الأخبار
2017/6/27
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الجميلة والوحش بقلم: سماح خليفة

تاريخ النشر : 2017-06-19
الجميلة والوحش بقلم: سماح خليفة
خمس أغورات، المبلغ الذي كنت أحصل عليه يوميا من والدي كمصروف، أذكر أن مصروفي اليومي قبل ذلك كان أغورتين، وفي أحد الأعياد بينما كان والدي رحمه الله يجلس أمام القهوة والمعمول، يأكل بشهية منتشيا برائحتهما التي تعبق بالمكان وكأنها أعواد من البخور، مثلنا أمامه ونحن في قمة أناقتنا تفوح منا رائحة النظافة والعيد، وبعد أن سلمنا على والدي وقبلنا يده وألقينا تحية العيد ونحن نصطف على شكل طابور، أخذ كل واحد منا مصروفه وانطلق بفرح غامر إلى الشارع ليشتري ما لذ وطاب؛ فالخمسة أغورات في ذلك الوقت لها قيمتها.

نظرت في تلك اللحظة إلى الخمس أغورات وهي تلمع في يدي وقلت في سري: ليتها تصبح مصروفي المعتاد وليس فقط في العيد، وفعلا بعد انتهاء العيد طلبت أمي من والدي أن يبقي المصروف على ما هو فالاسعار ترتفع، وفعلا وافق والدي.

وذات صباح رائق من أحد أيام الجمعة، وبعد أن عاد والدي من المسجد، تلقفنا منه المصروف انا وأختي التي تصغرني بسنتين، وانطلقنا مسرعتين نركب الدربزين متخذتين منه"سحسيلية" للوصول إلى باب بيتنا الخارجي بسرعة.

توجهنا شرقا باتجاه دكان الأخوين"فايق ورياض"، وبمحاذاة الدكان وسط الشارع كانت تقع شبكة حديدية في أسفلها عبارة لمياه المطر. كنت في كل مرة أمر بتلك الشبكة أطيل التأمل فيها وأربط بينها وبين العبارة الكبيرة التي كانت مأوى البطل"الوحش" في الفيلم الأجنبي"الجميلة والوحش"، وبينما نحن في شرود تام أسقطت أختي مصروفها من خلال الشبك إلى داخل العبارة، وما إن حدث ذلك حتى انفجرت من البكاء حسرة على مصروفها الذي لم تفرح به، وأما أنا فكانت مشاعري مختلطة بين الحزن لحال أختي وبين الفرح للأفكار الجهنمية التي تعصف بذاكرتي. هدأت من روعها وطلبت منها أن تكف عن البكاء فالأمر بسيط؛ سأدخل الى العبارة وأحضر المصروف. نظرت إلي بذهول وقالت: "إنت انجنيت وكيف بدك تفوتي عليها العبارة، وما منعرف أولها من آخرها، وإن طلعلك شي؟!!!" نظرت إليها مبتسمة وقلت لها: "ما تخافي علي بما إنا في فصل الصيف ولا مياه في العبارة تجرفني، وبعدين ما شفت الوحش في الفلم كيف ساكن في العبارة وكمان بيصطحب معاه الأميرة على العبارة وما بصرلهم شي؟!" 

"بلا عن جد!! وانت بدك تعملي متل الفيلم، ومنين رح تدخلي؟"

"أنا بعرف مدخل العبارة من آخر الشارع ورا المدرسة، انت ما تخافي بس راقبي من هون لحتى أوصل"

وفعلا انطلقت مسرعة إلى أن وصلت مدخل العبارة ألهث، دخلتها وأنا أتخيل نفسي أدخل عبارة الوحش في الفيلم، الفارق البسيط أني شعرت بنفسي تتورط في تلك العبارة التي ليس لها آخر كما بدا لي.

المهم أن أختي لتشجعني وتكسر عامل الخوف عندي؛ أخذت تنادي من شبك العبارة بأعلى صوتها: سماااح وصلت؟؟، طبعا والصدى يرد!!!، وما إن رفعت رأسها حتى وجدت أخي يتفرسها بعينيه مستغربا مما تفعل: انت شو بتعمل هون؟! وبتنادي على سماح من هون ليش؟!! أشارت أختي بإصبعها وهو يرجف إلى داخل العبارة، نظر أخي من الشبك فرأى مصروفها ملقى على الارض، ابتسم وهز رأسه قائلا: بسيطة حبيبتي يلا على البيت" فأردفت: طيب وسماح" "مالها سماح؟!!" "سماح في العبارة راحت تجيب مصروفي" "شوووو!!! سماح في العبارة!!"

انطلق أخي كالبرق الى مدخل العبارة، دخلها وهو ينادي: سماااح، وما إن سمعت صوته حتى شكرت الله؛ فقد كنت عالقة في العتمة لا أستطيع التقدم أكثر.

"أنا هون ما تخاف"

وصلني أخي وهو يتمتم: "لا والله انت هون ما أخاف!!!"

حملني أخي بين ذراعيه وانطلق بي إلى خارج العبارة، وبينما لازلت بين ذراعيه، نظرت إليه مبتسمة وقلت: ياااي إنت بتشبه الوحش"

"شوووو!! هس هاد الي طلع معك، لا والله مشكورة"
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف