الأخبار
وفد حماس يغادر القاهرة للعودة برد مكتوب على المقترح الجديد لوقف إطلاق الناربلينكن: أمام حماس مقترح سخي جداً وآمل أن تتخذ القرار الصحيح سريعاًتضامناً مع فلسطين.. احتجاجات الجامعات الأميركية تتسع وسط مخاوف إلغاء مراسم التخرجتل أبيب تستعد لإصدار الجنائية الدولية أوامر اعتقال ضد مسؤولين إسرائيليين كبارإعلام إسرائيلي: 30 جندياً في الاحتياط يرفضون الاستعداد لاجتياح رفحقناة كان: القيادة الإسرائيلية منقسمة بشأن مستقبل الحرب في غزةارتفاع درجات الحرارة يفاقم معاناة النازحين في غزة ويزيد من البؤس اليوميالأمم المتحدة: إزالة الركام من قطاع غزة قد تستغرق 14 عاماًتصاعد الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأميركية ضد الحرب الإسرائيلية على غزةتفاصيل المقترح المصري الجديد بشأن صفقة التبادل ووقف إطلاق النار بغزةإعلام إسرائيلي: إسرائيل تستعد لاجتياح رفح "قريباً جداً" وبتنسيق مع واشنطنأبو عبيدة: الاحتلال عالق في غزة ويحاول إيهام العالم بأنه قضى على فصائل المقاومةبعد جنازة السعدني.. نائب مصري يتقدم بتعديل تشريعي لتنظيم تصوير الجنازاتبايدن يعلن استثمار سبعة مليارات دولار في الطاقة الشمسيةوفاة العلامة اليمني الشيخ عبد المجيد الزنداني في تركيا
2024/4/30
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

لعنات بوسطن بقلم:خليل الشيخة

تاريخ النشر : 2015-04-29
خليل الشيخة
قصة قصيرة
كان يوماً صبابياً كئيبا، دخلت المطبخ ثم بدأت أقطّع رؤوس الخس لإعداد سَلطة يوم الأحد في المطعم الذي كنت أعمل فيه. لم يكن قد حضر من الطباخين إلا اثنان، شاب عربي يثرثر مع النادلة، والآخر أمريكي يقطع سمكة ضخمة ويرقص على أغنية (مادونا)، وقد شحنه الوجد والطرب فأخذ يرفع السكينة في الهواء عالياً ويهزها على النغمات بشكل ينسجم مع الإيقاع. لم تكن هذه الضجة لتثير انتباهي أو تزعجني، فقد انكببت على رؤوس الخس أمسكها في يد وأهوي عليها بالسكين باليد الأخرى بشكل لا إرادي، وقد سمحت لشرودي أن يستبد بي في تلك اللحظات، لأنه غالباً ما كان ينقلني بعيداً عن المطاعم و الخس والشغب ويرميني وراء البحار، في أحضان الوطن والذكريات. لكن النتيجة كانت هذه المرة أني هويت على أصبعي بالسكين بدلاً من الخسة. قفزت على الأرض كالقرد بضع مرات ثم وضعت أصبعي المجروحة بين ساقيي منحنياً من الألم. ركض الشاب العربي، الذي كان يثرثر، وشد يدي ليرى الجرح ثم قال مبهوراً:
- الله لا يعطيك العافية، لو تعمقت السكينة شعرة لقطعت أصبعك. لم أنظر إليه، بل حافظت على وضعي الأول. بعدها مشيت إلى صنبور الماء مسرعاً لأغسل يدي من الدم المتدفق. لكن راعني شكل وجهي في المرآة و لونه الذي امتزج ببقع صفراء و أخرى خمرية. طلبوا لي سيارة أجرة و أمروا السائق بإيصالي إلى المستشفى حالاً. صعدت السيارة ثم أحكمت الخرقة التي وضعوها على أصبعي ماسكاً إياها بيدي الأخرى وجرحي يتأجج ألماً. أقلع السائق الأسود في شوارع بوسطن. وكان يضع في رأسه مشطاً ذا أنياب طويلة، سألني دون أن يلتفت إلي: ماذا حدث لك ؟ قلت بصوت منخفض: حادث سكين .. فأرتعش قليلاً وأردف: هل كنت في مشكلة يا رجل؟! فقلت : أرجوك أن تقود السيارة بسرعة. في الطريق شعرت بضيق في التنفس وأحسست أني أرزح تحت أطنان من الألم. فتحت النافذة فدخلت نسائم باردة حزينة لفحت وجهي وسببت قشعريرة في جسمي، فهرعت أغلق النافذة واضعاً يدي تحت إبطي. سمعت السائق يتكلم، لكن الصوت كان بعيداً كأنه من جب مغلق. أحسست أن السماء تقترب مني حتى تكاد تخنقني، وأضحى وشيش عجلات السيارة وخزا في أذني كرعد صاخب، فكل ما هناك بات مأتماً في كياني المتهالك، ولم أفق من غيبوبتي إلا على صوت السائق الأسود الذي تردد بضع مرات: تفضل .. هذه المستشفى، أرجو لك يوماً سعيداً يا سيد ..
عندما نزلت من السيارة واتجهت نحو مدخل الطوارئ. تخيلت أني سأقطع أميالاً قبل أن أصل إلى الداخل، خاصة وأن خطواتي ترسم أخماساً وأسداساً كسكران ضل الطريق. كانت الساعة قد بلغت الحادية عشر قبل الظهر، وقد بدأ الناس يغادرون الكنائس، بعضهم يحمل مظلات تقيهم من المطر والبعض الآخر يتراكض كالقطط في الطرقات، والأشجار التي اعتمرت على جانبي الشارع مبللة بالغيث البارد تقف حزينة صامتة وكأنها تقول دثروني ...
دخلت بهو غرفة الطوارئ، فوجدت أناسا يجلسون بصمت ماعدا جهاز التلفزيون الذي كان يعرض برنامج " كيف تحافظين على وزنك"، ثم قرأت لافتة " الرجاء الحفاظ على الدور حتى يناديك الموظف" فوقفت وراء سيدة عجوز بثيابي التي تفوح منها رائحة الطبخ. لم أنتبه إلى الحديث الذي دار بينها وبين موظف الاستقبال، إلا أني رأيته يشير لها أن تدخل إلى غرفة تؤدي إلى مكان الفحص. ثم أشار لي بإصبعه أن أتقدم، ففعلت وشرع يملي استمارة مطولة وأنا أجيب بكلمات متقطعة. أخيرا أشار لي أن أجلس وانتظر حتى أسمع اسمي، فسحبت نفسي إلى أقرب كرسي ورميت بكاهلي الذي أصبح وزنه لا يتناسب مع قدرتي الخائرة. وسرت في نفسي رغبة في أن أحطم التلفاز الذي يزيد من ألمي بصخبه الرتيب وظهور نساء مفرطات في السمنة يتحولن إلى نحيفات بسبب استعمال حبوب "السيدة النحيفة". لفت نظري نجمة داود المعلقة على الجدار وقد انعكس الضوء المسلط من السقف عليها فبدت متوهجة شامخة بلونها الذهبي، ثم كتب تحتها عبارة باللغتين الإنكليزية و العبرانية لم أستطع قراءتها لبعدها.
أطل كهل من قسم الفحوصات على عكازه متجهاً إلى الباب الخارجي في عسر، وفي كل خطوة يتوقف ويلهث ثم يتابع متلمساً الطريق، ثم مر فوج من الأطباء يرتدون مرايل بيض ناصعة وقد وضعوا قلانس صغيرة على نقرة رؤوسهم، يتجادلون بصرامة ومن الممكن سماع أصواتهم دون فهمها، وفي الوقت نفسه واجههم رجل كبير في السن رفعوا أيديهم له وهم يقولون:
شالوم ..بعدها عرفت أني داخل مستشفى يهودية، وهذا أمر ليس غريباً، فالمنطقة التي أسكن، هي قرب حي (بروكلين) اليهودي وفيها الكثير من تلك القلانس ونظرات ازدراء للشرقيين العرب. وهنا، عرفت أن وقعتي سوداء.
على الجدران، علقت صور للقدس وقد كتب بخط عريض في الأسفل (اورشليم-إسرائيل). ثم قرأت بالأحرف الإنكليزية على مدخل المرضى كلمة أنيقة وجذابة: شالوم، لكنني توقفت عن النظر عندما سمعت صوت أنثى يأتي من مكبرات الصوت بنعومة وينادي: الدكتور جاشوى وايزمين الرجاء الحضور إلى غرفة العمليات.
بجانبي جلست امرأة سوداء تتحدث إلى صديقتها وقد تدلت من رأسها جمائر كثيفة، وحركة يدها مستمرة مع فمها ولم يكن على وجهها أي تعبير للغضب:
- سأتركه إذا ما استمر بالتردد على جاكي، إنه فعلاً رجل لا يخجل ..
وترد عليها صديقتها :
- أنا لا أظن أنه يحب جاكي، لكنه يتلذذ في استعمال المخدرات معها .. وتقاطعها صاحبة الجمائر:
- أتى الليلة الماضية ثملاً وحاول أن يدس مؤخرته السوداء بجانبي، لكني اتصلت بالبوليس!.. وان مستر ( رش ) زوج شيلا يحاول أن يخرج معي، وأخشى أن تعلم زوجته ..
وما أن أنهت جملتها حتى نادت عليها الممرضة : توميكا جاكسون، فقامت تقفز والكتل اللحمية تهتز حولها كبالون مليء بالماء. عبر الباب مرت مجموعة من الرجال يضعون قلانس سود وقد تركوا لحاهم الكثة السوداء تطول حتى بدت كالمقشة الناعمة . في تلك اللحظة كان قد مضى من الوقت ساعة ولم ينادي علي أحد. نظرت إلى الخرقة الملفوفة حول أصبعي، فأصابني وجل من لونها الذي أصبح خمرياً قاتماً من الدم الذي تشربته. انقضى برنامج "كيف تحافظين على وزنك" و (السيدة النحيفة ) وبدأ فيلم كابوي (ستموت رغماً عنك) وظهر رجال يقودون خيولاً وآخرون يطلقون النار من ورائهم.
وعندما أدركت أن هناك أناساً جاءوا بعدي ونادتهم الممرضة، ذهبت إلى الموظف الذي كان يتظاهر بالانشغال، رفع رأسه مثبتاً نظارته ونبر بصرامة:
- نعم يا سيد!فتكلمت بصوت أتى إلي كهدير أمواج البحر في الليل. فرد باختصار:
- نحن نأخذ الحالات الأكثر خطورة فقلت بصوت مبحوح هذه المرة :
- لكن حالتي خطرة، ودمي لم ينقطع عن النزف!رفع نظارته ثم عينيه فبدا شكله كالحمار الوحشي الذي شاهدته في حديقة الحيوانات وعندما تكلم خلته ينهق:
- تفضل يا سيد من فضلك وانتظر. رجعت إلى مكاني خائر القوة، لكن موظف الاستقبال هذا ذكرني بالإضافة إلى حديقة الحيوانات، بالدوائر الحكومية في الوطن العربي ومسألة الانتظار المفروضة.
وبعد ساعتين من الإنتظار في الصالة ومشاهدة أفلام الكاوبوي ومراقبة الداخلين والخارجين أتت ساعة الفرج، نودي على اسمي بشكل ساخر أو هكذا خيل إلي. سحبوني إلى غرفة صغيرة، جلست على كرسي كان مخصصاً للمرضى، وأمرتني الممرضة بنفس طريقة موظف الاستقبال بأن أفك الخرقة عن يدي ثم أعطتني قارورة صغيرة من الكحول وأشارت لي بأن أنظف أصبعي وقالت بأن الطبيب سيأتي خلال ربع ساعة.
جلت بنظري في أرجاء الغرفة فقرأت مرة أخرى هذه (الشالوم) وتضرعت إلى السماء أن لا يكون الطبيب من أولئك الذين تركوا لحاهم تتدلى كالمقشة. وخطفني مستودع ذكرياتي فرأيت جدتي تجلس قبالتي وهي تروي لي حكايات عن اليهود الذين كانوا يسرقون الأطفال من أمهاتهم ويحبسونهم في غرفة شبيهة بالتي أنا فيها ويأتي واحد منهم ومعه ساطور يفرم الطفل إرباً صغيرة ثم يطبخه، وكنت غالباً ما أخاف الذهاب إلى النوم في تلك الليلة المليئة بالكوابيس. دخل الطبيب بعد مضي نصف ساعة ولم يكن من جماعة اللحى، جلس ووضع العدة أمامه وشرع بالعمل من دون مادة التخدير. يدخل الإبرة في أصبعي ويخيطها بدقة، وأظن أن كل من في المستشفى قد سمع صراخي.
حين غادرت المستشفى إلى الشارع بكيت طويلاً ليس لألمي فقط، بل لأني شعرت وكأنني على كوكب آخر، بعيد عن الإنس. استدرت إلى المبنى فوجدت لائحة ضخمة ذات شموخ كالذي في نجمة داود المعلقة على الجدار في بهو المستشفى وقد كتب عليها (مستشفى إسرائيل) ركضت محاولا أن أجد سيارة أجرة لأبتعد عن ذلك المسلخ.
كانت الأمطار ما تزال غزيرة والشوارع خاوية إلا من الأشجار الحزينة التي أرغمت على أن تظل هناك والريح اللاذعة تصفع وجهي الدائخ..أركض مبتعداً قليلاً قليلاً وفجأة توقفت سيارة أجرة. فشعرت بأنني أمسك بمفتاح الأمان، حين صعدت السيارة هالني المنظر، كان السائق يضع قلنسوة على نقرته وله لحية سوداء كالمقشة، فتركتُ البابَ مفتوحاً وجعلت أعدو وكأنني في سباق مع الريح .
بعد أن وصلت إلى البيت عزمت على شيء واحد وهو أن أترك بوسطن كلياً .
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف