الأخبار
روسيا تعلق وجودها الدبلوماسي في اليمن.. فما السبب؟غدا الأربعاء: استكمال صرف دفعة أكتوبر لموظفي غزةالحريري: سأكشف المزيد عن أزمتي الاخيرةالقوات الأفغانية تستعد لمهاجمة تنظيم الدولة في شمال البلادمجلس الجنوب يناقش واقع الشباب مع 50 شاباً وشابة من ملتقى الطلبةسلطة جودة البيئة تدعو المواطنين لعدم حرق اطارات السياراتالعربية الامريكية تنظم ورشة حول "الانتهاكات التي يتعرض لها العمال بإسرائيل"ابو يوسف: الهبة الشعبية ستتواصل حتى تصبح انتفاضة العودة والحرية والاستقلالبلدية خان يونس تتلف 59 طن مواد غذائية فاسدةد. حمدونة: الاحتلال يضاعف من اعتقالاته في أعقاب انتفاضة القدسفدا: بوحدتنا نقيم دولتنا الفلسطينية وعاصمتها القدسارتفاع في معدلات التحرش بالمجندات الإسرائيلياتالصفدي: حل الدولتين السبيل الوحيد لتحقيق السلام الشاملجامعة الإسراء تنظم مؤتمر علمي حول مناهضة التعذيب في فلسطينالمركز النسوي يفتتح أنشطة مشروع "دعم النساء إقتصادياً" بمخيم شعفاط
2017/12/12
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قراءة لفيلم "ريح السد" بقلم هدى بن عبد الرزاق

تاريخ النشر : 2017-12-07
مختلف ايحاات نار الفرن في فيلم ريح السد للمخرج التونسي النوري بوزيد
بقلم هدى بن عبد الرزاق
النار في المشهد الفيلمي ما هي إلا بطاقة عبور للتعبير عن عدة ايحاءات فهي نار محملة بعدة معاني دفينة يحاول المخرج ان يطبعها للمتفرج في شكل صور مسترسلة ماهي الا صور استعارية او بعبارة أخرى هي صور تعبر عن نار داخلية فما هو دور فرن المخبزة في فيلم ريح السد للمخرج التونسي النوري بوزيد في التعبير عن حالة الخباز التي يعيشها ؟

الغوص داخل فوتغرام الفرن بمختلف مكوّناته يحيل إلى تساؤلات عدّة، فهل أن الغوص في المشهد ذاته لا يتوق إلى التعبير عن الروح بقدر ما يتوق إلى امتلاكها ؟ أو أن امتلاكها فيه مخاطرة مريعة ؟

دخولا في الذات عبر حلقة من نار عبر متناقضات ربما تكون ساكنة نحو عالم خارجي جديد إلى سطح تحرّكت أعماقه يهم الرائي أن يلقي بنفسه فيه بحثا عما تختزنه تلك الأعماق وكما يمتلئ الفكر شعورا، كذلك تمتلئ الأشكال ألوانا.
وكما قد يكيف الشعور الفكر، كذلك يكيف اللون الأشكال المتواترة من وحدته وتدرجاته اللونية هذه الأخيرة تمثّل رصيدا هاما ينطوي على تفاصيل لا يمكن قراءتها بمنأى من التفاعلات. إنها تبدو مشحونة بدفق حسّي حارّ لا يوقع رائيها في التيه بل يجعله ينذهل.
هذه الألوان (ألوان الفرن) في مجملها بلهيبها الساطع خزان لشحنات متعدّدة من الإثارة والتأجج كما الزناد يقدح فتكون الطلقة.
الشخوص هم الواسطة التي يتّخذ من خلالها المخرج المواقف ورغم ما قد يلوح في دواخل الشخوص من حركة ورغبة في الإفصاح إلا أن الدور الذي يحدّده لهم المخرج تكون معاكسة لظاهرها من خلال توجّه الحواس والأخيلة ومؤثرات الحالة الراهنة كي يستعيض عن كلّ شيء بسلوك يحدّ من تلك الرغبة أو يلغيها ولعلّ الشخوص مثلوا جانبا مهمّا بما يتوفرونه على جانب من التلقائية فهي في حالات مختلفة إنها حالات استرخاء أو حالات تأمّل أو حالات حركة هادئة أو حالات تشبه الإحباط وهي جميعها حالات تعرفها كل المجتمعات.
اللافت أن تصوير الشخصية يتمّ غالبا على أرضية أي عبر التخطيط لها من حيث الحركة واللون والعكس وقد قال "ديلاكروا" بأن الألوان أهم من التخطيط. فالتلوين الباهت قد طال جانب مميّز في مختلف تقاسيم الوجه مما أسهم في إبراز هيئاتها أو حالاتها ويلعب الضوء والظلال المنعكسة في الوجه ذاته دورا مهمّا في تشكيل الحالات الفكرية والذهنية للشخص فتمازج الصورة مع الشخص بمكوّناتها بدت وكأنها تعيش نفس الحالة تقريبا رغم الاختلاف الظاهري.
الحالة التعبيرية لصاحب الفرن تحيل إلى إغراق في الوحدة وفي الهموم الذاتية الداخلية.
هذا الجيل المدمّر والمنكسر يبحث عن لحظات ساخنة وبالتالي يحلو له أثناء سهرة جنسية وخمرية التأمّل في التراث والتغزل ببقاياه من خلال أوشام لمومس عجوز منقوشة على صدرها المتهرئ. السكر والتقيؤ بعد السكر، الجنس والحديث عن الجنس : هذا هو تاريخ البلد بالنسبة لهذا الجيل "جيل البيرة celtia ".
تكمن جرأة النوري بوزيد في كونه أدرك أن رواية هذه الأزمة لا يمكن أن تسلك طرق ملتوية أو غير صريحة أو تتسرب عبر الإيماءة أو الكلمات الفضفاضة والمهذبة بل يجب الإفصاح عنها بوجاهة اللهجة العامية للتحدث عن الرغبة الجنسية واشتهاء الأنثى، هل هنالك أفضل من عبارة "ضرب السخون"، خاصة عندما يكون الحديث عن الجنس في مكان كالمخبزة حيث ينضج الخبز ؟
تخترق هذه العبارة الأنوف والعقول وتحرّك الشهية في هذا المنحى يؤكد المخرج على وجوب تعرية ما هو مكبوت فينا وتصعيده وتحتلّ المومس العجوز شجرة مركزا هاما لا يقل أهمية عن البطلين فرفط والهاشمي بحيث تقوم هذه المرأة بجلب الفتيات المومسات إلى حرفائها، تعيش شجرة على هامش المجتمع، لها عالمها الخاص لكن لها أيضا عادات اجتماعية كالآخرين إنها تحبذ مثلا مشاهدة المسلسلات المصرية في دار الجيران وليس في بيتها لأنها لا تمتلك جهاز تلفزة. لا تحقد على أحد رغم جروح الزمن وتأسف للتصرفات المشينة والصبيانية لجمع من الشباب جاء يزورها ليلة من ليالي رمضان بحثا عن المتعة فهي على عكس الجيل الجديد تستبطن نكهة الماضي وحلاوته ولا تقبل أن يداس عالمها الداخلي هي شجرة، أي ذاكرة بأكملها.
للنوري بوزيد قدرة على تحسس النبض في المشهد الذي يصوره انه لا يصور بقدر ما يترجم الإحساس الذي يهتزّ في نبضه منفعلا بمثله في المشهد بصهر النار لتصبح الألوان تلك الأجنحة التي تحلق برائيها وقارئها إلى أبعد من منظور وأعمق من الممكن تحديدا في أغوار النفس وبيسر شديد يمكن أن تدرك أنه حنين يزداد كلّما تأجّجت الألوان لتقول ضجيج النفس وتترجم الدافق بتشكيل الصورة.
ولهذا تكون عملية اختيار الممثل في علاقة بجسده ورؤاه واضحة وفي نفس الآونة صعبة لنأخذ مثلا صورة الهاشمي في ريح السد. الهاشمي وجب أن يحمل جمالا أنثويا لكي يحي فيه المأساة الداخلية لأنه مرتبط بفتاة وبصدد الزواج بها وهذا ما يحمله على التوتر.
فرفط وبما أنه فرفط أي فرفلو فهوكفراشة تطير في السماء « parce qu’il s’appelle Farfat et que Farfat c’est Farfalo c’est le papillon. »
وهو أيضا لا يحمل البقاء وله رغبة جامحة للطيران وهو يتطلب هشاشة في الجسم ودور الكاميرا أساسي لتقريب جسده من المشاهد.
إن كل توظيف للصورة له خلفياته الجمالية وكذلك مبرّراته وأساسية هذا التوظيف منبعثة أساسا من الصورة فالصورة في حدّ ذاتها تطير بنا إلى أبعد المستويات التي نحن في حاجة لها يمكن أيضا أن تخفي وراءها عدّة مضامين ورموز يمكن أن تموّه وتخفي وراء الصورة شيء نريد أن يكتشف بدون أن نكشفه.
كلّ هذه العوامل تتظافر من وجهة لأخرى لتصف حالة داخلية لشخصيات حدّدها النوري بوزيد (شخصية صاحب الفرن).
فقبل اختيار الشخصيات فانه يتوجه لتصوير الجانب الداخلي اللامرئي لها إنها هيكلة خاصة. الشخصيات متضاعفة بين الرغبة من جهة وبين العنف الداخلي من جهة أخرى، نار النوري بوزيد تعتمد على الإيقاع الفوري والسريع والاحتدام في المواقف. وكأننا بصدد التعامل مع شخصيات تعيش حالة من القتامة ومن اليتم، بصدد البحث عن مكان يتدفؤون فيه وتتحوّل النار إلى حامي لنقص هذا الدفء وهذا يتأكد أكثر بالحوارات التي يرددّها صاحب الفرن باتحاد جسده مع النار "ها اليدين الّي عاشو عالجمر ووالفوا بالنار لين ولاّو حجر دعوة وحدة سبّة وحدة يوليوا رماد".
ربما هذا الانفعال مرده نقص للحنان والرغبة وفقدان لنار الجنس التي يحلم بها صاحب الفرن ويبحث عن جانب أنثوي ليتدفئ به على عكس الهاشمي الذي يرفض فكرة الزواج برغم أن كل الظروف موفّرة له. يؤنب صاحب الفرن في هذا الصدد الهاشمي بقوله له : "يزيك ما الكبي متع العزاب يزيك ما الفرش الفارغ قيت الدفي وتفركس على غيرك" وكما يقول النوري بوزيد "المرأة داخل الرجل تستوجب أن تكون كذلك لإضفاء الدفء عليه وعلى حياته" وعندما نتحدّث عن رجل مليء بالنار فكأنه يريد أن يحترق وبداخله بعض الأشياء الضرورية المفرزة لإضفاء هذا الحريق، هذا الاحتراق يستوجب جانبا أنثويا وفي هذا الإطار يحلّل "قاستون باشلار" في كتابه "psychanalyse du feu" في محور النار والجنس "ثلاثة أنواع من النار : النار الطبيعية وما فوق الطبيعة والنار التي هي ضدّ الطبيعة : الطبيعي هو النار الذكر الأساسية، النار فوق الطبيعة هي نار الأنثى المغذية للجسد الذكري، النار ضد الطبيعة وهي عنصر الربط بين الأولى والثانية" .
النار عنصر حساس وهي الأفضل لمسايرته يجب تلمس نقطة النار التي تحدث فارق كلحظة الحب التي تحدث وجود هام وكما يقول هذا "بول فاليري" "في فنون النار حول ما يحدثه البيرومان الولع بالنار بين الرغبة و الاحساسية" .
أمّا النار التي نراها في المشهد الاستهلالي لفيلم "عرائس الطين" فهي نار مفتوحة ونار حامية بحيث نرى الدخان يتصاعد من منازل من طين "cheminé" لهيبها ساطع إلى درجة أكثر مما نراها في "ريح السدّ".
نار الفنطوز هي نار مفتوحة، وحسب تفسير الناقد الهادي خليل في كتابه "le parcours et la trace " صفحة 124-125 يحدّد مفهوم الفنطوز بتفسيره : الفنطوز في مفهومه الطبي يعني الفتحة الصغيرة من البلور الملتصقة على الجلد، بعد أن نخفف الهواء لإحداث تحويل للدم من جزء لآخر في الجسم.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف