الأخبار
2017/11/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

صلاح الحمداني: الشاعر ليس "عرضحالجي"

صلاح الحمداني: الشاعر ليس "عرضحالجي"
تاريخ النشر : 2017-10-21
حورا مع الاديب المغترب صلاح الحمداني: الشاعر ليس "عرضحالجي

حاوره :عمر الصالح

أتقن حروف شعره وهو في  احدى  زنازين النظام السابق بسبب آرائه  المناهضة وتعلقه بفلسفة وسيرة الفيلسوف والكاتب الفرنسي "البيير كامو"، هجر وطنه منذ عام 1975م مقيما في دار الثورة  الفرنسية، إنه الشاعر  والكاتب والمسرحي صلاح الحمداني الذي ولد في بغداد 1951م، درس  المسرح في باريس، له مشاركات عدة الأدب والفن، وفي فعاليات مَسرحية وسينمائية وتلفزيونية، جسد  عددا من  الأدوار في  دور السينما والمسرح  الفرنسية، اخرج  للمسرح  قسما  من  نصوصه  واخرى من أشعار يانيس ريتسوس.
 
صدر له أكثر من أربعين عملاً أدبياً موزعاً بين (الرواية، الشعر، القصة والسرد) باللّغة العربية وأخرى مكتوبة باللّغة الفرنسية أو مترجمة إليها، واختيرت قصائده إلى عدد من الأنطولوجيات الشعرية الفرنسية والعربية والدولية، كما له كذلك عددا من الكتب الفنية نشرت مع رسامين وفوتوغرافيين فرنسيين وعراقيين.
 
وفي عام 2008 أخرجت "إمانويل لاغرانج " فيلما وثائقيا عنه، حمل عنوان "بغداد باريس، سيرة شاعر". وصدر له عام 2015 أسطوانة موسيقية شعرية، حملت عنوان "لا تفكر في بغداد" مع الملحن والعازف الموسيقي الفرنسي "أرنو ديلبو"،:إضافة الى تلحين وأداء العديد من قصائده الفرنسية والعربية من قبل ملحنين وموسيقيين مثل "هيرفي مارتن"، "برونو جيرار"، "كاميليا جبران"، "رولا صفار" "أرنو دولبو" و"لوسيان ديشان وغيرهم. عن هذا وكله كان لنا معه هذا الحوار:
 
*ماهو الجيل الذي ينتمي إليه الشاعر صلاح الحمداني؟ ولمن كان الفضل في بداياته؟
لم أتأثر بشاعر لا عربي ولا عراقي ناهيك الأجنبي، لكن هذا لا يعني قطعاً أني لا أهتم بقيمتهم ورسالتهم الشعرية.. أنا بعيد كل البعد عن مفهوم الأجيال، ولم أشعر يوماً بأني أنتمي إلى جيل ما، وحقيقة الأمر لم أشعر بالحاجة لذلك، أول من أثر في سيرة حياتي الفكرية الفيلسوف الروائي "البيير كامو"، وبسبب اطلاعي على مؤلفاته المترجمة إلى العربية في مقاهي بغداد جئت إلى فرنسا، يبقى عندي الشعراء محمد الماغوط وأدونيس ومظفر النواب أهم الشعراء العرب المعاصرين دون استثناء.. قرأت الماغوط في بداية شبابي في بغداد وتعرفت على كتابات أدونيس ومظفر النواب في منفاي. أما الشعراء الفرنسيين فهناك أكثر من ثلاثة... وفيما يخص الشعراء العراقيين، لنأخذ نموذج المعروفين منهم، حسب رأيي بقوا يراوحون في مكانهم، رؤيتهم الشعرية محلية عراقية بحتة، لم يطوروا أدواتهم اللغوية، لم يضيفوا شيئاً يذكر على الرغم من معايشتهم للغات وثقافات ومجتمعات أجنبيةٍ، على عكس شعراء المغرب العربي والأفريقي وشعراء أمريكا اللاتينية.
 
*ما الذي يؤمن به الشاعر صلاح الحمداني وهو في عالم أكثر فوضى وصراع؟
ليس هناك قضايا مصيرية أكثر أهمية من الإنسان.. وكي تكون أفكارنا واضحة  للاهتمام بالإنسان علينا عدم التردد بأخذ المواقف الشجاعة في الوقت الأكثر نضوجاً وعدم التخلي عن مبادئنا الإنسانية.
 
*من أين يكتسب الشاعر المغترب شرعية النص؟ هل للاحداث دور في كتابة نصوصه؟
عندما يدرك الشاعر أنه من دون الالتزام بمثلٍ إنسانية عليا، ستكون سماء البشرية دوماً متجهمة ! وأن ليس من مصلحة السلام أن يكون شعره محايداً وتوفيقياً، بل بالضرورة أن يعادي طرفاً ويقف مع آخر.
الشاعر حارس للنور، والبشرية ملكه الوحيد ولذلك عليه حراستها وحمايتها من الظلاميين، وكل ما يقع تحت نظره، هو ملك له رمزياً وفكرياً.. تجده أول المضحين، ومن أوائل المناهضين للحروب والدمار والطغاة، هو إنساني بطبعه، يحترم الضعيف ويناضل من أجل العدالة والمساواة بين الناس، يكره الطائفية وينتفض يومياً ضدها، لا ينتقص من المؤمن ولا يهزأ من العلماني ويدافع عن الملحد.. الشاعر هو الحارس الأكثر نبلاً لحماية العدالة الاجتماعية والحضارة والثقافة والسلام بين البشر. ومن دون ذلك عليه أن يطرح الكثير من الأسئلة المعقدة عن الخالق والوجود والموت والبشر والإجابة عليها بنفسه من دون سواه.. على الشاعر أن يعشق السلام أكثر مما يحب قتلة السلام الموت! من هنا يكتسب الشاعر شرعية نصه، هذا يعتمد على ثقافة وإدراك الشاعر ذاته، وعمق التزامه بمبادئ وقيم الحياة.. بطبيعة الحال للأحداث دور فعال في شحن مشاعر الشاعر.. هناك شعراء يخلقون الإحداث، وآخرون يلهثون وراءه، فإذا كان الشاعر من يخلق الحدث تجده في وسط دوامة هذا الحدث، يتفاعل معه ويتصادم، وإذا كان عكس ذلك، يريد الاستفادة من أحداث أوجدها الآخرون فسيبقى ذيلا ومتطفلا حتى لو أعطوه أوسمة الدنيا كلها.. الشاعر الذي يهمه الوجود، وقريب من تطلعات الناس في الحياة الكريمة، تجده لا يتأمل من نافذة تطل إلى ناس محجوزين في قارب تستفحل به العواصف، ويكتب قصائد إنشائية "رومانتيكية" عن ما يرى، لا أبداً، بل تجده في ذلك القارب، برفقة الناس وسط العاصفة.. الشاعر ليس "عرضحالجي"، يكتب رسائل للناس ثم يروح يأكل لفة كباب.. هناك الكثير من الشعراء يتحدثون ويخطبون بالأحداث اليومية، يصطنعوها على هواهم وحسب مكاسبهم النفعية الشخصية، ثم يقطعونها، ويلصقونها من جديد، ثم يدورون حولها ثم يدفنونها وبعدها ينفخون فيها الحياة الخ... هؤلاء لا علاقة لهم بالشعر الذي أتحدث عنه، أتحدث عن مبدعي اللغة والأحداث، عن الشاعر والكاتب الذي يهز كيانك وينمي فيك الفضول الأدبي ويحثك على القراءة وأيضاً على الكتابة، يجعلك تشعر بالهواء وهو يلفح وجهك، وبحاجة الآخر تهز مشاعرك، أتحدث عن نصوص تجعلك فعلاً تختار طريقاً آخر لحياتك ولوجودك ولعلاقاتك الاجتماعية والثقافية، نصوص لا تتلاعب بمشاعرك من خلال ترتيب جمل على شكل أنغام منسقة لطقوس دينية، هدفها فقط أن تبكيك وتجعلك ضعيفاً بمواجهة قدرك في الحياة، أتحدث عن نصوص شعرية تجعلك تثور على التخلف والجهل الذي يريدون أن يطمسوك فيه لتتحول إلى عبد مستعبد وليس أدمي. إذاً نعم، للأحداث دور في كتابة النص، لكن على من يكتب هذا النص أن يكون حكيماً، متطلعاً، وواعياً لما يدور حوله، منتبهاً ونبيهاً إلى فكرة: إن كل من يملك شعوراً وأحاسيس إنسانية في هذا الكون يستطيع كتابة الشعر، لكن هناك شرط وجداني عليه أن يفهمه، أن الكتابة مسؤولية أخلاقية ومبدئية وفكرية وجمالية.. ومن دون ذلك فهي ليس أدباً، وإنما إنشائيات وإرهاصات وهواء فارغ، ليس إلا.
 
*ما الذي يصطحبه الشاعر المغترب في غربته؟ ما الأحاسيس التي ترافقه في مسيرته؟
التحديات.. هذا زاده وثروته، تصطحبه "التحديات".. وأبرزها الصدمة الثقافية، ومعضلة التأقلم، والمشاعر السلبية، والقلق.. الشاعر المنفي مثلي يبقى طوال عمره يجرّ خلفه قافلة من الناس والأمكنة، سماواته الأولى، الأهل، الأم، وقرى ومحلات ووجوه ناس وأمواتاً وأمطاراً وحالوب وروائح أسواق وعباءات وضجيج شوارع وأزقة ومؤذنين وسجوناً ومقابر.. المنفي مثلي يجرّ خلفه وادي الرافدين بأكمله، يجرّ العراق بأسماله وحروبه وقتلته وعشاقه وانتصاراته وهزائمه.
ومنذ مجيئي إلى فرنسا عام 1975 هارباً من بطش الدكتاتورية البائدة، أدركت أني سأنشأ لأكون مواطناً ذا ثقافتين.
أجزم أنه ليس كل شاعر مغترب بالضرورة غريباً! هناك شعراء مغتربون جاءوا لجمع المال والجاه وهم تجار شعر برجوازي مقرف، شعرهم تلاعب بالكلمات واللغة لإبهار القارئ، حياة هؤلاء وكتاباتهم لا تهمني قطعاً.. ما يهمني الشاعر المغترب الذي ترك بلده لأنه مشبع بأحلام وأمانٍ لتغيير العالم نحو الأفضل. والفرق بين هذا وذاك واضح كما أعتقد.
الشاعر الكوني يبقى قلقا أيّا كانت جنسيته وإقامته، لكن بعض هؤلاء يتحول إلى ضحية ذكرياته وإلى نوع من أنواع الحنين الخائب، أنا رجل أرفض الباطل وأناضل من أجل العدالة الإنسانية، حواري مع المكان الذي نشأت وترعرعت بأتربته وطينته ليس من جانب الحنين الأحمق "نوستالجيا" حمقاء، أو "رومانسية خائبة"، جدلية الذاكرة والمخيلة هما ما يجعلنا أكثر أدمية في منفاي من سواي.
تعلمت وكتبت الشعر عن مأساة طفولتي ووجودي، أستلهم ولا زلت ما تبقى في ذاكرتي من وجوه ناس بغداد وأسواقها وقيظها وأوساخها وبائعيها المتجولين في أزقتها، لياليها وأنذالها أيضاً، لا أنسى مبردات صالونات البرجوازيين، التي ترهب الفقراء وتجعلهم لا يجرؤن التقرب منها، كما كنت أنا في طفولتي التي لم تعرف الابتسامة.
 
*الإتباع أو الشيوع الذي يتبعه شعراء الاغتراب؟ ما القضايا المنبثقة عن شعرهم؟
 أعتقد أن سؤالك هذا يوجه إلى الباحثين والأكاديميين والنقاد المتميزين بعلم الاجتماع ولا يوجه إلى الشعراء، ناهيك عن أنني ليس عالم اجتماعي، لأن مصطلح "الاغتراب" له علاقة بالسلوك الاجتماعي وليس بالشعر. أما فيما إذا كنت تقصد الشعراء "المغتربين"، فأقول لك أن غالبية إبداعات وقصائد وكتابات شعراء المنافي والهجرة تدور حول الانتماء واللانتماء والهوية، والمكان والحنين والذكريات والتمرد.
 
*ماذا تمثل لك الثقافة الفرنسية من هواجس أدبية وثقافية؟
 قبل الحديث عني وعن ما تمثله الثقافة الفرنسية لي، أريد أن جلب انتباهك إلى موضع غاية في الأهمية فيما يخص الثقافة الفرنسية وعلى الجميع الانتباه إليه عندما نتطرق لهذه الثقافة. هناك مفهوم متداول في فرنسا وفي العالم حول "الاستثناء الثقافي الفرنسي"، وهذا الاستثناء من مقومات الهوية الفرنسية الفكرية والاجتماعية والأدبية، وهذا الاستثناء موجود أيضاً حين نقارن الثقافة الفرنسية بجاراتها في الدول الصناعية والحضارية.
وجوابي على سؤالك، الثقافة الفرنسية جعلتني أتعرف على ذاتي عن كثب، وجعلتني أدرك إني سيد نفسي. وأني المسؤول الأول والأخير عن حياتي ودنياي ونهايتي. وأن الإبداع والكتابة والفن مسؤولية إن لم تكن أخلاقية فهي حتما جمالية، ويفضل أن يجتمع الاثنان معاً، جعلتني أتطرق إلى الممنوعات بحرية تامة، وأن أبحث دوماً عن أسلوب يختزل منظوراً مغايراً للعالم في شكله كما في جوهره. باختصار شديد: الثقافة الفرنسية جعلتني أسترجع كرامتي المفقودة رجلاً عراقياً وعربياً، ومنحتني الجرأة والتعبير عن مفرداتي ولغتي الخاصة بيّ، وأن أعيش بطمأنينة بانتظار الموت.
جعلتني أدرك عبثية الوجود وأحول المنفى والغربة إلى حالة نزيف إبداعية لا تتوقف، وأن أبدِّل الحنين والذكريات بالذاكرة، كونها أكثر فاعلية، ومن خلالها يتحاور البشر لمعرفة بعضهم البعض، في حين أن الحنين والذكريات لا تتعدى كونها سوى "ألبومات صور". فرنسا علمتني أن أرفض الحروب، وأحطم الجدران التي زرعتها التقاليد العربية البالية في داخلي، وأن أهادنَ العدو على أسس المصالح الإنسانية المشتركة في الحياة. علماً أنني لستُ بالضرورة مثالاً يقتدى به.
الثقافة الفرنسية ساعدتني أيضا على الإفلات من جحر العقلية العقائدية للمفهوم القوماني الفاشي العربي وقضاياه، وقوت عودي، وجعلني أتمرد على العبودية وعلى من يريد مني أن أكون بضاعة لأمة، وحطبا لحروب ولقضايا لم أخترها بنفسي، وإنما ألبسني إياها من يريدون أن أدافع عن حياتهم وحياة أهلهم وأولادهم وعن حريتهم وقصورهم ومعتقداتهم وحروبهم وممتلكاتهم وأديانهم، بينما يتركونني أعيش في الحضيض والفقر والتخلف. الثقافة الفرنسية جعلتني أجني مكوناتي بنفسي، دفعتني إلى أن أعشق الوجود وحب البشر والاحتجاج والتمرد واحتضان الحرية وتقبيلها من لسانها دون خجل ولا ريبة.
ولأن سيرة حياتي لم تكن طبيعية فإنني أكثر قلقاً، لهذا تبدو قصائدي وكتاباتي صعبة المنال.. أنا مدين لفرنسا وثقافتها بكثير من الأشياء لأن هذا البلد أعاد لي ثقافتي العربية والعراقية ومهد رسغها الإنساني وليس الظلامي المتخلف، وشجعني على متابعتها والكتابة بلغتها، إلا أنني لم أنشر كثيراً بالعربية، فالثقافة العربية غارقة في التسليع. الثقافة الفرنسية جعلتني أدرك قيمة وجودي وما أكتبه، لذلك تجدني أرفض نشر ما أكتبه على حسابي الخاص، كما يفعل الكثير من الشعراء والكتاب العرب، الثقافة الفرنسية جعلتني أتلمس يومياً مرض الثقافة العربية، وأنها لا تملك مشروعاً ثقافياً ولا فكرياً، وكتابها ومبدعوها محكومون بهذا الأمر، لكنه لا يعني اليأس، لأننا محكومون أيضاً بـ "سيزيف" الذي لم يصل إلى حل، لم يصل بالصخرة إلى القمة ولم يستقرَّ بها في القاع، غير أنه صار سعيداً بأنه يكرر المحاولة، صار سعيداً بالتجربة وليس بالنتيجة، سعيداً لأنه أدرك ذاته وفهم ما عليه فعله بالوجود، لذلك أسمِّي نفسي: سيزيف السعيد.. وأنا "أنكيدو" السعيد أيضاً، أنكيدو الذي أنقذ جلجامش من طغيانه وجبروته، أنا خرجت من ضلع الثقافة العراقية، ضلعها المتروك، المجهول، المهمل، نعم، لكن هذا الضلع وبفضل الثقافة الفرنسية هو اليوم يحاور الكون بلسانه العراقي.
 
*بغداد لوعتي ،المواسم البرية التي أورقت على ضفاف صباحاتنا، ما الولع الذي تعيشه في غربتك؟ ماذا تمثل لك وجهة بغداد الخالدة؟
 فكرة اليتم والاغتراب دون ديكتاتورية، حالة عبثية وغرائبية بدأت أعيش تفاصيلها بعد انهيار النظام البائد، واحتلال بغداد.. ماذا سأفعل بعد موت الديكتاتور، وبعد هزيمة طغيان البعث؟ ماذا سأفعل بتاريخي النضالي، ماذا سأفعل بمنفاي وحدي؟ ومن الذي سينتصر لأربعين عاماً قضيتها في تحدي جبروت طاغ لم يفلت من قسوته حتى الرضيع. أعرف أن المنفى باق وسيتمدد!، سؤال كابوسي، فأي مصير مجهول ينتظر العراقيين ومن يحاربون الآن؟ الضحية التي كنت أدافع عنها وجاءت واستولت على السلطة تحولت بدورها إلى طاغية، كابوس مرعب؟ لا ؟ ذهبت الأسباب وجاءت أخرى.. أنا الذي كنت مناهضاً للدكتاتورية والحرب على العراق وضد الاحتلال أطالب اليوم بوضع العراق تحت الوصايا والحماية الدولية من أجل الحفاظ وستر ما تبقى من بكارة وادي الرافدين: من أجل الحفاظ على ثروات الشعب العراقي وعلى ما تبقى من ثقافته وحضارته..
 
ذات يوم ستنتهي الحرب
ويعود المنفيون
ستكثر الحكايات
وتقام الولائم
سيكذب البعض
ويبالغ البعض الأخر
أما أنت
ستعلق ذاكرتك فوق مشجب الأيام
تسترق السمع
فيك العراق يحيا
وفيك العراق يموت
لا زائر يعرفك، لا مار، لا فصول
وحيد تتطلع فيك الوجوه.
 
لا أحد يضحي من أجل العراق وبغداد ويمنح أهلها وأبناءها الطمأنينة سوى هؤلاء متعطشي الحريات الذين كانوا متكئين يوماً على المشروع الديمقراطي وإنهاء الحروب والاقتتال وبناء الوطن، والذي لمع قليلاً في بداية سقوط الدكتاتورية، لكنه سرعان ما خذلهم وأهدى الحالمين مثلي منفىً طويلاً سأدفن فيه، وكأن احتمالات سقوط الديكتاتوريات أثبتت فعلياً وعملياً أن كل هذا لا يعني بالضرورة إمكانية انتهاء المنافي، وهو واضح في مجمل ما أكتبه.
 
كل هذا يتزامن مع أحداث جسام من قبيل فقدان الموصل واسترجاعها، مع تغيير ديمغرافي عميق يفتح هوة على قضية الأماكن التي لم تعد موجودة الآن، على الأقل في مخيلة العراقي نفسه، فالمتطرفون يسطرون ذاكرة أخرى أكثر إيلاما ستولد شعورا جمعيا سيشترك فيه العراقيون ليحولوه إلى ألم إبداعي، أسميه "الألم العبقري": فعلا، عندها سيكون للمنفى معنى، ساعة ترديد كلمات نفهمها، وحين ينشد الجميع بلا دفوف وتهريج، لعراق جريح لم يستسلم للغرباء والأوغاد والقتلة.
 
*خُلِقَت المرأة كي نحبها.. لا لنفهمها!، أي المراتب تحتل المرأة في قصائدك؟ هل أصابك شيء من عشق الروح الفرنسية؟
المقولة مكتوبة باللغة الفرنسية، ترجمتها تقول: "وجدت النساء كي نحبهن، لا لكي نفهمهن"، مقولة مشهورة للكاتب الايرلندي "أوسكار وايلد"، تلاحظ أنه يتحدث بلغة الجمع وليس المفرد، بطبيعة الحال أنا لا أتفق مع ما جاء بهذه المقولة، وأعتبرها جاءت على لسان شخصية جائعة جنسيا، متغطرسة برجولتها بحيث تعُدُّ المرأة كائناً لا يفكر، وأنه ليس أكثر من جسد للاستهلاك الجنسي، ولا يستحق أكثر من ذلك.
 
قبل أن أودع بغداد لم يكن هناك وجود للمرأة لا في كتاباتي ولا كعشيقة، لم أكن أعرف الحب آنذاك، أقصد الحب بين "الرجل والمرأة"، لم يكن عندي وقت لذلك كما يبدو من سيرتي.. اكتشفت وعرفت الحب "الحقيقي" المخلص، وليس المزيف، وذلك بعد سنين طويلة من تواجدي في باريس، وذلك عندما تعرفت عام 1996 على رفيقة حياتي الشاعرة الفوتوغرافية الفرنسية "إيزابيل لآني". ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تجد الكثير من قصائدي تتحدث عن الحب، وعلاقة هذا الحب بالمنفى وبالذاكرة والحرية.. "إيزابيل لآني" ليست حبيبة فقط، فهي امرأة مفكرة، مثقفة وإنسانية، تحب الناس كما أحبهم، وتحب العراق كما أحبه على الرغم أنها لا تعرفه كما أعرفه، تعشق أسطورة جلجامش، وتاريخ بابل وتحبني... تصور هذه المرأة التي لا تعرف اللغة العربية، ترجمت معي أكثر من عشرة مجموعات شعرية، وثلاث كتب روائية سردية مع قصص قصيرة، وعدة ترجمات لشعراء عرب وعراقيين في المنفى، أهمهم الشاعر السوري المنفي عمر يوسف سليمان.. "إيزابيل لآني" هي قارئتي الأولى عندما أكتب باللغة الفرنسية، امرأة احتوتني واحتوت مؤلفاتي العربية والفرنسية. وفي العام الماضي 2016 ألفنا كتابا شعريا مشتركا باللغة الفرنسية حمل عنوان "عشاق عكس النور" وهو حوار شعري بيننا، صدر عن دار نشر "لو نوفل أتانور"، في باريس.
 
*ماذا تكتب في دفترك الذي تحمله في المنفى؟ ما الأغلى في صفحاتك المسافرة؟
 يكفي أن أنظر الأشياء لكي أمتلكها، كل ما يقع عليه بصري يصبح جزءا مني، لذلك حينما أعيش حدث ما، مهما كان بسيطاً، فأنا أعيشه بكامل طاقتي وأكثر، ولا يهمني الفشل.. لأني مهووس بخلق الحدث، حتى لغوياً.. الرتابة اليومية قاتلة ومملة ولهذا أريد دوما تغييريها، وأن أزرع فيها الدهشة والحيوية، وكأني بهذا أريد تغيير ما أراه وما أعيشه.. ربما أنا الحدث، الكون، أو الكون ملكي.
كل ما أكتبه لا يثمن، لا يباع، لا يؤجر وليس للمزاد، لأنه ببساطة ذاكرتي..
 
ولهذا، أنا أكتب أفكاري كي تصل إلى الآخر، الغريب، المجهول، المختلف، أكتب لأني بحاجة إلى البشر، رغم شكوكي بإنسانيتهم، أكتب ما علمتني الحياة، أزور نفسي عندما لا يزورني أحد، وعندما لا أجد رفيقاً ينتظرني، حبيباً، لعنة، وطناً، تراني أنشد الحرية للجميع، ثم أرسو مثل قارب شراعي على ضفاف روحي كي أحاور البجع، أكتب المنفى والافتراضات، أكتب الأحلام الصغيرة التي لا تُرى بالعين المجردة، وعن الأشياء البسيطة، عن الحثيات وعن النخيل الذي يغفو في أذيال الورق.. أكتب عن السأم والملل، عن القتلة والأوغاد، وسأبقى أعشق بغداد على الرغم من نسيانها وتنكر أهلها لي.
كنت أظن كما الكثير من الشعراء والمفكرين، أنني سأتمكن ومن خلال قلمي، بقلب الأشياء على بعضها البعض، وسأخلق أشياء جديدة، وتغيير العالم والبشر نحو الأفضل، وبوضع الصرائف في الحقول، وجلب زخات المطر إلى الأرض الظمأى، ووقف الحروب والإصلاح بين المتقاتلين، أسعد الأطفال وأحيي الأموات، وأنشر الفرح في البيوت المهدمة، وأجر الغسق من أذنيه وأحشره في زنزانات المظلومين ! لكن مع مرور الزمن، وعندما بلغت الستين من عمري اكتشفت بأني نسيت أن أهتم بنفسي، أن أتعرف عليها، على بعض جوانبها التي أجهلها، فبدأ العد العكسي لوجودي، وفهمت أن حاجتي اليوم هي السير مع الكون والعالم كتفاً بكتف، وعلى قدم وساق، أغير بهما كلما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وأصفع وجهي كلما تطلبت الحاجة لذلك.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف