الأخبار
2017/11/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

ماتوا وما زالوا عبق الأصالة..بقلم أحمد صبحي النبعوني

تاريخ النشر : 2017-11-11
ماتوا وما زالوا عبق الأصالة..بقلم أحمد صبحي النبعوني
خرجوا من الزمان والمكان ، كيف لنا إذا فك وثاق البوح الثقيل الجاسم على صدورنا ... عرفتها منذ كنت في ريعان الشباب في بلدتي الصغيرة عامودا النائمة في حضن برية ماردين كطفلة مدللة ، أم إلياس .. المرأة العجوز في بيت طيني كبير يتوسط البلدة .وفيه دكان صغير لبيع المشروبات الروحية ، الضروري جدا لساعات الفراغ الطويلة في مكان يخلو من العمل طيلة العام سوى في مواسم حصاد سنابل القمح يدب النشاط فيه ما بين الجماهير المنتظرة طيلة فصل الشتاء ونظراتها معلقة في السماء تراقب الغيمات وتسأل ... هل ستمطر أم لا .. ! طاق .. طاق .. طاق ... يا سعيد أفتح لنا الدكان .. لكن سعيد يبدو أنه نائم في البيت أو أنه قد خرج لمكان ما مع رفاقه ... طاق .. طاق .. طاق أفتح يا سعيد ... لا أحد يرد ...! عندما نتأكد أنه لن يفتح الدكان في وقت متأخر من الليل ... ورؤوسنا الفارغة ما زالت في حاجة إلى بعض كؤوس العرق ( البطة البيضاء ) حتى تنتشي وتفرغ مافي جبعبتها من كل الكلام المحبوس داخلنا ولا يخرج من أفواهنا وصدورنا مع جماعة الاصدقاء سوى بسحر خمرة سعيد .. عقد نفسية ومعاناة شباب عاطل عن العمل يحمل في جيوبه أحلاما ميتة حتى قبل ولادتها ... نذهب إلى الشارع الأخر بالزاوية ... حيث كان منزل سعيد كان على شارعين ..نطرق باب منزله هذه المرة .. طاق .. طاق .. أفتح ياسعيد .. في الطبع سعيد يعيش وحيدا وعازبا مع والدته أم إلياس السيدة العجوز التي تعرف معظم الأباء والأمهات في البلدة لذلك كنا نسميها الخالة أو العمة .. ولا نشعر بالحرج من طرق الباب في وقت متأخر من الليل .. من نبرة صوتنا كانت تعرفنا وتقول أنت فلان أبن فلان وأمك فلانة .. سيدة من طراز النساء الوفيات المخلصات اللواتي يحفظنا الود وقيمة المكان والأصالة مهما أشتدت رياح التغيير أوأختلفت الأمزجة.. تبقى محافظة على قدسية ذكريات البيت الذي أنجبت فيه كل أولادها حتى وأن هاجر الجميع إلى أوربا وأمريكا ولم يتبقى معها سوى ولدها سعيد ... سعيد يخرج لنا والنعاس يغالب جفنيه ... من النافذة.. نمد له يدنا بالنقود أن وجدت وإذا لم توجد فسوف يسجلها في دفتر الديون الشهرية أو السنوية أو ربما تضيع وينساها سعيد ...! لكن معظم الزبائن لا ينسون دين سعيد .. ربما لعلاقتهم الجيدة بسعيد أو ربما لحاجتهم الدائمة له في وقت متأخر من الليل .. لذا الجميع كان يحافظ على شعرة معاوية في معاملاتهم التجارية معه وسط بلدة صغيرة لا يستطيع أحد أن يخل في سلوكه أوأخلاقه ... توفيت اليوم أم إلياس ... سمعت النبأ وأنا بعيد عن الوطن ألاف الأميال وأخر مرة شاهدت فيها أم الياس ربما منذ عشرين عاما .. لكن ذكرى الناس الطيبين لا يمحوها زمان ولا مكان .. رحمك الله يا أم ألياس .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف