الأخبار
بدء الترتيبات لحملة "مليون في يوم" لتخضير فلسطينالتنمية الاجتماعية تنظم سلسلة ورشات توعية في محافظات الضفة الغربيةمصر: جامعة الدول العربية تكرم الدكتور حسين سليم البيوك بجائزة الشاب النموذجالتربية والصحة تبحثان توفير الإسناد الطبي لمدارس "التحدي"المالكي: الجانب الأمريكي غير جاهز لتقديم مبادرة لتحريك عملية السلامانطلاق أعمال الدورة الـ72 للجمعية العامة للأمم المتحدةبرئاسة هنية.. وفد حماس يصل إلى غزة عبر معبر رفحغداً.. صرف الدفعة المالية الخاصة بموظفي غزة لفئة 2000 شيقل فأقلالشخصيات المستقلة وشبكة المنظمات الأهلية يناقشان وضع خطة لما بعد توقيع المصالحةالتربية تقر نتائج اختباري التحصيل والقدرات للطلبة خريجي الثانوية السعوديةجمعية حسام تزور منازل عدد من أهالي أسرى غزةالعوض: تم اعادة قطار المصالحة الفلسطينية الى سكتهنتنياهو يخطب في اليوم الأول خلافًا لبروتوكول الأمم المتحدةالفتياني: المطلوب من حماس تمكين حكومة الوفاق من ممارسة اعمالهاامين سر هيئة العمل الوطني يعتبر المصالحة استحقاق وطني
2017/9/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

"نُذُر عودة الموروث الشعري العمودي" بقلم : عبدالسلام فايز

تاريخ النشر : 2017-03-18
"نُذُر عودة الموروث الشعري العمودي" بقلم : عبدالسلام فايز
"نُذُر عودة الموروث الشعري العمودي"  

بقلم : عبدالسلام فايز 

                              
عندما نظمَ عنترة على وَقعِ أقدام جَواده المكرّ معلّقتَه التي يقول في مطلعها.  

                                  
هل غادرَ الشعراءُ من مُترَدّمِ            

أم هل عرفتَ الدارَ بعد توهّمِ؟ 


 لم يكن عنترة يعلمُ وقتَها أنّ مِثلَ هذه الأهازيج سيُبنى عليها فيما بعد أسطورةٌ أدبيةٌ ،تجتاح أذواق  المنصتين لِتدخلَ إلى عرَصات الأدب من بوّابة الفاتحين ..

 لم يكن يدري أنها سَتُقلِقُ لياليَ العاشقين .. و تُنعِشُ قمرَ الرثائيّين المريض .. و تصبغ ريشةَ الواصفين بصبغة النجاح .. و ترفع لواءَ المحاربين خفاقاً عالياً بواسطة ساريةِ النّظم .. و تشحذُ ألسنةَ المادحين و القادحين فتصبحَ ألسنةً حِدَاداً لا يقطرُ دمُها أمام سيوف النظراء ..                                    في تلك الفترة وُلدت القصيدة العربية في مهدِ الجاهلية ، و سريرِ البادية الذي تهزّه يمينُ المتعطّشين  للشعر ، منتظرةً يفوعه و اشتدادَ ساعده المكلّس .. 

وهنا مضى قلمُ الحكاية ، و هيهاتَ لهذا القلمِ أن يضلّ الطريق ، و هيهات له أن يخطّ سطور الإياب و يسلّم عتاده ..        وممّا زاد في رونق الشعر الموزون وجودُ ثلّةٍ من الشعراء المخضرمين الذي جمعوا بين حصافة الجاهلية و فصاحة صيفها الخَشِن من جهة ، و بين أخلاق الإسلام الوليدة و لغة القرآن التي استحوذت عليها الضاد العربية من جهة أخرى  .. 

هؤلاء الشعراء المخضرمون هم من أنتج الشّهدَ الشعريّ.......... 

وبعدذلك راحت القصيدة العربية الموزونة تعطّرُ نفسَها بِعِطر العصر الذي تمرّ به و بناءً على ذلك وُلد مصطلح العصر الشعري .. 

و جاء الفراهيدي وهو ابن الأذرية البصرية المنحدرة من العراق ، ليضعَ لنا أسساً و علماً خالداً هو علم العروض و ذلك من أجل متابعة المسيرة .. وإلا فما الفائدة من علم العروض إذا كان الوزن سيلاقي مصيره المحتوم ؟! وهل هناك من يقتنع بأن الوزن الشعري سيفقد رونقه الفذّ طالما أنّ هناك بحوراً شعرية ، و قلوباً تنبض بالموسيقى ، و أذواقاً تيّمَتها حُور الأوزان الحِسان ؟!  كيف يحكمون  على القصيدة الموزونة بالفشل الحديث ، و ما تزال مناكبُ و أكتافُ العشّاق متحاذيةً بجوار بعضها منذ عهد امرئ القيس و حتى يومنا هذا ؟!  

 لذا فإنني أقول أنه مخطئٌ كل من ينادي بفكرة زوال الموروث العمودي و طغيان قصيدة النثر على الأذواق الأدبية ... وفي كلام الأديب علي أحمد سعيد ما يُثبت ذلك عندما قال "لا أعتقد أنّ جنساً أدبياً يدخل في الهدم " 

وهذا يناقض قول الروائي الأشهر في أوروبا ميلان كونديرا الذي بث إشاعة وفاة الرواية الأدبية .. 

و استناداً إلى قول سعيد السابق نقول بأن القصيدة العمودية باقية لأن ثمرات نجاحها أشهى من ثمرات نجاح قصيدة النثر ، فالعمل يُحكَمُ على مدى نجاحه من خلال ما يلاقيه العامل من إنجازاتٍ و ثمراتٍ إبّان عمله و بعده.. 

وفي هذا السياق تتفوق قصيدة الشطرين على قصيدة النثر بدون أيّ منازع .. لماذا ؟ لأن الشاعر بعد نجاحه في قصيدة النثر يكون نجح في جلب المعنى من طلاسم الكلمات ،و تمرّدَ على الوزن و صقلَ الفكرة بمعدنه بعد أن سيقت إليه الكلمات ، فأعادَ ترتيبها بشكل ملفت للنظر بدون عناء .. فكانت كلماته شهيةً لذيذةً ولكن ينقصها شيءٌ محوريٌّ ألا وهو  عرقُ الحصول عليها و عناءُ الجندي المناضل في المَيمَنة ، و وسنُ الليالي .. 

بينما بعد نجاح الشاعر في القصيدة العمودية يكون قد حصّلَ كل ماسبق بالإضافة إلى ثمراتٍ لم ولن يتذوّقها عُشّاقُ قصيدة النثر ، و هي مَهرُ القافية المدفوعُ من سمرِ الشاعر،  و سلاسة الوزن التي تُجبِرُ آذانَ القُرّاءِ على الإنصات حتى لو لم تكن هذه الأذن قد اعتادت على الإصغاء ، و تدخل إلى العصب السمعي كسيّالةٍ عصبيّةٍ تعرف طريقها نحو الدماغ حقّ المعرفة ، و تنعش خمولَ الكسالى الذين زمّلَتهم قصيدة النثر بدثار النوم ، هذه القصيدة التي وإن انتشرت على نطاق واسعٍ يدحضُ مزاعمَ النكران ، إلا أنها لا ترقى لتسمية "قصيدة" بل هي نوع ممتاز من أنواع النثر الفنّي / و هذا ما قاله عميد الأدب السابق في جامعة القاهرة الدكتور حسين نصار في قوله " أظنّ أن الأدباء العرب سيستمرون في إصدار النصوص التي يسمّونها الشعر المنثور و قصائد النثر غير أن كثيرين منهم سيعترفون أنها من النثرالفني ،و الشعر بريء منها كل البراءة " ... 

الكلام ذاته تكرر كثيراً في صفحات الأدباء الذي تَجرّؤوا على نُطقِ الحقيقة وسطَ تعاظم قوة قصيدة النثر و استئصالها لشعبية العمود الشعري عن طريق حثو التراب ، فنقرأ في صفحات كتاب يعود للأديب عزّ الدين المعاصرة "إشكاليات قصيدة النثر" و هو من الغيارى على حرمة المجد العروضي العائد ، والذي أيّده فيه أكثر من أربعين شاعر و ناقد ، إذ يقول " ما يُسمّى بقصيدة النثر ليست شعراً أبداً بل هي نثرٌ خالصٌ إذ تغيب فيها كل المعايير الشعرية ...

 و حول استعادة القصيدة العمودية مجدها التليد قال حسين  نصار "الاتجاهات الشعرية كلها أو أكثرها باقية فمنذ الأزل عرفنا الشعر الكلاسيكي و الرومانسي و الواقعي و التفعيلي و المرسل و قصيدة النثر و الشعرالغنائي و القصصي و المسرحي ، و عندما شعر العرب بقساوة القافية لم يتخلوا عنها فابتدعوا المزدوجات التي يستقل كل شطرين منها بقافية خاصة ، و الموشحات والرباعيات و بقية أشكال الشعر الموزون " ...                      لذلك فالسلاح الأبيض المدفون لابد من استخراجه يوماً ما،  و مهما يزداد الطيار غبطةً بهدير طائرته إلا أنه يخشى السقوط بعيداً عن أقرانه فيُقتَل بالسلاح الأبيض ...

 لذلك فالعودة الميمونة للعمود الشعري ظاهرةٌ للعيان، وواضحة وضوحَ الشمس عند الظهيرة ، وإن كان فيها عيبٌ أو منقصة أو رائحة تفوح بعبقِ الهجران ، فهذا لا يعني زوالها ولا يعني أنّ النفس تعافها ، فالشاعرة نازك الملائكة كما ذكرها الدكتور محمود علي مكي أستاذ الأدب الأندلسي بأنها بدأت قصيدتها "شظايا رماد" عام 1948 ثم ما لبثت أن عادت إلى شِعر التفعيلة ...         وفي الرد على هواة قصيدة النثر الذين صرّحوا أنّ قصيدة النثر تحرّرت من عبودية الوزن و القوافي و تمردت عليها و رفضتها رفضاً قاطعاً و عابوا على نظام الشطرين مصطلحاتٍ مثل " يحق الشاعر مالا يحق لغيره "و المعنى في قلب الشاعر " ،و عزوا ذلك إلى نجاح القصيدة النثرية ، فإنني أقول " متى كان النجاحُ مستمدّاً من الهروب وراءَ زمانِ و مكانِ المشكلة المرابطة ؟! أليس التغلبُ على المشكلة و تطويعُها و النجاح ُبعد ذلك ،أكثرَ فاعليةً مِن رميها وراءَ ظهورنا و كأنها لم تكن؟! أليست المشكلةُ و تفتيتُها هو نواةَ الحل المكلّل بالنجاح ، أم أنّ التوهّم بعدم وجودها و الغوص في اللاشعور هو الحل الأمثل ؟! 

ألا تكون مواجهة الشاعر لبحرٍ شعري صُلبٍ كبحر الرمل مثلاً ، ثم عملية التنقيب عن رَوِيّ مماثلٍ في الصلابة كحرف العين مثلاً،  ثم النجاح في جلبِ صورٍ و استعاراتٍ و كناياتٍ من صخر الفرزدق و بحر جرير ، و كلماتٍ حديثة العهد ووليدة لحظةِ الشاعر ، ثم نجاح هذا القِدر في إنتاج طبقٍ شعريّ يحظى بإعجاب الأذواق .. ألا يُصنَّف كل هذا بأنه ملحمة شعرية متغطرسة يغطي قسطلُها وجوهَ النثريات ؟!

 لمن ترفع القُبّعات ، لمن نظّمَ المفردات في ثنايا نثره ثم حقق شيئا ًمن النجاح بسبب الصلاحيات الكثيرة الممنوحة له ، أم لمن حارب القافية و الوزن الشعري و انتصر عليها ؟!  

ثم إنه ما العيب في لجوء القصيدة العمودية إلى هاتيك المصطلحات ؟! لماذا لا يُسمى هذا تمرّداً على الواقع اللغوي كتمرّد النثريات على القافية و الوزن ؟!                                      تلك هي القصيدةُ الخالدة  العائدةُ بعد نكبة الهجران  صاحبةُ الجمهور العتيق .. و صديقةُ الغزليين المرهفين ، و هاشميةُ الجَدِّ ذي التجاعيد المليئة بالتراث ،و الذي يعودُه جميعُ الشباب اليافعين للوقوف على خبرته و حكمته في الحياة ...
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف