الأخبار
روسيا تعلق وجودها الدبلوماسي في اليمن.. فما السبب؟غدا الأربعاء: استكمال صرف دفعة أكتوبر لموظفي غزةالحريري: سأكشف المزيد عن أزمتي الاخيرةالقوات الأفغانية تستعد لمهاجمة تنظيم الدولة في شمال البلادمجلس الجنوب يناقش واقع الشباب مع 50 شاباً وشابة من ملتقى الطلبةسلطة جودة البيئة تدعو المواطنين لعدم حرق اطارات السياراتالعربية الامريكية تنظم ورشة حول "الانتهاكات التي يتعرض لها العمال بإسرائيل"ابو يوسف: الهبة الشعبية ستتواصل حتى تصبح انتفاضة العودة والحرية والاستقلالبلدية خان يونس تتلف 59 طن مواد غذائية فاسدةد. حمدونة: الاحتلال يضاعف من اعتقالاته في أعقاب انتفاضة القدسفدا: بوحدتنا نقيم دولتنا الفلسطينية وعاصمتها القدسارتفاع في معدلات التحرش بالمجندات الإسرائيلياتالصفدي: حل الدولتين السبيل الوحيد لتحقيق السلام الشاملجامعة الإسراء تنظم مؤتمر علمي حول مناهضة التعذيب في فلسطينالمركز النسوي يفتتح أنشطة مشروع "دعم النساء إقتصادياً" بمخيم شعفاط
2017/12/12
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

التجارب التشكيلية العربية في الغرب وفكرة الانتماء بين إدراك المفهوم والتعبير عن الذات واستنطاق الرموز

التجارب التشكيلية العربية في الغرب وفكرة الانتماء بين إدراك المفهوم والتعبير عن الذات واستنطاق الرموز
تاريخ النشر : 2017-11-25
بشرى بن فاطمة

التجارب التشكيلية العربية في الغرب وفكرة الانتماء
بين إدراك المفهوم والتعبير عن الذات واستنطاق الرموز  

دخل الفن التشكيلي العربي في المرحلة المعاصرة مجالات تعبيرية جديدة تجاوزت الجغرافيا ولامست مستويات ابتكارية مختلفة في التشكيل والخلق والعرض والفكرة خصوصا تلك التي تبناها العرب الذي تحولوا من أوطانهم "شرقا" واستقروا بكل انتماءاتهم "غربا"، وهو ما خلق مفاهيم تعبيرية جديدة عن الفن من الصورة كحضور إلى الفكرة كتأويل سيميائي يحاكي الذات والهوية والإنسانية التي لم تنفصل عن انتمائهم وقضاياهم.
 حيث حملت التجارب صورة ذلك الانتماء بمعان متنوعة كما اعتمدت خامات دخيلة لتجريبها وتركيبها ودمجها مع العناصر الشرقية للمنجز ليتشكل مشبعا بالرؤية الثنائية ولعل هذا ما يطرح إشكاليات البحث عن تلك الصورة في علاقتها بالفكرة ودلالاتها وتأويلاتها لتتفاعل مع التعبير في التوازن البصري الجمالي وما يخلقه ويثيره في الإدراك الفني والنفسي لدى المتلقي، ولعلنا من خلال بعض التجارب سنسلط الضوء على فكرة الانتماء بين الادراك والفهم والرمز وقراءته وما يخلقه كل هذا من تجديد بنيوي شكلا ومضمونا على الفن العربي المعاصر خاصة حين يخلق تجربة مبنية على ازدواجية الانتماء وثنائية التعبير في ظل الجدليات والصدامات والتمييز بين عالمين.
إن الخصوصية الذاتية هي التي تطغى على كل تصور فني فكل فنان يعكس انتماءه في مواقفه، وذاتُه بدورها تعكس هويته بكل تفاصيلها وملامحها ورموزها تلك التي يقرأها المتلقي فيعرف مدى التأثير ومستوى التجديد الذي فرضته الجغرافيا حين تحولت الرؤى من الشرق إلى الغرب.
من هذا المنطلق نلاحظ تغيرات في البنية الخاصة باللوحة ذات الجذور الشرقية التي تظهر في المهجر وخصوصياتها المشبعة بالعلامات المنطلقة من الفن الغربي ولغته التي تتماهى مع الفكرة بأكثر مرونة وأريحية في التعبير الجريء عن التابوهات والممنوع سياسيا اجتماعيا دينيا وثقافيا ونبشها باختلاف تأثيرها الذي يظهر في اختلاف تفاصيل التعبير بين حضارتين.
 فالتعبير المفاهيمي والشكل الحداثي بالمادة والتجميع والصورة والفيديو والتجسيد والأداء وكل الرؤى المعاصرة وظفها ويوظفها التشكيليون المغتربون مع الفكرة التي تقودهم لإثبات حضورهم كذوات إنسانية بوعي تام ولاوعي جمالي متمرد على قوالب التعبير المسقط بعيدا عن التبعية للقيم والقواعد الجامدة   فيفرض نفسه على المنجز وكأنه ينفلت من عمق الفنان ليعبر بتمرد عن حالات التحوّل فلا ينفصل عن تلك العلامات الرمزية التي تعيده إليه ليكون في مجتمع مختلف يبحث فيه عن نفسه عن خصوصية الطرح في انبعاثات الحنين وذاكرة الأرض والحضارة والأسطورة وعوالم السرد الشرقية بكل ما تعنيه من خيال وحلم ووجع وقهر وخيبات وكبت، وهو ما يفرض أيضا درجات وعي تقترب بعلاماتها البصرية في ثقافة ومستوى الفهم عند الآخر الذي بدوره يعني هوية أخرى وهو ما أدركته التجارب العربية التي لامست العالمية والتي خلقت لها متلقي متذوق للاختلاف ومتفهم لمعانيه الإنسانية وذلك من خلال بصمة الذات والانتماء الأول وخصوصية الفكرة التي تبرز اطلاعا وتكونا ومعرفة وتحمل في عمقها مشاعر وانفعالات لا يمكن أن يتجاوزها الفنان وهو يسترجع أو يشاهد الواقع، كما في التجارب الفلسطينية أو العراقية واللبنانية والسورية وبالتالي فإن الفنانين المغتربين تأثروا بواقع الفن الغربي وتطوره ولم ينفصلوا عن الفكرة والواقع الشرقي الذي استفز داخلهم الرغبة في خلق الوعي ونبش جزئيات الحقيقة بجمالية خالية من التمويه.
وهنا بدا المزيج ابتكاريا خاصا جمع الفكرة في الصورة المتخيلة أو المسترجعة بتوافق الدلالة مع الرمز كما بدا في عدة تجارب نذكر من بينها تجربة التشكيلي اللبناني "علي حسون" الذي ساعده انتماؤه الأول على أن يقدم الفكرة في صورة الهوية فحمل رموز وطنه وثقافته الشرقية وروضها لتساكن الرؤية الغربية المعاصرة فجسّد مواقفه وأقلمها لتعبر عنه، في مجتمعات مختلفة الرؤى فقد عكس ذاته التي بدورها تنوعت وتشبعت من كل الثقافات التي صادفها وتعايش معها وعبّر عنها حاملا وطنه بعمق تناحراته السياسية ليعبر بأسلوب "البوب آرت" مبتكرا الرموز الشرقية من الزخرف والزينة والحرف العربي والمظهر إلى الموقف من السياسي الذي تصادم تاريخيا في فكرة الاستشراق حتى وصل إلى عمق التفاعلات بين الشرق والغرب فأسس له منهجا تعبيريا خاصا معاصرا استقاه من الواقع فنفذ نحو الخيال بجمالية، وهذا ما كون فكرته الفنية ببساطة عميقة الأسلوب مكنته من أن يخترق الملامح والوجوه في الفضاء الغربي ويلتقط صور الغرباء والمهاجرين ليخلق من الصورة الأولى صورا ثانية أضفت في الفضاء غرابة، وتتميز رموز حسون بتنوع المفهوم التعبيري بين الشرق والغرب فقد سخر الرؤى التشكيلية العربية والإسلامية مع الرؤى الكلاسيكية الغربية في الفن، فعمد إلى تلك الثنائية بدمج موحد لا بانفصال مغترب وذلك بتوظيف لا بإقصاء فامتلك التفاعل والاطر والقياسات الجمالية في الأسلوب الذي مزج الدلالات والمفاهيم.

 

*التشكيلي علي حسون
أما ليلى ونادية حطيط الأختان من أب لبناني وأم اسبانية فقد تمردتا بالفن على الموقف من السياسي ومن القضايا فقد عبرتا عن جانب مهم في العمق العربي في القضية الفلسطينية واللبنانية بكل تنوع انحداراتها الاجتماعية السياسية فقد عكستا الثقافة الشرقية في العالم الغربي، عاشتا بين لبنان واسبانيا لتتكون لديهما رؤية مزدوجة بلورت فهمهما للواقع من زاويتين مختلفتي الأيديولوجيا والعقلية والادراك والتأويل وتوازنات الفهم فعلاقتهما بالتوثيق وصناعة الأفلام ليست بمدى الكلاسيكي للفكرة فقد اختارتا مسارا بحثيا عن كل ما يهم سينما المهاجرين والتعريف بهذه الفئة في عالم يعاني فوبيا الأجانب والعرب والشرق فتبنيتا فكرة التعريف بقضايا الشرق وصورته الواقعية بأسلوب فني جمالي الأبعاد البصرية ومتعدد الوسائط يطرح فكرة الموطن والجذور والأرض والبحث عن الاستقرار بتقنيات أدائية تعتمد على النبش في الأحداث ومحاولة التوصل للعلاقة الإيجابية التي توضح صورة الشرقي في غير جغرافياته.
أما حسن المسعود وليلى كبة وهيمت علي فقد حملوا العراق رمزا طغى على ازدواجية المفهوم المعاصر للوطن فقد حمله المسعود حرفا وحملته كبة حنينا وميثيولوجيا وأسطورة حضارة وحمله هيمت علي طبيعة واندمج التعبير الفني لديهم على الفكرة الأصل وهي العراق بالانتماء والتنوع فالمسعود اختار المهجر كطموح معرفة امتد عمرا ليعبر بالحرف والخط العربي ويمتلك أسلوب الفن الكلاسيكي الغربي وهو ما قاده لابتكار أساليب خطية جديدة في بنية اللوحة الحروفية فأثر بحرفه الغارق في شرقيته كما تأثر بالذائقة الفنية الغربية بكل مدارسها التي مكنته من كشف العلامة اللامرئية في تشكيل اللوحة الخطية وبناء الحرف دون أن ينفصل عن خصوصية الخط العربي والزخرف الإسلامي.
 

*الخطاط حسن المسعود
 ليلى كبة تجربتها استحضرت العراق في الفكرة واللوحة والحنين والوطن والتاريخ والأسطورة فقد وظّفتها في منجزاتها لتبعث في اللوحة أنوثة أسطورية وانبعاثات سكنت حكايا العراق وواقعه بكل المرارة التي تجادلت وجعا مع الزمن فكل منجز ينطق بالعراق في تفاصيله الحاضرة والماضية.
 

*التشكيلية ليلى كبة
هيمت علي لم يتوقف في مكان واحد فقد حمل كل تنوع العالم وأضافه على بيئته ورموزه ومقارناته التي جمعها في الزهور التي كان يرى فيها مدينته وأرضه بعلامات رمزية وألوان ترابية.

 

*التشكيلي هيمت علي
أما تناول التجارب الفلسطينية في المهجر فالحديث عنها يتجاوز فكرة الاندماج والاقتباس والتماهي والابتكار إلى أبعد من ذلك ليطال المعنى في مفهوم "الوطن" بين الوطن البديل والوطن المشتهى بين المتاح والممنوع فماري توما، فائق عويس، سامية حلبي وليلى شوا، يختلف أسلوب التعبير عندهم وتتوحد الفكرة في تأويلاتها المتعدد التي تصب في الذات والهوية والوطن والانتماء الواجب والمفروض كخط نضالي تعريفي بالإنسان والوطن، فقد اختارت ماري توما المفاهيمية لتجسد أفكارها عن فلسطين كوطن مشتت متشعب الثنايا حملته تعبيراتها الرمزية فقد تبعت حركة الضوء بحثا عن منافذها من العتمة عندما علقت تلك الفساتين الضخمة في سقف وتدلت إلى الأرض بهشاشة الصورة وسوداوية المصير المتعب في ثناياه حتى تحاكي الزمن والواقع وتبحث عن مكان في المستقبل فهي تجرد العلامات لتفككها لتصل بها إلى علاقة الذات بالأرض إلى جدليات الازدواجية وفكرة فقدان البيت التي تجبر الفرد على البحث عن الاستقرار.
 

*التشكيلية ماري توما
 أما فائق عويس فلم يترك تفصيلا من تفاصيل الوطن إلا وتبناه في ملامح لوحته الحروفية أو في جدارياته التي ركز فيها على كل الثقافة الفلسطينية أدبا مع محمود درويش وفكرا وتاريخا مع ادوارد سعيد وطبيعة وأرضا وهوية وإنسانا مع فلسطين الأرض والمدن التي ظهرت في لوحاته الحروفية خطا وتطريزا بفكرة لمسة أمي.
 

*الفنان فائق عويس
بين الهنا والهناك اختلف التعبير عنده ونضج بتأقلمه مع الثقافة التي أعطته إضافة حيوية خدمت فنه. فالحضور في مجتمع يختلف عنه لغة تاريخا فرض عليه التماس بينهما بلاغة تواصل ورسالة مترجمة بجمالية تحتوي تنوع الإنسانية وتؤسس عنده ثلاثية الوطن بانعكاس الانتماء والاندماج.
 

*الفنان فائق عويس


سامية حلبي أيضا اسم يعكس تجربة نضجت في الغرب وأثرت بشكل عميق فقد خلقت لها مدرسة حاكت الأسلوب التجريدي في التعبير الفني كما حملت حكايتها وتاريخها ونضالها رمزا وتصميما وطبيعة وبحثا ودراسة، فهي لم تتوقف عن إدراج فلسطين في كل تفاصيل لوحاتها ولا عن الهم الفلسطيني الساكن فيها والذي حملته منذ طفولتها ذاكرة ممزوجة باللجوء والرحيل. 
فهي ترى أن فلسطين موجودة في أي مكان في العالم وفي كل أمكنة عملها وهو ما تسعى دوما لإرساله للمتلقّي في أعمالها المتجدّدة دوما بين الانطباعية والتّجريدية إلى إضفاء صفة الخصوصية والعطاء والطبيعة فهي لا تريد أن تدرج القضيّة الفلسطينيّة ولا الهمّ اليومي بشكل كلاسيكي نمطي بل تسعى إلى الانطلاق منه ثمّ تجديده والخروج به نحو العالميّة وعرض مواقفها للمتلقّي بشكل جمالي عميق "أنا فنانة سياسيّة وفني سياسي بطريقتي.."
لوحات حلبي تنطوي على إحساس بالتاريخ والزمن والإنسان والطبيعة ومستويات لا تنتهي تقرأ من زوايا متعدّدة تنطلق من أرضها الأم وتسافر معها بتحدّ بين وطن هجّرت منه وأوطان تعيش فيها أو تعبر عبرها مسكونة بوطنها مما يوسّع دائرة الوعي عندها ومصداقيّة وشرعيّة الأرض الوطن والحرية، فلوحاتها تطرح الخطوط والألوان في إيقاع متناسق ومتحرّك مرتكز على أدوات فنيّة تشكيلية معاصرة في تجليات التقنيات المعاصرة.
 

*التشكيلية سامية حلبي

وكذلك تجربة ليلى شوا التي أشبعت بفكرة الوطن ودمجتها كطريقة نضال ومقاومة ومطالبة بالحياة للإنسان فقد ساعدها اطلاعها على الفنون المعاصرة على تكوين صور جديدة وابتكار علامات مختلفة في التعبير والتجميع والتصوير والبحث فقد حملتها إلى الآخر بتفاصيلها وعبرت من خلالها عن قضيتها فهي لم تنفصل عن أرضها بل بقيت على نفس انتمائها رغم تغير الجغرافيا التي لم تأثر فيها بل أثرت هي عليها ولم تختلف ولم تتصادم معها بقدر ما وظفتها لتصدح بفكرتها الجمالية في التعبير عن وطنها وجذورها وانتمائها جماليا.
 

*التشكيلية ليلى شوا
أما السوري المقيم في النمسا ثائر معروف الذي هاجر من لبنان حاملا هم وطنه سورية بكل انفعالاته المتمردة بموقفه من الصمت والتخريب والسياسة فقد تبنى الانسان السوري بكل تفاصيله التي تعني الحنين والمحبة والاقتلاع واللجوء والتهجير والظلم والتهميش والانقسام بأسلوب مفاهيمي معاصر عبر بجمالية متطرفة وتناقضات لا تعتبر الفن للزينة فحسب بقدر ما هو نقل للذات والاحساس بالآخر وبآلامه ومعاناته بكل ما أوتي من ذاكرة وحنين وانفعالات وصخب.
 

*التشكيلي ثائر معروف
لا تتوقف التجارب المزدوجة فنيا بل هي انعكاس انفتاح على العالم ككل ورغبة في الاندماج من خلال الحفاظ على تلك الخصوصية التي تضمن الانتماء وتعبر عنه في علاماته البصرية الرمزية وتتداخل معه بتطرف التعبير وهدوء جمالي يتسامى بالتأويلات فكل تجربة حملت الأرض والتراب والقضية والانسان وغرقت في تفاصيل الواقع وتبنت مواقفها بجرأة طرح استطاع أن يفرض وجوده وأن يتواصل مع علامته الرمزية التي اندمجت مع تأويلاته وفتحت منافذ الادراك وخلقت التجديد الفني الذي لم يتفسخ عن أسسه بل طوّرها وتطور معها.


*الأعمال المرفقة:
متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية
Farhat Art Museum Collections
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف