الأخبار
2018/4/21
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الأصليون (الفلسطينيون) يقاومون الإحتلال:(الأشكي – نازي)، و(المزراحي المتأسرل)

تاريخ النشر : 2018-01-08
الأصليون (الفلسطينيون) يقاومون الإحتلال:(الأشكي – نازي)، و(المزراحي المتأسرل)
المناصرة: الأصليون (الفلسطينيون) يقاومون الإحتلال:
(الأشكي – نازي)، و(المزراحي المتأسرل)
•    إعداد: عزالدين المناصرة

أولاً: كان عدد اليهود في فلسطين، عام 1882م، هو (24 ألف نسمة)، يشكلون (الطائفة اليهودية) الفلسطينية، تمتلك أقل من (1%) من مساحة فلسطين، وكان يطلق عليهم، لقب (سيفارديم)، أي حرفياً (الإسبان)، الذين جاءوا إلى فلسطين بعد سقوط الأندلس عام 1492م، وكانوا يتحدثون بلغة (اللادينو)، وباللغة العربية أيضاً.
ثانياً: صدر (وعد بلفور)، وزير الخارجية البريطاني، بتاريخ (2/11/1917)، وجاء فيه ما يلي:
1.    تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.
2.    ستبذل (بريطانيا العظمى)، غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية.
3.    اعتبر الوعد أنَّ السكان الأصليين (الفلسطينيين)، (طائفة!!)، حيث قام بقلب الحقيقة. ومعنى ذلك، أنَّ الشعب الفلسطيني، أصبح (أقلية من الأقليات) في وطنه الأصلي، وأصبح دور الحركة الصهيونية، هو تحويل الكذبة إلى حقيقة.
4.    تبقى الحقوق أو الوضع السياسي لليهود في أوروبا، غير منقوصة.
هذه هي، أهم مرتكزات (الوعد البريطاني)، الذي جاء قبل دخول الجنرال اللنبي، إلى القدس، بشهر واحد، حيث دخل الجنرال بتاريخ (11/12/1917)، وقبل استسلام (تركيا)، بتاريخ (30/10/1918)، أمام الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الأولى، بسنة واحدة. وفي نفس عام صدور وعد بلفور، 1917 بدأت بريطانيا، بتدريب اليهود القادمين من أصول أوروبية، على السلاح، حيث تأسست (فرقة يهودية)، ضمن الجيش البريطاني. وأدَّت نتائج الحرب العالمية الأولى إلى تقاسم تركة (الرجل المريض)، فاستولى البريطانيون على (فلسطين والأردن)، واستولى الفرنسيون على (سوريا، ولبنان)، عبر تنفيذ اتفاقية (سايكس – بيكو). وكان العرب، قد وضعوا كل بيضاتهم في السَلَّة البريطانية، في الثورة العربية الكبرى، حيث ارتهنوا لوعود بريطانية، بمنحهم الاستقلال التام في حال انتصار الحلفاء!!. هكذا كانت الصدمة الثانية للعرب، بعد (صدمة وعد بلفور).
ثالثاً: نحت المفكر اليهودي النمساوي (نيثان بيرنباوم)، عام 1880، مصطلح (صهيونية)، وشرح معناه في خطاب ألقاه عام 1891م، بأنَّ الصهيونية: (حركة علمانية معادية لليهودية، حوَّلت المفهوم الحاخامي الديني حول (الشعب اليهودي)، الذي يؤمن بعقيدة دينية، وبأن (الشعب اليهودي)، ليس مسألة عرقية، أو بيولوجية – فأصبحت الصهيونية، هي الدعوة (القومية) اليهودية، التي جعلت من السمات العرقية والإثنية، قيمة نهائية مطلقة، تحلُّ محلّ اليهودية الحاخامية. وأدَّت الثورة التجارية الصناعية في أوروبا، إلى ظهور ما سُمّي بـ (المسألة اليهودية!). فالصهيونية، هي (نظرية سياسية أوروبية، ومشروع أوروبي استيطاني، إحلالي، كانت الجماعات اليهودية في أوروبا، بمنأىً عنه).
رابعاً: نبَّهت الصحف الفلسطينية إلى (خطر الصهيونية)، منذ أوائل القرن العشرين، وحذَّر (المؤتمر العربي الفلسطيني) عام 1919م من مخاطر الصهيونية، واتسعت دائرة الاحتجاج لتشمل (سوريا، ولبنان، وشرق الأردن)، بل والعالم الإسلامي، حيث عقد المؤتمر الإسلامي العام في القدس، برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني، شاركت فيه وفود كثيرة من العالم الإسلامي. وبدأت (المقاومة المسلَّحة) في شكل جمعيات سرّية عسكرية، مثل (جمعية الفدائية، 1918)، ولاحقاً، (1930)، (جمعية الكفّ الأخضر) بقيادة أحمد طافش. واستمر احتجاج الشعب الفلسطيني، ضدّ (التعاون البريطاني – اليهودي)، وضدّ (الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين)، التي يقودها (اليهود الأشكيناز)، ومفردها (أشكي – نازي)، فقامت (ثورة 1920)، و(ثورة يافا، 1921)، و(ثورة البراق، 1929)، و(ثورة الشيخ عز الدين القسَّام، 1935)، و(الثورة الكبرى، 1936-1939)، التي بدأت بأطول إضراب في التاريخ الحديث، ثمّ ارتقت إلى عصيان مدني، ووصلت إلى ثورة مسلحة. وقد تأسس (جيش الجهاد المقدس، 1934-1949)، بقيادة (عبد القادر الحسيني)، وكان (جيشاً سرّياً)، عقد اجتماعه الأول، بتاريخ (25/3/1934)، ثم مارس العلنية لاحقاً، وخاض معارك عديدة، واستهدف (3600 هدفاً صهيونياً). واستشهد قائد الجهاد المقدس عام 1948 في معركة القسطل. ودخلت (جيوش الإنقاذ العربية)، متأخرةً جداً، إلى فلسطين، بتاريخ (15/5/1948)، وبأسلحة قديمة، وبفوضوية، دخلت بـ (20 ألف جندي)، غير مؤهل لخوض معركة مع (جيش الحركة الصهيونية)، الذي بلغ تعداده (181 ألف جندي)، تدرَّب جزء كبير منهم في الجيوش الأوروبية، وتدرَّب جزء منهم في الحرب العالمية الثانية، بمساندة جيوش الحلفاء، ويمتلكون أسلحة أوروبية حديثة، ومعظمهم في (سنّ الشباب). وهكذا، تمَّ تهجير ما يقرب من (800 ألف فلسطيني)، عام 1948، إلى المنافي القريبة، (الأردن، سوريا، لبنان)، ليصبحوا لاجئين!!. وتمَّ تأسيس (دولة إسرائيل)، التي استولت على (78%) من أرض فلسطين، واحتلَّت (13 مدينة) فلسطينية، ودمّرت (450 قرية فلسطينية)، أزالتها من الوجود. وهكذا حدثت (النكبة الفلسطينية) الأولى.

1. غزَّة، وأريحا: استقلالٌ، أم ضَمٌّ!!
خامساً: ولد المفتي (الحاج أمين الحسيني) عام 1895 في القدس، وتوفي بتاريخ (4/7/1974) في بيروت، (شاركتُ في جنازته). انتخب بتاريخ (9/1/1922م)، رئيساً للمجلس الإسلامي الأعلى، ومقرُّه القدس. وترأس (الهيئة العربية العليا) بفلسطين، بتاريخ (28/6/1946). ويمكن اعتبارهُ، بشكل من الأشكال، قائداً للحركة الوطنية الفلسطينية، المنقسمة على نفسها. كان الرجل، يمارس (علمية مزج) بين المناورة التكتيكية السياسية، وبين التردد في البداية، تجاه العمل المقاوم المسلح. لهذا، كان (الشعب الفلسطيني)، في ثورة البراق، وثورة 1936، وعام 1948، الأكثر اندفاعاً للتضحية من قادة الأحزاب، وكان الفلاحون والعمال الفلسطينيون، وقود تلك الثورات. وكان (تيار الكفاح المسلَّح)، الأكثر تضحية من بين النخبة الطليعية: (الشيخ عز الدين القسَّام، الشيخ فرحان السعدي، أبو إبراهيم الكبير (خليل محمد عجاك)، ويوسف أبو دُرَّة، وعبد الرحيم الحاج محمد (أبو كمال)، ومحمد صالح الحمد (أبو خالد)، والشيخ أحمد عطية، والشيخ محمود اشتيوي، وعارف عبد الرازق، والشيخ حسن سلامة، وغيرهم في (منطقة الشمال). أما في (الجنوب)، فقد قاد الكفاح المسلح: (عبد القادر الحسيني، القدس). وعبد الحليم الجيلاني (الخليل)، ونائبه عبد الفتاح النعيمي، و(حسن ادعيس المناصرة) من (بلدة بني نعيم الخليلية). وإبراهيم أبو ديّة (صوريف – الخليل)، وعيسى البطَّاط (الظاهرية – الخليل)، وإبراهيم خليف، (بيت لحم)، وسعيد العاص (معركة الخضر)، وهو من سوريا. وانقسم المجتمع السياسي في فلسطين إلى تيار يؤيد (المجلسيين) بقيادة الحاج أمين الحسيني، وتيار يؤيد (المعارضة) بقيادة راغب النشاشيبي، وهو شخصية أيدت التفاهم مع بريطانيا، والحركة الصهيونية، باتجاه (ثقافة السلام). فعندما كانت الطائرات البريطانية، تدمّر (بلدة بني نعيم، يناير 1939)، بحثاً عن الثوَّار، بقيادة عبد القادر الحسيني، الذي جرح في المعركة، كان (راغب النشاشيبي)، يعقد اجتماعاً عاماً في (بلدة يطّا – الخليل)، يدعو فيه إلى (السلام والتفاهم). وقد تسبَّب هذا (الانقسام السياسي) بفلسطين إلى شرذمة الحركة الوطنية، وأحزابها، حيث أخذ الانقسام طابعاً عشائرياً، ومناطقياً، وطبقياً، ووطنياً. وهكذا، أصبحت التيارات الأربعة، تفعل فعلها في النتائج:
1.    تيار (المفتي)، وهو الأقوى.
2.    تيار الكفاح المسلَّح.
3.    تيار الأحزاب، بأطروحاتها المتعددة.
4.    تيار السلام، بقيادة النشاشيبي.
- ظلَّ المفتي، رئيساً للهيئة العربية العليا، منذ عام 1946، مروراً بالنكبة، وما بعدها.
1.1. مؤتمر غزَّة، (30/9/1948):
سادساً: انعقد (المجلس الوطني الفلسطيني، بمدينة (غزّة)، بمدرسة (الفلاح الإسلامية)، بتاريخ (30/9/1948)، بدعوة من (الهيئة العربية العليا) الفلسطينية، التي يقودها المفتي الحاج أمين الحسيني، (حسب الباحث محمد خالد الأزعر). وقدَّر الباحثون، عدد حضور المؤتمر، بـِ (87 شخصاً)، رغم أنَّ الدعوة وُجّهت إلى (151 شخصاً). وقد تمَّ المؤتمر، بالتنسيق مع (الجامعة العربية) في القاهرة. ويبدو أن (الغائبين) عن المؤتمر، معظمهم من المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش الأردني، والجيش العراقي، حيث أُنذر بعض الغائبين، بأنه إذا ذهبوا إلى غزة، فلن يُسمح لهم بالعودة. وافتتح المؤتمر بكلمة للكاتب والمربي الشهير (خليل السكاكيني)، ثمَّ انتخب المؤتمر رئيساً له، هو (المفتي)، ونائبين له، هما: (الشيخ حسن أبو السعود، وميشيل عازر)، وأمينين للسرّ، هما: (إميل الغوري، ومحمود نجم). وقال المفتي في كلمته، بأنَّ (الهيئة العربية العليا، كانت جاهزة في تهيئة أسباب تسلّم الفلسطينيين، الحكم والسلطة، بمجرد انتهاء الانتداب البريطاني، غير أنَّ أسباباً حالت دون ذلك. أما اليوم، فسوف نتطلع إلى المستقبل). وتضمنت أعمال اليوم الأول، طرح الثقة باقتراح تأليف (حكومة فلسطينية)، تدير شؤون الفلسطينيين، فنال الاقتراح (64 صوتاً) بالقبول، مقابل (8 أصوات) بالرفض، و11 صوتاً، طلبوا تأجيل طرح الثقة على ما بعد مناقشة النظام. وتألفت الحكومة على النحو التالي: (أحمد حلمي عبد الباقي رئيساً)، جمال الحسيني للخارجية، ميشيل أبيكاروس للمالية، عوني عبد الهادي للشؤون الاجتماعية، ورجائي الحسيني للدفاع، وحسين فخري الخالدي للصحة، وسليمان طوقان للمواصلات، وفوتي فريج للاقتصاد، وأكرم زعيتر، وزيراً للمعارف، وعلي حسنا، للعدل، ويوسف صهيون للدعاية، وأمين عقل للزراعة، وأنور نسيبة، سكرتيراً لمجلس الوزراء). وفي اليوم التالي، تمَّت مناقشة وإقرار (النظام المؤقت لحكومة عموم فلسطين). واختتم المجلس أعماله بإصدار (إعلان استقلال فلسطين)، الذي أعلن استقلال فلسطين كلها، التي يحدُّ شمالاً سوريا ولبنان، وشرقاً، سوريا، وشرق الأردن، وجنوباً، مصر، وغرباً، البحر المتوسط، استقلالاً تاماً، وإقامة (دولة ديمقراطية حُرَّة، ذات سيادة)، يتمتع فيها المواطنون بحرّياتهم وحقوقهم...الخ). ومما جاء في القرارات الأخرى للمجلس رفض محاولة اليهود، (إقامة دولة لهم في فلسطين) – (1/10/1948). وهكذا مارس الفلسطينيون المشروعية القانونية، حيث كان في (قرار التقسيم) ينبغي إعلان استقلال الدولة الفلسطينية في موعد لا يتجاوز (1/10/1948). وحافظت (حكومة عموم فلسطين) على (الجنسية الفلسطينية) حتى عام 1950. كما كانت الحكومة، هي الممثل في جامعة الدول العربية( )، لكن هذه الحكومة تلاشت، وكانت قد ضعفت، وانتهت تماماً، بوفاة رئيسها في (29/6/1963)، بل قبل ذلك، حين أصدرت الجامعة العربية قراراً بتجميد أعمال هذه الحكومة، (23/9/1952)، دون معارضة مصرية. وكان رئيس الحكومة، أحمد حلمي عبد الباقي غير منسجم مع (المفتي)، أثناء عملهما معاً في القاهرة، كما أنَّ الإعلان، وعقد المؤتمر في (غزة)، جاء متأخراً جداً. إضافة إلى أنَّ الدول العربية، وفي مقدمتها، مصر، لم تتخذ خطوات عملية فاعلة لتطويرها ودعمها، فتحوَّلت إلى أرشيف. كما أنَّ (الأردن، استطاع اختراق، حكومة عموم فلسطين في القاهرة، بعد ذلك، على النحو التالي:
1.    أكرم زعيتر: وزير المعارف في حكومة عموم فلسطين، التحق بخدمة الحكومة الأردنية، وأصبح لاحقاً وزيراً للخارجية الأردنية، عام 1966.
2.    عوني عبد الهادي: أصبح سفيراً للأردن في القاهرة عام 1951، ووزيراً للخارجية والعدل في الحكومة الأردنية، عام 1956.
3.    علي حسنا: أصبح نائباً لوزير الداخلية في الأردن، ثمَّ أصبح وزيراً للعدل، 1955.
4.    حسين الخالدي: أصبح وزير خارجية الأردن، عام 1953، وعام 1956.
5.    سليمان طوقان: وزيراً للدفاع والصحة والشؤون الاجتماعية في الأردن، عام 1957.
6.    أنور نسيبة: وزيراً للدفاع والمعارف في الأردن، عام 1954( ).
- وتحوَّل كثيرون من (أنصار المفتي)، وأعضاء (جيش الجهاد المقدّس) إلى موالين للأردن، مثل: (قاسم الريماوي)، وزير البلديات في الأردن، وكامل عريقات، (رئيس مجلس النواب الأردني)، وغيرهما. وأقام (المفتي) مع قيادة (الهيئة العربية العليا) في بيروت، وضعف نفوذه إلى حدّ كبير، حتى وفاته عام 1974. وفي كل الأحوال، كانت تجربة (حكومة عموم فلسطين)، رغم فشلها، معبَّرة عن ميل الشعب الفلسطيني، نحو الاستقلال، ونحو إنشاء دولة ديمقراطية فلسطينية، لم يكتب لها النجاح، لأسباب بنيوية. وقد اعترفت بها الأنظمة العربية، في بداياتها، لكنها لم تساندها مساندة فعلية، مثل: (سوريا، ولبنان، واليمن)، أما (العراق، والأردن)، فقد رفضا الاعتراف بحكومة عموم فلسطين.
2.1. مؤتمر أريحا، (1/12/1948):
سابعاً: انعقد (مؤتمر أريحا، 1/12/1948) في مدينة (أريحا) الفلسطينية التاريخية (أقدم مدينة في العالم القديم)، بدعوة من الحاكم العسكري الأردني، (عمر مطر) في القصر الشتوي. وحضر المؤتمر: (عجاج نويهض (أمين السر)، ومحمد علي الجعبري (رئيس المؤتمر)، وسليمان التاجي الفاروقي، وعيسى البندك، ويحيى حمَّودة، وعبدالله الريماوي، وكمال ناصر، عبدالله بشير عمرو، وسعد الدين العلمي، وعزَّت العطاونة، وعزيز شحادة، وأنور الخطيب، وموسى عبدالله الحسيني، وعبدالله نعواس، وفريد فخر الدين، وفؤاد عطا الله (نائب الرئيس)، وإبراهيم نجم، ومصطفى الدباغ، حكمت التاجي الفاروقي (عضو مكتب المؤتمر)، عثمان محمدية، كمال حنّون (عضو مكتب المؤتمر)، نهاد أبو غربية، بهجت أبو غربية، سعد الدين العلمي، عبد الغني كاملة، راتب دويك، أحمد طهبوب، وليد صلاح، إدمون روك، داود الحسيني، برهان الحسيني، خالد الحسيني، أحمد خليل، يوسف النجار، أمين عبد الهادي، حسن أبو الوفا الدجاني، روحي الخطيب، حامد غرَّة، حنا خلف، عبدالله جودة، محمد السعدي، علاء النمري، رفيق النمري، محمود الدجاني، صالح عبده، رفعت عبده، سليم الخراز، يوسف السباسي، محمد سحيمات)، وغيرهم كثير.
- ويرى (مهدي عبد الهادي)، أنَّ مؤتمر أريحا:
1.    كان جهداً أردنياً، بحتاً، وكان امتداداً للتحرك الرسمي الأردني في ظروف الفراغ، بعد انسحاب القوات المنتدبة البريطانية من فلسطين، وإعلان تأسيس (دولة إسرائيل) على 78% من الأرض الفلسطينية.
2.    الأشخاص الذين قادوا المؤتمر، كانوا (فلسطينيين)، باستثناء، (اللبناني عجاج نويهض، سكرتير المؤتمر)، الذي لعب الدور الأكبر في صياغة قرارات المؤتمر. إضافة للشيخ محمد علي الجعبري (رئيس بلدية الخليل)، الذي ترأس المؤتمر، وأحضر معه (مئتي رجل مسلَّح من الخليل). طبعاً، إضافةً لسليمان التاجي الفاروقي (الرملة)، الذي لعب دوراً تمهيدياً مع عجاج نويهض، وكان رئيساً لمؤتمر عمَّان التمهيدي قبل ذلك.
3.    يقول (مهدي عبد الهادي)، بأن مؤتمر أريحا، خلق ازدواجية في الولاء للهوية الفلسطينية، بإضافة (البعد الأردني) فيها.
4.    يرى مهدي عبد الهادي، بأن قرار (مؤتمر قمة الرباط)، عام 1974، باعتبار (منظمة التحرير الفلسطينية، هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني)، جاء بمثابة ردّ طبيعي، بعدما يقرب من (ربع قرن)، على قرار مؤتمر أريحا، بضمّ (الضفة الغربية) أو (فلسطين الوسطى) إلى الأردن.
وفي حوارات (مهدي عبد الهادي) مع الشيخ محمد علي الجعبري وآخرين، قالوا له:
1.    الشيخ محمد علي الجعبري: اعترض (سليمان التاجي الفاروقي)، بقوله: أنا رئيس المؤتمر الفلسطيني الأول، والثاني، بلا انتخاب)، لكن عبدالله بشير عمرو، اقترح أن أكون رئيساً للمؤتمر، وثنَّى عليه (سكرتير المؤتمر، عجاج نويهض)، وصفَّق الحاضرون، فغضب (الفاروقي)، وخرج من المؤتمر، متأبطاً ذراع الشيخ سعد الدين العلمي. ناشدت الحضور (إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقية فلسطين). وطالب (فريد فخر الدين)، بتأجيل المؤتمر، فقلت له حرفياً: (يا فخري، بعتم أراضيكم، وخرجتم من أوطانكم، وجئت إلى هنا (تُزعبر)، تريد أن تلحق بيسان وما تبقى من فلسطين بأرضك...اخرج من المؤتمر، كما خرجت من بيسان، ولكنه رفض المغادرة، فقام بعض الرجال، بإخراجه بالقوة، وسكتت كل أصوات المعارضة. استمر المؤتمر (أكثر من ساعتين)، تحدث خلالها الخطباء حول الوحدة مع الأردن. وفي النهاية، تشكلت لجنة صياغة المقررات، تدعو لضمّ البقية الباقية من فلسطين إلى الأردن، تحت التاج الهاشمي. ثمَّ ذهبنا مع عدد من أعضاء المؤتمر إلى قصر المصلّى بـِ (الشونة)، وألقى عجاج نويهض، كلمة أمام (الملك عبدالله)، أبلغت فيها بقرارات المؤتمر، فتقبّلها شاكراً. لم يكن هناك مفرٌّ من مؤتمر أريحا، ولولا هذا الضمّ، لاستولى الجيش الإسرائيلي على بقية فلسطين).
2.    أنور الخطيب: كان مؤتمر أريحا (مؤتمراً غوغائياً!!). وكنت أدعو إلى عدم (الدمج، أو الضمّ)، بل إبقاء الأرض الفلسطينية التي يحتلها الجيش الأردني، (تحت الإدارة المدنية الأردنية)، حتى يتم التوصل إلى حلّ للقضية.
3.    يحيى حمّودة: طالبت ببقاء (الأراضي الفلسطينية)، تحت الحكم العسكري، المصري، والأردني، والعراقي، حتى يتم تحرير الأرض الفلسطينية، ويصار إلى تقرير مصير فلسطين كلها.
4.    نهاد أبو غربية: كان مؤتمراً شكلياً، فقد كان كل شيء مرتبٌ سلفاً. وكان من أشد المتحمسين له، (الدكتور موسى عبدالله الحسيني).
5.    الشيخ سعد الدين العلمي: كنت عضواً في اللجنة التحضيرية لمؤتمر أريحا، وكان عضواها الآخران، هما: سليمان التاجي الفاروقي، وعجاج نويهض. وقد انسحبت بسبب ترشيح الشيخ محمد علي الجعبري لرئاسة المؤتمر: (يبدو أن العلمي، كان مع ترشيح (الفاروقي) لرئاسة المؤتمر)، لهذا انسحب.
- ندَّد (عبد الرحمن عزّام)، أمين عام جامعة الدول العربية، بمقررات مؤتمر أريحا. ووصف (بيان جماعة علماء الأزهر)، مؤتمر أريحا، بأنه (وليد الإكراه). وقررت الحكومة الأردنية، تأجيل تنفيذ قرار الضم سنة ونصف السنة. وفي وقت لاحق، رجعت الحكومة عن التأجيل، فوافق مجلس النواب الأردني على قرار الضم. وعقدت مؤتمرات تأييداً للقرار في (نابلس، ورام الله). وفي أيار 1949، أجرى الأردن، تعديلاً وزارياً على وزارة (توفيق أبو الهدى)، وضمَّ إليها شخصيات فلسطينية: (روحي عبد الهادي، موسى ناصر، خلوصي الخيري)، وفي آب 1949، أمر الملك عبدالله، إنشاء حقيبة وزارية جديدة باسم (وزارة اللاجئين)، وعُيّن لها، راغب النشاشيبي. واتخذ (مجلس جامعة الدول العربية) قراراً، بفصل الأردن من عضوية الجامعة (تطبيقاً للفقرة الثانية، من المادة 18 من ميثاق الجامعة العربية)، بتاريخ (13/4/1950). ثم بُذلت جهود (عراقية، ولبنانية) لحلّ المشكلة. وفي اجتماع (12/6/1950)، وافق مجلس الجامعة على صيغة تقول: (إنَّ الأردن يعلن أنَّ ضمّ الجزء الفلسطيني إليها، إنما هو إجراء، اقتضته الضرورات العملية، وأنها تحتفظ بهذا الجزء (وديعة)، تحت يدها على أن يكون تابعاً للتسوية النهائية لقضية فلسطين، عند تحرير أجزائها الأخرى، بكيانها الذي كانت عليه قبل العدوان).
- قال (الملك حسين، مجلة الحوادث، 4/1/1974)، حسب ما أورده، مهدي عبد الهادي في بحثه: (ربّما كان الخطأ الوحيد (في السياسة الأردنية)، هو ضمّ الضفة الغربية في وحدة كاملة... إذا كان هذا يُعتبر خطأً). وأضاف: (أصرَّت الجيوش العربية عام 1948 على الدخول، فدخلنا، وكان ما كان، وأنقذنا ما يمكن إنقاذه)( ). ولا يختلف ما سرده (المؤرخ الأردني، سليمان الموسى)، عمّا سرده (مهدي عبد الهادي)، فالوقائع متطابقة، باستثناء، الإشارة عند (الموسى)، لانعقاد (مؤتمر عمَّان)، بتاريخ، (1/10/1948)، برئاسة سليمان التاجي الفاروقي، وهو المؤتمر الذي مهَّد لمؤتمر أريحا، وأنَّ تاريخ المؤتمر، له دلالة، فهو قد انعقد في نفس اليوم الذي انعقد فيه (مؤتمر غزَّة).
2. من (وعد نابليون) إلى (وعد أوسلو):
روَّج بعض المثقفين العرب في كتبهم لمطبعة نابليون، التي جلبها معه إلى مصر لترسيخ الاحتلال العسكري والثقافي، على أنّ هذه المطبعة هي التي أسّست للحداثة في مصر، لكنّ هؤلاء المثقفين لم يروا ولم يسمعوا أصوات (مدافع نابليون)، وهي تدكُّ منازل الإسكندرية! كما أنّ هؤلاء المثقفين لم يشاهدوا (مطبعة نابليون)، وهي تطبع وتوزّع (وعد نابليون الإسرائيلي) عام 1799م، في شتى أنحاء العالم، بل عندما وقف جيش نابليون أمام أسوار عكا، التي قاومت جيشه، وصدّته مهزوماً. يومها، لم يكن في فلسطين سوى طائفة يهودية، عدد أفرادها الكامل، هو (1800) يهودياً. وفي عام 1840 كتب (بالمرستون)، رئيس وزراء بريطانيا ما يلي: (لقد أصبح الوقت مناسباً لفتح أبواب فلسطين أمام هجرة اليهود إليها). وهكذا، تمَّ تأسيس (مستوطنة بتاح تكفاه)، أول مستوطنة يهودية عام 1877م. وبدأ الترويج لمقولة هرتزل: (أرضٌ بلا شعب، لشعب بلا أرض)!!. ثمّ توجت بريطانيا كل ذلك بالوعد الشهير المسمّى (وعد بلفور) عام 1917.
1.2.حول كأسين من الويسكي
اجتمع (كليمنصو) رئيس وزراء فرنسا مع (لويد جورج)، رئيس وزراء بريطانيا، حول كأسين من الويسكي (1/12/1919)، ودار بينهما الحوار التالي:
كليمنصو: إنّ تحالفنا قد نجح في تجربة الحرب، وليس من المعقول أن يرسب في تجربة السلام. دعنا نسوّي الأمور بيننا مباشرة.
لويد جورج: دعنا نبحث مصير العراق وفلسطين.
كليمنصو: إذن، قل بصراحة، ماذا تريد؟
لويد جورج: أريد (الموصل).
كليمنصو: حسناً، لك أن تأخذ الموصل.
لويد جورج: وأريد (القدس) أيضاً (المقصود فلسطين).
كليمنصو: لك أن تأخذ القدس، ولكنّ بيشون ( وزير خارجية فرنسا)، سوف يثير لي مشاكل بسبب الموصل، لهذا، اتركوا لنا (سوريا)، شمال فلسطين، دون أن تثيروا لنا المتاعب. أنا لا أعني المنطقة المسيحية في لبنان فقط، ولكن أريد (سوريا الداخل): دمشق وحلب وحمص وحماة.
لويد جورج: ليست لنا مصالح حيوية في هذه المناطق، ولن نعارضكم عندما تضعونها كلها تحت حكم فرنسي موحد. (انظر: هيكل: المفاوضات السرية 1: 128).
ثم نقرأ في (مذكرات بطرس غالي (طريق مصر إلى القدس: 31)، حول زيارته مع السادات للقدس (نوفمبر 1977)، ما يلي: (في الفندق بالقدس جلسنا: مصطفى خليل (رئيس وزراء مصر)، ويادين، ووايزمان، وأنا، حول مائدة مستديرة، عليها زجاجة وسكي، ودار الحديث بيننا حتى وقت متأخر من الليل. وهكذا كانت زجاجة الوسكي الإسكتلندي، هي بداية الخطّ الساخن في المفاوضات المصرية- الإسرائيلية). هكذا تتقرر مصائر الشعوب والأوطان حول كأس من الوسكي، أو كأسين، أو زجاجة كاملة، ويبدو أن الوسكي الإسكتلندي له مفعوله في إنتاج التنازلات، حتى لو كانت من طرف واحد، إذْ من المؤكد أنَّ (الحكم الذاتي الفلسطيني تحت الوصاية الإسرائيلية) في معاهدة كامب ديفيد الإسرائيلية المصرية، تقرَّر في جلسة طويلة حول زجاجتين من الوسكي!!.
وقبل ذلك، صيغت معاهدة (سايكس – بيكو)، عام 1916، لتقسيم (بلاد الشام والعراق) بين الحليفين: البريطاني والفرنسي، بنفس (طريقة الويسكي)!!، تماماً مثلما كانت مصاير الأوطان والشعوب، في العالم القديم، تتقرر بين الإمبراطوريات المتصارعة بوساطة (النبيذ)، إذْ لم يكن الوسكي قد اكتُشفت خلطته السحرية وفنُّ تركيبه. فالفرق بين الاستعمار القديم، والاستعمار الحديث، هو كالفرق بين النبيذ والوسكي، ودرجات تفاعلهما في العقول، ومدى تأثيرهما في التنازلات. وعادة ما يتمّ تغييب ممثلي الشعوب الحقيقيين في هذه المفاوضات، ويتم استبدالهم بمفاوضين مُزوّرين لا يمثلون شعوبهم، لهذا يسهل الحصول منهم على تنازلات بفعل الوسكي، والوجه الحَسَن، والمال، وغيره.
2.2. المجتمع الدولي، أم بريطانيا العظمى
أصبح مصطلح (المجتمع الدولي) مصطلحاً كاريكاتورياً مثيراً للسخرية السوداء، والتندُّر الأبيض، فهو باختصار يعني الولايات المتحدة العظمى. وسابقاً كان المجتمع الدولي، يعني بريطانيا العظمى، التي كان لها الدور الأعظم في مأساة اللاجئين الفلسطينيين، ومأساة الشعب الفلسطيني، وكان لها الدور الرئيس في تأسيس دولة إسرائيل غير الشرعية (الدولة الخازوق) على أرض الشعب الفلسطيني (فلسطين الكنعانية الفلسطية)، بالتعاون مع الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، وغيرها. وصدر (قرار التقسيم) بتاريخ 29/11/1947، عن الأمم المتحدة، الذي يقضي بتأسيس دولتين مستقلتين: عربية، ويهودية في فلسطين، أما (القدس)، فتصبح تحت الوصاية الدولية. ثمّ أصدرت الأمم المتحدة القرار 194 الخاص بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن مع حق التعويض، وذلك بتاريخ 11/12/1948. وهكذا، فإن (حق العودة: مقدّس وقانوني وممكن)، حسب سلمان أبو ستة، فالإضافة المبدعة التي أثبتها أبو ستة، هي: (وممكن)، حيث يقول: (80% من اليهود، يعيشون في 15% فقط من مساحة (إسرائيل)، وهي مساحة لا تتجاوز مليون وستمائة ألف دونم، وهناك 18% يعيشون في مدن فلسطينية: (أسدود، عسقلان، المجدل، بئر السبع، والناصرة)، (بينما يعيش 2% هم سكان الكيبوتز، الذين يحتلون 5,17 مليون دونم)، وهؤلاء يمنعون خمسة ملايين فلسطيني من العودة إلى ديارهم (أبو ستة: حق العودة: ص204).
- وفي تقرير للوكالة اليهودية صدر في العام 1947، جاء فيه (ص 435)، أنّ ما يملكه اليهود حتى أيلول 1946، هو ما نسبته (8,6% من أرض فلسطين التاريخية)، على النحو التالي:
-    175 ألف دونم، أجّرتها الحكومة البريطانية للوكالة اليهودية.
-     325ألف دونم، منحتها الحكومة البريطانية للوكالة اليهودية، وهي من أملاك الدولة.
-     600,420دونم: ما حصل عليه اليهود في عهد الدولة العثمانية، أي ما يعادل (6,1%) من مجموع مساحة فلسطين.
-     400,261مساحة الأرض التي اشتراها اليهود بوساطة سماسرة (فلسطينيين!!!).
-     635ألف دونم، باعها السماسرة والإقطاعيون (اللبنانيون والسوريون).
والخلاصة، أنّ سماسرة (فلسطينيين!!!)، باعوا أقل من (1%) من أرض فلسطين - (مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين: ج 1: 22-23).
3.2. نشر الغسيل الوسخ:
عندما خرج الفلسطينيون لاجئين في بلاد المنفى، سواءٌ أكان المنفى عربياً أم أجنبياً، واجهوا أقسى الظروف التي يمكن أن يواجهها بشر، سواءٌ في الخيام، أو تحت سقوف الزينكو، يهطل المطر، وتشتدّ الحرارة، حيث تواطأ عليهم الصيف والشتاء. وقفوا في طوابير الإذلال لتلقي معونات وكالة الغوث الدولية (أونروا)، التي تقدمها الدول التي صوّتت في الأمم المتحدة على طردهم. سمعوا الإهانات العنصرية ضدّ شعبهم. ذهب أولادهم إلى مدارس الحدّ الأدنى في العالم، بينما ذهب أولاد (النخبة الفلسطينية)، التي التصقت بالاحتلال البريطاني لفلسطين، إلى (هارفرد، وجورج تاون، وكيمبردج)، كذلك أبناء سماسرة الأرض، الذين تعلّموا أيضا في أوروبا وأميركا. وهناك شريحة اندماجية نخبوية، التصقت بأنظمتها العربية، التي أرسلتها بدورها للتعلم في أوروبا وأميركا. هكذا دفع أبناء المخيمات الثمن غالياً. وبما أنّ (شريحة السماسرة) قد نفّذت أوامر العدو البريطاني الإسرائيلي قبل عام 1948 في مسألة بيع الأرض، فهم يعاملون معاملة العدو. وعندما كنا نقرأ المراجع حول أسماء الأشخاص الفلسطينيين الذين باعوا أرضهم لليهود، لم نجد في هذه المراجع أيّ اسم، لأن الباحثين كانوا يؤمنون بنظرية (عدم نشر الغسيل الوسخ)، ولكنهم كانوا ينشرون أسماء العائلات اللبنانية والسورية التي باعت أرضاً في فلسطين لليهود!!. وهذه مفارقة غير عادلة، تقع في إطار (المسكوت عنه). فالسمسار سواءٌ أكان فلسطينياً أم لبنانياً، أم سورياً، هو شخص يندرج في إطار تحقيق أهداف العدو.
طبعاً، هناك سببٌ آخر، هو أن الشائعة السخيفة: (الفلسطينيون باعوا أرضهم!!)، تختلف عن الحقيقة، وهي أنّ سماسرة (فلسطينيين!!!) باعوا أقل من 1% من أرض فلسطين للعدو)، وأن الشعب الفلسطيني عاملهم معاملة العدو ونبذهم، ولكنه شعب متسامح، لم يسأل أبناء السماسرة: لماذا تعلّمتم في أوروبا وأميركا، حين كان أبناء المخيمات يتعلمون في الخيام وتحت سقوف الزينكو، فالورثة لا ذنب لهم، وقد يكونون وطنيين. وبالتالي، فإن نشر (قوائم أسماء السماسرة)، لا علاقة له بورثتهم، ولا ضير في نشر (الغسيل الوسخ)، ليس من أجل التنابز والشقاق، بل من أجل المراجعة النقدية للتاريخ، ومن أجل معرفة الحقيقة، ومن أجل استخلاص الدروس التي تتكرر، ولا أحد يستفيد منها. طبعاً ينبغي أن يكون الباحث دقيقاً في معلوماته، حتى لا يقع الظلم على أحد بسبب الشائعات، وخلط الأوراق. فهناك أراضٍ بيعت بالقوة أمام المحاكم، البريطانية الصهيونية، وهناك أراض بيعت بالاحتيال والغش. ونحن نعرف حجم المقاومة التي مارسها الفلاحون الفلسطينيون، لمنع بيع أرضهم بالقوة أمام المحاكم البريطانية في فلسطين. ومن يرغب في معرفة قائمة أسماء السماسرة، فليرجع مثلاً إلى الكتابين التاليين:
1.    أريه أفنيري: دعوى نزع الملكية -1878-1948، ترجمة: بشير البرغوثي، دار الجليل، عمّان، 1986، ص 203-211.
2.    هند أمين البديري: أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ، الجامعة العربية، القاهرة، 1998.
وأعتقد أن كتاب هند البديري، هو الأهم في هذا المجال. أمّا كتاب أفنيري المعتمد على الأرشيف الإسرائيلي، فهو يحتوي على قوائم الأسماء، لكنه يقدم تبريرات كاذبة.
- أقول كل ذلك، لأن الشمس تُطهّر الغسيل الوسخ أحياناً، وقد تعجز عن تطهيره، لأنه حقيقة واقعية. وأختم بأن كذبة أن الفلسطينيين قد باعوا أرضهم، هذه الشائعة ردّدها الآلاف من الأشقاء العرب في السرّ والعلن. قال لي زميلٌ مصري في يوم الخامس من حزيران 1967 عندما كنت طالباً في السنة الثالثة الجامعية، بجامعة القاهرة: (الريِّس حيرجع لكو فلسطين، بَسْ ما تبيعوهاش تاني!!)، ولم يقل ذلك مازحاً.
4.2 وعد أوسلو، (1993-2010): (جمهورية دايتون)، و(إمارة الظلام)!!!
مرّت فترةٌ غامضة مظلمة (1948-1964)، لم يدرسها الباحثون اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً، حيث ارتُكبت جرائم مادية ومعنوية ضدّ الشعب الفلسطيني الجريح، وأيضاً تمّت مقاومة سريّة وعلنية، تمّت مواجهتها من قبل بعض الأنظمة العربية بالحديد والنار والاعتقال والتعذيب والقتل لمقاومين فلسطينيٍين، لأنهم مارسوا المقاومة في (الزمن الخطأ)!. وفي المقابل، قاوم أبناء الشعب الفلسطيني في منطقة 48، الاحتلال الإسرائيلي بكل الوسائل السلمية والعُنفية الممكنة. وكانت المعرفة بالعدو الإسرائيلي في هذه الفترة المظلمة (1948-1964) محصورة بأجهزة المخابرات العربية، التي اعتقلت المعرفة بالعدو. وهكذا جاءت هزيمة عام 1967، ليتعرّى الجميع أمام أنفسهم وأمام العدو، ولكن حتى عام 1967، كان المثقفون العرب صامدين، مهما كان شكل العجز العربي. أما بعد كارثة هزيمة 1967، فقد تذكَّرت الأنظمة مثقفيها، لتطلب منهم البحث عن مخرج، وبضغوطات من الأنظمة بفعل الهزيمة، بدأ الانشقاق في الفكر العربي حول فكرتي (ثقافة المقاومة)، و(ثقافة السلام)، التي تمثلت في الميل نحو الاعتراف بالقرار 242، الذي سبق أن اعترفت الأنظمة به. وبرزت ثقافة الاحتجاج على نتائج الهزيمة. فجأة تتفق الحكومات العربية، والأحزاب الشيوعية المقموعة آنذاك على فكرة (المقاومة الثقافية)، ليس بتجذيرها، بل بالتكيُّف مع فكرة الاعتراف بشرعية دولة إسرائيل، وتسمية الأدب الفلسطيني في منطقة (48)، الذي يقاوم التعسّف والاضطهاد الإسرائيلي ضدّ أهلنا في منطقة (48) – مع الاعتراف بشرعية إسرائيل – بأنه (أدب مقاومة)، حتى لا تعترف بثقافة المقاومة المسلّحة، التي تتفق الحكومات والأحزاب الشيوعية على رفضها. والمفارقة أنّ منظمة التحرير الفلسطينية، أو بدقة بعض فصائلها، وقعت في الفخّ، بتأثير (نزعة الفلسطنة)، بل لم تعترف قيادات هذه الفصائل بشعراء وأدباء الثورة الفلسطينية المسلحة!!. كذلك، تواطأ المثقفون السياسون (الاندماجيون) الفلسطينيون مع أنظمتهم العربية ضدّ أدب الثورة الفلسطينية (1964-1994)، بسبب عدم مشاركة هؤلاء الاندماجيين في الثورة.
لقد مرّت الثورة بمرحلة رومانسية، ارتكبت فيها بعض الأخطاء المتكررة للأسف. ثم جاءت مرحلة أخرى، أصبحت فيها الثورة مؤسسة ضخمة، لم تعد قادرة على الانضباط، حيث تورطت أو تمّ جرُّها إلى مناطق حسّاسة، ولم يتوقف التآمر عليها، ولكنها استطاعت في السبعينيات أن تقوم بعمليات نوعية ضد إسرائيل، واستطاعت الحصول على الاعتراف الدولي بها كرقم صعب في المنطقة، واستطاعت الصمود في (حصار بيروت سنة 1982)، ثلاثة أشهر أمام عدوان إسرائيلي مدعوم من الولايات المتحدة. ولم يستطع الجيش الإسرائيلي دخول بيروت، إلا بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية في الأول من أيلول 1982، بعد اتفاق صاغته الولايات المتحدة، وتعهدت بحماية مخيمات لبنان، لكن الولايات المتحدة، شجعت إسرائيل وقوات اليمين اللبناني على ارتكاب أضخم مذبحة لن ينساها التاريخ في (صبرا وشاتيلا): 4000 شهيد، بعد أسبوعين من خروج منظمة التحرير من بيروت. وكانت مصر، الدولة المركزية العربية، قد وقّعت معاهدة كامب ديفيد الإسرائيلية المصرية، التي أخرجت مصر من الصراع العربي-الإسرائيلي. وفي العام 1988، أصدر المجلس الوطني الفلسطيني ما أطلق عليه: (وثيقة الاستقلال)، اعترف فيها بالقرار 242، وبقرار التقسيم الصادر في العام 1947. ولاحقاً (13/9/1993)، تمّ توقيع أسوأ اتفاق في التاريخ الفلسطيني الحديث (اتفاق أوسلو)، لأنه اتفاق الذئب والحمل، يقود إلى (دولة كانتونات عظمى!!)، تحت الوصاية الإسرائيلية. وشاهدنا أشكالاً متنوعة من (المفاوضات من أجل المفاوضات)، وفي ظلّ هذه المفاوضات، ارتكبت إسرائيل أبشع المذابح، وتدمير البيوت، واغتيال الشخصيات الوطنية، حتى شجر الزيتون، تمّ اقتلاعه بالجرّافات، واقتيد الآلاف من الفلسطينيين إلى السجون الإسرائيلية. أمّا السلطة الفلسطينية، فقد مارست أبشع أنوع الفساد، الذي استغله الإسرائيليون للقول: (ليس هناك من نفاوضه!)، واستغلّ شارون أحداث 11 سبتمبر الأميركية، ليصف المقاومة بالإرهاب!. ثمّ جاء رئيس السلطة الفلسطينية بمصطلحه الفجّ: (المقاومة الحقيرة!!)، ثمَّ، خطب رئيس وزرائه أمام المؤتمر الصهيوني السنوي في (هرتسليا)، وألقى كبير المفاوضين، محاضرة أمام (مجلس الأمن الإسرائيلي). ورُفع شعار: (الدم الفلسطيني خطّ أحمر)، لكنّ الطرفين (حركة فتح، وحركة حماس)، تجاوزا هذا الخطّ الأحمر. وسبق لحركة فتح أنها اكتفت بالقول في التلفزيونات، إنها تعترف بنتائج الانتخابات التي فازت فيها حركة حماس، لكنّ حركة فتح لم تعترف عملياً بهذه النتائج، تحت الضغوط الأميركية والإسرائيلية، وضغوط بعض الأنظمة العربية. وكانت حركة حماس، قد أخطأت خطأ استراتيجياً حين دخلت الانتخابات أصلاَ، لأنك لا يمكن أن تكون (مقاوماً، ووزيراً) في حكومة مفاوضات!!. وهكذا انقلبت حركة فتح على نتائج الانتخابات، بالتماهي مع (خطّة دايتون)، فانقلبت حماس عليها في قطاع غزة. وهكذا تماهت (النخبة المثقفة) في فلسطين مع اتفاق أوسلو، الذي قاد ثقافياً إلى الانشقاق الكبير حول فكرة المقاومة، وهذا ما أسميه: النكبة الثالثة، وهي أخطر بكثير من نكبتي 1948 و1967 من حيث النتائج. وهكذا أصبح الشعب الفلسطيني في ظل الانقسام، يعيش تحت سقف (جمهورية دايتون)، حسب تعبير (حركة حماس) و(إمارة الظلام)، حسب تعبير (حركة فتح). أما المستفيد الوحيد، فهو (العدو).
لم يكن الانشقاق الكبير فلسطينياً فحسب، بل كان عربياً بامتياز:
أولاً: وُضعت منظمة التحرير الفلسطينية في (الثلاجة). وللحقّ، فإن حركة فتح، التي أطلقت رصاصة الثورة الأولى في العام 1965، هي من وضع المنظمة في الثلاجة، لأسباب عديدة، وهي لا تستخرجها من الثلاجة، إلا إذا أرادت توقيع المنظمة على فعل له علاقة بالمفاوضات الكاريكاتيرية التي لا جدوى منها، لأن الفرصة الذهبية التاريخية (عجز العرب)، لم تغتنمها دولة الاحتلال الإسرائيلي حتى الآن، تحت فكرة: (ما دامت إسرائيل قوية، فلماذا تقبل بالسلام!!). وهكذا تحوّلت المرجعية الوطنية للشعب الفلسطيني (م.ت.ف)، لصالح سلطة وهمية، مطلوبٌ منها أن توقع على الأوهام. وبقيت (المبادرة العربية) فوق الطاولة، تستجدي (إسرائيل).
ثانياً: قضية فلسطين ليست قضية حواجز، وأسرى فحسب، بل هي قضية حق اللاجئين في العودة، حسب القرار 194، وحق الفلسطينيين في العودة إلى عاصمتهم (القدس)، وحقهم في إزالة المستوطنات التي تفصل الأخ عن أخيه، وحقّهم في تدمير حائط الفصل العنصري، وحقّهم حسب أنصار (الحلّ الممكن)، في إقامة دولتهم الفلسطينية على تراب وطنهم. أمّا أنصار (الاتحاد الكونفدرالي الإسرائيلي-الفلسطيني)، أي ما يُسمّى (الدولة ثنائية القومية)، مثل المفكر الفلسطيني الأميركي (إدوارد سعيد)، وغيره، فهم أكثر الواهمين، لأن الفكرة نفسها مستحيلة. أمّا (الحل العادل)، الذي يعني تفكيك دولة إسرائيل، والقبول بالطائفة اليهودية الفلسطينية (7% من الشعب الفلسطيني)، في إطار دولة فلسطينية ديمقراطية، فهو يحتاج إلى مقاومة فلسطينية، وعربية، وإسلامية، تحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد.
ثالثاً: لقد قاوم الشعب الفلسطيني طيلة القرن العشرين، وما يزال يقاوم. ولن نصبح (هنوداً حُمْراً) لا في البلدان العربية، ولا في العالم، رغم كل مشاريع التوطين البائسة، حتى لو تمّ تهجير الفلسطينيين من العراق إلى البرازيل، والسودان، وحتى لو سمع اللاجئون الفلسطينيون في لبنان كلّ يوم، الشعارات العنصرية البغيضة من قبل أحزاب اليمين الطائفي اللبناني، فهم دائماً، بانتظار تطبيق حق العودة:
1.    عاش اللاجئون الفلسطينيون في مخيماتهم، حيث اعتُرف بهويتهم الوطنية الفلسطينية في بعض البلدان العربية، لكنّ حقوقهم المدنية ما تزال مهضومة.
2.    دول أخرى منحت الفلسطينيين حقوقهم المدنية، لكنّها سحقت هويتهم الوطنية الفلسطينية.
3.    وهناك طرف ثالث، اعترف بالهوية الفلسطينية، ومنح الحقوق المدنية، بانتظار تنفيذ المجتمع الدولي لحقّ العودة.
5.2. ثقافة التأمرّك والتأسرُل والتفرنُس:
رابعاً: انقسم (المثقفون العرب) تجاه (المقاومة)، العسكرية، والسياسية والثقافية، رغم أنّهم كانوا حتى أوائل التسعينيات، يسبحون بحمد (المقاومة الفلسطينية)، بل يكيلون لها المدائح إلى درجة النفاق. كما انقسم المثقفون العرب، تجاه (المقاومة اللبنانية) و(المقاومة العراقية)، وطغت (ثقافات التأمرُك، والتأسرُل، والتفرنُس) لدى تيار واسع من المثقفين وأشباه المثقفين، تحت شعارات الحداثة وما بعد الحداثة، والليبرالية، والعقلانية، حيث اغتصب المثقفون الليبراليون، كل مصطلحات الحداثة والتغيير والتنوير، لينسبوها إلى أنفسهم، وهم لم يدخلوا سجناً، ولا أُبعدوا من بلادهم بوساطة سيارات الشرطة إلى المنفى، ولا ساهموا في التنوير والتغيير، حيث يحاولون التكيُّف مع مشروع (الشرق الأوسط الجديد) الإسرائيلي، وهم مخترقون أميركياً حتى العظم من خلال اندماجهم في مقولة (مؤسسات المجتمع المدني)، الممولة أميركياً وأوروبياَ، حتى (نادي القلم الدولي)، المخترق إسرائيلياً وأميركياً، أصبحت له فروع شبه سرّية في بعض البلدان العربية، تهافتاً على المال، والسفر إلى أوروبا وعلى الترجمات السطحية!!.
خامساً: يُفترض في أي كاتب عالمي، يزور رام الله، وتل أبيب، أن يعلن صراحةً أن إسرائيل دولة احتلال غير شرعية وعنصرية واستعمارية مصيرها التفكيك، لكنّ هذه (الهياكل العظمية المتحركة)، مثل: ساراناغو، وسوينكا، التي تحمل جائزة نوبل، لا يمكن أن تجرؤ على قول ذلك. تماماً كما كان الكتاب الفرنسيون العالميون، يدينون اضطهاد الجزائريين تحت الاحتلال الفرنسي، لكنّهم لم يقولوا أبداً، أنّهم مع استقلال الجزائر!!. ليست زياراتهم لرام الله مفيدة للشعب الفلسطيني، بل هي زياراتٌ هدفها تكريس (ثقافة السلام الإسرائيلي)، على حساب ثقافة الشعب الفلسطيني، وتكريس (التطبيع الثقافي)، ما دام طوني بلير هو دافع التكاليف. فماذا يستفيد الشعب الفلسطيني من هذه الهياكل العظمية المتحركة الحاملة لجائزة نوبل، سوى ترسيخ ثقافة طوني بلير، ونحن نعرف أنها تصبّ في ثقافة الانشقاق الكبير.
سادساً: منذ مطلع الثمانينيات، ظهر ما يُسمّى بِـ: (الصحوة الإسلامية)، بتمويل أميركي، هدفه استخراج (تيار الكهوف)، من جحورهم، ومن هذه (الصحوة)، ولد (التيار التكفيري)، الذي هو أخطر تيار على الإسلام والمسلمين. إنه تيار (الأفغان العرب)، أو ما سُمّي لاحقاً: بِـ(القاعدة)، وهو يختلف اختلافاً جذرياً عن (التيار الإسلامي المقاوم). أما (أسامة بن لادن)، فقد اخترعته الولايات المتحدة نفسها، رمزاً تكفيرياً نموذجياً، ليبقى الذريعة لاستنفار العالم الغربي ضدّ الإسلام. وهكذا أصبحنا نسمع التصنيفات المذهبية: (سُنّة، وشيعة)، في إطار مشروع شمعون بيرس: (الشرق الأوسط الكبير). وهكذا اندمج المثفقون العرب الحداثيون في الطائفية والعرقية، ضمن النكبة الثالثة (الانشقاق الكبير)، وأفضل مثال، هو: حققت (المقاومة اللبنانية) في صيف 2006 – انتصاراً عظيماً على الجيش الإسرائيلي، وهو من أقوى جيوش العالم، ودفعت إسرائيل ثمن (مغامرتها غير المحسوبة!!). فجأةً، اكتشف بعض المثقفين العرب، اكتشافاً عظيماً، هو أن هؤلاء الأبطال (شيعة!!) فقط. وهكذا بدأ الحفر الثقافي لإدخال (المقاومة اللبنانية) في لعبة مفكري الحرب الأهلية، من أجل القول القديم: (قوّة لبنان في ضعفه!!).
سابعاً: قال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر: (ما أُخذ بالقوة، لا يُسترد إلا بالقوة)، وما يزال هذا القول صحيحاً حتى الآن. أمّا كيف نمحو (نكبة 48)، و(نكبة 67)، و(نكبة الانشقاق الكبير). وكيف يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى ديارهم، فهذه مهمة (القوى الفاعلة) في المجتمعات العربية، ومهمة القوى الديمقراطية الحقيقية في العالم، المساندة للمقهورين والمظلومين.
6.2 الحلّ: هو: العودة الى فلسفة التحرر الوطني  وإعلان العصيان المدني:
قال وزير خارجية إسرائيل الأسبق: (أبا إيبان) في العام 1948: (نحن من صاغ مصطلح (الصراع العربي-الإسرائيلي)، في الأمم المتحدة، وكنّا ضدّ مصطلح (الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي)، حتى يفهم العالم أن إسرائيل دولة صغيرة في مواجهة الدول العربية .لقد لعبت الثورة الفلسطينية دوراً مهماً في تفهيم العالم بحقيقة الصراع من خلال فلسفة التحرر الوطني، إيديولوجيا منظمة التحرير الفلسطينية. أمّا الآن، فقد خسرنا التعاطف العالمي مع قضية فلسطين، بسبب نشوء (السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال) في مواجهة دولة إسرائيل العظمى. وهكذا، أرى أنّ (تفكيك السّلطة)، وتسليمها إلى رؤساء البلديات والمحافظات، والعودة إلى (فلسفة التحرر الوطني، إيديولوجيا منظمة التحرير الفلسطينية) - المرجعية الأساسية للشعب الفلسطيني في الوطن والمنافي، لتقرر من جديد، كيف يصوغ الشعب، أشكال نضالاته المستقبلية، بعد فشل لعبة أوسلو، وخريطة الطريق، وتعمُّق الانقسام، أرى أنّ هذا هو الحل، حتى لا تظلّ لعبة (مفاوضات الوسكي)، ولعبة (مفاوضات من أجل المفاوضات)، هي المسيطرة.لأنَّ الإسرائيليين غير جاهزين، لا للحلّ العادل الشامل (الدولة الديمقراطية)، ولا للحل الممكن (حل الدولتين). فلا جدوى من (وعود أوسلو)، التي لم تعد بأيّ وعد، سوى وعد (استدراج قيادة م.ت.ف)، نحو (القفص)، حيث يُلقى لها الفُتات من موائد الاتحاد الأوروبي، والمساعدات الأمريكية، لكي تبقى في (القفص)، لا أكثر، ولا أقل، حتى لو مُنحتْ (حكماً ذاتياً، تحت الوصاية الإسرائيلية)، أو: (دولة كانتونات عظمى). نعم (تفكيك السلطة)، هو (الحلّ) الممكن، والعودة إلى فلسفة التحرر الوطني، وإعادة صياغة (منظمة التحرير الفلسطينية) من جديد. أما الحل العادل، فهو تفكيك (دولة إسرائيل)، وإقامة دولة فلسطين الديموقراطية على كامل التراب الفلسطيني.
3. فلسطيني من أصل فلسطيني:
- وهكذا، ولدت في (محافظة الخليل) بفلسطين الوسطى، بتاريخ (11/4/1946) بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لأبوين كنعانيين فلسطينيين (عثمانيين)، أي أنني (فلسطيني من أصل فلسطيني)، وقد زوَّدتني (العائلة)، بوثيقة تاريخية، تؤكد، أنَّ جدّي الأعلى الصحابي الفلسطيني (نعيم الداري)، شقيق الصحابي (تميم الداري)، كانا (أوَّل المسلمين) في فلسطين، قبل دخول الإسلام إلى فلسطين، حيث كانت تحت الاحتلال الروماني، فهما قد قابلا (الرسول محمد) في العام (التاسع للهجرة)، وحصل الأخوان (نعيم، وتميم) على وثيقة شهيرة في التاريخ، من (الرسول)، أُطلقت عليها صفة: (أول إقطاع في الإسلام)، وسميَّت: (كتاب الإنطاء الشريف). قبل ذلك، كان جدّي الأعلى (نعيم الداري)، راهباً مسيحياً كنعانياً فلسطينياً، وتولى (شؤون الأرض)، فأصبح مزارعاً، بينما تولى شقيقه (تميم الداري)، شؤون الفقه الإسلامي في (الخليل، وما جاورها). توفي (نعيم الداري) ودفن في (خربة بني دار) في بلدة (بني نعيم) الخليلية (الحالية)، ودفن (تميم) في بلدة (بيت جبرين). ولاحقاً، ظلَّ (منصور بن نعيم)، مسؤولاً عن (شؤون الأرض)، فأصبح أحفاده، (فلاَّحين)، يقولون: (قال، وقلت)، وأصبح أحفاد تميم، (مدينيين)، يقولون: (آل، وأُلتُ)!!، وظلوا مسؤولين عن الفقه الإسلامي، إلى يومنا هذا. لم أكن أكترث لهذه الوثيقة (كتاب الإنطاء الشريف)، ولا أكترثتُ لسلسلة الأنساب العائلية، والعشائرية، بل لم أكترث في طفولتي، لهذه المسائل، عندما كان (والدي، رحمه الله)، يتحدث عنها، كما لو كانت هذه الوثيقة، ستحمي (الأرض) من الاحتلال الإسرائيلي!!، فالصراع مع هذا العدو، ليس (صراع وثائق)، بل، هو (صراع وجود) مدعوم بالقوّة. ولكن، عندما كبرت، وعشت (منفياً) في هذا العالم، ممنوعاً من دخول وطني فلسطين، أدركت بعقلي النقدي، بأنه يمكن أن نقاوم الاحتلال، حتى بالوثائق، والأغاني، والأزياء، وعلم الأنساب، و(القدْرة) الخليلية، و(الكنافة) النابلسية، و(الجبنة) العكَّاوية، و(البرتقال) اليافاوي، و(العنب) الخليلي، و(الأيقونات) التلحمية، و(الفلفل)، الغزّي، و(المنسف) السبعاوي، و(الثوب) المجدلاوي، و(الزيتون) الفلسطيني، الذي لا مثيل له في صفاء زيته. ويمكن أن نقاوم العدو، بالتاريخ: أقيمت في فلسطين (مملكة فلسطين الأدومية)، قبل الميلاد، وبعده، وبأقدم مدينة في العالم، (أريحا) في (الألف التاسع، ق.م). وبـ (جمهورية ظاهر العُمَر)، في القرن الثامن عشر الميلادي. ويمكن أن نقاوم بـِ: تاريخ (المسيح الفلسطيني) في المقاومة، وبـِ: (صخرة الرسول محمد) في القدس، التي ربطت الأرض بالسماء، وبـِ (القدس)، مركز العالم، قديماً، وحديثاً. ويمكن أن نقاوم بشخصية (إبراهيم الخليلي، السدومي)، والفلسطيني الكنعاني. أمَّا في (العصر الحديث)، ومنذ عام (1882، وحتى الآن)، لا يوجد في العالم كله، (شعبٌ) واصل المقاومة، كما واصلها الشعب الفلسطيني، (أكثر من قرن، وربع القرن)، ونحن نقاوم (الاستعمار، والصهيونية)، دون أن ينسى هذا (الشعب الأصلي)، وطنه فلسطين. قاوم الشعب الفلسطيني، (الأشكي – نازي) الأوروبي، وقاوم (المزراحي المتأسرل) الشرقي، وقاوم (الجيش البريطاني المحتل)، وقاوم (الإسرائيلي الهتلري)، وما يزال، لكنه، حتى الآن، لم يستطع إقامة (دولته الفلسطينية الديمقراطية)، ولا حتى (دولته الممكنة)!!.
- قدَّمت بلدة (بني نعيم) الخليلية، مثلاً، عدّة شهداء، لثورة 1936، بل كان أحد أبنائها (عبد الفتاح النعيمي)، نائباً لقائد منطقة الجنوب الفلسطيني، استشهد في إحدى معارك الثورة، والشهيد القائد (حسن محمد ادعيس المناصرة) أيضاً، واستشهد عام 1948، موسى محمد قاسم المناصرة (أبو ظهر). وفي شهر يناير، 1939، جرت (معركة بني نعيم الكبرى)، حيث قصفت الطائرات البريطانية (بلدة بني نعيم)، حتى أنَّ مانشيت جريدة الشباب القاهرية، لصاحبها محمد علي الطاهر، قال بأنها (دُمّرت، وأُزيلت من الوجود). أمّا الباحث (محمد خالد الأزعر)، فيقول: (كانت بلدة بني نعيم، أحد معاقل جيش الجهاد المقدس، وفي تلك المعركة، سقط عددٌ من قيادات الجهاد المقدّس بفعل تدخل قوة الطيران البريطاني. ورغم مقاومة الثوّار، الذين أسقطوا ثلاث طائرات بريطانية، فقد كانت (معركة بني نعيم الكبرى)، معركة شديدة التأثير في مسار الثورة الفلسطينية بشكل عام)( ). وكان قائد المعركة، هو (الشهيد عبد القادر الحسيني)، الذي جرح في هذه المعركة، ونقله أهل بلدة بني نعيم، سراً إلى الخليل، ثم القدس، حيث نقل للعلاج في دمشق، واستشهد في المعركة من بلدة بني نعيم، عددٌ من الشهداء، منهم: (سلامة أبو ساكوت، ويوسف الزيدات)، و(ثلاث نساء من بلدة بني نعيم، كن يسقين المجاهدين)، كما يشير أحد المراجع، (دون ذكر أسماء هؤلاء النسوة!!) للأسف، فهُنّ بالنسبة للباحث (حسن صالح عثمان): مجرّد ثلاث نساء قرويات!!. واستشهد في المعركة (إبراهيم خليف، وعبدالله أبو ريّا، ويوسف سمرين، وعيسى أبو قدّوم)، وغيرهم. وقُدّرت القوة البريطانية في هذه المعركة، بخمسة آلاف جندي. واعتبر المؤرخون، هذه المعركة، بأنها من أهم معارك التاريخ الفلسطيني، لأنها كانت معركة (معلنة)، لا سرّية فيها، فعندما، قدم عبد القادر مع رجاله إلى بلدة بني نعيم، رأى البريطانيون (جيش الجهاد المقدس)، قبل وصوله، أي أن عبد القادر، قرر المواجهة العلنية، فلم يكن تحركه سرّياً، لسبب سياسي، هو رغبته في رفع معنويات أهل منطقة الخليل، ومواجهة (أنصار السلام) بقيادة راغب النشاشيبي، سياسياً، الذي كان في زمن معركة بني نعيم، يعقد اجتماعاً شعبياً مؤيداً له في (بلدة يطّا) الخليلية أيضاً، القريبة جغرافياً من بلدة بني نعيم، معقل جيش الجهاد المقدّس. أما عسكرياً، فقد أدرك عبد القادر، أنَّ (بلدة بني نعيم)، بجبالها، ووديانها، ومغاورها، وميول أهلها، نحو (المجلسيين)، تيار الحاج أمين الحسيني، الراعي لجيش الجهاد المقدس، الذي يقوده عسكرياً، عبد القادر الحسيني – جعلت من البلدة، موقعاً استراتيجياً حصيناً، بالنسبة للثورة الفلسطينية في الثلاثينات. لقد كانت (معركة بني نعيم الكبرى)، آخر المعارك الكبرى للثورة في نهاية الثلاثينات.
- أمَّا في الثورة المعاصرة (1964-1994)، فقد عانت بلدة بني نعيم، مثل غيرها من القرى والبلدات والمدن الفلسطينية من إرهاب الاحتلال الإسرائيلي، وانضمَّ أبناء بلدة بني نعيم إلى الثورة الفلسطينية المعاصرة، سواءٌ في الوطن (الداخل)، أو في المنفى (الخارج)، وسقط منهم، (عشرات الشهداء)، و(مئات الجرحى)، و(مئات الأسرى في سجون العدو)، ودمَّر الجيش الإسرائيلي (عشرات المنازل). وكانت (بني نعيم)، ثاني بلدة فلسطينية، تنتفض ضد الاحتلال في (الانتفاضة الأولى، 1987-1993)، بعد (مخيم جباليا) في قطاع غزّة. وكان أحد أبناء البلدة، (اللواء زهير المناصرة)، مساعد خليل الوزير (أبو جهاد)، أحد المخططين الرئيسين للانتفاضة الفلسطينية الأولى، 1987، وهو من (حركة فتح)، عندها وصف ياسر عرفات، قائد الثورة، بلدة بني نعيم، بأنها: (شُعلة الجنوب الفلسطيني).
- هكذا أصبحت (ثقافة المقاومة)، عنصراً جوهرياً من عناصر الهوية الفلسطينية، في مواجهة (عدو)، يمتلك (رابع أقوى جيش في العالم)، بأسلحته العسكرية الحديثة، ورؤوسه (النووية)، وبمساندة شبه يومية من قبل (الإمبريالية الأميركية)، عسكرية، وسياسية، وبمساندة من (بريطانيا، وفرنسا)، مع (صمت روسي)، أخذ طابعاً براغماتياً. ففي (لحظة شبه سريَّة)، هاجر (مليون روسي يهودي) في أول التسعينات، إلى فلسطين المحتلة، وقبل ذلك، اعترف (الاتحاد السوفياتي)، بشرعية دولة إسرائيل عام 1948، حتى أنَّ (ليبرمان) وزير خارجية إسرائيل، (المولداڤي)، الذي جاء مهاجراً إلى فلسطين المحتلة، عام 1990، أصبح فجأة، يتحدث عن (فلسطين)، بأنها (أرض آبائه وأجداده!!!)، رغم أنَّ (ليبرمان) هذا، كان يعمل (بلطجياً) حارساً لأحد (بارات موسكو)، قبل مجيئه. عندئذٍ، بدأت بالتفكير في أن أعيد قراءة (كتاب الإنطاء الشريف)، مرَّات ومرَّات!!، لأنه يدافع عن (الأرض، والتاريخ)، معاً.

المراجع
-------------------
(*) عبد الوهاب المسيري: مقال في كتاب ( المدخل الى القضية الفلسطينية- مركز دراسات الشرق الأوسط- عمان 1997.
( ) محمد خالد الأزعر: حكومة عموم فلسطين، دار الشروق، القاهرة، 1998، (بتصرف).
( ) منيب الماضي، وسليمان الموسى: (تاريخ الأردن)، مكتبة المحتسب، عمَّان، (د.ت).
( ) مهدي عبد الهادي: المسألة الفلسطينية، ومشاريع الحلول السياسية، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، 1975 – (بتصرُّف).
( ) محمد خالد الأزعر: جيش الجهاد المقدس في فلسطين (1934-1949)، المركز القومي للدراسات، غزَّة، 2000 – ص: (24).
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف