الأخبار
2017/10/24
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الهجرة النبوية المباركة : نصر وفتح بقلم: سيد سليم

تاريخ النشر : 2017-09-21
الهجرة النبوية المباركة : نصر وفتح بقلم: سيد سليم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمداً يليق بجماله وجلاله والصلاة والسلام على سيد الخلق ورحمة الله للعالمين سيدنا محمد اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه وآلهم وصحبهم أجمعين. وبعد
فإن الهجرة النبوية المباركة من أهم أحداث التاريخ ، بل أن التاريخ الإسلامي تم عن طريقها ، وبدأ منها ، وهي نصر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبالتالي نصر لأصحابه رضوان الله عليهم كما أنها نصر لدين الإسلام ولقد سمَّى الله تبارك وتعالى ـ في كتابه العزيز ـ الهجرة نصراً فقال جل شأنه مذكرا المؤمنين ومحفزاً لهم على الجهاد لنصرة دينه : { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } ( 40 : التوبة ) كما أنها كانت مقدمةً للانتصارات العظيمة في غزوة بدر الفرقان وغيرها من معارك الإيمان .والنصر الواضح للجميع من حدث الهجرة أن الله نجى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من مكر الماكرين وكيد الكائدين ونقل إليه ما دار بينهم في المؤامرة الكبرى للتخلص منه ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ يقول الله عز وجل : { وإذ يمكر بك الذين كفروا لُيثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } ( 30 ـ الأنفال )
كما أيده ونصره ـ سبحانه وتعالى ـ حيث نجاه ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ وصاحبه الصديق ـ رضي الله عنه ـ في غار ثور ، وفي طريق الهجرة إلى أن وصل الركب المبارك إلى دار الإيمان ( المدينة المنورة ) ؛ ليضع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اللبنات الأولى لبناء الدولة الإسلامية والمجتمع الإيماني .
ولقد أيد الله ـ تبارك وتعالى حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : { فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى كلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم }
نعم أيده سبحانه وتعالى بكثرة من الجند منهم المؤمن ومنهم الكافر ، ومنهم العاقل ومنهم غير العاقل
أيده بصاحبه الصديق وأسرته ومولى الصديق عامر بن فهيرة، كما أيده بعبد الله بن أريقط ـ وكان كافراً ـ وكذلك أيده بسراقة بن مالك حين رد عنه كل طلب بعد فشله في الظفر بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بعد أن رأى معجزة الله وتأييد الله لخير خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ رغم أن سراقة وقتها كان على دين قومه ـ وأسلم بعد وحسن إسلامه كما أيده بجنود غير عاقلة ـ في نظرنا ـ أي غير بشرية ـ منها العنكبوت والحمامتان الوحشيتان وما أجمل ما قاله أحد الشعراء في وصف العنكبوت والحمام على الغار عندما وصفها بأنها تعقل مهامها وتعي وتعرف ماذا تصنع فقال :
وخافت عليك العنكبوت من العِدا = فحاكت بباب الغار مكراً بهم سترا
ووافتها في الذب عنك حمائم = أتين سراعاً فابتنين به وكرا
فلما أتى الكفار طرن خديعةً = فحيا الحيا تلك الخديعة والمكرا
وهناك في أرض الأمن والإيمان والسلام بدأ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تأسيس الدولة الكبرى بالقضاء على كل عوامل العنصرية والعصبية وجعل المؤمنين جبهة واحدة حين أصلح بين الأوس والخزرج وجعلهم فريقاً واحدا سماه اسماً خارجاً عن نطاق العصبية إلا لله عز وجل سماهم ( الأنصار ) نصرة لدين الله تبارك وتعالى كما آخي بينهم وبين المهاجرين ـ رضوان الله على الجميع ـ كما عقد عهوداً وصلحاً بين جميع أهل المدينة المنورة خانها اليهود ـ كعادتهم ـ فيما بعد فنالوا جزاءهم .
صنع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كل ذلك كمقدمة للنصر والفتح فكانت الهجرة المباركة بهذه المعاني السامية فتحاً ونصراً .
قال عبد الله بن سلام ( يهودي حسن إسلامه ) : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، فجئت في الناس لأنظر إليه ، فلما رأيت وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ؛ إذا وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول ما سمعته يتكلم به" أيها الناس افشوا السلام وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام " .
والناظر في هذه الكلمات النورانية يجد أنها قد رسمت الطريق لبناء مجتمع متكامل يؤسس لدولة عظمى في تلك البقعة الجديدة من أرض الإسلام ( المدينة المنورة ) باركها الله وبارك من بها ومن حولها
وهذه الكلمات الأربع العظيمة في معانيها ومراميها ما وجدت في مجتمع ؛ إلا وعمه الأمن والسلام وعاش جميع أفراده في يسر وسعادة ، والنظر إلى هذه الأركان الأربع التي دعا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ إلى إيجادها وتعميمها ؛ نجد معالم تكوين المجتمع كأسرة واحدة واضحة أجمل الوضوح ، ففي بداية الخطاب نادى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الناس جميعا وفيهم المسلمون ، وغير المسلمين ليفتح باب التعايش السلمي بين الجميع دون تفرقة بل أنه بعد ذلك عاهد الطوائف اليهودية المختلفة للتعايش مع المسلمين في سلام في حدود وطن آمن يشمل المدينة المنورة وما جاورها من القرى التي يسكنها اليهود إلا أنهم غدروا بعد ذلك مرات عدة وخانوا العهد وكان غدرهم الأكبر في أحداث غزوة الخندق ( الأحزاب ) وقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إجراءات عقابية مناسبة لكل غدر غدروه إلى أن طردهم وأجلاهم ـ بأمر من الله ـ عن تلك البقعة المباركة ؛ وبهذا أصبحت المدينة المنورة بلداً إسلاميا خالصاً يشع منه نور الإيمان إلى جميع بلدان العالم . ومن عجائب العطاء الإلهي في النظم القرآني ، والإشارات الإيمانية ـ لمن يعي ويتدبر ـ أن يذكر الله قصة طرد هؤلاء الغادرين مشفوعا بسيرة سادتنا الصحابة من مهاجرين وأنصار ـ رضوان الله عليهم ـ وأوصافهم العلية من تكاتف ، وحب ، وتراحم ، في سورة واحدة هي سورة الحشر بدأها بالإشارة إلى تنزيه جميع الكائنات والعوالم لذاته ـ سبحانه وتعالى ـ وخضوع الكل لعزته وحكمته ، يقول عز وجل : { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب } ( 1 : 4 ـ الحشر ) وعن تقسيم الفئ الذي غنمه المسلمون من هؤلاء الغادرين يقول الله عز وجل : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم } ( 8 : 10 ـ الحشر(
كما أن في إطعام الطعام من علامات الأمان والحب والعطف والسخاء الكثير والكثير من جماليات الصلة بين أفراد المجتمع الإيماني .
وكذلك في صلة الأرحام من الجزاء الدنيوي ما يكون سبباً في طول العمر وبسط الرزق وزيادة الحب فضلاً عن الجزاء الأخروي .
والصلاة والناس نيام فيها عطاء يظهر نوره على الوجه والسلوك مما يجعل المؤمنين على صلة روحية قوية حيث التعلق برب العالمين وطرح هموم الدنيا على جناب كرمه
بهذه الكلمات أسس الرسول ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ أعظم دولة يسودها الحب والسلام ومن تلك المعالم كانت الهجرة المباركة فتحاً ونصرا ولا شك أن معنى الهجرة باق إلى أن تقوم الساعة فإذا كان المهاجر هو من هجر ما نهى الله عنه فلو هجر المؤمنون ما هم فيه من فرقة وأهواء وشهوات وسلكوا سبيل رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ وأحسنوا التخطيط وتوحدوا فيما بينهم واعدوا لعدوهم ـ الذي يلعب بهم ـ أعدوا له ما استطاعوا من قوة لنصرهم الله نصراً عزيزا وصدق الله العظيم إذ يقول : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } ( 51 : غافر ) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف