الأخبار
تنفيذية المنظمة: خطة "السلام من أجل الازدهار" تفتقر للأبعاد السياسية والقانونية ومصيرها الفشلتبادل إطلاق نار بين الأمن المصري وعناصر إرهابية في "المساعيد" شمال سيناء‫أرامكو السعودية توقع 12 اتفاقًا مع شركاء من كوريا الجنوبية بمليارات الدولاراتفلسطينيو 48: السعدي يجتمع بمدير عام سلطة البريد لحل قضية الجديدة المكر وقضايا أخرىانطلاق الأكاديمية السويدية لكرة القدم التابعة لنادي قلقيلية الأهليعبر تشكيل حزب جديد.. إيهود باراك يُعلن العودة للساحة السياسية في إسرائيلوزارة الاقتصاد الوطني واتحاد جمعيات رجال الأعمال يبحثان مجالات التعاونالتربية تحتضن انتخابات اتحاد المعلمين لفرع الوزارةالعاهل الأردني يحضر تدريبا عسكرياً مشتركاً بين بلاده والإماراتسلطة المياه: مصدر المياه في مردا نظيف وآمن(ريتس) تنضم إلى مؤشر فوتسي إبرا/ ناريت العقاري العالمياليمن: اللجنة الاقتصادية تحصر استيراد المشتقات النفطية على شركة مصافي عدنسلطات الاحتلال تستجيب لمطالب أسيرات سجن الدامونماكرون: باريس وواشنطن تريدان التفاوض على اتفاق جديد أكثر صرامة بالنسبة لإيرانسياسي فلسطيني: الخطة الأمريكية تهدف إلى مصادرة حقوق الشعب الفلسطيني
2019/6/26
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

تراتبيات الإضمار والإظهار في أعمال عبد الله الهيطوط بقلم:عبد الواحد مفتاح

تراتبيات الإضمار والإظهار في أعمال عبد الله الهيطوط بقلم:عبد الواحد مفتاح
تاريخ النشر : 2016-07-17
تراتبيات الإضمار والإظهار في أعمال عبد الله الهيطوط

عبد الواحد مفتاح
عبد الله الهيطوط في معرضه

 اللمسة اللإشارية (touche signalétique)  والعلامة الصباغية التي تَهتَبِل إلى خُطاطات الإضمار والإظهار، المَسنودة بخِفّة الأثر، هي الحالة البارزة لأعمال عبد الله الهيطوط، الذي جَنح في أعماله الأخيرة، بعد مَعرضه الأخير برواق "نظر" بالدار البيضاء، إلى استخدام المذكرة (l'agenda)كسند لمُربعه الأيقوني.. المذكرة بما هي رفيق السفر والتجوال في عوالم الطبيعة والمفَكّر فيه، تحضُر هنا كزاد رئيسي (fondamental) ومُكوِن أولي ولا نهائي للوحته، التي تحمل صفة البداية.. البداية التي تَتَمنّع في طقس  عتبة أن تكون. فكل عمل فني هو نقطة بدأ أو انطلاق نحو...

المذكرة كسند، بهذا، هي مغامرة مَحفُوفَة بالتساؤل، كيف يُمكن الاشتغال على سند غير محايِد؟ سند يحمل صفة مُسبقََة.. فهو ليس فارغ، ومليء بما يُمثِله من يَومي ووقتي، يَقتَنصُه الفنان في لحظة لا تَشيخ. لحظة ذات شحن إبداعي يَتمثلُها بلطخاته التَجميدية ليَصير الوقت حالة مُتحَجِرة داخل مُربعِه، الذي هو دعوى إلى الإنعِتاق والتسامي في بعده الإنساني.

إلى جانب شفيق الزكاري وعزيز أزغاي وآخرين قليلين ورائعين.. يُعتبَر عبد الله الهيطوط من الفنانين القلائل، الذين تَعيش لوحاتهم حالة بَحث دائِب. فهو لا يَركَن إلى جاهزية نسق ما، بقدر ما تَجده مُنشغلا في دَيمومة الحفر والتنقيب الرَكِيز.. ما يَجعل مرسمه يعرف إنتاجية فنية بِموتِيفات (motifs ) غزيرة تُعتبر في كثير من طُروحاتها، لحظة بارِقة، من حيث هي تجاوز أزمة داخل الفعل التشكيلي، فانتِقالُه من ثيمة إلى أخرى، مع التعْويل على تقنيات  (techniques) جديدة بشكل متواصل يجعل لوحة هذا الفنان، إلى جانب لمعانها المضيء، ذات نُزُوح تجديدي على مستوى الرؤية، وهذا ما نحن  بحاجته داخل المشهد التشكيلي المغربي بعمق.

أعمال (les œuvres) هذا الفنان هي تفجير للشكل، وتَحطيم لمفهوم الحَيّز، بما هو حد بين إنسان وآخر، يَلتحم فيها الموضوع بموسيقالية اللون عنده، وهي موسيقالية تَعرف تماهيا وتلاعبا، مع ما يطرحه مربع اللوحة من فِتنة لونية تَتمخّضُ عن سعادة المعنى وبهائه.

قيمة الحرية (valeur de la liberté) هي كل ما تَنشُده لوحة عبد الله الهيطوط، وهي قيمة لا تَستمِد نسْغها هنا، من سياق دلالي (contexte sémantique) رَكّبها عليه، بقدر ما هي فعل تفاعل يُبَلّغُ عن ذاته داخل اللوحة، عبر استقلالية ما تَدّعيه عن كل تقليدانية مُراوغَة داخل بُؤرته البَصرية.

كيفما نَظرتَ إلى لوحة هذا الفنان تَجد ألوانها تَضُمّ عِدة طبقات من التأويل المُتعدِد، لتُشكل بذلك صورة تَتأرجح بين إيقاع اللَون ومَجازِه. فما تَعرفُه من اشتِغال مُكثَف على التَركيبات الشعرية، والرسومية المُؤثَثَة فوق تجريدية صِرفة، هو وجه لتعبيرانية مُشاكِسة تَشِعّ بالفيض الصوفي العِرفاني، وهو فيْض تعبُ الوصل إليه واضح على مستوى العمل داخل اللوحة.

أعمال عبد الله الهيطوط التي تُضْمِرُ أكثر مما تُظهِِر مُسْتأنِسَة بجمالية البتر والانمِحاء، ضَلّت وفِيَة لقلقها الهادِر الذي هو ميزة المشروع الجمالي لهذا الفنان، الذي نَقش اسمه بإزميل مُجتهِد في مدونة التشكيل المغربي المعاصر. فَتَقصي دروب النور على مستوى الإنساني واللّعب الحر بالمُفردَة والجُمل اللونية على مستوى التعبير الجمالي، كلها إلى جانب عوامل أخرى أعْطته حُسن تلقي سريع وتجاوُب مهم من طرف متتبعي الحركة التشكيلية، من مهتمين ونقاد.

أعمال هذا الفنان الأخيرة مِن مَعزوفات لونية وتشكيلية، هي قوة من أجل استقلال الإنسان عما يُكَبّلُ الجوهري داخله، لهذا تَجدها تَرتَهِن إلى تحرير السند، نفسُه الذي هو غيره في كل لوحة، من فكرته المرهونة بالاستهلاك اليومي  والعابر، عبر ترحيله نهائيا من ماديّتِه إلى حياته اللونية هذه، التي هي غَيرُ فيض صوفي يَحْبَل بأسراره، وفِتنتِه التي تَتزَيا بموسيقى تتراقص في صمت ناعم.

فعبد الله الهيطوط فنان عميق في تأملاته، وبليغ في انتِقائيَتِه الصباغية، لهذا تَجد لوحته تتّصف بهرمونية (Harmonie) تُسْلِمك إلى فضاءات الوعي بالباطن.. فرُبّ إشارة أبلغ من لفظ. فاللوحة، هنا، ليست مُجرد موضوع مُتعة، قابلة لتأويلات دلالية عديدة، بقدر ما هي نَسيج عن مشروع جمالي عالِم، يَتجاوز بعضه البعض باستمرار فيما يَهتبِِل له هذا الفنان من بحث شاغله التجديد (l’innovation/renouvellement)  ومَرجِعُه تَكوين أكاديمي رزين.

لوحة عبد الله الهيطوط هي لغة مفتوحة على سعادة الرسم بلا عُدة تخطيطية .. أبجديتها اللونية ساكِنُها خلخلة للمُنْطَبع والسائد، وكشف يُشَمّر عن جُهده، ليَخلق فضاءاته بلمسة مُجتهدة.

لا شك، كما دَلّلتْ على ذلك إجماعات عديدة وغير غائمة، أن الإنسانية ستبدأ بالتّحَسن عندما تأخذ الفن على محمل الجد، تماما كالكيمياء أو الفيزياء أو المال. الفن مُهم بعمق، خاصة في مجتمعنا المغربي هذا، الذي يَعيش حالة جفاف وفراغ قيمَة كبير، وهو الوضع الذي لا يمكن أن يَتصدى لتَجاوُزه إلا فنانين مُضيئين هاجِسهم مشروع جمالي حقيقي وفاعل، وقُدرَة منيرة على الاجتهاد والإبداع (Diligence et créativité) في غير إدعاء، أو تَزَرُّف (من يطيل عنقه أطول من زرافة).

إلى هنا بُروز أسماء شابة وجادة، استَطاعَت أن تُؤسِس للوعي بالأزمة (la crise) إلى تَقديم إبدالات تَأسيسية ضابطة لشَرْطية مَشروعية مَشروعها الجمالي.

عبد الله الهيطوط أحد هذه الأسماء، التي تَشتَغل في صمت لَيّنٍ ومُثمِر.

وهو نَفسه الصَمت الذي يَصير له أن يُصبِح إضاءة واضحة على مُستوى الاشتغال المتوهج داخل لوحة التَشكيل المغربي.

 
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف