقهما من الأُم، وابن عمهما، (أبو هند برير الداري)، فقد أنجب أولاداً. بقي (تميم) في الخليل، وتوفي ودفن في (بيت جبرين)، المجاورة للخليل، أما (نعيم)، فقد استقر في بلدة (كفر البريك)، التي هي (بني نعيم الحالية)، شرق الحرم الإبراهيمي، ودفن في (خربة بني دار) في (كفر بريك) نفسها. لهذا أصبح (أحفاد نعيم الداري)، فلاّحين، يقولون: (قال، وقلتُ)، وظلّ (أحفاد آل الداري) في الخليل، يقولون: (آلْ، وأُلتُ). وكان (تميم)، بصفته (الأخ الأكبر)، و(متولي الفقه)، من المشهورين، حيث رغم أنه روى أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، إلاّ أنًّ المفارقة هي أنه الصحابي الوحيد، الذي (روى الرسول عنه)، حديث (الجسَّاسة). وهكذا، فإنَّ (نعيم) صحابي أيضاً، لأنه شارك أخاه تميم في الاستماع لأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولكنه لم يتخصص في (الفقه). وبهذا يكون (وقف الخليل)، هو (وقف آل الداري)، ولم يكن يُسمّى (وقف تميم الداري)، لكن في العصور المتأخرة حتى في العصر العثماني، وفي زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين، شكَّك بعض (الولاة) في صحة (كتاب الإنطاء الشريف) تحت ذريعة تقول: كيف يعطي الرسول (صلى الله عليه وسلم)، (أرضاً لم يكن قد فتحها)، لأنها كانت تحت الاحتلال الروماني!!. لكن (الإمام أبو حامد الغزالي) تصدّى لهم، وأفتى بأنه (من يقول بعدم صحّة كتاب الإنطاء الشريف، فقد كفر)، وفي العهد البريطاني، عُرضت القضية أمام المحكمة، وأقرَّت المحكمة، بتأكيد (صحّة كتاب الإنطاء). وبسبب شهرة (تميم) كصحابي وفقيه، ولأنَّ (أحفاد عائلة الداري) في مدينة الخليل، ومنهم العلماء والفقهاء، دافعوا دفاعاً مجيداً عن كتاب الإنطاء، فقد أصبح اسم (وقف آل الداري)، فجأة، (وقف تميم الداري)!!، وهذا ما يخالف الشرع نفسه. ويبدو أن أحداً من آل (التميمي) في العصر الحديث، تلاءمت الفكرة مع مصلحته الدنيوية (مال الوقف)، وردَّد بعض الباحثين (دون تدقيق)، هذا التغيير المفاجئ من اسم (وقف آل الداري)، إلى (وقف تميم الداري)!!، وتمَّ تكريسه لدى الباحثين دون تدقيق علمي. وباختصار: الحقيقة هي أنَّ (وقف خليل الرحمن)، هو وقف (عائلة الداري)، لا يجوز العبث به، لأنّه لا يتغير، وهو من أفعال وأقوال (الرسول (صلى الله عليه وسلم) الصحيحة، مهما تغيًّرت الأزمان.
- في (عام 1964)، كُشف لأوّل مرّة عن (وثيقة آل الداري)، التي تتضمن نص كتاب الإنطاء، وأسماء ورثته الحقيقيين، المتداولة منذ عام (1160م)، وهم: (عائلة المناصرة، عائلة الطرايرة، وعائلة التميمي) في الخليل، وبلدة بني نعيم الخليلية. أما لماذا اختفى اسم ورثة (أبو هند برير الداري)، الذي توفي ودفن في (بلدة بربرا – قضاء غزة)، فأنا أعتقد، (دون جزم)، أنًّ (أحفاد أبو هند برير)، هم آل التميمي أنفسهم، أي (أحفاد عائلة الداري في مدينة الخليل). أما ورثة (نعيم الداري)، فهم معروفون واضحون. وهذا مجرد اجتهاد تفسيري، قابل للصواب والخطأ.
- تبقى نقطة واحدة، هي: نحن ننظر إلى مفهوم (العشيرة والقرابة)، انطلاقاً من مفهوم (صلة الرحم لا غير)، ولا ننظر إلى كتاب الإنطاء الشريف من زاوية التباهي العشائري. فنحن ننظر إلى قضية أهم من القرابة والعشيرة، وهي أنًّ هذه الوثيقة التي نعتز بها، هي وثيقة (الدفاع عن الأرض) في وجه المحتلين والغزاة لفلسطين. فنحن عائلات متسلسلة الوراثة منذ ما قبل الإسلام في فلسطين، ومنذ العام التاسع للهجرة، وحتى اليوم، فالدفاع عن كتاب الإنطاء ليس دفاعاً عن (إقطاع)، وهبنا إياه المماليك والعثمانيون بطريقتهم في استعباد الناس، بل هو كتاب أبدي، وأطروحة تاريخية هامة في الدفاع عن الأرض، ليس إلاّ. أما (مال الوقف) عبر العصور، فلم نأخذ منه قرشاً واحداً،لأنه (مال مسلمي الخليل، وما جاورها)، وأخيراً هو (مال الشعب الفلسطيني) في العصر الحديث، (حالياً).
عندما زاني الدكتور (الشيخ نادر التميمي)، مفتي جيش التحرير الفلسطيني، بمنزلي في العاصمة الأردنية (عمّان)، بتاريخ (5/1/1997)، كانت قد تمّت (اتفاقية تقسيم الخليل) بين السلطة الفلسطينية، ونتنياهو، التي قسَّمت (الخليل) إلى (H:1 وH:2). كنا قد أصبنا بصدمة عنيفة، لأنها اتفاقية ظالمة لأهل مدينة الخليل، حيث يتحكم (700 مستوطن إسرائيلي)، بمئة وعشرين ألفاً من سكان الخليل الأصليين، بمساندة من الجيش الإسرائيلي، ولم نستطع أن نفعل شيئاً (الشيخ، وأنا)، سوى إصدار بيان احتجاجي، بتوقيع (ورثة آل الداري) نشرته الصحف الأردنية والعربية... واحسرتاه!!.
1. وثيقة المقريزي: ضوء الساري:
ولد المؤرخ البعلبكي، تقي الدين المقريزي في القاهرة سنة 1364، وتوفي سنة 1443م. ومن كتبه المهمّة كتاب (ضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري)، الذي أرّخ فيه لحياة هذا الصحابي الخليلي الفلسطيني، الذي روى عنه الرسول (ص) حديث الجسّاسة، وهو تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة بن ذرّاع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لخم بن عدي (أبو رقيّة الداري). ويتحدث المقريزي عن زيارة وفد عائلة الداري الخليلية للرسول (صلى الله عليه وسلم)، عندما كانت فلسطين تحت الحكم الروماني، ومن أعضاء هذا الوفد (تميم الداري، وشقيقه نعيم الداري، وابن عمّه وشقيقه من أمه أبو هند برير بن عبد الله الداري)، حيث أعلنوا إسلامهم أمام الرسول، ثم عادوا إلى فلسطين قبل الفتح الإسلامي لفلسطين في عهد عمر بن الخطاب.
1.1 كتاب الإنطاء الشريف:
قال الطبراني في (المعجم الكبير) وابن عساكر في (تاريخ دمشق) وغيرهم كثير أن (وفد عائلة الداري الخليلية) الذي توجه من فلسطين إلى الحجاز لمقابلة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كان يتكون من ستة أشخاص (تميم الداري، ونعيم الداري، وأبو هند برير الداري، والطيب بن عبد الله، ويزيد بن قيس، وفاكه بن النعمان)، وقد قابل هؤلاء الرسول، وأعلنوا إسلامهم أمامه. فأراد الرسول إكرامهم فسألهم عن كيفية التكريم، فقالوا: تمنحنا أرضاً في الشام، فوافق الرسول وطلب منهم تحديد المكان، فطلبوا أن يقطعهم (حبرون) وما جاروها (بيت عينون والمردوم) فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقطعة جلد من أدَم فكُتب عليها كتاب الإنطاء (الإعطاء) الشريف، وهذا نصه:
(بسم الله الرحمن الرحيم – هذا ما أنطاه محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم لتميم وأخيه نعيم الداري – حبرون والمردوم وبيت عينون وبيت إبراهيم، وما فيهن، نطيَّة بَتّْ، نفذت وسُلّمت لهم ولأعقابهم إلى أبد الأبد، فمن آذاهم آذاه الله. شهد أبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان – وكتب علي بن أبي طالب وشهد).
وعندما هاجر الرسول إلى المدينة زاره وفد الداريين المكوّن من (تميم ونعيم وأبي هند)، مرة ثانية فسألوه أن يجدد الكتاب فأعطاهم نسخة أخرى، كتبها معاوية بن أبي سفيان، وشهد عليها مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وعندما تولّى أبو بكر الخلافة، كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح كتاباً بشأن تنفيذ كتاب الإنطاء. هذه رواية ابن عساكر. ثم روى الليث بن سعد في شهادته أنَّ عمر بن الخطاب، عندما أصبح خليفة ووجه الجيوش لفتح فلسطين، أعاد كتابة كتاب الإنطاء وأوصى بتنفيذه. وإذا كان نصّ كتاب الإنطاء قد ورد في المصادر التراثية العربية بصيغ مختلفة، لكن المضمون واحد، وهناك إجماع على أن حديث الإنطاء الشريف، حديث صحيح، فمثلاً هناك رواية أخرى للنص أوردها ابن سعد في (الطبقات) وهذا نصّها:
(قالوا: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنعيم بن أوس الداري، أخي تميم الداري، أنّ له حَبْرى وعينون بالشام، قريتها كلها، سهلها وجبلها وماءها وحرثها وأنباطها وبقرها ولعقبه من بعده، لا يُحاقُّه فيها أحد، ولا يلجه عليهم بظلم، ومن ظلمهم وأخذ منهم شيئاً، فإن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين: كتب علي بن أبي طالب)
- وهناك رواية محمد بن عمر الواقدي الذي قال:
(ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم قطعية، غير حُبْرى، وبيت عينون، أقطعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تميماً ونعيماً ابني أوس الداري).
وقال محمد بن الربيع في كتابه (من دخل مصر من الصحابة): (شهد تميم الداري فتح مصر ولأهل مصر، عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد. أتي تميم بكتاب الإنطاء إلى أبي بكر فأمضى له القريتين: فلما كان عمر بن الخطاب قال له: هما قريتان في الشام، ليس لك أن تستخدم أهلها ولا تبيع ولكن خراجهما لك، فلم يزل ذلك لهم. فلما كان عبد الملك بن مروان، أراد أن يتعرض لهم، فأتوه بكتابهم، فتركهما، ثم كان سليمان بن عبد الملك، فأراد التعرض لهم، فأتوه بكتابهم فخلّى عنهم).
2.1 أبو حامد الغزالي: من أنكر صحة كتاب الإنطاء فقد كفر:
يعتبر تميم الداري ونعيم الداري وأبو هند الداري من الصحابة الموثوقين، فتميم هو أحد جامعي القرآن في عهد الرسول، روى محمد بن سعد (أخبرنا مسلم بن إبراهيم، وثنا قرة بن خالد، وثنا محمد بن سيرين، قال: جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: أبيّ بن كعب بن ثابت، وعثمان بن عفان، وتميم الداري). كما ورد في (سير أعلام النبلاء) للذهبي أنَّ تميم الداري روى ثمانية عشر حديثاً شريفاً عن الرسول، منها في صحيح مسلم، حديث واحد. ومن الطبيعي أنَّ الصحابة رووا أحاديث الرسول بمن فيهم تميم الداري، لكن المدهش أنَّ الرسول نفسه هو الذي روى (حديث الجسّاسة) عن تميم الداري. وقد تزوج تميم الداري كما يقول ابن قتيبة في (المعارف) – أم فروة، أخت أبي بكر الصديق (فأنجب منها رُقيّة، ولم ينجب تميم ذكوراً)، كما تقول بعض المصادر.
يقول (أبو بكر محمد بن العربي) في شرح الموطأ، أنَّ كتاب الإنطاء قد نُفّذ وبقي في يد أهله، حتى احتلّ الفرنجة القدس والخليل. وقال: لقد اعترض بعض الولاة على عائلة الداري، فأرادوا انتزاع الأرض منهم، فحضر القاضي الهروي، واحتج الداريون بالكتاب فقال القاضي: هذا الكتاب ليس بلازم، لأنَّ النبي عليه السلام، أقطع عائلة الداري، ما لم يملك، أي أنَّ فلسطين لم تكن قد فتحت في عهد الرسول. فاستفتى الوالي، الفقهاء، وكان (الإمام أبي حامد الغزالي) حينئذ ببيت المقدس فقال: هذا القاضي (اي الهروي)، كافر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قال (زُويت لي الأرض كلها). وقد روى هذه القصة الحادثة، القاضي أبو بكر في كتاب (قانون التأويل). وروي عن الغزالي أنَّ هذا الإقطاع صحيح. ففي كلام الغزالي – كما يرى المقريزي – أنه يرى أنَّ إعطاء ذلك (كتاب الإنطاء)، من الخصائص النبوية، ويجعله من الصفايا المختصة به، فلا يكون لأحد من الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أن يُقطع أحداً من الرعية شيئاً، لم يدخل في ملكية المسلمين.
3.1 المقريزي: إشكالات وقضايا:
بمنهجية عالية يناقش المقريزي في فصل بعنوان (فصل في مسائل)، مجموعة من القضايا المتأخرة التي تناولت (كتاب الإنطاء الشريف)، بعد أنّ أورد كل ما ورد في المصادر العربية من روايات. ونلخص إجاباته على أسئلة طرحها بما يلي:
أولاً: حول صحة العطية (حبرون والمردوم وبيت عينون وبيت إبراهيم)، لعائلة الداري، يقول المقريزي (الجواب أنّ يدهم ثابتة ومستندها الآثار المتقدمة، فإن مجموعها يدلّ على أنَّ لذلك أصلاً، مع ما انضمّ إلى ذلك من شهادة الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار، كما تقدم النقل عنه وعن غيره بأصل العطية، وإن وقع التغاير في صفتها).
ثانياً: حول طبيعة الإقطاع هل هو وقف أم هبة، يجيب المقريزي (هو وقف، وفق عمر بن الخطاب، بدلالة أنه اشترط على عائلة الداري عدم بيع الأرض).
ثالثاً: وحول أسئلة طرحها المقريزي: هل يختص ذلك بعائلة الداري؟ وإذا اختص هل يعم ذكورهم وإناثهم؟ وإذا لم يختص بذريته، هل يدخل فيه أقاربه؟ يجيب المقريزي (إنه يختص بعد تميم بذريته، سواء أكانوا ذكوراً أم إناثاً، لأن أهل النسب متفقون على أنَّ تميماً لم يُعقّب سوى ابنته رقية. وأمَّا أقاربه فوقع في بعض الآثار المتقدمة، أنَّ لهم مدخلاً في ذلك، فإن ثبت ذلك دخلوا، وكانوا في الاستحقاق سواء).
رابعاً: وحول: كيف تثبت (السلالة الدارية) بمجرد القول؟ أجاب المقريزي (يكفي في ثبوت كون الشخص منهم، وجود الشهرة، لمن يدعي ذلك، فإن النسب مما يثبت بالاستفاضة. وتقبل شهادة بعضهم لبعض).
خامساً: يقول المقريزي، إن المساجد، ومقابر المسلمين، لا تدخل في تفسير كتاب الإنطاء.
سادساً: الاولى أنّ يكون (الناظر) عليهم منهم، فإنّ لم يكن منهم (عائلة الداري) متأهل، فتعيّن أنّ يكون من غيرهم. فمن هي عائلة الداري، وما هي أماكن الإقطاع، وهل هي عائلة مستمرة؟
4.1 ملاحظات:
لقد ثبت بالدليل القطعي صحة الإقطاع الوحيد في الإسلام في عهد الرسول. ولا يوجد من يعترض عليه، باستثناء اعتراضات بعض الولاة في العصور المتأخرة، خصوصاً بعد احتلال الصليبيين لفلسطين. وقد ورد أنَّ كتاب الإنطاء الشريف، هو حديث صحيح. أمَّا عائلة الداري فهي عائلة نصرانية كنعانية، كانت تقيم في بلدة حبرون في العصر الروماني، وتنتمي لقبيلة لخم التي كانت متواجدة في جنوب فلسطين، خصوصاً في حبرون وبيت لحم، وكفر البريك، وبيت عينون، وبيت جبرين وغيرها.
أولاً: تميم الداري اللخمي، ونعيم الداري اللخمي، هما الشقيقان الأساسيان اللذان يتردد اسمهما في معظم الوثائق والمصادر. لكن تميم كان (الأخ الأكبر). لهذا كان الناطق باسم العائلة أمام الرسول صلى الله عليه وسلم بحضور شقيقة نعيم الداري الذي شاركه السفر والرحيل والرواية، وهو الوحيد (نعيم) الذي يرد اسمه في كتاب الإنطاء ملاصقاً لتميم، بينما لم ترد أسماء الأربعة الآخرين من أعضاء الوفد الذي قابل الرسول في نصّ كتاب الإنطاء، واستعيض عن ذلك في بعض الروايات بمصطلح (تميم وأخوه نعيم وصحبه) وأحياناً نجد صيغة (تميم وإخوته). أمَّا التركيز في بعض المصادر على (تميم وحده) فقد جاء في الوثائق المتأخرة، مع الإقرار ضمناً بأنَّ ذلك يعني (عائلة الداري).
ثانياً: أمَّا أبو هند برير بن عبدالله، فهو ابن عم تميم الداري وأخوه لأمّه، كما تؤكد معظم المصادر.
ثالثا: الأرجح أنَّ الوفد وهو مكون من ستة أشخاص، ينتمي لعائلة الداري النصرانية الحبرونية، ولكن: لماذا اقتصر الكتاب على اثنين: (تميم ونعيم)!!.
رابعاً: أنجب تميم الداري بنتاً اسمها (رُقية)، ويقال إنّ زوجته هي أم فروة أخت أبي بكر الصديق، لكن المصادر جميعها دون استثناء، تؤكد أنه أي تميم، لم ينجب ذكوراً. وبهذا تنحصر الذرية في أبناء ابنته رقية، وهم داريّون. من سلالة شقيقه نعيم الداري، وسلالة شقيقة لأمه أبو هند برير. وبذلك تضعف سلالة أبو هند لأنه شقيق تميم لأمه. وتبقى السلالة الأقوى هي (سلالة نعيم)، لأنها مباشرة، ولأنها من سلالة نعيم الداري، ومن سلالة )رقيّة بنت تميم) في آن واحد. لكن الشرع الإسلامي يعترف بسلالات الأشقاء الثلاثة.
خامساً: سكن تميم في (بلدة بيت جبرين)، وتوفي ودفن فيها، وأقام نعيم في بلدة كفر البريك، ودفن في (خربة بني دار) في نفس البلدة. أما أبو هند فقد سكن بلدة (بربرا) من أعمال غزّة. وقد حافظت القريتان: (بيت جبرين – الخليل)، و (بربرا – غزة) على اسمهما حتى الآن، بينما أصبح لقرية (كفر البريك - الخليل)، الرومانية، اسم آخر منذ فتح فلسطين، هو (بني نعيم)، نسبة لنعيم الداري، ويؤكد ذلك وجود (خربة بني دار) في هذه البلدة حتى الآن.
سادساً: منذ العام التاسع لهجرة الرسول، وهو تاريخ كتاب الإنطاء الشريف، ما تزال سلالات عائلة الداري مستمرة، ولم تنقطع على الأقل في مدينة الخليل، وبلدة بني نعيم، وبطبيعة الحال تمّ التزاوج في الخليل مع عائلات تركية، كذلك عائلات كردية جاءت مع صلاح الدين الأيوبي، وهذا أمرٌ طبيعي، حيث لا وجود لسلالة نقيّة، لكن سلالات الداريين مؤكدة بالتوارث والرواية والوثائق منذ الفتح الإسلامي، وحتى يومنا هذا. وهم يمتلكون شرعياً وقف الخليل وبني نعيم وبيت عينون وما جاورها. وهو وقف لا يجوز بيعه، وإنما يجوز تأجيره.
سابعاً: المكان (المرطوم)، الذي ورد في كتاب الإنطاء هو (المردوم) في بعض المصادر، وهو (وادي المردوم) في قرية كفر البريك (بني نعيم حالياً). وما زال هذا الوادي يحمل اسمه (المردوم) حتى الآن. أمَّا (بيت إبراهيم)، فهو الحرم الإبراهيمي والمغارة في إحدى الروايات، وهي (حبرون) القرية كلها، وهي الخليل حالياً. وعندما أقطع الرسول صلى الله عليه وسلم المغارة، وهي تشمل (مقامات) الأنبياء وليس قبورهم، لم يكن المسجد الإبراهيمي مسجداً، لهذا فإن بيت إبراهيم يقع ضمن الوقف الإسلامي (الإقطاع لعائلة الداري). وهناك فارق بين (القبر) و(المقام). لهذا أيضاً، لا يجوز بيعه أو تأجيره بعد أنّ أصبح مسجداً، بل أصبح وقفاً للمسلمين، في كل زمان، أي أنَّ المسجد الإبراهيمي قبل أن يصبح مسجداً، تحوَّل ملكية عامة للمسلمين، لكن بعض الفقهاء يرى عكس ذلك، أي يبقى وقفاً إسلامياً، بإشراف عائلة الداري وسلالتهم إلى الأبد، لأنه لا يجوز إحداث أي تغيير في كتاب الإنطاء، فهو حديث شريف صحيح.
2. وثيقة آل الداري، المتداولة منذ عام (1160م):
صدر (كتاب الإنطاء الشريف) في العام التاسع للهجرة، أي سنة 631م. وتوفي تميم الداري سنة 662م. لكنّ العائلات الخليلية تتداول وثيقة مفصّلة وأكثر وضوحاً تشمل أسماء العائلات التي يشملها تفسير كتاب الإنطاء الشريف. وقد ظلّت هذه الوثيقة متداولة ختى آخر نشر لها عام 1963، وهي نسخة الحاج محمد ابن الحاج داود أبو رميلة التميمي الداري، وهذه النسخة منسوخة عن نسخة أخرى، تعود إلى سنة 1270م، الموافق لعام 720هـ، يوم الجمعة في الحادي والعشرين من شعبان. وهذا هو النص الحرفي للوثيقة:
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد ذكر الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، (أمَّا بعد)، فهذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنطاه لصاحبه تميم بن أوس الداري، وأخيه نعيم، وعمّهم أبا هند الداري، يوم السبت سبعة خلت من شهر الربّ - رجب المبارك سنة 9 للهجرة وفق (السابع من شهر تموز سنة 631 للميلاد) بعد غزوة تبوك، حيث غزا آل الداري مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد نسخه الإمام علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه بخطّ يده على قطعة الأديم هذه، وأصبحت رثّة، فجيء بأمير المؤمنين، (المسُتنجد بالله العبّاسي سنة 1160م) فحدّد صيغة الكتاب بيده حرفياً متيمناً بركة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، مبيناً ما جاء من نص في كتاب الإقطاع على النحو التالي:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أنطى محمد رسول الله لصاحبه تميم بن أوس الداري، وأخيه نعيم، وعمّهم أبا هند الداري. لقد أنطيتهم (بيت عينون، والمرطوم، وقلاية، وبيت حبرى، وحبرون، وبيت إبراهيم)، بجميع أركاحها، وما فيهم لأبد الأبد. ومن آذاهم فيه آذاه الله، ومن آذى ذرياتهم بظلم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فهذا حقّ لهم، ولذريّاتهم من بعدهم لا يحاقّهم فيه أحدٌ أبداً). فقال تميم: يا رسول الله، أريد أن تهب لي بيت لحم، فقال: فهي لكم بجميع أركاحها ولكم إمارة بيت المقدس. وكان الحضور عندما تسلّم تميم وشقيقه (نعيم)، الكتاب الخاص بالإقطاع من رسول الله (صلى الله عليه وسلم): عبد الرحمن، وفاكه بن النعمان بن جبلة. وأمَّا شهود الكتاب والموقعين عليه، فهم الإمام علي بن أبي طالب، وأبو بكر عتيق بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفّان، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبّاس بن معبد المطلب، وخزيمة بن قيس، وخادم رسول الله شرحبيل، رضي الله عنهم أجمعين. ثمَّ أخذ الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد توقيع الشهود عليه، ودخل به حيث يقيم، فعالج في زاوية الكتاب شيئاً لا يُعرف، وعقد من خارج الكتاب بسير عقدتين، وخرج بالكتاب، وكان مطوياً بيمينه الشريفه، وهو يقول لوفد آل الداري: إنَّ أولى الناس بإبراهيم الذين اتّبعوه. وهذا النبي والذين آمنوا، والله ولي المؤمنين، ثمَّ أعطى الكتاب لتميم بن أوس بن خارجة بن سُواد بن خزيمة بن فراغ بن عدي بن دار، بحضور نعيم الداري، وأبي هند الداري). أمَّا (أبو هند) فقد خلّف بعده ابنه (زياد)، وخلّف زياد فايد، وخلف فايد، زياد، سعيد. ولمّا عاد تميم وأخوه نعيم، وعمّهم أبو هند من غزوة تبوك إلى يثرب، قال أهل المدينة لتميم: ما الذي اشتراه الداريّون؟ فقال تميم: (حبرون بجميع أركاحها)، أي بجميع نواحيها وقراها. وكان تميم رضي الله عنه يكنّى (أبا رقية)، حيث لم ينجب غيرها، وللقضاء والقدر، أنه في ليلة زفاف رقية بنت تميم على أحد أبناء عمّها نعيم، ويسمّى الأمير (منصور)، وضعت (عاكفة) زوجة تميم غلاماً أسماه تميم، (الأمير طلحة)، فمن طلحة هذا، انحدرت ذرية تميم على أرض الخليل عليه السلام. وسكن نعيم هو وأبناؤه منصور وطارق، ورقية زوجة منصور في بلدة سمّيت بأسماء أولاد نعيم، وهي (بني نعيم)، وانحدر من ذريّة منصور أبناء، سُموا (المناصرة)، ومن ذريّة طارق أبناء، سمّوا (الطرايرة). وكان عمر رضي الله عنه قد اشترط على آل الداري، أنّ لا يبيع شيئاً من هذا الإقطاع، فحرّم آل الداري على أنفسهم وذرياتهم بيع أي شيء من هذا الإقطاع. وقد تولى تميم الداري، إمارة بيت المقدس سنة 16هـ، وفق سنة 638م. وقد انحصرت (ذريّات تميم الداري) في العائلات الآتية المرتبة:
(1. مجاهد. 2. أبو رميلة. 3. أبو خالد. 4. بيّوض. 5. عبد الباسط. 6. اشتي. 7. بهيّة. 8. شبانة. 9. سلطان. 10. عودة الحليسي. 11.أبو رجب. 12. أبو رجب ربعي. 13. الأعرج. 14. البيّومي. 15. الزرو بن دار. 16 . الصاحب. 17. الخطيب. 18. العالول. 19. التكروري. 20. سلهب. 21. جلال الدين. 22. الداري
. 23. الداعور. 24. القاعود. 25. الحلواني. 26. الكيّال. 27. الدرشاع. 28. الصرصور. 29. حنون). وهذه العائلات هي من صلب الأمير طلحة بن تميم الداري على أرض الخليل. وقد توفي تميم سنة 40هـ وفق 662م، ودفن في بيت جبرين. أمَّا عائلات عشيرة (المناصرة)، فهي:1. إمواس. 2. الصوالحة. 3. الخضور. 4. عيسى. 5. إمحمد. 6. ادعيس. 7. الرميلات. 8. عبدالله. 9. الحجوج. 10. الحاج حسين. 11. موسى. أمَّا عائلات (الطرايرة): فهم: عسّاف، اسعيفان، طرّوم. وقد نقلت هذه النسخة عن نسخة أخرى، منسوخة بتاريخ يوم الجمعة المبارك، وفق واحد وعشرين خلت من شهر شعبان سنة 720هـ، وفق نسخة 1270م. وقد نقل هذه النسخة وبخط يده العبد الفقير إلى الله تعالى راجي منه العفو والغفران – الحاج محمد بن الحاج داود بن محمد مكي بن الحاج عبدالرحيم بن محمد بن حميدان بن أحمد بن الحاج عطوان بن سعيد التميمي الداري، لصالح العائلات الداريّة، تيمناً ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله، رب العالمين. نقلت بتاريخ اليوم الأول من شهر محرّم الحرام سنة 1384هـ، الموافق التاسع عشر خلت من شهر أيار 1963م. ملعون بن ملعون من أراد أن ينقل هذه النسخة ولم يذكر اسم صاحبها والناسخ لها – وهو الحاج محمد بن الحاج داوود أبو رميلة التميمي الداري، تخليداً لذكر اسم (ناسخها). والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل، والسلام على من اتبع الهدى وخشى الرحمن بالغيب، وسبحان من يرث الأرض ومن عليها، الدائم الأبدي الحي الباقي – (توقيع: الحاج محمد داوود أبو رميلة التميمي الداري).
1.2 ملاحظات:
أولاً: يبدو أنَّ هذه الوثيقة الخليلية (الداريّة) المتداولة المنسوخة عن نسخة تعود إلى عام 1270م، وثيقة الصلة بالنسخة التي صاغها الخليفة المستنجد بالله العباسي التي تعود إلى عام 1160م. ويبدو أنَّ نسخة الخليفة منسوخة عن النسخة الأصلية لكتاب الإنطاء الشريف، الذي منحه الرسول صلى الله عليه وسلم لتميم الداري، ونعيم الداري، وأبي هند الداري في السابع عشر من تموز سنة 631م.
ثانيا: تؤكد هذه النسخة أنَّ (الإنطاء) منح للأخوة الثلاثة، بينما نجد في بعض روايات المقريزي، أنَّ الأمر يقتصر على الأخوين (تميم ونعيم) فقط. وبما أنّ الكتاب ينصّ على الأخوة الثلاثة، في مصادر أخرى، فالأماكن التي وهبها الرسول أو أقطعها لهم في فلسطين (جماعية الإرث)، أي لا يجوز اقتسامها بينهم، لكي تظل المسؤولية الشرعية جماعية لهم ولورثتهم وسلالاتهم بعد ذلك. ولا يوجد تفضيل لأخ على آخر، رغم أنَّ تميم لكونه الأخ الأكبر، كان هو الناطق بلسان عائلة الداري أمام الرسول.
ثالثاً: بالنسبة للأماكن في الوثيقة (حبرون، بيت عينون، المردوم، بيت إبراهيم)، فقد وردت أيضاً في المقريزي، لكن النص هنا في الوثيقة الخليلية يضيف عدّة أمكنة، بعضها واضح (بيت لحم)، وبعضها غامض (القلاية، بيت حبرى)، فلو كان المقصود ببيت حبرى هو الحرم الإبراهيمي، لما ذكر النص (بيت إبراهيم). أمَّا (القلاية)، فقيل إنها بيت لحم!!!. كما ترد (المردوم)، بصيغة أخرى في المقريزي، وهي (المرطوم).
رابعاً: لم يمنح الرسول بيت المقدس لتميم ونعيم وأبي هند (الأخوة الصحابة الثلاثة)، وإنما منح (تميم)، وحده، إمارة بيت المقدس. والإمارة مؤقته.
خامساً: تحدد الوثيقة، الورثة من العائلة الدارية وهم: أولاً سلالة تميم، وقد حددت بـ(29 عائلة). ثانياً: سلالة نعيم، وهي محصورة في عائلتين (المناصرة، الطرايرة). ثالثاً: سلالة (أبو هند)، وهي غامضة، وقيل إنه دفن في قرية (بربرا - غزة). ونتساءل: لماذا لم يدفن أيّ من الأخوة الثلاثة في حبرون (الخليل)؟!!!. ولديّ هاجسٌ بأن أحفاد (أبو هند الداري) شقيق (نعيم، وتميم)، هم أجداد عائلة التميمي، أي أبناء (زياد) ابن أبو هند.
سادساً: هناك ثغرة غامضة في الوثيقة تتعلق بالأمير طلحة بن تميم، الذي قالت الوثيقة الخليلية: (وللقضاء والقدر)، ولد طلحة (فجأة)، ليلة زفاف رقية بنت تميم على ابن عمّها الأمير منصور (جدّ عائلة المناصرة)، مع أنَّ وثيقة المقريزي لم تذكر اسم طلحة لا من قريب ولا بعيد. وهو المولود أي المقريزي سنة 1364م، في حين أنَّ الوثيقة الخليلية تعود إلى سنة 1270م. فلماذا لم يذكره المقريزي! والمصادر العربية كلّها تؤكد أن تميماّ لم ينجب سوى رقيّة؟!!! فهل يراد اختراع سلالة أخرى لتميم لا تكون من ابنته رقيّة، لهذا تُزوّج الوثيقة رقية من ابن عمّها الأمير منصور بن نعيم؟!!! لأن أبناء البنت أضعف من أبناء الابن (اجتماعياً وليس شرعياً). إذا كان المقصود هو هذا، فالأمر مردود، لأنَّ المسؤولية عن الأرض (جماعية)، سواء أكان الأمر يتعلق بالأخوة الصحابة الثلاثة أو ذريتهم إلى أبد الآبدين. لهذا أفترض أن يجد الباحثون إجابة شافية حول غموض شخصية طلحة!!!، أم أنَّ الأمر كله يتعلق بحل مشكلة الأخ الأكبر الذي لم ينجب ذكوراً؟؟ أم أنَّ عائلات التميمي التي ذكرتها الوثيقة، هي من نسل أبي هند الداري (سلالته غامضة) وليس من نسل تميم نفسه، وهو مجرد احتمال: مجرد تساؤلات فرضتها ولادة (الأمير طلحة) المفاجئة.
3. نادر التميمي: إقطاع عائلة الداري.
1.3 في المصادر التراثية:
تعمدتُ أنّ لا أقرأ حرفاً واحداً من كتاب الدكتور نادر أسعد بيوض التميمي (المفتي العام لجيش التحرير الفلسطيني)، المعنون بعنوان (الصحابي تميم بن أوس الداري وعلاقته بالأرض المقدسة)، الصادر في عمّان سنة 1991، أقول تعمدتُ أن لا أقرأ هذا الكتاب وهو أطروحة دكتوراه، قبل مناقشة (وثيقة المقريزي)، و(الوثيقة الخليلية المتداولة). وذلك من أجل أن أحدد المعلومات الإضافية في هذا الكتاب: يناقش الباحث معظم ما ورد عن تميم الداري في المصادر التراثية، مناقشة علمية رصينة، فيبدأ بنسبه وهو يراه على الشكل التالي (تميم بن أوس الداري، وهناك من قال – الديري – نسبة إلى (دير) كان فيه قبل الإسلام، كما نقل عن الشافعي. قال ابن السكن: أسلم تميم سنة تسع هو وأخوه نعيم ولهما صحبة. وقال ابن اسحق: قدم المدينة وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم) ثم مات بالشام سنة 40، وقبره في بيت جبرين من بلاد فلسطين. نسبته إلى قبيلة (لخم)، التي تنتهي إلى كهلان بن سبأ، وكان منهم آل المنذر ملوك العراق، وبنو عباد ملوك اشبيلية، وسكنوا الرملة ومصر والجولان وحوران والبثنية ومدينة نوى. وفي أواخر القرن الثاني للميلاد نزلت فرقة منهم جنوبي فلسطين وامتدّوا غرب البحر الميت. ويصفه الذهبي في – سير أعلام النبلاء – أنه أي تميم (اللخمي الفلسطيني). وقد كان تميم وإخوته (نعيم وأبو هند)، تجاراً أثرياء، حيث كانوا يسافرون من حبرون إلى شبه الجزيرة للمتاجرة بالعطور والزيوت وصناعة الحُصُر. وقد وصلوا في تجارتهم إلى الحبشة. ويرى الباحث – عكس كل المصادر العربية – أنَّ تميم ونعيم وأبا هند أسلموا في العام السابع للهجرة، وليس في السنة التاسعة كما تذكر كل المصادر. ويؤكد الباحث ما روته المصادر عن الصحابة الأخوة الثلاثة، ويورد ما أوردته المصادر من أن تميم لم ينجب ذكوراً، وإنما أنجب رقية فقط، وفق الطبراني وابن عساكر، كما يورد ما قالوه من أنَّ ابن تميم لم يترك ذرية، وأنَّ عائلات تميم، هم من نسل شقيقه لأمه أبي هند. ويرى أن الأخوة الثلاثة شاركوا في غزوات خيبر وتبوك ومصر. لكنّ الباحث يستدرك بأنَّ تميم له ولد، وهو (كثير)، اعتماداً على (حلية الأولياء – الجزء الثالث – ص 275) للحافظ بن حجر، اسمه (الخبر الجليل في خبر الخليل)، حيث قال إنَّ تميم ترك ذكوراً!!!. ويعتمد أيضاً أنَّ من سكنوا الخليل، يعرفون بعائلة التميمي حتى الآن. ثم يسرد الباحث (ميزات تميم)، ومن هذه الميزات:
1.    اختصه الله بحديث الجسَّاسة التي ظهرت فيه الدابة التي كلمته مع جماعته.
2.    أنَّ رسول قد روى عنه، وأنَّ الأصل أنَّ الناس يروون عن الرسول كما يقول النووي.
3.    إقطاعه مع إخوته بعض الأرض المقدسة (فلسطين).
4.    كان كتابياً نصرانياً، فقد كان راهب عصره، كما يقول كتاب الإصابة في تمييز الصحابة، ولم يكن وثنياً.
5.    نزلت فيه آية قرآنية (ويقول الذين كفروا، لست مرسلاً، قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب).
6.    عينه الرسول أميراً أو والياً على بيت المقدس.
7.    خصهّ الرسول مع إخوته وذريتهم إلى يوم القيامة، بالدعاء على من يتعدى عليهم أو يؤذيهم.
8.    أول من أسرج السراج في المسجد النبوي.
9.    أول من قصّ وحدث الناس في المسجد بعد الرسول.
10.    أول من صنع منبراً للرسول في المسجد، فقد كان الرسول قبل ذلك يستند إلى جذع الشجرة.
11.    أول فلسطيني يسلم مع شقيقه نعيم وأبي هند مع ثلاثة فلسطينيين آخرين، عندما كانت فلسطين تحت الحكم الروماني وقبل الفتح الإسلامي لفلسطين في عهد عمر.
12.    ساهم في (جمع القرآن) مع عثمان وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل.
ويرى الباحث أنَّ ميزات تميم، تعني شقيقيه أيضاً تلقائياً، فهو – حتى الآن – لا يفصل الحديث بين تميم وإخوته وصحبه. ثم ينتقل الباحث لمناقشة نصّ كتاب الإنطاء في ضوء علم الحديث ومنهجيته، وهو أيضاً لا يترك شاردة أو وارده إلا ويناقشها من جميع وجوهها. ويرى أن النص الكامل لكتاب الإنطاء، هو كما يلي: (بسم الله الرحمن الرحيم)، هذا ما أنطاه محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتميم وإخوته، حبرون والمرطوم وبيت عينون وبيت إبراهيم وما فيهن نطية بَتّ بينهم، نُفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم، فمن آذاهم فعليه لعنة الله، شهد عتيق قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وكتب علي بن أبي طالب وشهد). وقد نسخت – لاحقاً – بخط المستنجد بالله العباسي ولعل هذا أصح ما قيل فيه كما يرى الباحث، أمَّا عن وثائق الفترة المتأخرة، فيورد الباحث ما كتبه العمري في (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) سنة 1344م، الموافق لسنة 745هـ، جاء فيه: (التمسنا من الصاحب ناصر الدين الخليلي الداري، إحضار (الكتاب) النبوي الشريف، فأنعم بإجابة الملتمس وجاء به. وهو في خرقة سوداء من ملحم قطن وحرير، من كم الحسن أبي محمد المستضيء الله أمير المؤمنين، وبطانتها من كتّان أبيض على تقدير كل إصبع منه ميلان أسودان، مشقوقان بمثيل أبيض، جعل ضمن أكياس يضمنها صندوق من أبنوس، يلفه خرقة من حرير). ويضيف العمري: (لقد رأيت نسخة كتاب الإنطاء الشريف كله بعيني ومن خط المستضيء). ثم يقارن الباحث نص الكتاب المكّي ونصّ الكتاب المدني، حيث يرى أن اختلاف صيغ الكتاب النبوي، يرجع إلى طرق رواية الحديث باللفظ أو بالمعنى، فقد كان حفّاظ الحديث يتشددون في بادئ الأمر في الرواية باللفظ أو بالنص. لكن المقريزي وهو من علماء الجرح والتعديل عندما درس كتاب الإنطاء قال عن رواية ابن سعد في الطبقات (بأنه جاء من طرق حسنة المخرج). ثم يتطرق الباحث لمسألة تعدد الكتّاب لنص كتاب الإنطاء، حيث كتبه علي بن أبي طالب مرّة وكتبه معاوية بن أبي سفيان مرّة أخرى، ويرى أنّ الروايتين صحيحتان، وهذا يدل على أنَّ الكتاب في المدينة، كتب بخط معاوية بعد إسلامه في السنة الثامنة، ومرة ثانية جُدّد بخطّ علي بن أبي طالب، بعد غزوة تبوك.
أمَّا حول مسألة الحرم الإبراهيمي (مغارة المكفيلة)، فيورد الباحث ما قاله نجم الدين الغيطي في كتابه (الجواب القويم)، بأن (المغارة لا تدخل في كتاب الإنطاء)، ويورد الباحث شهادة أبي حامد الغزالي بتكفير من ينكر إقطاع عائلة الداري (وليس تميم وحده).
2.3 مصير كتاب الإنطاء:
بقي كتاب الإنطاء في أيدي (عائلة الداري)، ورآه سليمان بن عبد الملك، ووصفه النويري سنة 716هـ وصفاً دقيقاً. وهو الكتاب الأصلي (عبارة عن قطعة أدم آثار أحرفها خافية، لا تكاد تبين إلا بعد إمعان التأمل وتحقيق النظر). ثم وصف الكتاب المنقول عن الكتاب الأصلي، حيث نقله أسلافهم قبل أنّ تزول حروف الكتاب وهم يتوارثونه. وقد أورد وصفاً مشابهاً ابن فضل العمري، كذلك ابن شاكر المكتبي. وورد في (الترتيبات الإدارية – ص 146) ما يلي: (إنَّ آخر أخبار الكتاب النبوي أنّ الشيخ تقي الدين التميمي الداري (توفي سنة 1010هـ)، أهدى النسخة الأصلية إلى السلطان مراد الثالث العثماني، أثناء زيارة الشيخ تقي الدين التميمي إلى اسطنبول، وقد أصابه نتيجة ذلك الفقر والقهر).

3.3 حدود الأرض المقطوعة:
ظلت منهجية الباحث نادر أسعد التميمي، منهجية رصينة في مناقشة للمصادر التراثية حول إقطاع عائلة الداري كما وردت في تفسيرات كتاب الإنطاء الشريف، لكن منهجيته تضعف لدى مناقشته الوثائق العثمانية والبريطانية الحديثة، ورغم أنَّ نصّ كتاب الإنطاء الشريف واضح لا غموض فيه (تميم وإخوته)، إلاّ أنّ الباحث يبدأ بتسميته (وقف تميم) وحده، بحذف إخوته (نعيم وأبي هند) أحياناً. مع أنّ تميماً كما تؤكد كل المصادر العربية لم ينجب سوى رقيّة ومع أنَّ نسل أبي هند غامض، فالوحيد واضح النسل والسلالة وفق المصادر العربية، هو (نعيم الداري). يقول الباحث (ص65): (جميع الأرض مثبتة يستغلها مزارعون من قرية سعير ويزرعونها لصالحهم. وكل ذلك راجع لتفرق أبناء تميم، وعدم اعتنائهم بوقفهم وإهمالهم). هكذا تحول الوقف عند الباحث في العصر الحديث إلى (وقف تميم)، بدلاً من (وقف عائلة الداري)، وهو أمر يخالف نصّ كتاب الإنطاء الشريف. بل يصل الضعف والمخالفة لدى الباحث الدكتور نادر التميمي إلى أنه ينقل عن رفيق التميمي (كتاب أول إقطاع في الإسلام ص 66)، قولاً يخالف الشرع الإسلامي مخالفة صريحة دون أن يعلق الباحث عليه أو ينتقده، وهو قول رفيق التميمي: (وما حصل لقرية بيت عينون، حصل في بلدة بني نعيم، فقد نهب المزارعون في بلدة بني نعيم الأرض، فهم يستغلونها دون أن يدفعوا شيئاً لوقف تميم. بسبب تقصير أبناء تميم، والمطالبة بحقهم وتبيان الحكم الشرعي لمن يأكلها بدون أجرة – ص75: رفيق التميمي). فكيف يتحول (إقطاع عائلة الداري) كما نصّ كتاب الإنطاء الذي يُسمّى الإخوة الصحابة الثلاثة (تميم ونعيم وأبا هند)، إلى (وقف تميم)، في العهد العثماني والبريطاني؟!!!. فنحن نعتقد أنَّ هذا يشكّلُ مخالفة شرعية صريحة لكتاب الإنطاء. لأن المزارعين في بلدة نبي نعيم، هم (عائلة المناصرة، وعائلة الطرايرة)، كما تشير الوثيقة الخليلية المتداولة، وهم من نسل منصور وطارق (أبناء نعيم)، بل إن الوثيقة الخليلية، ترى أنَّ رقية بيت تميم تزوجت الأمير منصور (جدّ عائلة المناصرة).
- يبدو لي أنَّ عائلة التميمي (المدينية) في مدينة الخليل – بحكم حفاظها على كتاب الإنطاء – أصبحت أقوى سياسياً وثقافياً ومادياً من عائلة النعيمي أبناء عمّهم في العصور المتأخرة، حيث أصبحت عائلة (زراعية). وبسبب انشغال عائلة النعيمي في الزراعة، لم يتعلموا الفقه، كما تعلم أبناء عمّهم من عائلة التميمي، وبالتالي سيطرت عائلة التميمي على الإقطاع – مؤقتاً – في ظلّ الهيمنة العثمانية والبريطانية على فلسطين. لكن نصّ وتفسير كتاب الإنطاء الشريف، لا يتغير، لأنه أبدي، وهذا ما يقّره الباحث، لكنه يخالفه حين يحوله في مناقشته المتأخرة من (إقطاع آل الداري) إلى (وقف تميم) وحده، من الناحية العلمية، رغم أنه يذكر صيغة (تميم وإخوته) بشكل يوحي أنَّ (الأخ الأكبر)، هو وحده صاحب الإقطاع، رغم أنَّ اسم تميم اشتهر على حساب شقيقيه انطلاقاً من أهميته الدينية. مع أنَّ (نعيم وأبا هند)، شاركاه كل أفعاله وأقواله، كما تؤكد المصادر العربية التراثية. مع هذا فيجب أنْ نعترف أن الباحث (ص63) في تحديده لحدود وقف آل الداري، يستعمل صيغة (تميم وإخوته). أعتقد أنّ المسألة برمتها تعود إلى التخلف العثماني، وسياسة فرّق تَسُد البريطانية، رغم أنه لا فرق بين شقيقين أحدهما (مدني) تعلم، والآخر (فلاّح) لم يتعلم، لكنّه عمل في الزراعة، أي حماية الأرض. فالأول حمى كتاب الإنطاء الشريف بالتعليم الديني، والثاني حمى الأرض بالزراعة. أمَّا دائرة الأوقاف في الخليل فتسميه (وقف خليل الرحمن) في وثائقها المتأخرة.
- يُحدد الباحث نادر التميمي في أطروحته، حدود الأرض المقطوعة، اعتماداً على وثائق قديمة وحديثة كما يلي:
أولاً: حبرون:
ورد اسم حبرون في المصادر العربية، بصيغ مختلفة (حبرون، حبرى، بيت حبرى، بيت حبرون، جيرون، حُبرى)، وكلها تصحيفات، والاصح (حبرون) هي كما وصفها ياقوت بقوله (تعرف بالوقت الحاضر بالأسماء التالية: حارة الشيخ علي بكاء مع حواكيرها – حارة القزازين مع التل – حارة السواكنة – حارة العقابة – حوش الحدادين – حارة بني دار – حارة المحتسبة – حارة القلعة – حارة المشارقة التحتا – حارة المشارقة الفوقا – المدرسة – الحواكير – حارة قيطون مع الحواكير – سوق الخضرة مع سوق الإسكافية – سوق المغابة – حارة اليهود مع الدكاكين – حواكير حارة الأكراد مع المدابغ / واد الجعبري / دارعمرو / قهوة البيزار). ويحدّ هذه المناطق من الجنوب: أرض رقعة أرض زيف ورجم مسمار. ومن الغرب: أرض خلة اللوز، وخلة حجة، وأراضي قرية دورا. ومن الشمال: أراضي قرية حلحول ومن الشرق: أراضي قرية بني نعيم.
ثانياً: بيت عينون:
وهي تحوي الأراضي التالية: (وادي الدورة، وأراضي الصروية – وادي زواتا – وادي الخلايل – انجاصة، قنا الحرج – وادي الفار – خلة أوريدة – قنان المبيض – وادي حريق – وادي عياش – وادي المراويح – خلايل أرض الطويل – أرض البرنس – أرض وادي النصارى – حتى الرامة – البويرة وقيزون). وحدود قرية بيت عينون هي من القبلة عاروض المداح، يمتد من جهة الشرق على مستوى واعتدال أرض وادي المغيّر إلى وادي الحمام، وتمامه رأس وادي الفار. وشرقاً: وادي الفار الممتد لجهة الشمال والحرائق وطور القمحية ودير أبو غنيم، حتى زقاق البرنس وعاروض سعير. وغرباً: أرض حلحول إلى الحدّ الفاصل ما بين أرض حلحول وبيت عينون.
ثالثا: حدود (بلدة بني نعيم):
وادي حوري مع جورة الكمّون – خلايل الغرب مع عربية – خلة أبو راضي – ظهر المرطوم مع وادي بيرين مع وادي الحماط – خلة أبو قمر – شعب البحري مع
خلة ياقين – أم حلسة مع السيرة – الحمراء مع أم الذهب – مغارة الزحّاف مع ملعب البنات مع جوار البطيخ – مولد محمد مع حَلَمَنّه – قبر اكحيل مع وادي الحلاني – أرض المزار ووادي العزيز). أمَّا حدود المرطوم (المردوم) فمن القبلة: فضل بنت عريق، وأرض تسيف (زيف) وتمامُهُ أرض زعطوط. ومن الغرب: مدينة الخليل. ومن الشرق: الكولا، ومن الشمال: قرية الشيوخ. (مساحة بلدة بني نعيم الخليلية، هي (207) كيلو متراً
مُربعاً، وهي تمتد من شرق الخليل بخمسة كيلو مترات، وحتى جبل أُسْدُمْ)، المطلّ على البحر الميت.
يتعرض الباحث بعد ذلك، لمسألة ريع (وقف عائلة الداري)، الذي يشَّمل ذرية تميم ونعيم وأبا هند (الإخوة الصحابة الثلاثة)، ويبدو أنّ هذا الريع في العصر العثماني، وفي ظل الهيمنة البريطانية، كان قد أصبح يدخل خزينة عائلة التميمي وحدها، أي أجرة الأرض. مع هذا فقد قامت عائلة التميمي بواجباتها تجاه ضيوف وفقراء مدينة الخليل حتى بلغ عدد الضيوف في يوم واحد خمسمئة ضيف، كما يروي الرحالة الفارسي ناصر خسرو، حيث تقدم وجبات كاملة للضيوف والفقراء. ويتعرض الباحث لرواية (سعيد بن زياد) مسندة إلى أبي هند أنَّ الرسول زوّج تميم الداري – أم المغيرة بنت نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. ويتطرق الباحث إلى مسألة تواصل (ذرية آل الداري) في ظل الحروب الصليبية، حيث لم يغادروا المدينة أو جبل الخليل، بل ظلوا متحصنين بها، وإنما احتل الصليبيون قلعتها فقط. لكن المؤلف يخالف نص كتاب الإنطاء الشريف مرّة أخرى، حين يحصر (وقف مدينة الخليل نفسها) بعائلة التميمي دون الورثة كلهم، بل يطالب أهل الخليل، بدفع العُشر لوقف تميم وحده (ص 128). وهذا أمر مخالف لكتاب الإنطاء.
4.3 ملاحظات:
أولاً: يتميز الباحث بقدرة منهجية عالية في قراءة المصادر العربية في ضوء علم الحديث، ولم نتطرق إلى الجانب المعرفي الديني، حتى لا نبعد النقاش عن الموضوع الأساس وهو الأرض.
ثانياً: يلتزم الباحث، الموضوعية في قراءته لمصادر الكتابة عن إقطاع آل الداري، فيستخدم صيغة (تميم وإخوته)، لكنه يضعف لدى قراءته للوثائق في العهد العثماني والبريطاني، فيتحول للدفاع عن (وقف تيم) وحده، دون أخويه نعيم وأبي هند، معتمداً على رفيق التميمي.
ثالثاً: يرى أنَّ الصيغ المختلفة لكتاب الإنطاء الشريف، تعود للتفسيرات اللاحقة، لهذا يثبت النصّ الصحيح. كما يحقق أسماء الشهود، أسماء كاتبي النص، وأسماء الشهود بدقة متناهية. ويشرح أسباب الاختلافات.
رابعاً: يحدد أماكن الإقطاع بثلاثة (الخليل، بيت عينون، بني نعيم، المسجد الإبراهيمي)، ويستشهد بشهادة أبي حامد الغزالي حول تكفير من ينكر الإقطاع.
خامسا: يذكر أنَّ لتميم ابناً يروي الحديث يدعى (كثير) وهذا اعتماداً على (حلية الأولياء) للحافظ الأصبهاني، ومخطوط لم ينشر للحافظ بن حجر، مع أنَّ وثيقة المقريزي (ضوء الساري) بل حتى (الوثيقة الخليلية المتداولة منذ 1270م)، تنفي أن يكون تميم قد أنجب ذكوراً، كذلك تنفي ذلك كل المصادر العربية الاخرى. وهو دفاع ضعيف. وهناك بعض التناقضات حول اسم زوجة تميم، فهي لديه (أم المغيرة)، وهي (أم فروة) في المقريزي، وهي (عاكفة) في الوثيقة الخليلية.
سادساً: يتابع بدقة مصير كتاب الإنطاء (النسخة الأصلية)، ويؤكد أنَّ تقي الدين التميمي أهدى الكتاب للسلطان العثماني مراد الثالث. وبالتالي، فإنّ الوثيقة الخليلية (الداريّة) وثيقة الصلة بالخليفة المستنجد العباسي المنسوخة عن النسخة الأصلية، بخط الإمام علي، الموجودة في متحف إسكي في اسطنبول.
4. خلاصة:
أعيد بناء قضية (كتاب الإنطاء الشريف)، انطلاقاً من ذلك كله على النحو التالي: كان تميم الداري اللخمي الفلسطيني مع شقيقة نعيم الداري، وشقيقة لأمه أبي هند، يعيشون في مدينة حبرون (الخليل) في ظلّ الحكم الروماني. توجه الأشقاء الثلاثة مع ثلاثة آخرين، ربما يكونون من عائلة الداري في وفد خاص لمقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم في العام التاسع للهجرة الموافق لسنة 631م. وكانوا قبل ذلك يزورون شبه الجزيرة، حيث مارسوا تجارة العطور والزيوت وبيع الحُصُر. قابل الوفد الرسول فعلاً، وأعلن أعضاء الوفد إسلامهم أمام الرسول، فأقطعهم الرسول صلى الله عليه وسلم، (مدينة الخليل، وبلدة بيت عينون، وبلدة المردوم (بني نعيم حالياً)، التي كان اسمها في العهد الروماني (كفر البريك)، وفي العهد الكنعاني (بني عيم، أو – بنو عام)، كذلك أقطعهم (بيت إبراهيم)، أي مقامات الأنبياء في مغارة المكفيلة لأنها ليست قبوراً، وإنما مقامات، وهو (المسجد الإبراهيمي). وقد تمّ صياغة كتاب الإنطاء الشريف الذي كتبه علي بن أبي طالب وشهد عليه الخلفاء الراشدون الأربعة بحضور شرحبيل خادم الرسول صلى الله عليه وسلم. وتجمع المصادر العربية على النصّ التالي: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أنطاه محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتميم الداري وأخويه نعيم وأبي هند – (حبرون والمردوم وبيت عينون وبيت إبراهيم) وما فيهن نطية بَتّ بينهم، نُفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم، فمن آذاهم فعليه لعنة الله، شهد عتيق قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وكتب علي بن أبي طالب وشهد). وقد ظلّ كتاب الإنطاء الشريف متداولاً في عائلة الداري حتى أهداه تقي الدين التميمي (المتوفي سنة 101هـ) إلى السلطان العثماني مراد الثالث. لكنّ الخليفة المستنجد بالله العباسي، كان قد نسخ هذا الكتاب سنة 1160م حرفياً، وعن هذه النسخة صاغت عائلة الداري (النسخة الخليلية المتداولة)، منذ سنة 1270م، وعنها نسخ الحاج محمد داود أبو رميلة التميمي الداري، آخر نسخة متداولة منذ عام (1963)، أي قبل الاحتلال الإسرائيلي للخليل وقراها عام 1967م، بأربع سنوات مع ذكر بعض التفاصيل بتسمية العائلات الداريّة، لكن أهم الوثائق التي ناقشت موضوع كتاب الإنطاء الشريف، هي مخطوطة المقريزي (بعلبكي: ولد في القاهرة سنة 1364م وتوفي سنة 845هـ)، وهي بعنوان (ضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري)، المطبوعة سنة 1972م في القاهرة. وهذه المخطوطة تناقش بمنهجية علمية عالية مسألة كتاب الإنطاء الشريف، في ضوء علم الحديث وفي ضوء التاريخ، حيث ناقش كل ما ذكرته المصادر العربية عن هذه المسألة مناقشة علمية راقية. بينما حدّدت الوثيقة الخليلية، ورثة آل الداري، بثلاث عائلات (التميمي، المناصرة، الطرايرة) بفروعهم المتعددة. واقرّت الوثيقة نصّ كتاب الإنطاء الشريف، مع ما حدث حوله من أقوال، وبهذا تصبح عائلات (التميمي، المناصرة، الطرايرة)، وهم مؤكدون بالتواتر، هم ورثة كتاب الإنطاء الذي يشمل سلطة شرعية ومسؤولية أمام الحكام عن مدينة الخليل وبلدة بني نعيم والحرم الإبراهيمي وبيت عينون. وتكفي شهرة الانتساب لهذه العائلات وشهود بعضهم لبعض لتأكيد صحة حق الإرث الشرعي.
وهذا (الوقف الإسلامي)، وهو أول إقطاع في الإسلام خصّ به الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأخوة الصحابة الفلسطينيين الثلاثة. والأرجح عندي هو أنّ تميم لم ينجب سوى رقيّة، وأنّ عائلة التميمي هم نسل سلالة أبي هند برير، كوّنوا عائلة التميمي المنتشرة في الوطن العربي. بينما أنجب شقيقة نعيم (طارق ومنصور)، حيث كون منصور عائلة المناصرة، وكُون طارق عائلة الطرايرة في بلدة بني نعيم الخليلية، وبما أنّ الوقف الإسلامي أبدي لا يتغير، لهذا على الحكام في فلسطين تنفيذ نصّ كتاب الإنطاء الشريف حرفياً. لا يجوز لهذه العائلات أن تبيع مجتمعة أو منفردة، أي شبر من أرض الإنطاء. أمَّا مسألة عُشر الريع من الأرض المستأجرة للمسلمين، فأفترض أنه يصبّ في خزينة مؤسسة الأوقاف الفلسطينية، على أن يتولى مسؤولية هذه المؤسسة ورثة كتاب الإنطاء. ولا يجوز أن يصبّ الريع في جيوب العائلات الثلاثة بفروعها، بل يصرف على الفقراء والضيوف في أرض الإقطاع الداري. ولا يجوز أن يتكرر ما حدث في العهد العثماني والبريطاني من اقتصار الوقف على عائلة دون غيرها. وهنا نؤكد صحة شهادة أبي حامد الغزالي بأنّ من أنكر صحة ما ورد في كتاب الإنطاء الشريف، فقد كفر. أي أنّ حدود مدينة الخليل، مطلقة في كل زمان، سواء اتسعت أو ضاقت بما فيها الحرم الإبراهيمي، كذلك حدود بلدة بني نعيم، وبيت عينون، فهي مطلقة، أي حدود ما اشتهر به المكان وتعارف عليه الناس، والتاريخ والدول المتعاقبة، دون تحديد، انطلاقاً من مفهوم الاتساع والضيق. والله أعلم. والأرجح عندي، أنَّ (عائلة الداري)، لم تكن (وثنيّة)، بل كانت (مسيحيَّة)، قبل الإسلام، ثمّ أصبحت (أول المسلمين) في فلسطين كلها، لأنها، أسلمت قبل دخول الإسلام في عهد عمر بن الخطاب إلى فلسطين.
هوامش:
1.    تقي الدين المقريزي: ضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري – تحقيق محمد أحمد عاشور، الطبعة الأولى، دار الاعتصام، القاهرة، 1972م.
2.    الحاج محمد داود أبو رميلة التميمي الداري: وثيقة آل الداري المتداولة منذ 1270م وحتى عام 1964 بشأن (كتاب الإنطاء الشريف).
3.    د. نادر أسعد بيوض التميمي: الصحابي تميم بن أوس الداري وعلاقته بالأرض المقدسة (أطروحة دكتوراه) – دار الإبداع للنشر والتوزيع، عمّان، 1991.
4.    أنظر (للاستزادة) كتاب المستشرق الفرنسي ماسينيون.
L.Massi Non: Document Sur Cartains Waqfs des Lieux saints de Lislam (principalement sur le waqf Tamimi a Hebron et waqf tlemccnien ABU madyan a Jerusalem) librairie orientaliste paul Geuthner – paris, 1954.
(في ظل الصراع الفرنسي البريطاني، يرتكز الكتاب على أوقاف سيدي أبي مدين شعيب التلمساني في القدس، ويتعرض لوقف عائلة الداري، انطلاقاً من الوثائق العثمانية والبريطانية، ولم يترجم الكتاب).
5.    سُمِّيت (بلدة بني نعيم الخليلية)، باسم الصحابي الخليلي (نعيم الداري)، وفي رواية أخرى أنّ اسمها الحقيقي القديم، هو (بنوعام)، التي وردت في مَسَلّة الفرعون المصري (مَرْنبتاح). وكان اسمها في العهد الروماني (كفر البريك). أما الخليل، فقد كان اسمها (حبرون)، لكنّ اسمها الأصلي الكنعاني، الأقدم، هو (خِلّ إيل)، وقد اخذ النبي إبراهيم صفته (الخليل) من هذا الاسم.
6.    كتب (معروف الرصافي) في كتابه (الشخصية المحمدية)، أنَّ وفد آل الداري، تكوَّن من: (ابو هند الداري، وتميم الداري، وأخيه نعيم الداري، وأربعة آخرين)، وقابل الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وكتب لهم كتاباً، هذا نصّه: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ ذُكر فيه، ما وهب محمد رسول الله، للدارييّن، إذا أعطاه الله الأرض، وهب لهم: (بيت عينون، حبرون، المرطوم، وبيت إبراهيم) إلى أبد الأبد. شهد بذلك: عباس بن عبد المطلب، وخزيمة بن قيس، وشرحبيل بن حسنة وكتب – (ص27))
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف