الأخبار
2017/12/12
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

المفكر اللبناني علي حرب، منظر الثورات الناعمة وناقد الحقيقة والنص بقلم: انغير بوبكر

تاريخ النشر : 2017-06-19
المفكر اللبناني علي حرب، منظر الثورات الناعمة وناقد الحقيقة والنص بقلم: انغير بوبكر
المفكر اللبناني علي حرب، منظر الثورات الناعمة وناقد الحقيقة والنص  .

ينتمي الكاتب اللبناني علي حرب ، الى جيل  المفكرين والنقاد الذين ولدوا في فترة  الاستعمار وازدهار حركات التحرر الوطني  ، وهذا جيل ثقافي وفكري متفرد باعتباره شاهد عيان على  المعارك الثقافية والفكرية والسياسية الكبرى  التي عرفها العالم  ،من سقوط العرب امام اسرائيل عسكريا وسياسيا  وتبخر الاوهام الوحدوية العربية و سيطرة انظمة ديكتاتورية تسلطية على رقاب الناس في الشرق الاوسط والادنى وانهيار جدار برلين  وما تمخض عنه من تطورات فكرية وجروح ايديولوجية لم تندمل بعد  . تحولات سياسية  كبرى طبعت المسارات الفكرية والثقافية والفلسفية لعي حرب وجيله  ، جيل  تغنى بالثورات الاشتراكية وسيطرة الفكر اليساري  عالميا ولم يحصد سوى انظمة البؤس والقهر والطغيان  ، كما انه جايل صعود الحركات الاصولية  في ايران  بعد الثورة الاسلامية وتابع عن كثب نمو حركات الاخوان المسلمين في ارجاء العالم الاسلامي  ،   علي حرب اذا ،منتوج تحولات كبرى فرضت على المثقفين من امثاله  الالتجاء الى الفلسفة والفكر كمهمة  نضالية اولا  في اطار المقاومة والممانعة   ضد واقع مهزوم ، تهيمن فيه الجمل الثورية والمشاريع الفكرية الكبرى لكن تستبد فيه القوة والقمع والقهر  على صعيد الممارسة ، وثانيا  ومن اجل استنهاض وعي وفعل جماهيريين لفهم الواقع وتغييره ،  فالفكر الفلسفي عند علي حرب ليس ترفا فكريا  او ترسيمات  نظرية او فذلكات لغوية تستهوي قلوب القراء والمتتبعين ،   هو قبل كل شئ ، نضال وتضحية  لاجل غايات مجتمعية عملية لتجاوز واقع  الاستبداد والتخلف  والامية بجميع انواعها واشكالها التي تنخر المجتمعات الثالثية.  كتابات وابداعات الفيلسوف علي حرب  تنخرط في نقد الحقائق والمسلمات الجاهزة  سواء تعلق الامر بالعقائد او الهويات وفي مساءلة ممارسات وافكار المثقفين والسياسيين   ،  الفيلسوف علي حرب عمل نقدا ذاتيا قاسيا للذات المثقفة النخبوية المتعالية على  هموم الناس البسطاء ، الى حد ان البعض اتهمة بجلد الذات والتحامل على الطبقة المثقفة لذلك يصرخ قائلا  : " ولا اراني اجلد نفسي او اظلم غيري ، عندما انتقد المثقف واعترف بان جيلنا قد فشل في ما طرحه من شعارات ، لانه فقد  القدرة على التفكير الحي  والتخيل الخلاق ، اي ما به يجترح  امكانات جديدة  لحياة حرة ، لائقة كريمة ... هذا العجز عبر عنه احسن تعبير الروائي المصري صنع الله  ابراهيم بقوله تعليقا على الثورة الجارية في بلده : حتى في الحلم لم اكن اتخيل ان تكون هذه الثورة ممكنة.  راجع ملحق الكتب في جريدة لوموند  11 فبراير 2011" 1  في موضع  اخر من نفس كتاب المفكر علي حرب  ثورات القوة الناعمة ، ينقد المفكر علي حرب استعلائية المفكرين النخبويين ،داعيا اياهم الى مراجعة مواقفهم وافكارهم التي ادت الى حجب الحقيقة عنهم لانهم تمسكوا بالفكر النظري المجرد بدون ممارسة  فعلية ميدانية " ثمة من يأخذ علي بأني اغالي في الهجوم على النخبوية الى حد يجعلني  لا ارى فرقا بين اهل العلم والفلسفة ، وبين بقية الناس ، من حيث العلاقة مع الشأن الفكري . وليس لي الا التأكيد على موقفي ، بان التفكير بصورة حية ومبتكرة ليس حكرا على الفلاسفة والعلماء ، من المفكرين المحترفين ، المنتجين للافكار، بل هو  ميزة الانسان عامة .على هذا النحو أقرأ مقولة ديكارت القائلة ،انا افكر اذن انا موجود ، ..." 2

من المفاهيم الكبرى التي شدتني الى فكر المفكر علي حرب ، والتي استمد بعضا منها  من المدرسة التفكيكية التي يعتبر احد روادها المعاصرين ، مقولة العقل التواصلي الميديائي ومفهوم القوة الناعمة  ، فعلي حرب ابدع عدة معرفية ومنهجية جديدة،  سواء في تحليله للاوضاع السياسية والفكرية المتسمة  بالفوضى وغياب المعنى واغتراب المصلحين والعقلاء ،  او لمحاولته التنظير والتفسير للثورات والانتفاضات التي تعرفها الكرة الارضية في شقها الجنوبي  اي الشرق الاوسط وشمال افريقيا منذ سنة 2011 الى يومنا هذا  ، بل ناصر علي حرب الانتفاضات  ضد الاستبداد والظلم واعتقد ان تاريخا جديدا يدون في المنطقة بعد سقوط الشعارات الكبرى المضللة للوعي والفكر ، وانهيار الايديولوجيات الاسمنتية وبروز الدور الفعال للشباب والنساء لاحتلال مقدمة الاحداث  ،مؤكدا ان  لا عودة الى الوراء لان ما يحدث يطوي صفحة ويفتح اخرى ، ويدخلنا في  عصر جديد  شاء من شاء او ابى من ابى  ، يقول الاستاذ علي حرب  متحدثا عن هذه التغييرات الكبرى التي نعيشها وتجلياتها ونتائجها المتوقعة : " والاهم ان ما حدث في تونس ، ويحدث في غير بلد عربي ، وبخاصة في مصر ، هو وليد لثورة المعلومات والاتصالات التي اتاحت البث والاتصال للصور والمعلومات بسرعة البرق والفكر ، بقدر ما  هو ثمرة للقوى الجديدة الصاعدة على المسرح ، والتي باتت من معطيات الواقع العالمي الراهن .هناك اولا صعود بلدان كانت على الهامش ، بل وراء العرب ،  فاذا بها تصيح امامهم ، كالصين والهند والبرازيل وماليزيا وتركيا ،  مما عنى كسر احادية النموذج والقطب والمركز في  التنمية  والسياسة والمعرفة. على صعيد اخر يسجل صعود المرأة ، خاصة في ميدان السياسة ، على نحو يكسر خرافة  الفحولة  وقيمومة الذكورة .من هنا فالمرأة العربية  اليوم جزء من الثورات الجارية بحيويتها وفاعليتها. وأخيرا  هناك صعود  الأجيال الجديدة ، الشابة ،  الفتية ، التي تفلت من عقال  الايديولوجيات الاسمنتية والمنظمات الجهادية الارهابية ، لهذه العوامل ، وبخاصة الشباب  ووسائل الاعلام ، الدور الاكبر  في حصول  الثورة  الجارية ، التي هي ثورة سلمية مدنية لا تشبه ما سبقها..... وهكذا فهي ليست اشتراكية ولا ناصرية ولا جهادية  كما يتمنى او يحن او يحلم ديناصورات  العقيدة والفلسفة  والسياسة والثقافة .لانها ابنة عصر العولمة  بأدواتها الفائقة وليبراليتها الجديدة التي تتيح فضح المستور وكشف الاسرار." 3 . استطاع علي حرب بفكره الخلاق الجذاب واسلوبه الانسيابي الباهر ان  يفكك امراض النخبة المثقفة  والمجتمعات في نفس الوقت ،  ففضح تكلس وجمود النخب الثقافية المتخلفة عن الركب الثوري ، المصدومة بالتغيرات التي تحدث في المجتمع وفي صفوف الجماهير ، فما جرى ويجري في كل ربوع بلداننا المتخلفة المقهورة  ، ثورات وانتفاضات " شعبية غير مسيسة ، خرجت  عن الاطر الحزبية الحديدية والقوالب  الايديولوجية الاسمنتية ، حيث يسود  الشعار الواحد والخطاب الواحد  والرأي الواحد ، وربما الزي الواحد .نحن إزاء  انتفاضات معاصرة لا تعمل  تحت اي يافطة  زعيم اوحد او قائد ملهم  او بطل منقذ ، ولا يختزلها معتقد اصطفائي  او عقيدة مقدسة  او نظرية ثورية  لا تخطئ . ولذا  فهي  ابعد ما يكون  عن النماذج  التي جسدها  لينين او ماوتسي تونغ او كاسترو او الخميني .انها ثورات  ذات هوية مركبة هجينة، بقدر ما هي  مفتوحة ، ومتعددة بقدر ما هي  متحركة." 4  وختاما اقول بان التعريف الشامل والدقيق  بمفكر موسوعي من حجم الفيلسوف علي حرب  مهمة صعبة بل مستحلية ولكن مقالنا لا يستهدف التعريف الشامل بافكار ونظريات علي حرب ، بل   نهدف من خلاله تعريف القارئ الكريم بباحث ومفكر اسدى خدمات كبيرة للفكر العلمي المنهجي في بعده النقدي التركيبي  ، حيث ان المفكر علي حرب داعية تحاوز لافكار الصنمية وللمفاهيم السحرية  وللاستعلاء الفكري والنخبوي ، علي حرب نموذج المفكر الثوري الذي يقترح للخروج من المازق الحالي الذي نعيشه جميعا  التحلي بعقل تداولي وفكر تركيبي  ومعنى التداول  والفكر التركيبي  لدى  علي حرب :" التداول هو في وجهه الاول إتقان لغة التوسط والحوار والتواصل .فالعلاقات بين البشر تبنى وتثمر بخلق البيئات والاوساط او الوسائط و الوسائل التي تتيح التواصل والتعارف والتبادل .فمن غير  وسط او توسط من لغة ومحادثة او حجة ومحاورة او قاعدة ومؤسسة يسيطر  العماء والخواء او يعم الاقصاء والاستبداد..... من مقتضيات التداول  التعامل مع الواقع لا بعين ضيقة او بصورة تبسيطية وحيدة الجانب ، بل على نحو تركيبي وبصورة مرنة ومفتوحة .فالواقع ليس معطى نهائيا او نظاما احاديا خطيا او حتمية  صارمة ومقفلة . الأحرى النظر اليه  كمعطى  متحرك ملتبس  بقدر ما هو مسرح للعب والمجازفة او مجال الخرق  والعبور ." 5  كتابات وافكار  علي حرب تقوي في جيلنا فكر التحرر والانعتاق من  المعتقدات البالية والافكار المثالية المتعالية على الاحداث  والتجارب ، لذلك فكره يحذرنا من القوالب الفكرية المتحجرة  والمتاريس   العقائدية  ومن فكر المؤامرة الدائمة  والافخاخ الذاتية لحجب  الكائن او لشن الحرب على الاخر" فليس الاخر هو الجحيم دائما "   وتعليق كل اخطائنا وعثراتنا على العدو المفترض والمصنوع والذي يواجهنا عند كل رغبة في الانتفاضة على الاوضاع القائمة  و الرغبة في التحول الديموقراطي المشروع، .

فكر علي حرب منارة تنير لنا طريق المستقبل ، فكر يدقق في المفاهيم ويشرح المسارات ويشي بالمخارج من المأزق لكن واقعنا المأزوم  بجعل ازماتنا مضاعفة داخلية وخارجية ، معرفية ونفسية ، سياسية واقتصادية  ، في فترة الازمات والانتكاسات  والاحباطات من كل حدب وصوب تجعل الفكر الفلسفي مهما كانت توريثه  ومصداقيته العلمية والمنهجية ، عاجزا عن تفسير حالة التنامي الذي لا يعرف الانقطاع  والتوقف  في تأبيد الاستبداد وانظمة القهر والذل  في انتاج المزيد من التوترات  التي تطيح  باي امل نحو  التطلع الى اللحاق بركب الدول الديموقراطية المستنيرة ، ما حدث من  فضائع دموية في اليمن وسوريا ومصر ... بسبب  استبداد الانظمة القائمة وتمسكها بالنهب والسلطة والثروة ورفضها الخضوع لمنطق التاريخ وحتميته في التغيير  ، يسائل عقلنا السياسي وانسانيتنا وتاريخنا لعلنا نعرف لماذا عجزنا ان نكون انسانيين ، ديموقراطيين حداثيين.؟

انغير بوبكر

[email protected]

المراجع:

1-علي حرب : ثورات  القوة الناعمة في العالم العربي  من المنظومة الى الشبكةالطبعة الثانية 2012 ص 63
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف