الأخبار
2017/11/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتأثيرها في حل الدولتين بقلم:محمد حطيني

تاريخ النشر : 2017-02-16
نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتأثيرها في حل الدولتين بقلم:محمد حطيني
خلال حملته الانتخابية للرئاسة الأمريكية، وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكيان الإسرائيلي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فهل يفي بوعده ذاك، أم أن ثمة حسابات أخرى أخذها الرئيس الأمريكي بعين الاعتبار عقب توليه منصب الرئاسة فعليا.؟ والغاية من هذه المقال دراسة الآثار المترتبة على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وإمكانية قيام دولة فلسطينية ما زال النظر في أمرها متواصلا منذ إعلان قيام الكيان الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية.

بادئ ذي بدء، لا بدء من الإشارة إلى إقرار الكنيست الإسرائيلي مؤخرا لقانون تبييض المستوطنات أو تسوية المستوطنات في الضفة الغربية، والذي يبيح الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، والشرعنة اللاشرعية للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بأثر رجعي، وهو قانون وصفه الدكتور أحمد الطيبي العضو العربي في الكنيست بأنه أكبر عملية سطو على أراضي الغير في التاريخ. وهو حقيقة قانون يحمي السارقين وجاء من فكر اليمين المتطرف المتنافس فيما بين أطرافه على خدمة الدولة اليهودية على حساب الشعب الفلسطيني صاحب الأرض الحقيقي.

والحقيقة أن أولئك الذين زكوا القرار وعملوا على إقراره في الكنيست الإسرائيلي إما أنهم أصابهم العمى الدائم، فلم يأبهوا لعواقبه على المستوى الداخلي أو صداه السلبي على المستوى الدولي. صحيح أن الدولة العبرية ستستمر في سرقة الأراضي الفلسطينية، لكن المسئولين عن القرار، ربما لم يدركوا أنه ستكون له آثاره الديموغرافية التي ستترتب على ضم مئات الآلاف من الفلسطينيين للدولة اليهودية وتطبيق القانون الإسرائيلي على الأراضي التي سيتم ضمها أو إلحاقها بالدولة، وزيادة الصراع مع اليسار الإسرائيلي المعارض للقانون والذي سيلجأ حتما إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإبطال القرار. وقد يتخذ نحوه قرار إيجابي في فحواه من قبل المحكمة، لكن يبقى الخوف من الالتفاف على حكم المحكمة من قبل اليمين المتطرف ربما من خلال حل المحكمة نفسها مستقبلا، مما يترتب عليه إعادة تفعيل القرار. كل ذلك سيزيد من حدة الصراع الداخلي بين الأطراف المسئولة في الدولة اليهودية، لكن هذا لا يعول عليه كثيرا في ظل الاتفاق في الآراء بين كافة المكونات السياسية الإسرائيلية على المصلحة اليهودية الاستراتيجية على المدى القريب والمدى البعيد والمدى الاستراتيجي أيضا.

سيترتب على قرار تبييض المستوطنات في الغالب تعريض الجنود والسياسيين الإسرائيليين ربما إلى المحاكمة في محاكم دولية في مقابل البقاء السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو عطفا على الفضائح الداخلية التي تلاحقه، ما يعتبر تهديدا مباشرا وزعزعة للاستقرار السياسي في الدولة اليهودية على المدى البعيد. القرار أيضا لا بد أنه مثير لقلق من بقي ممن يملكون ضميرا حيا في المجتمع الدولي من ناحية الاغتصاب المتواصل للأرض الفلسطينية، وانكماش مساحة الأراضي التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية، وبالتالي تقليل احتمالات التوصل إلى حل سياسي ينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة وعاصمتها المنتظرة القدس الشرقية.

نعود هنا، فنقول أن من الملاحظ أن ثمة انسحابا تدريجيا للرئاسة الأمريكية من التعهد الذي قطعه الرئيس ترامب فيما يتعلق بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والمنتظر في رأي أحد المطلعين أن يتم تنفيذه في شهر مايو القادم. وقد جاء هذا الانسحاب أو التراجع على نحو لا يقطع الشك بعد زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين الأخيرة إلى واشنطن واجتماعه بالرئيس الأمريكي والعديد من أركان إدارته. ولو كان ثمة افتراض بأن الرئاسة الأمريكية ستنقل سفارتها إلى القدس في الوقت الذي يتم الحديث عنه وهو شهر مايو القادم، فماذا لذلك من أثر على العلاقات الأمريكية العربية وقيام الدولة الفلسطينية، ثم ما هي الإجراءات التي يمكن للسلطة الفلسطينية اتخاذها في حالة إتمام تلك الخطوة؟

لا ريب أن العلاقة الأمريكية العربية ستتأثر حتما سلبا في حالة نقل السفارة، إن لم يصاحب عملية النقل حل سياسي يفرض على الدولة اليهودية ويؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية المنتظرة. لنقل جدلا أن الرئاسة الأمريكية أوفت بالتعهد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس (الغربية)، وكانت في الوقت نفسه جادة في التوصل إلى حل مرضٍ للفلسطينيين وأعلنت في الوقت نفسه أن القدس (الشرقية) هي عاصمة الدولة الفلسطينية، وأنه لا يجوز شرعنة المستوطنات بأثر رجعي. هذا تصريح يبقي في المعتقد على حل الدولتين قائما بالرغم من سعي اليمين الإسرائيلي إلى التخلص منه وإعلان الدولة اليهودية على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة بمرور الوقت وتمرير القوانين اللازمة في ذلك الاتجاه، وبغير ذلك فإن نقل السفارة الأمريكية سيكون مدمرا على الحل، وربما تحدث ردة فعل فلسطينية تسوء معها الأمور وتصل إلى حد القيام بثورة شعبية، وأعمال عنف لا تكون في صالح اليهود ولا الشعب المحتلة أرضه أيضا، وتأجيج التطرف في المنطقة، إضافة إلى فقدان الإدارة الأمريكية لمصداقيتها أمام الشعوب العربية خصوصا بعد أزمتي العراق وليبيا، هذا فضلا عن التأثير الكبير لنقل السفارة الأمريكية ربما على العلاقات العربية الإسرائيلية خصوصا مع الأردن، صاحب الولاية على القدس الشريف، ومصر أكبر الدول العربية وكلاهما وقع معاهدة سلام مع الدولة العبرية ولا ينسى المملكة العربية السعودية صاحبة أكبر مخزون نفطي في العالم له تأثيره الواضح على الاقتصاد العالمي ككل، ما يعني تقويض احتمالات التعايش السلمي ليس بين اليهود والفلسطينيين فحسب وإنما مع العرب ككل على المدى البعيد.

ثم إن هناك خطوات عديدة ربما تقوم بها السلطة الفلسطينية وهي تشاهد قضم الأراضي الفلسطينية في حالة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس دون اعتبار لإقامة دولة فلسطينية، ومنها احتمال إيقاف التنسيق الأمني مع اليهود، وإلقاء المسئولية في الأراضي الخاضعة للسلطة على الجانب اليهودي من خلال حل السلطة الوطنية، والدعوة إلى عصيان مدني وغيرها من الأمور التي قد تعقد من احتمالات التوصل إلى السلام بين اليهود والفلسطينيين، بما في ذلك التوقيع على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية، والملاحقة القضائية للمسئولين اليهوديين في المحاكم الدولية.

إن على الإدارة الأمريكية أن تنظر بصورة جادة في المخاطر التي قد يترتب على قرارها من نقل سفارتها إلى القدس (الغربية)، إن لم يكن هناك عمل جاد وفاعل من قبلها يقابل ذلك للتوصل إلى حل ينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية حتى يسجل التاريخ نهاية لأكبر صراع مستمر في العالم بعد الحرب العالمية الثانية على يد رئيس أمريكي ينظر العالم إلى سياساته بعين الغرابة، عوضا عن تأزيم الصراع في المنطقة، والذي سيكون له بدوره في الغالب نتائج كارثية على العالم برمته.

محمد حطيني
كاتب ومحلل سياسي
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف