الأخبار
2017/11/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قصة الومضة عند "محمد عارف مشه" في مجوعة "شبابيك" بقلم: رائد الحواري

تاريخ النشر : 2017-09-13
قصة الومضة عند
"محمد عارف مشه"
في مجوعة "شبابيك"
قصة الومضة بحاجة إلى طاقات خاصة، فالتكثف والاختزال واللغة والصياغة كلها ليست بالأمور السهلة، لهذا تعد من اصعب أنواع الكتابة، وأكثرها جرأة، لأن المغامرة باستخدام هذا الشكل من الكتابة يحتاج قرار صعب، وأيضا يجب توفر التقنية المتعلقة بالقصة الومضة، "محمد عارف مشه" يكتب في هذا النوع الأدبي الصعب، وهو لا يكثف ويختزل ويحبك ويتقن التقديم فحسب، بل يستخدم الفانتازيا أيضا، بحيث يكون وقع القصة على القارئ يحمل الدهشة والتوقف عند القصة، أخترت خمس قصص من مجموعته "شبابيك" ثلاثة منها قدمت بشكل فانتازيا وهي "اللوحة، الطفلة، زيارة" واثنتان قدمت بحدث واقعي وهما "قصيدة، هي".
دائما نقول أن الواقع يؤثر ويفرض ذاته علينا، إن كنا نعي هذا التأثير أم لا، فهو حاضر فيما نقوله وفيما نكتبه، وفي عالم مجنون مصاب بالأمراض الإرهاب وعدم المنطق، كان لابد من مواجهته بعين المنطق، عدم التعقل، ومخاطبته بشكل مجنون، لكنه جنون عاقل، جنون منطقي، جنون يدفع المتلقي ليكون عاقلا، يبحث عن مخرج لما هو فيه، وليس جنون "حط رأسك بين الرؤوس" لهذا الفانتازيا في الأدب تعد ثورة، تمرد على الشكل الأدبي وأيضا ثورة على الواقع، هذا ما كان في رواية "المعطف" ل"غوغول" والذي من خلالها هز أركان المجتمع الروسي أكثر من أي أديب آخر.
يقدم لنا "محمد عارف مشه" قصة "اللوحة" بهذه الصياغة: "( اللوحة ) هكذا دخلتُ فوجدتُني أجلسُ القرفصاء ورأسي بين ساقيّ، فركتُ عينيّ ، شددتُ قامتي ،حاولتُ الخروج فارتطم رأسي بإطار اللوحة" ما يحسب لهذه القصة الفانتازيا الحاضرة فيها، والرمز أيضا، فهنا يقدم لنا الكاتب نفسه محاصر داخل اطار اللوحة، لهذا أي عملية/محاولة للخروج ستبوء بالفشل، لكن هل يقصد الكاتب بهذا الأمر أن يدفعنا إلى البقاء ساكنين؟، أم يريدنا أن نكسر الاطار قبل قيامنا/خروجنا؟، وهنا علينا نحن القراء أن نجيب عن هذا السؤال.
تخصيص الرأس، الجزء الأهم في جسم الإنسان، بالارتطام يحمل الرمز أيضا، فهل هو رأسه الراوي؟. أم الطليعة، حركة التغير؟ وهذا أيضا علينا نحن الإجابة عنه، لهذا نقول أن مثل هذا النوع من القصص هو الأنسب والمواكب لعصر السرعة والنت، بحيث لا يرهق المتلقي بنص طويل، بل بكلمات معدودة، لكنها تقدم فكرة بحاجة إلى عشرات الصفحات.
"من يقرأ "محمد عارف مشه" يتأكد انحيازه للأطفال، فهو متعلق بهم، لهذا نجد العديد من فصصه تحكي عنهم، في قصة "الطفلة" يقدم لنا مشاكل/هموم الأطفال بالشكل فانتازي، فيقول فيها: "( طفلة ) بكت الدمية ، سألتها البنت عن السبب فأجابت : ليتني كنت فتاة مثلك أمتلك ثوبا أحمر . نظرت البنت إلى البعيد وهمست : ليتني كنت دمية لا تحزن" القصة بسيطة وواضحة، لكنها تحمل حاجات أطفالنا إلى الفرح، فجعل الدمية تتكلم وتتمنى، ثم ترد عليها الطفلة بعين الأمنية، وهذا يتناسب ومنطق الأطفال، وأيضا منطق /الجنون/الفانتازيا، وهي تصلح لتكون قصة للأطفال أيضا، لأن منطقها وطريقة تقديمها تتناسب ومنطق الأطفال.
في قصة "زيارة" نجد التمرد على واقع الإرهاب والظلم والموت بشكل رائع، يقول في قصة "زيارة": " زيارة ــــــــــ خرج من كفنه . طرق باب قبر جيرانه . لم يخرج له أحد . تابع سيره . لم ير أحدا يعرفه . عاد إلى كفنه متعبا . وأيقن أنه مازال ميتا" نجد حالة الاحباط التي يعيشها المواطن في المنطقة العربية، فهو يجد في القبر ملاذ/خلاص، فالعالم السفلي أفضل بكثير من عالم العلوي (الأحياء) فهنا نجد ذروة العزلة والاغتراب التي يعاني منها المواطن في منطقتنا، وهي العزلة/الاغتراب تتعلق بالمجتمع وبالنظام السياسي، والواقع العالمي أيضا. اعتقد بأن إنهاء القصة بهذا الفقرة "وأيقن أنه مازال ميتا" يشير إلى أن عملية خروجه من الكفن تحمل فكرة التمرد على الواقع، لكن هذا الخروج/المتمرد لم يكن ناجحا، وغير موفق، وغير صحيح، لهذا عاد إلى وضعه السابق، وهنا يمكننا أن نسقط هذه القصة على واقعنا بعد ما سميه "بالخريف العربي" وما آلت إليه أحاولنا من دمار وخراب وتشرد.
أما القصص الواقعة "قصيدة، وهي" في القصة الأولى يتناول مسألة وطنية وضرورة العمل وليس التنظير، وجاءت بهذا الشكل "( قصيدة ) أمضى ليله ساهرا يفكر في كتابة قصيدة . وأمضى الطفل ليلته في صناعة قنبلة مولوتوف باتجاه حاجز العدو بين قريتين . في الصباح قرأ الناس عن خبر استشهاد طفل ولم يكتب الشاعر قصيدته" وإذا ما توقفنا عند هذه القصة نجد احياز "محمد عارف مشه" لأطفال" فجعل الطفل يتفوق على الشاعر/الكاتب، وهذا الأمر يعد تمرد على فكرة تفوق الشعراء والأدباء، فرغم ما يقدموه من أفكار ومعارف ومحفزات على التغير "إلا أن القاص جعل الطفل يتجاوز الشاعر.

أما في قصة "هي" والتي جاءت بهذا الشكل "( هي ) التي تباغتني عيناها كلما خرجتُ إلى الشارع متجها إلى عملي فيندلقُ رعبي فوق لساني ولا أستطيع البوح لها بحبي ، طال انتظارها ، وعندما تيبست الكلمات بين شفتيّ ، بحثت هي عمن يستطيع البوح لها بحبه. فأحبته" فيخبرنا عن واقع العلاقة بين الرجل والمرأة وضرورة مصارحتها بالحب، لأن البوح مهم جدا لها، واعتقد لو أننا أخذنا هذه القصة كما هي، لوجدنا فيه المتعة والفكرة والجمال معا.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف