الأخبار
2017/8/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

من وحي ذاكرتي ..بقلم ابراهيم شواهنة

تاريخ النشر : 2017-06-17
من وحي ذاكرتي ..بقلم ابراهيم شواهنة
من وحي ذاكرتي .....

يومها كنتُ في طول حبة فاصولياء، وأعدّ بلاط الطريق المؤدي إلى المدرسة يوميّا، وفي صباح كانت له رائحة خشب يحترق اتهمتني معلمة الرّسم بأن رسمة القلعة ليست رسمتي ، فانتقمت...من أصابعي برسوم أخرى، وألوان أخرى استودعتُها في قلب دمية.

 وفي يوم مائل، وبّختني معلّمة الرياضيات عندما باغتتني وأنا أرسم قلبي .... مصلوبا نقلتُه عن صورة وجدتها في مجلّة مركونة أمام محل في حيّنا.. واستدعَت أبي، ولم يفاتحني في الموضوع ولم يسأل عن السبب، ولا يعلم، ولا تعلم المعلّمة أن قلبي ...صديقي الذي ربيته على الحب .

هل كنت صغيرة يوما؟، هل فكرت في لعبة؟، لم أملك وقتا لشراء وردة حمراء لحبيبتي  في عيدها، أو في أي واحد من الأعياد.. في الحقيقة لم أملك ما أدفعه لقاء الوردة.. وعندما أهديتها واحدة كانت "بلاستيكية"، استطعتُ بعد سنوات تأمين مُقابلها.

 كُنْتُ أشاهد نسمة تسترخي فوق كتفي، فأتذكر شجرة الزيتون حيث تجاعيد جدي، آه، جدّي، أعتقد مات ، يومها بكت الأمطار والغيوم والمناديل، ولعقَ الغراب آخر شعرة بيضاء حملتها رأسه المستديرة.. جدي كلما تذكّرته يهتزّ قبر على اليسار وتتعثّر المقبرة بروحه الفراشة...كم أحبني وأحببته ..

 لا تتذكّر قدميّ الصغيرتين سوى طريق السوق القديم ، واللحية الخشنة ...الان ..كابوسي الوحيد، وحسدي النحيل ....... تلاحقني عيون حبيبتي ....بدمعة قرمزية، الأهداب مجهولة النسب، ..ملهتي .. بقبّعتها الطويلة تستغلّ صدري كل ليلة لتصعد إلى السماء وتسرق جزءً من الشروق، بينما أحلم بصورة فوتوغرافية لنجمة صادقتها يوما وأنا أستحم داخل برميل حديدي... كم كانت جميلة مقلمة حبيبتي ... حنان التي شاركتني مقعد الابتدائية! .. هل كانت تحس أنني رغبتُ بواحدة مثلها؟ .. مقلمتي صنعتها أمي، أعتقد من قماش فستان قديم، حاولت مرارا تمزيقها، بلا فائدة .. طيّب، وددتُ لو أحسّت أمي بألمي وأنا أشاهد دمية "الباربي" عند حبيبتي آخر كلّ سنة، حتى انقضت سنوات الدراسة وتشكّلت عداوة بين قلبي والباربي.. الآن، لا أحب الباربي ولا يمكنها الحلم بحضني.

 ربطتُ قلبي ... بأحلام كثيفة، ولمّعت النهر بإسفنجة فقدت ثقوبها، وحلُمت بهارمونيكا، وسجنتني جديلة أنانية.. كان الوقتُ غبارا، والمأوى بائسا، توسلت جوارب بيضاء، وقطعة نقدية في العيد، وحضنا في الظلام.. وفي النهاية خانني الحقل وجلب فزّاعة لطيوري المُهاجرة.

 ممدتُ يدي ومسحت بها على قلوب الكثيرين، الموجوعين والمتذمّرين، يدي الصغيرة التي تنفلتُ منها جميع الأصابع، تُحكِم قبضتها على سراب.أشعاري. ابتسمتُ في وجه اللّوثة، والحزن، والأرق، والألم، والكدح.. ابتسمت في وجه الأقنعة والقلوب المتوتّرة حتى لو كانت أعماقي تحت الصفر على سلم المعنويات.. وفي غمرة التحليق نسيتُ جناحاي في ذهن نورسة لا تقوى على الضحك.

صنعتُ لحبيبتي  وطنا ... ليحتويني، وفي كل مرة أنسى خطواتي خارجه لأعود وأجلبها متعبة لتكمل المسير، وعند كلّ منعرج أخوض خطر التخلّي، لكنني لا أتخلى...عن روحي.

عن حبيبتي ...لا زلت أنتطرها ... ما دامت..تحبني ...حبا أبتعدته  روحي في جسدي ....

النسيم.....يهب ... وقد جاء تشرين.... ينشرني... ذات .. ليل في الشوارعِ .

أرنو الصغارَ قبيلَ المدارسِ ......والبائعينَ وقد ودَّعوا موسماً في ابتساماتِ القصائد الحزينةْ سرتُ والشمسَ وقتَ الرحيلِ .

الحمامُ يوضِّبُ صيفاً قصيراً وسيارةٌ أطرقتْ حينَ حيَّتْ رصيفَ الطريقِ وليْ في التنانيرِ لحنٌ يذكِّرنيْ بِكَمانِ اشتهائيْ ويُبقي على غصنِ قلبيْ قليلاً من الزهرِ أنثرهُ في عيونِ الصبايا الخريفُ غمامٌ به فُصِلَتْ أذرعُ الشمسِ عن جسدِ الأرضِ من أجلِ هذا يلوحُ بظلهِ ظلانِ لي: واحدٌ رحلةُ الصيفِ وقتَ الصباحِ بكلِّ احتمالاتها من حقائبِ باصٍ،أناشيدِ صفصافةٍ رشرشتها مياهُ البحيراتِ آخَرُ ليلٌ لكانونَ عاكسَ شرفةَ بيتيْ بأمطارهِ والرياحْ الخريفُ يذكِّرنيْ بي....بكِ بمدرستي.... أنشدتْ أغنياتٍ عن شابِّ راحَ يسجِّلُ أحلامهُ في أنامل .... صبية .... عمره حنان.كان أكثرَ أنساً... بها ....أقلَّ انكساراً ولم يكُ عشبُ السنينِ كثيفاً على لحيتيهْ. 

الورودُ اشرأبَّتْ بكفِّ الحديقة ... ترنو إليَّ فأرنو إليهْا والخريفُ يشدُّ خطايَ إلى أصدقائيْ 

إلى الضحكاتِ ومزحِ التهوُّرِ،خوفِ امتحانٍ إلى مقصفٍ كانَ يجمعنا مع قهوةِ فيروزَ، قاعةِ درسٍ، وسحرِ الجميلاتْ....خاوياً في الخريفِ ومزدحماً بصدى الذكرياتْ خاوياً والبناءُ كَكَهْلٍ حكيمٍ يحرِّكُ جفنَ الأصيلِ ويبسمُ ليْ في الحديقةِ تبكيْ شجيرةُ ليمونةٍ بينما أكتبُ الآنَ من مقعديْ،فتزهر أدمعها ورقةً ورقةً كيفَ حالكِ أنتِِ؟ لقد مرَّ خمسونَ عاما .... وخمسين ذكرى 

وما كانَ لي غيرُ ما خضَّلتهُ شفاهُكِ من عشبِ صدريْ وما غرستهُ يداكِ من العطرِ في كنزتيْ كيفَ حالُ الشواطئ ِوالزيزفونِ أما زالَ يُطرقُ حزناً لبُعدِ الأحبةِ؟ 

ماذا عن الطُّرُقاتِ التي مشَّطتها خطانا؟ وعن وردةٍ كنتُ أقطفها خلسةً لكِ 

عن شاطئٍ للتجرُّؤِ قد طالَ بعدي وطالَ...بعدك. وما طالَ بعدُ الحنينْ 

كنتُ أحتاجُ دفءَ يديكِ لتمسحَ برديْ
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف