الأخبار
أكثر من 60 قتيلًا بزلزال قوي ضرب المكسيكالسيسي: ندعو لأن يكون أمن الإسرائيلي جنبًا إلى جنب مع الفلسطينيماحش تتهم ضابط مخابرات إسرائيلي بالتنكيل بشاب فلسطينيارزيقات: القبض على شخص صادر بحقه 35 مذكرة قضائية ببيت لحمنتنياهو: أقول لديكتاتور إيران خامنئي: ضوء إسرائيل لن ينطفئ أبدًافيديو.. مناورة عسكرية لألوية الناصر صلاح الدين تحاكي العمليات المسلحةفيديو.. انطلاق مهرجان سينما الشباب الدولي بنسخته الرابعة برعاية شركة جوالأمير قطر: ندعو الفلسطينيين لإتمام المصالحة لمواجهة التحدياتعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة..الرئيس يجتمع مع العاهل الأردني وموغرينيشبان يستهدفون مركبات المستوطنين بالزجاجات الحارقة قرب مستوطنة (غوش عتصيون)القبض على متهم بحيازة مواد مخدرة في نابلسماكرون: يجب تجفيف منابع الإرهاب بالعالم سنواصل تنفيذ اتفاقية باريس للمناخأبو مرزوق: حماس رفعت الذرائع التي تحول دون انطلاق مرحلة فلسطينية جديدةبوغدانوف: موافقة حماس على حل اللجنة الإدارية خطوة بمسار المصالحةغوتيريش: حل الدولتين مازال هو السبيل الوحيد للسلام
2017/9/20
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

في المقهى .. بقلم أحمد صبحي النبعوني

تاريخ النشر : 2017-09-10
في المقهى .. بقلم أحمد صبحي النبعوني
في المقهى 

تدور بنا عجلة الأيام ، طاحنة في طريقها أحلامنا وذكرياتنا وقصة الشوق إلى الوطن الذي ابتعدنا عنه مكرهين تصبح هاجسا يوميا لمشجب افكارنا وتخيلاتنا ويزداد ثقلا هذا الهاجس مع كل نكبة ونكسة قد تتعرض لها وأنت في ارض بلاد بعيدة ... لكن ومع ذلك في الغربة ينتفي الأحساس بقسوة الوطن و يختفي الشعور بظلم الأرض ويتبدد الاعتقاد بجور البلاد . فتظل عزيزة ويظل أهلها كراما . في مقهى شعبي في الشارع العربي في مدينة برلين جلس فراس ذوو الأربعون عاما يشكي همومه وأحزانه إلى صديقه محمود الذي يكبره عدة سنوات ، في الخمسين تقريبا من العمر ... لا أعرف كيف ومتى سوف أجتمع مع زوجتي وأولادي فأنا يائس يا صديقي ... أما أنت اللهم لا حسد ، وضعك أفضل مني بكثير وخاصة أنت تجيد اللغة وعائلتك معك في بيت واحد .. فرد عليه محمود : وهل تعتقد أنني لم أكن مثلك في السنوات السابقة ... لا وربما أكثر ايضا ... أما قصة سفري ووصولي إلى هنا فتحتاج إلى وقت كافي لأسردها لك ... فأصر عليه فراس أن يحكها له . أخذ محمود يتحدث عن أوضاعه في مدينة دمشق حيث كان يملك بيتا جميلا ومعملا للألبان وحياته سعيدة وهادئة إلى ان قامت هذه الحرب ... لقد خسرت بيتي ومعملي في اسبوع واحد يا صديقي ، هل تستطيع أن تتخيل حجم الكارثة التي وقعت علي دون سابق انذار ... لكن أحمد الله ان زوجتي وابنتاي لم يتواجدوا في البيت عندما سقطت عليه قذيفة الهاون فأصبح تلة كبيرة من الحطام . المهم يا صديقي فراس لن أطيل عليك الحديث ... أنتشلت ما استطعت من أثاث البيت الصالح للأستعمال وذهبت أنا وعائلتي إلى بيت أهل زوجتي في أحدى بلدات ريف دمشق . ومكثنا عندهم ثلاثة اشهر والحرب ما زالت في أشدها والمعارك تحيط بنا من كل الجهات ..في هذا الحال أهل زوجتي يحملون الجنسية الأردنية قرروا ترك دمشق والسفر إلى عمان والعيش هناك ... فبقيت انا وزوجتي في بيتهم ... بعدها بفترة ليست طويلة أتفقت انا وزوجتي على ان تأخذ هي ابنتاي الاثنتين  معها و تسافر هي أيضا  إلى الأردن وأنا أرسل لهم مصروفهم الشهري ... فأوصلت زوجتي وابنتاي إلى الحدود الأردنية في مدينة درعا ... لكن السلطات الأردنية لم تسمح بدخول ابنتي الكبرى ريم والتي تبلغ من العمر ستة سنوات لأنها فلسطينية الجنسية وسمحت لزوجتي وابنتي الصغرى فقط بالدخول  ...فبقيت أنا وابنتي ريم في سوريا وزوجتي وابنتي الصغيرة في الأردن وأخذنا نفكر كيف نستطيع أدخال ابنتي ريم إلى الأردن حتى تبقى إلى جانب والدتها وأتفرغ أنا للعمل والرزق ... فسمعت نصيحة أحد الأصدقاء الذي اشار لي بالذهاب إلى مصر وأخذ الإقامة هناك ومن ثم اتمكن من ادخال ابنتي ريم إلى الأردن ... سافرنا إلى مصر وأخذت أجهز الأوراق للحصول على إقامة لكن في مصر أخذت احداث العنف والمشاكل والخلاف ما بين الرئيس مرسي وقائد جيشه السيسي تشتد فتوقفت كافة انواع الإقامات ...وعلقت في مصر أنأ وابنتي ريم . هنا يا عزيزي فراس ضاقت بي الدنيا ولم يعد لدي قدرة على التفكير... في حالة تشبه ذاك التائه وسط الصحراء ولا يعرف كيف يصل إلى بئر ماء ليشرب ويرتوي ... فقدت كل الحلول وسبل النجاة فأخذت أفكر في السفر إلى أوربا ... وجدت أحد المهربين الذي كان فلسطينيا ايضا من دمشق ، حيث أخذ يطمأنني بأن السفينة نموذجية ومريحة ولن تزدحم بالركاب سوى بعض العائلات وأنا وأبنتي ريم .. أتفقت معه على ثمن الرحلة بحرا من الإسكندرية حتى الشواطئ الايطالية ... وبعد عدة أيام حان موعد الانطلاق فسافرنا من القاهرة إلى. الإسكندرية التي انتظرنا فيها أكثر من يوم ونصف ونحن نختبئ بين البساتين خوفا من أعين رجال الشرطة ... وعندما حان موعدنا للسفر توجب علينا المشي في ماء البحر لمسافة مئة متر ومن ثم ينتظرنا مركب صغير يأخذنا إلى لمسافة أبعد حيث ينتظر المركب الأكبر في وسط البحر ، فقسمنا المهرب إلى ثلاث مجموعات ..فكان دوري أنا وابنتي في المجموعة الثانية فحملتها على كتفي وسرت بها في مياه البحر إلى أن وصلنا للمركب فوضعت ابنتي ريم في المركب وبدأت أنا أحاول الصعود لكن فجأة تحرك المركب بسرعة جنونية نتيجة أطلاق الرصاص من قبل خفر السواحل المصرية . يالله ابنتي ريم في المركب وأنا في البحر فأمسكت بزاوية المركب بكل قوتي وتشبثت به وهو يسير بسرعة فائقة إلى درجة ان موجات البحر أخذت تلامس رجلاي وكأنها سكاكين حادة وهكذا أستمر المركب يسير وأنا ممسك به لمسافة ثلاثة ألاف متر إلى ان توقف المركب .... فصعدت بمساعدة البعض من الشباب فوجدت ان بنطالي الجينز قد محي تماما فوق كامل ساقي ...وصلنا إلى المركب الكبير الذي يشبه السفينة نوعا ما الذي كان يبلغ طوله تقريبا عشرين مترا وعرضه ستة امتار ونحن المسافرون لا يتجاوز عددنا الثلاثين راكبا ... وبقية المجموعات من المسافرين  أمسك بهم البوليس وأحتجزهم وسفرهم إلى بيروت ... فتغيرت خطة سفر المهرب فأخذنا ننتظر ثلاثة ايام في المركب حتى يكتمل العدد والذي وصل إلى ثلاثمئة راكب ... فأقلع بنا المركب ولمدة اسبوع ، البحر هادئ وسفرنا مريح وكمية الطعام كافية ونحن نتجه غربا بأتجاه السواحل الليبية وفي اليوم الثامن هاج البحر وارتفعت أمواجه بشكل غريب وعجيب حتى تستطيع يا صديقي فراس القول إن ارتفاع الموج كان يساوي ارتفاع جبل قاسيون ...هنا ادركت ان نهايتي اقتربت انا وابنتي ريم الطفلة البريئة التي ليس لها اي ذنب سوى انها تحمل الجنسية الفلسطينية .... ومعظم الأطفال والنساء كانوا ضمن غرفة صغيرة داخل المركب أما نحن الرجال فكنا على سطح المركب نقضي يومنا وفي الليل تنخفض درجة الحرارة ويشتد البرد وخاصة في الأيام الأخيرة من رحلتنا أخذت السماء تمطر وكأنها ترمي علينا المطر بالسطول ... عند اقترابنا من الشواطئ الإيطالية والتي لم نصدق أعيننا اننا قد وصلنا أليها اشتد ارتفاع الموج أكثر ... لكن ربان المركب فعلا انه كان ماهرا وقويا وكان يحمل الجنسية المصرية ... نزلنا إلى الشاطئ في الساعة الواحدة ليلا  منهكين تماما من البرد والتعب والخوف أما أنا فاصبت بدوار وصداع فجلست على الأرض... فأخذت ابنتي ريم تمسح وجهي بالماء وناولتني كأسا من الماء فشربت واستطعت أن استعيد وعيي   ... أخذنا نمشي باتجاه ضوء بناء وحيد ، على ما يبدو أن هذه الأرض كانت محمية طبيعية ولا يوجد بها سوى هذا البناء الذي وصلنا إليه نحن المسافرون البالغ عددنا ثلاثمئة من الرجال والنساء والأطفال . فطرقنا باب البناء فلم يفتح لنا من كان بداخله خوفا من عددنا الكبير فأخذنا نسمعه اصوات بكاء الأطفال فحن قلبه علينا وفتح الباب لكنه لم يسمح سوى بدخول الأطفال إلى الداخل فوافقنا حتى نحمي الأطفال من البرد والمرض وبتنا ليلتنا نحن الكبار في محيط البناء إلى صباح اليوم التالي فتجمع الناس حولنا من عدة مناطق قريبة من هذه المحمية وقدموا لنا المساعدة الممكنة .

لذلك يا صديقي فراس لا تحزن على وضعك الآن ... فأنا قصتي أشد حزنا وقسوة من قصتك وانتظرت هنا في ألمانيا أكثر من سنة أنا وابنتي ريم حتى استطعت في نهاية المطاف وبعد صبر مرير  أن أجلب زوجتي وابنتي الصغرى إلى هنا واجتمعنا مع بعض لكن بعد عذاب نفسي لا يوصف  وأنت ايضا يا فراس .... أتمنى لك ان تجتمع بعائلتك قريبا .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف