الأخبار
لمدة 10 أيام.. تعليق إضراب اتحاد موظفي "أونروا" في الضفة بدءاً من الخميسنقابة مستوردي المركبات بغزة يستنكر احتجاز إدارة الجمارك للسيارات المستوردة على معبر بيت حانونبلدية برشلونة تلغي اتفاقية التوأمة مع تل أبيبارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين جراء زلزال تركيا وسوريا إلى 72ارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين جراء زلزال تركيا وسوريا إلى 72هنية يصل القاهرة على رأس وفد رفيع لبحث هذه الملفاتمجدلاني يطالب بالضغط على الاحتلال للإفراج عن الأموال المقتطعةكشفان جديدان للسفر عبر معبر رفح البريتوقيع اتفاقية اختبار تطبيق "دفعاتي" لدى سلطة النقد الفلسطينيةالاتحاد العام للجاليات الفلسطينية في أوروبا ينظم حملة مساعدات لمنكوبي الزلازل في سوريا وتركياالمملكة العربية السعودية تطلق النسخة الثانية من مؤتمر القطاع المالي (FSC) يومي 15 و16 مارس/آذار 2023 في الرياضالرئيس عباس يهاتف الأسد ويعزيه بضحايا الزلزالاستئناف العمل في بحر غزة بدءاً من صباح الخميستسرب مياه إلى مصليات المسجد الأقصى وانهيار بلاط على أبوابهشباب رفح يقرر التوجه للجنة الاستئناف باتحاد الكرة
2023/2/8
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الميثيولوجيا الاغريقية - كتاب من تأليف احمد صالح الفقيه

تاريخ النشر : 2013-12-19
الميثيولوجيا الاغريقية - كتاب من تأليف احمد صالح الفقيه
الإهداء
إلى عاشقة القصص
ابنتي إكرام
الفهرس
المقدمة    6
الفصل الأول الآلهة القديمة والآلهة الثانوية    17
جيا وأبيها كيوس    19
الإله يورانوس والإلهة آفروديت    20
التيتانات (العمالقة)    22
الإله كرونوس وزوجته ريا    23
الإله بروميثيوس    26
الإلهة أدراستيا (الحاجة)    29
الإيرينيات    29
الأقدار إلهات المصائر الثلاث    31
الإلهة ليتو    32
الإله مورفيوس    33
الإله هيليوس    33
الإله بان    35
الإلهة إيثر    36
الإلهة أمفيترايت    36
الإلهة هيرمونيا    37
الإلهة هيب    37
الإلهة هيكات    38
الإلهة آيريس    38
الميوسات، ربات الإلهام التسع    39
المواهبربات المرح الثلاثة    40
الحوريات    43
الفصل الثاني آلهة الأولمب    44
زيوس كبير آلهة الأولمب    48
الإلهة هيرا    51
الإله بوسيدون    54
الإله هاديس    56
الإله إيروس    57
الإله ابوللو    58
الإلهة أرتميس    60
الإلهة أثينا    63
الإلهة ديميتر    65
الإله هيفيستوس    66
الإله آرس    67
الإله ديونيسيوس    68
الإله هرمس    71
الإلهة هيستيا    73
الفصل الثالث أجمل الأساطير    75
ابوللو وهاياسنثس    77
المنافسة بين إيراكين وأثينا    81
آرتميس وأكتايون    89
ادميتوس والسيستيس    95
السنتورات    101
آيروس وسيشي    107
ديونيسيوس، إله الخمر    125
بيرسيوس وميدوزا    137
بيرسيوس واطلس    139
وحش البحر    141
حفل الزواج    144
أفروديت وأدونيس    149
كادموس    155
ميليجر وأطلنطا    161
أطلنطا    168
هيب وجانيميد    173
سطوة الآلهة    177
أورفيوس ويوريديس    185
أرتميس وأكتايون    188
إيكو ونارسيسيس    193
بيجاسوس والتنين    201
أبوللو ودافني    207
بروميثيوس وباندورا    213
المرامدة    223
كاستور وبولوكس    231
سيمونايديس    235
الفروة الذهبية    239
ميديا والملك آسون    246
ثيسيوس    253
هرقل    263
الفصل الرابع لشعر الغربي يحتفي بالأساطير    275

 
المقدمة

 1- الأساطير

الأساطير ظاهرة ثقافية عالمية، فلا توجد ثقافة من الثقافات تخلو من أساطيرها الخاصة. وترجع الأساطير إلى ما قبل عهد الكتابة والتدوين، فهي تراث إنساني شفهي أساساً، انتقل من جيل إلى جيل حتى وصل إلينا بصورته الحالية.

والتعريف الواسع للأسطورة هو أنها قصة تصبح من خلال تكرار حكايتها وتناقلها وتقبل الناس لها على مدى أجيال، جزءاً من التقاليد الثقافية للمجتمع، بل أنها قد تصبح جزءاً من عقيدتهم.

والأساطير أنواع متعددة يصعب تصنيفها بصورة دقيقة. وقد رأى علماء علم الأساطير (الميثيولوجيا)، أن من المفيد تصنيف الأساطير في ثلاثة أنواع رئيسية، تسهيلاً لدراستها وتفسيرها. فهناك الملحمة وهي قصة طويلة تتناول حادثة تاريخية كونية أو اجتماعية مهمة، مثل خلق الكون، أو الطوفان، أو الحرب أو الهجرة العامة. ومن أمثلة الملاحم قصة أوزيريس وإيزيس في الثقافة المصرية القديمة، أو قصة جلجميش في ثقافة الرافدين، أو ملحمة سيف بن ذي يزن في الثقافة اليمنية، أو حربي البسوس وداحس والغبراء في الثقافة العربية من العصر الجاهلي.

والنوع الثاني من الأساطير، عبارة عن قصص البطولات والأبطال. ومن أمثلة هذا النوع سيرة المقداد أو سيرة الأميرة ذات الهمة. وقد ترتقي بعض قصص البطولة إلى مستوى الملاحم بسبب طول نصها وتعدد شخصياتها، بحيث تتجاوز سيرة البطل إلى تصوير حادثة تاريخية كبيرة شارك فيها أبطال كثر فأصبحت سيراً متعددة داخل سيرة. ومن أمثلة تلك الملاحم البطولية سيرة أبي زيد الهلالي، وسيرة عنترة بن شداد.

أما النوع الثالث من أنواع الأساطير، فهو القصص الشعبي (الفولكلوري). ويتميز هذا النوع بقصة بسيطة محورها شخصية ما. وتتناول القصة جانباً من الجوانب الاجتماعية أو الاخلاقية في الأغلب الأعم. ومن أمثلة هذه القصص، القصص المتعددة في كتاب ألف ليلة وليلة، والقصص الشعبي الذي لا يخلو منه أي مجتمع محلي بحيث تتعدد أنواعه ومضامينه حتى ضمن المجتمع الواحد الأكبر.

وتنقسم الأنواع الثلاثة بدورها إلى أقسام عدة، فهناك بين الملاحم ملاحم كونية تفسر أصل الكون وظهور الحياة، وهناك أساطير الآلهة التي توضح دورها في الكون ووظائفها.  وضمن القصص البطولية توجد قصص حروب تخوضها مجتمعات متجاورة، أو قصص أفراد يحققون بطولات ويجترحون أفعالاً خارقة ترفع مكانتهم الاجتماعية. ثم يأتي القصص الشعبي لينقسم إلى قصص الرحلات، وقصص النساء والرجال، والفقراء والأغنياء، والشجاعة والجبن، والبخل والسخاء، وما إلى ذلك من علاقات اجتماعية وقيم أخلاقية.

وتتضمن كثير من الأساطير شخصيات متعددة كالآلهة والشياطين والكائنات الخرافية إضافة إلى البشر. كما تتضمن أفعالاً سحرية وأماكن عجائبية أوبعض تلك الأمور أو كلها مجتمعةً في قصة واحدة أحياناً. ويؤدي الجانب الخيالي من الأساطير وظيفة تعليمية تشرح العلاقة بين العالم الإنساني المادي والعالم الماورائي الغير مرئي، كما أنها تشكل تفسيراً للظواهر الكونية والعادات الاجتماعية والثوابت الأخلاقية.

ومن يتأمل في أساطير أي ثقافة من الثقافات بعمق، يجد بناء شامخاً متماسكاً يشكل أيدلوجية كاملة، تتيح للفرد مواجهة أحد أهم المشاكل الوجودية وهي مشكلة الجانب المعرفي (الابستمولوجي)؛ والذي يتمثل في حيرة الانسان إزاء الكثرة الكاثرة من الأشياء والظواهر التي يتكون منها العالم. فتأتي الأساطير لتتيح له نسقاً من الفهم والتفسير المتماسكين لوجود تلك الأشياء والظواهر الكثيرة، بحيث يمكنه وضع كل نوع من الأشياء، وكل ظاهرة من الظواهر في مكان محدد ضمن أيديولوجية متماسكة، تجيب أو تحاول الإجابة عن أسئلة تشغل الناس إلى يومنا هذا، كأصل المادة والكون والكائنات الحية، والحياة الروحية والموت والبعث والجزاء. إلى آخر ما هنالك من أسئلة شغلت الفلاسفة والعلماء والأدباء ولا تزال.

وهذه العملية تخدم الإنسان على المستوى النفسي (السيكولوجي) أيضاً، فهي تخلصه من الحيرة وتمنحه دليلاً هادياً إلى أنماط السلوك والعادات التي تتيح له الاندماج في المجتمع بصورة فعالة وصحية خالية من الاضطراب والتشتت والشك والخوف. وهي تدعم أنماطاً من السلوك والتفكير مقبولةً اجتماعياً. كما أنها تبرر نقاط ضعف الإنسان والقصور في شخصيته وتعينه على التغلب على المشاعر السلبية وعلى تقبل الظروف الناجمة عن وضعه الاجتماعي.

2- الأساطير الإغريقية

ترجع الأساطير الإغريقية إلى العام 2000 ق.م، وهي تتكون من ملاحم وقصص بطولية وحكايات شعبية تشرح معتقدات وطقوس الإغريق القدماء.

وقد اكتملت هذه الأساطير على يد كل من الشاعرين الكبيرين هزيود وهومر اللذين عاشا في القرن السابع قبل الميلاد. وقد كانت مساهمة هزيود ملحمة ثيوجوني. بينما قدم هومر ملحمة الإلياذة والأوديسة.

وتتميز الأساطير الإغريقية بأن الآلهة فيها تشبه البشر من حيث صورها ومشاعرها. فهي على العكس من الأساطير الشرقية كالمصرية والبابلية والآشورية والهندوسية، ليس فيها نصوص وتعاليم دينية، بل تتكون بكاملها من قصص وتفسر ظواهر الكون واصول الطقوس والعادات الاجتماعية، إضافة إلى قضايا فكرية ووجودية كالقدر والمصير بعد الموت، وتشرحها في أسلوب قصصي.

وعلى الرغم من أن الشراح الغربيين من علماء الميثيولوجيا الإغريقية يدعون بأن الأساطير الإغريقية وبالتالي المجتمع الإغريقي القديم يخلوان من المراتب والحكومات الدينية، فإن الأساطير الإغريقية تناقض هذا الزعم، ذلك أن لكثير من قادة الإغريق وملوكهم –في الأساطير - أصولاً إلهية صارت إليهم عن طريق معاشرة الآلهة للبشر ذكوراً وإناثاً. وهي علاقات تتم خارج الزواج، فتحدث للرجل المتزوج والمرأة المتزوجة، فلا عجب والحال هذه أن يكون لأحد الملوك الخالصي الانتساب إلى البشر أبناء أو بنات من نسل إله ما. وذلك في رأيي يفوق مستوى الحق الإلهي في الحكم الذي كان يدعيه ملوك أوروبا – إذ أن شخصيات ملوك الإغريق هي حسب تلك الأساطير أنصاف آلهة.

وتوجد في الأساطير الإغريقية آلهة متعددة وكائنات روحانية كالحوريات، وحيوانات عجيبة الخلقة، كثير منها ذا أصل إلهي. ونظراً لكثرة الآلهة في المعتقدات الإغريقية، ومزاجية تلك الآلهة، واختلاطها الكثيف بالبشر فقد تميزت الثقافة الإغريقية بنزعة قدرية شديدة، حتى أن الإغريقي كان يعتقد بأن حياته وحظه ومصيره فيها مرتبطان ارتباطاً وثيقاً برضى الآلهة عنه، وهو تأثير للآلهة مباشر ومستمر وليس مؤجلاً إلى يوم بعث وحساب وجزاء، فالجزاء مكافأة كان أم عقوبة حال وآني ويحدث هنا وفوراً. ومع ذلك فقد وازن هذا الجانب المغرق في قدريته أن الأساطير الإغريقية أوضحت حب الآلهة لصفات إيجابية في الإنسان إذا اقترنت بتقديم الاحترام اللائق بالآلهة. وذلك من شأنه أن يؤهل الإنسان لاجتراح الخارق من الانجازات بمعونة الآلهة. وهو كما نرى جانب يشجع الفعل والمبادرة الإنسانيين - ولو مشروطين - ويمجدهما.

وقد توزعت الآلهة على مدن الإغريق فاصبح لكل منها حاميه الإلهي. وكانت المعابد المكرسة لإله من الآلهة أماكن مقدسة يؤمها الناس من أنحاء اليونان لتقديم القرابين، والإيفاء بالنذور، وإقامة المباريات، أو استشارة عرافي المعبد. وكان لكل معبد كهنته وسدنته. فقد كانت هناك إذن مراتبية ووظائف دينية يقف على رأسها العرافون وسدنة المعابد.

ولقد تخللت الطقوس الدينية المؤسسة على الأساطير كل جوانب الحياة الإغريقية، فكانت الطقوس اليومية تقام للآلهة عند الطعام والشراب والحرب والزواج والبذر والحصاد. كما تقام لها الاحتفالات الموسمية عند تغير فصول السنة. وكرس الفن بجميع فروعه للآلهة وحكاياتها وصورها وتماثيلها، وكذلك كانت الملاحم والقصائد والمسرحيات الإغريقية تدور في غالبيتها حول الآلهة. وقد بلغ من تعلق الإغريق بآلهتهم أن كان لكل موضع من المنزل الإغريقي مكان مكرس لإله ما. فللموقد إلهة، ولغرف الأطفال والشباب والعذارى آلهتها، ولغرفة الزوجين إلهته، وللقاعة الكبرى إلهها الخاص أيضاً. وكان هناك مذبح في كل غرفة تقدم عليه القرابين إلى الإله المعني.

وقد أخذت الديانة الإغريقية في الضعف نوعاً ما منذ القرن الثالث قبل الميلاد، فهاهو ذا المؤرخ هومرس الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد (وهو غير الشاعر هومر) يسجل اعتقاداً أخذ يشيع في عصره مؤداه، أن الآلهة الإغريقية لم تكن في الأصل إلا شخصيات من الأبطال البشر تم تحريف سيرها وأكسبت طبيعة إلهية مع تقادم الزمن. أما الفيلسوف بروديكوس الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد فيصف الآلهة الإغريقية بأنها تجسيد لظواهر طبيعية كالسماء والأرض والشمس والقمر والمياه والرياح. ويدلي معاصره المؤرخ هيرودوتس بدلوه فيذكر أن كثيراً من الطقوس الإغريقية مؤروثة عن المصريين وديانتهم العريقة.

ومع نشؤ الحضارة الهيللينيستية الإغريقية وانتشارها في كثير من بقاع العالم منذ العام 323 ق.م مع غزوات الاسكندر المقدوني، أصبح للإغريق وثقافتهم شأن عالمي تجاوز حدود اليونان. وهي ثقافة ورثها واعتمدها الرومان الذين يرجع مؤسسوا حضارتهم بأصولهم إلى مدينة طروادة كما تزع الأساطير الرومانية وخاصة ملحمة الإنياذة للشاعر والكاتب الروماني الكبير فرجيل. ومن ثم فقد اعتبر العالم الغربي المعاصر أن أصل ثقافته هي الثقافة الإغريقية ووصف الثقافة الإغريقية بأنها ثقافة غربية قديمة قلباً وقالباً. وهذا الزعم الغربي الذي يتجاهل ويتناسى التأثير المباشر والقريب للثقافة الإسلامية في الحضارة الغربية الحديثة عبر الوجود العربي الإسلامي في الأندلس، يجد سنداً له في احتفاء الفنانين والشعراء والمفكرين الغربيين بالثقافتين الإغريقية والرومانية القديمتين منذ نهاية القرون الوسطى الغربية وبداية عصر النهضة، وهو ما يتضح في أشعار الشعراء ولوحات الرسامين وتماثيل المثالين التي تملأ المكتبات والمتاحف الغربية. كما تجد الثقافتان الرومانية والإغريقية انعكاساتها في مسرحيات وروايات بل وأفلام الغربيين المعاصرين. وهو ما يجعل الشكل الذي أراده الغرب لثقافته واقعاً صلباً متماسك البنيان.

ولنقارن ما تقدم بما يدعو إليه بعض العرب الذين ينادون بالقطيعة مع التراث في كل مجالات الفكر والأدب والفن، في محاولة لاجتثاث ثقافتهم العريقة وإفقاد أبنائها ذلك البناء الشامخ الصلب الذي يجب أن يؤسسوا عليه إبداعاتهم، ليكون لثقافتهم شأنها العالمي العظيم الذي يضاهي أرقى الثقافات وأعظمها شأناً. ولكنهم يريدون بدعوات القطيعة تلك تحويل الثقافة العربية المعاصرة إلى مسخ منبت الجذور يجد بدايته في نتاج بعض أعلام الغرب في مختلف الفنون، متجاهلين أن أولئك الأعلام الغربيين إنما بنوا انتاجهم على ما اعتبروه أساس حضارتهم. فنحن نرى الأساطير اليونانية تشيع في علم النفس الذي أسسه فرويد، ونرى علماء الفلك يسمون كل مجرة ونجم وكوكب وقمر باسماء مستمدة من الأساطير الإغريقية والرومانية، ويحذوا حذوهم علماء الطبيعة (الفيزياء) فيسمون مكتشفاتهم بأسماء ذات أصل إغريقي أو لاتيني قديم، وكذلك الأمر مع علماء الأحياء بفروعها المختلفة.

إن الإنسان يبدأ في تشرب ثقافته الخاصة منذ نعومة أظفاره، بل إن الاكتشافات العلمية الحديثة تذهب إلى أنه يتلقى بعض عناصرها وهو لايزال بعد جنيناً في بطن أمه، فالجنين كما يقولون يستمع إلى الموسيقى والأصوات ويتأثر بها.
إن المرء ليشعر بالخجل من أن أمة فيها آلاف الشعراء والرسامين ومئات المثالين ليس في أعمالهم صدى لتراثنا العظيم إلا النزر القليل. وهي حالة لا يملك المرء إزاءها إلا الدعاء والأمل في أن تتغير فتستقيم أحوالنا الثقافية على الأقل لأنها المقدمة التي لابد منها والأساس اللازم لبناء حضارة معاصرة حديثة قادرة على الإسهام على قدم المساواة في الحضارة العالمية.

إن استلهام التراث في الفن والأدب لا يعني الابتعاد عن الحداثة فلكل شيء مكانه في الصورة العامة التي يرفد بعضها بعضاً وتمسك عناصرها بعضها برقاب بعض فيكون القديم أساساً للجديد والجديد أساساً للأجد. ولكن المهم أن يكون المبدع واعياً بالأرضية الثقافية التي ينطلق منها وليس مجرد التقليد للتقليد.
أرجو أن يستمتع القارئ الكريم بقراءة هذا الكتاب قدر استمتاعي بجمع مواده من مصادرها المتعددة وترتيبها وتعريبها لتخرج إليه في حلتها هذه.

أحمد صالح الفقيه
صنعاء - 2001م












الفصل الأول
الآلهة القديمة  والآلهة
الثانوية

 





نحت المثال الإغريقي فيداس تمثال زيوس الذي بلغ ارتفاعه اثني عشر متراً عام 435 ق.م.
(هذا النقش الذي يصور التمثال هو للفنان الهولندي مارتن فان هيمسكيرك).
 
آلهة الإغريق القديمة

جيا وأبيها كيوس

تمثل الإلهة جيا الأرض الأم في الأساطير الإغريقية، وهي ابنة (كيوس) الذي هو الحالة الأولى للكون، وهي حالة من الظلام الدامس والصمت المطبق. وقد انبثقت عن تلك الحالة كل الكائنات. وطبقا لملحمة هزيود المسماة ثيوجوني، فان كيوس أوجد كتلة صلبة هي الأرض فتصاعدت منها سحب وأبخرة كونت السماء. وقد اصبحا على التوالي جيا (الأرض) ويورانوس (السماء). وكان لكيوس ابنان آخران هما تارتاروس (مستقر الموتى العميق)، وآيروس (اله الحب، الذي يمثل قوى التناغم والاختراع والإبداع في الكون). وقد صورت الأساطير اللاحقة كيوس بأنه الحالة التي كان عليها الكون قبل تكون المادة، والتي انبثقت عنها الأجرام السماوية ونظامها البديع.

وجيا هي زوجة يورانوس وأم التيتانات (العمالقة)؛ أول من سكن الأرض والسماء. وقد كان من ضمن التيتانات (العمالقة) أبناء جيا ويورانوس، التيتانات (العمالقة) من السيكلوبات ذوي العين الوحيدة في الجبين، والهيكاتنشيرات ذوات الخمسين رأسا والمائة يد. وقد قام يورانوس بحبس هؤلاء الأخيرين في مكان سري. فغضبت أمهم جيا لهذه التفرقة في المعاملة بين أبنائها، وعزمت على تخليص الهيكاتنشيرات  من محبسها. وقد تمكنت من إقناع ابنها كرونوس بان يطيح بابيه، وبالفعل تمكن كرونوس من التغلب على أبيه يورانوس عندما قطع له مذاكيره أثناء صراعهما. وبذلك تمكنت جيا من إخراج أبنائها العمالقة من دم الأب الذي أريق عليها (على الأرض جيا). كما خرجت منها الإيرينيات الثلاثة، وهن آلهات النقمة والغضب والظلام. أما اشد من أنجبتهم جيا بأسا، فقد كان وحشا رهيبا ذا مائة راس اسمه تيفون، والذي يعتقد انه لا يزال يقذف النار والحمم من فوهة بركان أتنا، على الرغم من تغلب الإله زيوس عليه، وحبسه له في باطن الأرض في تارتاروس.

الإله يورانوس والإلهة آفروديت

اله السماء وتجسيدها يورانوس، هو زوج جيا التي تمثل الأرض. وقد كان يورانوس والد التيتانات (العمالقة) التي قامت تحت قيادة أخيها الأصغر وزعيمها كرونوس بالإطاحة بوالدها يورانوس وخصته. وتقول بعض الأساطير أن مذاكير كورنوس المقطوعة سقطت في البحر، فانبثقت منها الإلهة أفروديت إلهة الجمال والحب. ومع أن يورانوس كان معبود الإغريق الأقدمين الذين سكنوا اليونان في فترات مبكرة لم يدون تاريخها، إلا انه لم يكن يعبد في اليونان  في الفترات اللاحقة التي دون تاريخها.


لوحة ميلاد فينوس (أفروديت)
(تصور اللوحة انبعاث أفروديت من البحر، وقد رسمها الفنان الإيطالي ساندرو بوتشيلي، ويعود تاريخها إلى ما بعد عام 1482م).

 
التيتانات (العمالقة)

والتيتانات (العمالقة) هم الأبناء الإثني عشر للإلهين يورانوس وجيا (السماء والأرض). وكان بعض أولئك الأبناء يسمون الآلهة الكبار. وقد ظلوا حكاما للكون على مدى حقب طويلة. و تميزوا بأحجام غاية في الضخامة وقوى جبارة. وكان كرونوس (الزمن) اكثر التيتانات (العمالقة) أهمية، وقد حكم الكون إلى أن أطاح به بدوره ابنه زيوس من العرش واستولى على السلطة. ومن أهم التيتانات (العمالقة) الأخرى أوسيانوس (النهر الذي تقول الأساطير انه محيط بالأرض). ومنهم أيضا تيثيس زوجة أوسيانوس، ثم ميموسين إلهة الذاكرة، وثيميس ربة العدالة الإلهية، وهيبيريون أبو الشمس والقمر والفجر، ثم آيابيتوس والد التيتانين (العملاقين) بروميثيوس وإبيميثيوس خالقا الكائنات الفانية، وأخيرا أطلس الذي يحمل العالم فوق كتفيه.

وعندما قام زيوس بالإطاحة بوالده كرونوس؛ لم يقف معه من التيتانات (العمالقة) إلا أوسيانوس وبروميثيوس، ولذلك تم تكريمهما. بينما تم سجن بقية التيتانات (العمالقة) في الدرك الأسفل من باطن الأرض المسمى (تارتاروس). ولكن زيوس لم يلبث أن تصالح مع التيتانات (العمالقة) في نهاية الأمر. فتمت تسمية كرونوس حاكماً للعصر الذهبي الذي مضى تشريفا له.

الإله كرونوس وزوجته ريا
 
وكرونوس (الزمن) هو حاكم الكون في العصر الذهبي. وقد تزوج كرونوس من شقيقته ريا بعد إطاحته بابيه يورانوس. وانجبا معا ستة من الآلهة الإثني عشر الذين عرفوا فيما بعد  بآلهة الأولمب. وكان كرونوس قد علم بأن أحد أبنائه سيطيح به من عرشه، فعمد إلى ابتلاع أبنائه الخمسة الأول بمجرد ولادتهم. وعندما قامت زوجته ريا بولادة ابنها السادس، أخفته في جزيرة كريت، وقدمت إلى زوجها بدلا منه قطعة من الصخر ملفوفة في قماط الطفل فابتلعها ظنا منه أنها ابنه.

وعندما كبر الابن زيوس، اجبر أباه بمساعدة من أمه ريا على تقيؤ اخوته الخمسة الذين سبق أن ابتلعهم. فتقياهم الأب ومعهم الصخرة. وقد تم نقل الصخرة فيما بعد إلى مدينة دلفي.  وبعد ذلك قام زيوس واخوته وأخواته الخمسة بشن حرب على أبيهم كرونوس والتيتانات (العمالقة) الآخرين. وقد تلقى زيوس المساعدة في تلك الحرب من العمالقة السيكلوبات والهيكاتنشيرات، الذين كان قد حررهم من سجنهم الذي وضعهم فيه أبوه. وبعد الهزيمة تم سجن كرونوس والتيتانات (العمالقة) الذين حاربوا معه في تارتاروس وهو مكان في الدرك الأسفل من باطن الأرض. ويعرف كرونوس في الأساطير الرومانية باسم ساتيرن إله البذور والبذار.
 





الإلهة ريا تناول زوجها الإله كرونوس صخرة ملفوفة بالقماش ليبتلعها، موهمة إياه أن فيها ابنه زيوس. (هذه المنحوتة موجودة على قاعدة تمثال موسى في الكابيتالينو بروما، وقد نحتت بين القرن الأول والثالث الميلاديين).

 
الإله بروميثيوس

بروميثيوس هو أحد التيتانات (العمالقة)، وصديق البشر ومعينهم. وهو ابن التيتان (العملاق) أيابيتوس من التيتانة (العملاقة) ثيمس التي عرفت فيما بعد باسم حورية البحر كليمين. وكان بروميثيوس وأخاه أيبيميثيوس قد كلفا بمهمة خلق البشر وتزويدهم وتزويد جميع الحيوانات أيضاً بالمواهب والمهارات التي تمكنهم من الحياة والبقاء. فقام أيبيميثيوس بتزويد الحيوانات بمواهب ومهارات متنوعة كالشجاعة والرشاقة والريش والفرو والمخالب والأنياب والسموم وغيرها من وسائل العيش والحماية. وعندما حان وقت خلق كائن أعظم من بقية الكائنات الحية، وجد أيبيميثيوس أنه كان قد تصرف بطيش في موارده حتى أنه لم يبق لديه شيء يعطيه لهذا الكائن. ولذلك فقد طلب مساعدة أخيه بروميثيوس الذي يعني اسمه (المفكر قبل العمل) بعكس أخيه الذي يعني اسمه (المفكر بعد العمل) وهكذا تولى بروميثيوس مهمة خلق البشر.

وسعياً منه إلى جعل البشر أرقى من الحيوانات، منحهم شكلاً أكثر نبلاً مكنهم من السير على أقدامهم منتصبين. ثم ذهب إلى السماء واقتبس من الشمس ناراً أشعل بها مشعلاً وأهدى النار للبشر. وكانت هبته هذه أثمن من كل ما تلقته الحيوانات من هبات.

وقد أثار تصرف بروميثيوس هذا غضب الإله زيوس الشديد، ليس لأن بروميثيوس سرق النار ومنحها للبشر فحسب، بل لأنه أيضاً خدع الآلهة فقرر لها الجزء الأسوأ من حيوانات القرابين وترك للبشر أفضل الأجزاء. وكأن بروميثيوس قد ذبح ثوراً وفصّله قطعاً وأجزاء،ً وجعل أفضل الأجزاء القابلة للأكل في كومة وأخفاها في جلد الثور، وغطاها بالأمعاء والكرش، ثم قام بتجهيز كومة أخرى وضع فيها العظام وغطاها بالشحم. وعرض الكومتين على الإله زيوس وطلب منه أن يختار كومة منها، فاختار الكومة المغطاة بالشحم. وقد اشتعل زيوس فيما بعد غضباً عندما اكتشف أن الشحم كان يغطي كومة مكونة بالكامل من العظام. وهكذا أصبحت الشحوم والعظام هي الأجزاء التي يتم حرقها قرابين للآلهة، بينما بقي اللحم الجيد للبشر الفانين.

أما بروميثيوس فقد ربطه زيوس إلى صخرة في بقعة من الجحيم اسمها كاوكاسوس، وسلط عليه نسراً يمزقه بمخالبه ومنقاره، فيعود ما تمزق منه إلى حاله الأول ليعود النسر إلى تمزيقه من جديد. ولكن البطل هرقل تمكن فيما بعد من تحريره وقتل النسر.





الإله بروميثيوس مقيد إلى الصخرة والنسر يمزقه.
(هذه اللوحة رسمها الفنان جوستاف مورو في العام 1868م. وتوجد في متحفه في باريس).
 
الإلهة أدراستيا (الحاجة)

وأدراستيا طبقاً للديانة الإغريقية الكلاسيكية هي إحدى الإلهين اللذين كانا موجودين في بداية الزمن. أما الإله القديم الثاني فقد كان كرونوس (الزمن). وللإلهة أدراستيا شأن كبير في الديانة الأورفية؛ وهي ديانة غنوصية لدى الإغريق القدماء، يقال أنها مشتقة من كتابات الشاعر والموسيقي الأسطوري أورفيوس.

الإيرينيات

والإيرينيات هن إلهات الانتقام الثلاث، تيسيفون: المنتقمة من القتلة، وميجايرا الغيورة، وآليكتو الدائمة الغضب. وتقول الأساطير الإغريقية أن الإيرينيات الثلاث هن بنات جيا ويورانوس، ويطلق عليهن في بعض الأحيان اسم بنات الظلام. وتستقر الإيرينيات في باطن الأرض، و يغادرن مستقرهن إلى سطح الأرض لملاحقة المجرمين.

وتصفهن الأساطير بالالتزام بتحقيق العدالة من جهة، وبالخلو من الرحمة، وعدم إقامة وزن للاعتبارات والظروف المخففة من جهة أخرى. وتتسع مهامهن لتشمل معاقبة الناس على جميع الجرائم الموجهة ضد المجتمع الإنساني وقوانينه وأعرافه، كالحنث بالقسم، والإخلال بواجبات الضيافة. أما أكبر الجرائم، فهي في عرفهن جرائم قتل الأقارب، وبخاصة أولئك الذين تربطهم بالقاتل رابطة الدم.

وهاته الإلهات المرعبات ذوات منظر مفزع، فلهن بدل الشعر حيات وثعابين ذات فحيح، كما تقطر أعينهن دماً. وهن يعذبن المذنبين، فيلاحقنهم من مكان إلى مكان حتى يصابوا بالجنون. وهم لا يجدون منهن مهربا ولو ذهبوا إلى آخر الأرض.

وأحد أشهر الأساطير المتعلقة بالإيرينيات هي أسطورة تقص قصة ملاحقتهن للأمير الطيبي (نسبة إلى مدينة طيبة) أوريستيس. وكان هذا قد تلقى أمراً من الإله أبوللو يأمره فيه بالانتقام من قتلة والده الملك آجا ممنون الذي قتلته زوجته الملكة كليما نسترا.

ولم تكن الإيرينيات ليعرن اهتماماً للدوافع التي دفعته إلى ارتكاب جريمة قتل والدته. ولذلك فقد لاحقنه وأوقعنه في حالة شديدة من القلق وعذاب الضمير، حتى قام أوريستيس بالاستنجاد بالإلهة أثينا، التي قامت بإقناع الإيرينيات بقبول دفاع أوريستيس بأنه قد تطهر من ذنبه. وقد قبلن عذره وأظهرن الرحمة تجاهه فأدى ذلك إلى تغيرهن، فتحولن من المنتقمات ذوات المظهر المخيف إلى اليومينيدات حاميات التوابين والمستغيثين.

الأقدار، إلهات المصائر الثلاث

والأقدار في الميثولوجيا الإغريقية هن ثلاث من الإلهات يقمن بتقرير طبيعة حياة الإنسان ومصيره. وتعين هاته الأقدار للإنسان نصيبه من الخير والشر عند ولادته ، ولكن ذلك لا يمنع استزادة المرء لنصيبه من الشر عن طريق ارتكابه للذنوب.

وتظهر الأشعار والفنون هاته الإلهات في صورة عجائز متصلبات قاسيات، وأحياناً في صورة عوانس مظلمات الوجوه مكفهراتها. ويتصورهن الناس باعتبارهن ناسجات، فالأولى واسمها كلوثوهي الغازلة التي تغزل خيط الحياة. ثم لاسيثسيس التي تقسم الرزق، وتحدد مقداره ومدته وتعين مصير كل شخص. أما الثالثة أتروبوس فهي حاملة المقصات الرهيبة التي تقطع خيط الحياة في الوقت المحدد، ولا تتراجع أو تلين أبداً.

ولإلهات الأقدار سطوة عظيمة على الآلهة والبشر؛ فقراراتهن لا تستطيع ردها أو تغييرها حتى الآلهة ذاتها.

الإلهة ليتو

الإلهة ليتو المعروفة عند الرومان باسم لاطونة، هي ابنة التيتانين (العملاقين) ميني وكايوس. كما أنها والدة التوأمين آرتميس إلهة الصيد، وأبوللو إله الطب والعرافة والشمس والرماية، اللذين أنجبتهما من زيوس كبير الآلهة.

وكان زيوس قد نفى ليتو ـ عندما أوشكت على ولادة التوأمين ـ خوفاً من غيرة زوجته هيرا. وقد خشيت كل المدن والبلدان من انتقام هيرا ورفضت السماح لليتو بالإقامة فيها. وفي النهاية، وخلال تجوالها، وصلت إلى جزيرة صغيرة عائمة في البحر الأيجي هي جزيرة ديلوس. وكانت ديلوس جزيرة صخرية جرداء ولكن أهلها احسنوا استقبال ليتو واستضافوها لديهم. وفي تلك اللحظة برزت أربعة أعمدة عظيمة خارجة من قاع البحر، أمسكت بالجزيرة بقوة وثبتتها في مكانها فلم تعد بعدها جزيرة عائمة.

الإله مورفيوس

إله الأحلام مورفيوس هو ابن هيبنوس إله النوم طبقاً للأساطير الإغريقية، ومورفيوس هو الذي يوحي بالأحلام التي يراها النائم. واسم مورفيوس مشتق من الكلمة اليونانية التي تعني الشكل.

الإله هيليوس

إله الشمس القديم هيليوس هو ابن التيتان (العملاق) هبيريون والتيتانة (العملاقة) ثيا، كما انه شقيق كل من سيلين ربة القمر وإيوس ربة الفجر. ويعتقد الإغريق أن هيليوس يركب عربته الذهبية ويقودها عبر السماء يومياً ليهب الضوء للآلهة والفانين على السواء، وفي نهاية رحلته اليومية يغطس في المحيط الغربي، ومن هناك يتم حمله في كأس ذهبية إلى قصره في الشرق. ولا يقدر أحد غير هيليوس على قيادة عربته النارية حتى أن ابنه فيثون قتل عندما أصر على قيادة العربة عبر السماء وسمح له بذلك.

وهيليوس كان معبود معظم الإغريق ولكن طائفته تتركز في جزيرة رودوس؛ حيث كانت توجد إحدى عجائب العالم السبع، وهي عبارة عن تمثال ضخم لهيليوس. وقد تم توحيد هيليوس فيما بعد مع أبوللو إله الشمس الإغريقي الذي عبده الرومان أيضاً بالاسم ذاته.











التمثال العملاق على مدخل ميناء رودوس
(وهذا التمثال الذي يمثل الإله هيليوس إله الشمس القديم هو أحد عجائب العالم السبع، وقد دمره زلزال قوي).
 
الإله بان

وهو إله الرعاة والقطعان عند الإغريق والرومان، وكان يُعتقد بأنه مسبب خصوبة الحيوانات. والإله بان، المولود في أركاديا، يصور في هيئة كائن له صدر وجسم إنسان ولكن بآذان وقرون وقدمي تيس. ووالده هو الإله هرمس وتتضارب المصادر في تحديد اسم أمه؛ فبعضها يقول أنها بينيلوب زوجة البطل الإغريقي يوليسيس وبعضها الآخر يقول أنها الحورية كاليستو.

والإله بان مغرم بالجبال النائية والكهوف ويعزو إليه الناس حالات الخوف غير المبررة التي تنتابهم أحيانا،ً وكذلك حالات القلق والخوف التي تصيب الناس في الجبال الخالية والكهوف.

ولا توجد إلا أساطير قليلة يذكر فيها بان. وتحكي قصة شهيرة، كيف قام بان بتشكيل آلة العزف الصوتية التي تسمى أنابيب بان، (وهي الصفارة ذات الشكل المثلث المكونة من عدة صفارات متراصة متدرجة)، وذلك عندما طارد حورية، فقامت بالتحول إلى شكل حزمة من القصب، فأخذ بان إحداها وصنع منها الآلة المذكورة. ويقول المؤرخ هيرودوتس أن الإله بان ظهر لحامل الرسائل الأثيني فيديبس قبل معركة ماراثون في العام 490 قبل الميلاد، ووعده بنصرة الأثينيين على الفرس الغزاة. وبعد النصر قام الأثينيون بتكريس معبد للإله بان على سفح الأكروبوليس.

الإلهة إيثر

وهي إحدى الآلهة العنصرية (نسبة إلى العناصر الطبيعية) بحسب الأساطير الكلاسيكية. وطبقاً لقصيدة الشاعر الإغريقي هزيود المسماة ثيوجوني التي كتبها في القرن السابع قبل الميلاد، فإن إيثر قد وجدت في مراحل الخلق الأولى، ولكن اسمها لا يتردد إلا نادراً في الأساطير اللاحقة.

الإلهة أمفيترايت

وأمفيترايت هي إلهة البحر، ابنة أوسيانوس (المحيط) وزوجة بوسيدون إله البحر. وتظهرها التماثيل الإغريقية جالسة بجوار بوسيدون في عربة تجرها التريتونات وهم أبناؤها وأبناء بوسيدون.
 
الإلهة هيرمونيا

وهيرمونيا هي ابنة ارس إله الحرب من أفروديت إلهة الحب والجمال. كما أنها زوجة كادموس مؤسس مدينة طيبة. وفي حفل زواج هيرمونيا الذي شهدته الآلهة، أهدت إليها أمها أفروديت عقداً جميلاً صنعه هيفستوس إله الأشغال المعدنية والنار. ومع أن الهدية جلبت لها الحظ الحسن في البداية، إلا أنها لم تجلب لعائلتها إلا الموت والشقاء. وعندما تقدمت السن بكادموس وهيرمونيا تم تحويلهما إلى ثعبانين.

الإلهة هيب

هيب هي إلهة الشباب وابنة الإلهين زيوس وهيرا. وقد خدمت كساقية للآلهة فترة طويلة حيث تقدم إليهم الطعام والشراب الإلهيين إلى موائدهم. وتقول إحدى الأساطير أنها تركت الخدمة عندما تزوجت من البطل الإغريقي هرقل الذي تم رفع مكانته إلى مصاف الآلهة. بينما تقول أسطورة أخرى أنها تركت الخدمة بسبب إصابتها نتيجة سقوطها أثناء خدمتها للآلهة.


الإلهة هيكات

هيكات هي إلهة الظلام طبقاً للأساطير الإغريقية. وهي ابنة التيتانين (العملاقين) بيرسيس وأستيريا. وعلى العكس من آرتميس التي تمثل ضوء القمر وإيجابيات الليل، فإن هيكات تمثل ظلام الليل وجوانبه المرعبة. وقد اعتقد الإغريق بأنها تجوب الأرض في الليالي المظلمة وبصحبتها قطيع من الكلاب الشبحية النابحة. وقد كانت هيكات إلهة للسحر والشعوذة، وكانت معبودة السحرة والمشعوذين بصورة خاصة. وهم يقدمون إليها قرابين من الكلاب والحملان السوداء. وكإلهة لمفترقات الطرق، كان يعتقد أنها وقطيعها من الكلاب يظهرون دائماً في هذه الأماكن البعيدة المنعزلة، التي تبدو أمكنة مسكونة بالأشباح ومليئة بالشر اللذين يترصدان المسافرين. وتظهر هيكات في الأعمال الفنية في صورة امرأة ذات ثلاثة أجساد أو ثلاثة رؤوس وعلى عنق كل منها حية ملتفة عليها.

الإلهة آيريس

وآيريس هي إلهة قوس قزح، وابنة التيتانين (العملاقين) توماس وإليكترا. ونظراً لدورها كمبعوثة للإله زيوس وزوجته هيرا، فقد غادرت الأولمب لنقل الأوامر الإلهية إلى الجنس البشري الذي اعتبرها مستشارة وموجهة له. وهي تسير بسرعة الريح وتستطيع قطع المسافة بين طرفي الأرض، والغوص إلى أعماق البحار أو النزول إلى عالم باطن الأرض. كما أنها أخت الوحوش المجنحة. ويتم تصوير آيريس في صورة شابة جميلة ذات أجنحة، ملابسها أردية ذات ألوان زاهية، وعلى رأسها هالة مضيئة. وتظهر في الصور محلقة في السماء وفي أثرها قوس قزح.

الميوسات، ربات الإلهام التسع

وهن تسع إلهات من بنات زيوس حاكم الكون وكبير الآلهة. وأمهن هي مينموسين إلهة الذاكرة. والميوسات هن ربات الإلهام والخيال ويعتقد أنهن ملهمات جميع الفنانين. وتختص كل ميوس بالإلهام في فن من الفنون؛ فكاليوب كانت ملهمة الشعر الملحمي، وكليو ملهمة التاريخ، ويوثيرب ملهمة الشعر الغنائي الذي يغنى بمصاحبة الناي والمزمار، وميلفومين ملهمة التراجيديا، وتيربيشور ملهمة الرقص والإنشاد الكورالي، وإياتو ملهمة قصائد الحب التي تغنى بمصاحبة العزف على القيثارة، ثم بوليمينا ملهمة الشعر المقدس، ويوراينا ملهمة علم الفلك، وتأتي أخيراً ثالا ملهمة الكوميديا. وقد قيل أن الميوسات هن رفيقات (المواهب) بنات زيوس؛ وهن آلهات ثلاثة للمرح والجاذبية والجمال. كما أن الميوسات هن صويحبات أبوللو إله الموسيقى. وللميوسات مجلس قرب عرش زيوس حيث تمجدن بغنائهن عظمته، وتسردن بالغناء أصل الكون وسكانه، وتتغنين بالأعمال المجيدة للأبطال العظام. وكانت الميوسات تعبدن في اليونان القديمة كلها وخاصة في هيليكون وبيوتيا وفي بيريا في مقدونيا.

المواهب، ربات المرح الثلاثة

المواهب ربات المرح والجاذبية والجمال وهن بنات ملك الآلهة وكبيرها زيوس من الحورية يورينوم.

 وقد سميت الأولى أجلايا وتعني (العظمة)، والثانية اسمها يوفروسين ومعناه (السعادة والمتعة)، أما الثالثة والأخيرة فهي ثاليا (صرخة السعادة). وتحكم الربات الثلاثة حفلات الطعام والرقص وكل المسرات الأخرى التي ترافق المناسبات الاجتماعية. وهن يجلبن المرح والنية الحسنة ليس إلى البشر فحسب ولكن إلى الآلهة أيضاً. وكانت الإلهات الثلاث، الرفيقات الدائمات لإلهي الحب أفروديت وابنها أيروس مثلهن في ذلك مثل رفيقاتهن الميوسات؛ حيث يغنين معاً للآلهة في جبل الأولمب ويرقصن على وقع الموسيقى الجميلة التي يعزفها الإله ابوللو. وتقول بعض الاساطير أن ألجايا تزوجت من هيفسيتوس، الصانع الماهر والحرفي الوحيد بين الآلهة. ويوضح زواجهما العلاقة التي تربط الفن والشعر بالمقدرة على خلق الأعمال الفنية الجميلة.

ولم يحدث إلا فيما ندر أن تم التعامل مع (المواهب) أفراداً ولكن كان يتم النظر إليهن كنوع من التجسيد الثلاثي للموهبة والجمال. وعادة ما يتم تصويرهن في الأعمال الفنية على صورة شابات رشيقات، يرقصن مكونات دائرة راقصة.
 



صورة رومانية من نوع ( فريسكو) من القرن الأول الميلادي لربات المرح الإغريقيات الثلاث (المواهب).
(اللوحة موجودة في المتحف الوطني للأركيولوجيا في نابولي بإيطاليا).

 
الحوريات
والحوريات في الأساطير الإغريقية هن أرواح الطبيعة، ويسكن الآجام والغابات والمراعي وينابيع المياه والسواقي والأنهار والبحار. ويتم تصوير الحوريات على أنهن فتيات شابات جميلات مولعات بالرقص والموسيقى، ولهن قدرات خارقة، كما يوصفن أحياناً بالقدرة على التنبؤ.

وتتمايز الحوريات حسبما يمثلنه من أشكال الطبيعة. ومن الحوريات: الأوسينيدات الثلاثة آلاف بنات أوسيانوس والتيتانة تيثيس ابنة يورانوس وجيا. ومنهن أيضاً النيريدات بنات الإله البحري نيروس، ويوصفن بأنهن حوريات البحر المتوسط. وهناك البوتاميدات حوريات الأنهار، والنايادات حوريات الينابيع، والأوريدات حوريات الجبال، والدايادات حوريات الغابات.
 








 








الفصل الثاني
آلهة الأولمب




تمثال نصفي إغريقي شهير لكبير الآلهة زيوس.
(هذا التمثال محفوظ في المتحف الوطني في نابولي بإيطاليا).

 
آلهة الأولمب

زيوس، كبير آلهة الأولمب

زيوس في الأساطير الإغريقية هو إله السماء، وحاكم آلهة الاولمب. ويعرف أيضاً عند الرومان باسم جوبيتر.

ويعتبره الشاعر الإغريقي هومر أباً للآلهة والفانين على السواء، مع انه لم يخلق آلهة ولا بشرا. وإنما يعتبره كذلك لأنه حاميهم وحاكمهم. وهو سيد السماء وإله المطر وجامع السحب ومالك سلاح الصواعق الرهيب. ولزيوس درع يسمى إيجيس، وله من الأشجار شجرة البلوط، ومن الطيور النسر.

ويحكم زيوس الآلهة في مقرها على قمة جبل الأولمب الواقع في ثيساليا. ويقع معبد زيوس الأكبر في ديدونا من أرض أبيريوس؛ في غابة بين أشجار البلوط. وهو من اقدم المعابد المشهورة بعرافيها. ويقع معبده الكبير الآخر في أوليمبيا؛ حيث تقام على شرفه الألعاب الأوليمبية كل أربعة أعوام. وهناك مباريات أخرى مكرسة أيضاً للإله زيوس، هي الألعاب النيمينية وكانت تقام في نيمينيا إلى الشمال الغربي من أرجوس.

وقد صعد زيوس إلى عرش الآلهة بعد أن أطاح بأبيه كرونوس (الزمن)، الذي كان يبتلع أولاده، وقد كاد أن يبتلع زيوس أيضاً كما فعل مع اخوته الخمسة الأكبر منه. إلا أن أم زيوس أخفته في جزيرة كريت، ولفت صخرة بقماط وقدمته لكرونوس ليبتلعه بدلاً من زيوس. وعندما كبر زيوس تمكن بمساعدة أمه ريا من إجبار أبيه على تقيؤ الأبناء الخمسة، ثم اشتركوا جميعاً في الإطاحة بأبيهم.

وقد اقتسم زيوس واثنين من اخوته العالم، بحيث يحكم هو السماء، ويحكم بوسيدون البحار، بينما تولى هاديس السلطة على باطن الأرض. أما الأرض فقد بقيت خاضعة لسلطتهم جميعاً.

وزيوس قادر على أن يكون أحياناً في منتهى القسوة والظلم. فعندما رآه سيسيفوس وهو يختطف الفتاة الحسناء إيجينا، وأخبر والد الفتاة بما رآه، قام زيوس بإرساله إلى الجحيم في تارتاروس جزاء لوشايته به؛ حيث أجبر على دفع صخرة إلى قمة تل هناك، وما أن يصل بها إلى القمة حتى تتدحرج إلى اسفل، فيعود إلى دفعها من جديد؛ بحيث يظل يفعل ذلك دون انقطاع.
 
الإلهة هيرا

وهيرا المعروفة أيضاً باسم جونو لدى الرومان هي ملكة الآلهة في الأساطير الإغريقية، وابنة التيتان (العملاق) كرونوس والتيتانة (العملاقة) ريا. كما أنها أخت الإله زيوس وزوجته في الوقت ذاته. وقد كانت هيرا إلهة الزواج وحامية المرأة المتزوجة. وهي أم ارس إله الحرب وهيفستوس إله النار وهيب إلهة الشباب وإيليثيا إلهة المواليد. والإلهة هيرا زوجة غيور، وكثيراً ما أنزلت نقمتها بعشيقات زوجها وأطفاله منهن. ومن ذلك أنها كلفت العملاق ذي المائة عين آرجوس باتوبتيس ومعناها (الذي يرى كل شيء) بحراسة عشيقة زيوس آيو ابنه إله النهر إيناخوس. وكان زيوس قد حولها إلى بقرة بكر ليخفيها عن أعين زوجته هيرا، إلا أنها شكت في الأمر فطلبت من زيوس أن يهديها البقرة فأهداها إياها. وبقي آرجوس يحرس البقرة بأمر من هيرا حتى لا يتصل بها زيوس. فلما ضاق الحال بزيوس من مراقبة آرجوس الذي ينام ببعض عيونه فقط في كل مرة، أرسل ابنه الإله هرمس ليخلص آيو، وقد تمكن من حمل كل عيون آرجوس على النوم باستعمال الموسيقى ثم قطع رأسه. ولكن هيرا حولت آرجوس فيما بعد إلى طاووس ووضعت عيونه المائة على ريشه. وهي لا تنسى الإساءة، وكانت معروفة بطبيعتها الانتقامية. فبسبب غضبها من البطل الطروادي باريس لتفضيله إلهة الجمال أفروديت عليها قامت بنصرة الإغريق في الحرب الطروادية ولم يهدأ لها بال إلا بعد أن دمرت طروادة تماماً.
 





الحورية ثيتيس وهي تتوسل إلى الإله زيوس أو جوبيتر كما يسميه الرومان من أجل ولدها أخيل.
(رسم هذه اللوحة الفنان الفرنسي جان أوجست دومينيك آنجرس عام 1811م).
 
الإله بوسيدون

بوسيدون هو إله البحر وابن التيتانين (العملاقين) كرونوس وريا، وشقيق كبير الآلهة زيوس. وزوجة بوسيدون هي الإلهة امفترايت؛ وهي إحدى حوريات البحر الخمسين بنات نيريوس وقد أنجب منها ولداً هو ترايتون.

ولبوسيدون علاقات غرامية متعددة؛ وخاصة مع حوريات الينابيع والنوافير. وقد كان أباً لعدد كبير من الأطفال الذين اشتهروا بوحشيتهم وقسوتهم؛ ومنهم العملاق أوريون والسيكلوب بوليفيموس. وكان من بين أبناء بوسيدون الحصان المجنح بيجاسوس الذي أنجبه من الجرجونة ميدوزا.

ويلعب بوسيدون دوراً في كثير من قصص الأساطير القديمة. فقد نافس أثنيا إلهة الحكمة على حكم مدينة أثينا وفشل أمامها. وهناك قصة أخرى تتحدث عن إخلاف الملك لاميدون ملك طروادة بوعده له وللإله ابوللو بأن يأجرهما بعد أن ساعداه في بناء سور مدينته، فكان انتقامه من طروادة مريعا؛ً حيث أرسل عليها وحشاً بحرياً عاث في أرضها فسادا،ً ثم بعد ذلك، ساعد الإغريق على هزيمة الطرواديين خلال حرب طروادة الشهيرة.

ويتم تصوير بوسيدون في الأعمال الفنية على شكل رجل عار ضخم ذي لحية كثة، وبيده رمح له سنان ذو ثلاث شعب. وغالباً ما يظهر بجواره دولفين. وقد عبده الرومان باسم الإله نيبتيون.


إله البحر بوسيدون.
(رسم هذه اللوحة الفنان الإيطالي أنجلو برانزينيو من القرن السادس عشر، وهي حالياً في بينالي دي بيريرا في إيطاليا).
 
الإله هاديس

وهو إله الموت، وابن التيتانين (العملاقين) كرونوس وريا، وشقيق زيوس وبوسيدون، وأحد حكام الكون الثلاثة الذي اختص بحكم باطن الأرض، ويشارك في حكم سطحها.

وهو يقيم في مملكته في باطن الأرض مع ملكته بيرسيفون التي اختطفها من الأرض.

وعلى الرغم من أنه كان إلها قاسيا لا يرحم، ولا تحركه الصلوات ولا القرابين، إلا انه لم يكن شريراً.

ويعرف هاديس أيضاً باسم بلوتو إله الغنى، لأن وسائله مما تنبت الأرض، وما يستخرج منها من معادن، يقعان تحت سلطته، بصفته حاكماً على باطن الأرض.

 
الإله إيروس

إيروس هو إله الحب في الأساطير الإغريقية، المعروف أيضاً باسم كيوبيد. وغالباً ما يظهر في الأعمال الفنية في هيئة صبي عار ذي جناحين، يحمل قوساً وجعبة سهام فضيين.

وفي الميثيولوجيا القديمة، كان إيروس أحد القوى الطبيعية الأساسية، وابن كيوس أقدم الآلهة. وكان إيروس يمثل قوى التناغم والخلق والاختراع في الكون. وتم تصويره آنذاك بشكل شاب وسيم قوي يرافقه بوثوس (الشوق)، وهيميروس (الرغبة). وهما اللذان جعلهما حاشية لوالدته أفروديت إلهة الحب.

حورية الفجر (أورورا) تقود عربة الإله ابوللو (الشمس) وحولها ساعات الصباح الراقصة. كما يظهر ايروس مواكبا لها.
(اللوحة للفنان الإيطالي جويدو ريني، عام 1613م وهي لوحة فريسكو على سقف كازينو راسبي جلوسي في روما بإيطاليا).
الإله ابوللو

الإله ابوللو هو ابن الإله زيوس من الإلهة التيتانة (العملاقة) ليتو. ويلقب بابوللو الديلي، نسبة إلى جزيرة ديلوس حيث ولد. وفي الاساطير الهومرية (نسبة إلى هومر)، جاء: أن الإله ابوللو كان في الأصل إلها للعرافة والنبؤات، وكانت عرافة دلفي أهم عرافيه، وكان مقرها في المعبد القائم في المكان الذي انتصر فيه ابوللو على ثعبان البايثون. ويضيف هومر، أن ابوللو كان يعطي أحياناً موهبة العرافة لبعض البشر الفانين الذين يحبهم مثل الأميرة الطروادية كاساندرا.

وكان ابوللو موسيقياً موهوباً يطرب الآلهة بالعزف على قيثارته. وينسب إلى ابوللو أنه كان أول الفائزين في المباريات الأولمبية القديمة.

وابوللو هو الشقيق التوأم للإلهة أرتميس إلهة الصيد وحامية الفتيات. وإلى ذلك كان ابوللو إلها للزراعة والماشية والضوء والصدق. وقد علم الناس فن الطب والشفاء.
 





الإله ابوللو إله الطب والفنون والشمس يقود عربة الشمس عبر السماء.
(الصورة موجودة في سقف بيليتزو كورسني في فلورنسا بإيطاليا).
 
الإلهة أرتميس

وأرتميس هي من أهم الآلهة في الأساطير الإغريقية. وتعرف أيضاً باسم الإلهة ديانا لدى الرومان.

وأرتميس هي ابنة زيوس كبير الآلهة من زوجته ليتو، كما أنها الشقيقة التوأم للإله ابوللو.

وقد كانت كبيرة الصيادين لدى الآلهة. وإضافة إلى كونها إلهة الصيد وإلهة الحيوانات البرية وخاصة الدببة، فهي أيضا إلهة الإنجاب والطبيعة والحصاد. ويتم توحيدها أحياناً بالإلهتين سيلين وهيكات كإلهة للقمر.

وعلى الرغم من أنها تعتبر تقليدياً حامية لمن هم في سن الشباب، وبخاصة للنساء الشابات، فقد منعت الإغريق من الإبحار إلى طروادة خلال الحرب الطروادية، حتى قاموا بالتضحية لها بفتاة شابة قرباناً. وبحسب بعض المصادر فإن أرتميس قامت بإنقاذ الفتاة الضحية إيفيجينيا قبل التضحية بها مباشرة.

ومثل ابوللو، تظهر أرتميس في الصور مسلحة بقوس وسهام تستخدمها عادة في الصيد، ومعاقبة الفانين (البشر) الذين يغضبونها.

وفي بعض الاساطير تمجد أرتميس لأنها تتيح موتاً سريعاً وخالياً من الألم للنساء اللواتي يمتن عند الولادة.
 








آرتميس، إلهة الصيد والطبيعة والحصاد. ويظهر خلفها الإله بان بقرني ورجلي تيس.
(رسم هذه اللوحة الفنان الفلمنكي بيتر بول روبنز من القرن السابع عشر).
 
الإلهة أثينا

الإلهة أثنيا هي إحدى أهم الآلهة في الأساطير الإغريقية. وقد انبثقت أثينا شابة مكتملة النضج بل ومسلحة أيضاً من دماغ أبيها زيوس كبير الآلهة خارجة من جبينه. وكانت أحب أبنائه وبناته إليه. فكان يأتمنها على درعه المزين برأس الجرجونة ميدوزا، كما كان يودع لديها ترسه وأهم أسلحته وهي الصواعق.

والإلهة أثينا إلهة عذراء وكانت تدعى بالشابة. ويقع معبدها الأكبر في أثينا التي أصبحت مدينتها لقاء هدية قدمتها للأثينيين وبقية البشر وهي شجرة الزيتون.

وقد كانت أثينا مؤيدة قوية للجانب الإغريقي في الحرب الطروادية، ومع ذلك فإنها وبعد سقوط طروادة، طلبت من الإله بوسيدون إله البحر، إرسال عاصفة على سفن الإغريق العائدة بهم إلى بلادهم، فغرق معظم الأسطول الإغريقي. وكان السبب في غضبها وانقلابها عليهم، انتهاكهم لحرمة معبدها في مدينة طروادة، الذي لجأت إليه العرافة كاساندرا.

وأثينا كانت حامية وراعية للفنون الزراعية، والأشغال الحرفية الخاصة بالنساء وبخاصة الغزل والنسيج. ومن هباتها للجنس البشري، المحراث، والمزمار، وفن استئناس الحيوانات وتدجينها، وفني بناء السفن وصناعة الأحذية.

وقد ارتبطت أثينا في أذهان الناس بالطيور وبالبومة على وجه الخصوص.



الإلهة أثينا، إلهة الحكمة عند الإغريق
 
الإلهة ديميتر

وديميتر هي إلهة الذرة والحصاد، وابنة التيتانين (العملاقين) كرونوس وريا وأخت كبير الآلهة زيوس.

وعندما اختطف شقيقها الإله هاديس، إله باطن الأرض، ابنتها بيرسيفون بلغ الحزن بالأم مبلغاً جعلها تهمل الأرض، فلم ينبت النبات وعمت المجاعة الأرض. حتى امتعض زيوس من الحالة التي آلت إليها الأمور فطلب من أخيه هاديس إرجاع الفتاة إلى أمها. وقد وافق هاديس ولكنه وقبل أن يعيدها إليها أطعمها بذور رمانة من شأنها أن تحملها على العودة إليه لمدة أربعة أشهر كل سنة. وكان من نتيجة البهجة التي شعرت بها الأم لعودة ابنتها إليها أن قامت بجعل الأرض تنبت أزهار الربيع الزاهية وكميات كبيرة من الفواكه والحبوب في موسم الحصاد. ولكن حزنها لاضطرار ابنتها إلى العودة إلى باطن الأرض أربعة أشهر كل عام كان السبب وراء موت النبات كل شتاء تعبيراً عن حزن الإلهة ديميتر على ابنتها. وتجري عبادة ديميتر وابنتها بيرسيفون في الطقوس الإليوسية السرية. وقد انتشرت هذه الطائفة من صقلية إلى روما حيث كانت الإلهتان تعبدان باسم سيرسة  وبروسبيرين.

الإله هيفيستوس

وهو إله النار والحداده وابن كبير الآلهة زيوس من زوجته هيرا. وعلى العكس من كل الآلهة، كان هيفيستوس أعرج مشوه الخلقة، فطرد من الأولمب. إلا أنه تم إرجاعه وقبوله فيما بعد.

وتقول الأساطير أنه تزوج من أفروديت إلهة الجمال والحب. ولكن أساطير أخرى تقول أنه كان زوجا لألجايا إحدى الهات المواهب الثلاثة.

وكان هيفيسوتوس يصنع للآلهة كل ما يطلبون من مصنوعات، كالحلي والأسلحة والدروع.

ويعتقد أن معمله يقع تحت بركان جبل أتنا في صقلية. ويعرف الرومان هيفيستوس باسم إله النار فولكان.

 
الإله آرس

ابن ملكي الآلهة زيوس وزوجته هيرا. وآرس هو إله الحرب عند الإغريق ويعرفه الرومان باسم مارس إله الحرب. ويمثل آرس الطبيعة الدموية للحروب فلم يكن يحظى بشعبية لدى الآلهة أو البشر على السواء.

ولم يرتبط به من الآلهة إلا أفروديت إلهة الحب، وآلهة صغرى أخرى مثل ديموس (الخوف) وفوبوس (الهزيمة والانكسار) اللذان كانا يرافقانه في الحروب.

ورغم ضراوة آرس في الحرب إلا أنه كان قابلاً لأن يهزمه حتى البشر. وآرس إله قديم من آلهة مدينة طيبة وله معبد في أثينا عند سفح تل مسمى باسمه يدعى (أريوباجوس).

ولم تكن عبادة آرس منتشرة. وحيثما وجدت، فإنها كانت تفتقر إلى الأهمية الأخلاقية أو الاجتماعية.

 
الإله ديونيسيوس

ويعرف ديونيسيوس لدى الرومان باسم باخوس. وهو إله النبيذ والبستنة، وخاصة ثمار الأشجار. ثم اصبح يعرف أيضاً بأنه إله السرور.

وديونيسيوس هو ابن زيوس ملك الآلهة. وقد اشتهر ديونيسيوس بأنه الإله الذي تثير ديانته التهتك والخلاعة. وقد تكونت في عبادته جماعات من النساء تركن منازلهن وأخذن يجبن الغابات متهتكات وقد كرسن أنفسهن لعبادته، وقيل أنهن كن يلبسن جلود الغزلان ويمتلكن قدرات سحرية.

وقد كان الإله ديونيسيوس رقيقاً ولطيفاً مع اتباعه، ولكنه يسبب الجنون والدمار لأولئك الذين يحتقرون عبادته بطقوسها الخليعة.

وطبقاً للأساطير فإن ديونيسيوس يموت كل شتاء ثم يولد في الربيع. ويرى أتباعه في هذا التجدد الدوري المصحوب بتجدد الثمار وظهورها، واكتساب الأرض مظاهر الحياة، دليلاً على البعث بعد الموت.

وقد تطورت طقوس الانبعاث الديونيسيسية بالتدريج لتتحول إلى مهرجانات تكرم الإله، وتحتفل بالربيع.

وقد كان أهم هذه الاحتفالات يقام في أثينا لمدة خمسة أيام كل ربيع، وهي الاحتفالات التي كتب من أجل العرض فيها أعظم شعراء اليونان مثل: اسخيليوس وسوفوكليس ويوربيديس مسرحياتهم التراجيدية.

وكانت طقوس عبادته يتخللها الصراخ والصخب اللذين انتقلا إليها من المهرجانات الصاخبة. ثم أصبحت تلك الطقوس فيما بعد مناسبات للسكر والعربدة. وقد استمرت طقوس دياناته في الدولة الرومانية فيما بعد. وكان اتباعه يسمون الباخاناليين. ولما أزداد تطرف أتباعه في عربدتهم، حرم مجلس الشيوخ الروماني تلك العبادة وطقوسها في العام 186 قبل الميلاد.
 






الإله باخوس (ديونيسيوس) وأريدني زوجته
(من مقتنيات المتحف الوطني بلندن)

 
الإله هرمس

وهرمس هو رسول الإله وابن الإله زيوس من مايا ابنة التيتان أطلس. وباعتباره خادماً خاصاً ورسولاً لزيوس فإن له صندلين مجنحين وصولجاناً سحريا تلتف حوله الثعابين وينتهي بجناحين.

ويقوم هرمس بإيداع أرواح الموتى في باطن الأرض. كما يعتقد بان له قوى سحرية تتعلق بالتنويم والأحلام. وكان هرمس أيضاً إله التجارة وحامي التجار وملاك القطعان.

وكإله للرياضيين، كان هرمس يحمي الملاعب الرياضية وقاعاتها. كما يعتقد أيضاً بأنه كان الإله المسؤول عن حسن الحظ والثروة.

وعلى الرغم من مزاياه فقد كان هرمس عدواً خطراً ومخادعاً ولصا بارعا. ففي يوم ولادته سرق ماشية أخيه إله الشمس ابوللو، وعندما واجهه ابوللو أنكر قيامه بسرقتها. ولم يلبث الأخوان أن تصالحا عندما أهدى هرمس لابوللو القيثارة التي اخترعها.
 







هرمس رسول الآلهة
الإله هرمس يستعد لذبح آرجوس بأمر كبير الآلهة زيوس.
(اللوحة لأوبالدو جاندولفي، متحف الفن، كارولينا الشماليه)
 
الإلهة هيستيا

الإلهة العذراء هيستيا هي إلهة المدفأة والموقد وهي كبرى بنات التيتان (العملاق) كرونوس والتيتانة (العملاقة) ريا. ومن المعروف عنها أنها توجد في كل نيران مذابح الأضاحي. وتقام لها الصلوات قبل وبعد الطعام. وهي تظهر في قليل من الاساطير ولكن معظم المدن فيها موقد تشتعل فيه نارها المقدسة. وكان الرومان يعبدونها باسم فيستا ويخصصون لخدمة نارها المقدسة ستة عذراوات يسمونهن عذارى فيستا.
 












الفصل الثالث
أجمل الأساطير





 



































ابوللو وهاياسنثس
 

ابوللو وهاياسنثس

كان ابوللو اله الطب والفنون مغرماً بالفتى هاياسنثس الذي كان يرافقه في رحلات صيده، وقد كان يحمل له شباكه عندما كان يصيد السمك، ويقود له كلابه عندما يروم صيد البر، وكان يتبعه في رحلاته إلى الجبال ويحفظ له رمحه وقوسه وسهامه. وفي أحد الأيام لعبا معاً مباراة رمي الحلقات وهي لعبة يتم فيها تسديد حلقات من الحديد لتثبيتها على وتد مغروس في الأرض على مبعدة من الرامي. وكان ابوللو يرمي الحلقات بقوة ممزوجة بالمهارة، فرمى الحلقة عالياً، ونظر إليها هايسنثس في طيرانها ودفعه حماسه إلى الجري خلفها للإمساك بها، متعجلاً أداء دوره مستخدماً الحلقة نفسها.

 ولكن الحلقة الحديدية ارتدت عن الأرض وأصابته في جبينه فسقط مغشياً عليه، وبلهفة رفع الإله الجسد الهامد وحاول بكل ما يستطيع من قدرة قطب الجرح والإبقاء على الحياة المتسربة من الفتى، ولكن دون جدوى ؛ فقد تجاوزت الإصابة قدرة الطب على الشفاء. وكزهرة انكسرت من مكان التقاءها بالغصن دون أن تنفصل لتبقى معلقة ورأسها متجه إلى الأرض ؛ كذلك كان رأس الفتى المحتضر كما لو كان عنقه يستثقل رأسه فلا يقدر على حمله. قال ابوللو: "أهكذا يموت هاياسنثس؟ أأكون قد سرقت شبابه منه ؟.. إني استحق المعاناة على جريمتي. أتمنى لو كنت أستطيع الموت بدلاً منه. ولكن ما دام ذلك مستحيلاً فإنه سيبقى حياً في الذاكرة وفي الأغاني. ستحتفل قيثارتي به، وأغاني ستتحدث عن قدره، وسيصبح زهرة تحمل علامات ندمي." 

وبينما كان ابوللو يتكلم، نظر إلى الدم الذي سال على الأرض فصبغ الأعشاب وقد كف عن أن يكون دماً. فقد نبتت مكانه زهرة ذات لون جميل أخاذ تشبه زهرة الزنبق وإن كانت هذه بنفسجية وتلك فضية البياض. ولكن ذلك لم يكن كافياً لابوللو. ولإضفاء شرف أعظم على الميت قام بدمغ بتلات الزهرة بندمه وهو يتأوه، ولذلك فإن الزهرة التي تحمل تأوهات الإله ابوللو تحمل أيضاً اسم هاياسينثس، وتعود إلى الحياة لتحيي ذكراه في كل ربيع.

وقد قيل أن زفير (الريح الغربية) كان أيضاً مغرماً بهاياسينثس، وأنه كان يغار من تفضيله ابوللو عليه، ولذلك فقد هب على الحلقة ليغير اتجاهها لتصيب جبينه.
 



































المنافسة بين إيراكين وأثينا
 





خطف أوروبا
(رسم هذه اللوحة الرسام بيولو فارانيس)
 
 
ألمنافسة بين إيراكين وأثينا

في هذه القصة نرى كيف أن فتاة إغريقية ذات موهبة ومهارة عاليتين تحدت الإلهة أثينا لتخوض معها مباراة في النسج.

وأثينا إلهة الحكمة هي ابنة زيوس كبير الآلهة عند اليونان القدماء والذي يدعوه الرومان جوبيتر. وقد قيل أنها خرجت تحبو من وسط دماغه بالغة راشدة وفي درع سابغ. وقد أصبحت إلهة لكل فن نافع سواء ما كان نافعاً للرجال مثل الزراعة والملاحة، أو ما هو نافع للنساء كالحياكة والنسج وأشغال الإبرة. كما أن الإلهة أثينا محبة للحرب؛ ولكنها لم تكن تحب من الحروب إلا تلك الحروب الدفاعية. وكانت لا تتعاطف مطلقاً مع طبيعة إله الحرب  المحب للعنف وإراقة الدماء.

كانت أثينا مدينتها المفضلة لأنها المدينة التي فازت بها  كجائزة في مباراة تغلبت فيها على بوسيدون إله البحر الذي كان أيضاً يتطلع إلى تلك الجائزة. وتقول قصة تلك المباراة، أن الإلهين تسابقا على الجائزة في عهد الملك سيكر وبس أول ملوك أثينا. وقد كانت المسابقة التي وضعت شروطها الآلهة، تنص على أن الجائزة ستكون من نصيب الإله الذي يتمكن من تقديم أنفع هدية للبشر الفانين. وقد كان الحصان هدية بوسيدون، بينما كانت شجرة الزيتون هدية الإلهة أثينا. وقد حكمت الآلهة بأن هديتها هي الأنفع ففازت بالجائزة. وهكذا حملت مدينة أثينا اسم إلهة الحكمة.

وقد كانت هناك مسابقة أخرى تجرأت فيها امرأة من الفانين على التنافس مع أثينا، وكانت هذه الفانية تدعى أيراكن. وهي فتاة شابة كان لها قدر فائق من المهارة في أشغال الإبرة والحياكة والنسج، حتى أن الحوريات أنفسهن كن يتركن نافوراتهن ويقضين الوقت في التطلع إلى عملها. ولم يكن عملها أخاذاً بعد أن تنتهي منه فحسب، ولكنه كان جذاباً وجميلاً وهو في طور التكوين. ومن يرقبها وهي تأخذ الصوف الخام وتشكله على مغزلها، ثم تفرقه بأصابعها، وتقوم بغزله حتى يغدو خفيفاً وناعماً كما لو كان مصنوعاً من الضباب، أو عندما تحرك المغزل بلمسات رشيقة وتنسجه ثم تحيكه بإبرتها، لا يملك نفسه من تصور أن أثينا نفسها كانت معلمتها. ولكنها كانت دائماً تنكر أن يكون لأثينا فضل تعليمها. ولم تكن تطيق أن يقول عنها أحد أنها كانت تلميذة حتى لإلهة. وكانت تصرخ قائلة: "فلتأت الإلهة أثينا لتجرب مهارتها معي." ثم تقول: "إذا فشلت في المسابقة فسأكون مستعدة لتحمل الجزاء."

وقد استمعت الإلهة أثينا إلى قولها هذا وامتعضت منه، ولذلك اتخذت هيئة امرأة عجوز وذهبت إلى إيراكين لتزجي إليها النصيحة. قائلة: "إن لي خبرة طويلة في الحياة وآمل ألا تحتقري مشورتي. نافسي إن شئت الفانين من أمثالك ولكن لا تحاولي أن تتحدي الآلهة. بل وعلى العكس أنصحك أن تطلبي منها الصفح لما قلته، وبما أنها رحيمة فقد تعفو عنك." توقفت إيراكين عن الغزل ونظرت إلى السيدة العجوز في غضب وقالت: "احتفظي بمشورتك لنفسك أو لبناتك وشغالاتك، أما أنا فإني أعرف ما أقول وأنا قادرة عليه. أما عن الإلهة أثينا فإني لست خائفة منها، فلتحاول أن تظهر مهاراتها معي إذا كانت تجرؤ على خوض مغامرة كتلك."

"هاهي الإلهة قد أتت" قالتها أثينا وهي تلقي عنها تنكرها وتقف بهيئتها الحقيقية أمام الفتاة. انحنت حوريات البحر أمامها في خضوع، وقدم كل من كان موجوداً في المكان آيات الخشوع. ولكن إيراكين وحدها بدت غير خائفة. ومع ذلك فقد احمر وجهها وصبغ اللون خديها، ثم لم تلبث أن بدت شاحبة. ولكنها ظلت مصممة على ما قالت كما لو أن مهارتها قد تحولت إلى حماقة تصوغ قدرها ومصيرها. ولم تنبس أثينا ببنت شفة، وابتدأت المسابقة على الفور فأخذت كل منهن موقعها، وربطت الخيوط إلى أعمدة المغزل. وظل المكوك يذهب ويجيء بين الخيوط. وعملت كلتاهما بجد وسرعة، وكانت أيديهما الماهرة تتحرك بسرعة فائقة وكأن جو الإثارة المرتبط بالمسابقة قد جعل العمل خفيفاً عليهما. وكانت الألوان المتجاورة جذابة في تضادها يظلل أحدها الآخر بينما يعطيه جاره بريقاً وبهاءً. وكان الجمال الظاهر في صنعتيهما يشد الأعين. وكقوس قزح الذي يزين السماء بعد أن تكونه أشعة الشمس، منعكسا على قطرات المطر الهاطلة؛ حيث تبدو كل الألوان متحدة في تداخلها عند خطوط الالتقاء التي تجمع بينها، وتعطي في الوقت ذاته لكل لون حدوده وبهاءه المتميز. كذلك بدا ترتيبهما البديع للألوان.

رسمت أثينا على مغزلها مشاهد مباراتها مع بوسيدون، وأظهرت في النسيج إثني عشر من قوى السماء الكبرى. فكان هناك زيوس في الوسط، وبوسيدون سيد البحار ممسكاً برمحه ذي الثلاث شعب، ويبدو كما لو كان قد طعن به الأرض حيث يشب حصان على ساقيه الخلفيتين. ورسمت أثينا صورتها وعلى رأسها خوذة، ودرعها يغطي ثدييها. تلك كانت الدائرة المركزية في النسيج. أما على الأركان الأربعة للنسيج، فقد كانت هناك أحداث تحكي غضب الآلهة على بعض الفانين الذين حاولوا فيما سبق تحدي الآلهة، كما لو كانت تلك الرسوم نذراً موجهة إلى منافستها قبل أن يفوت الأوان.

أما إيراكين فقد ملأت نسيجها بموضوعات اختارتها بعناية، تعرض فيها أخطاء الآلهة ومظاهر فشلها في التمسك بأهداب الفضيلة. أحد المشاهد كان يمثل ليدا وهي تهش طائر البجع التي تنكر زيوس في مظهره. وأخرى تمثل داني وهي في البرج الرهيب الذي حبسها فيه أبوها والذي مع ذلك جعل لمدخله شكل شلال ذهبي. ومشهد آخر كان يمثل الفتاة أوروبا بينما كان يخدعها الإله زيوس وهو متنكر في إهاب ثور. وتظهر أوروبا وقد امتطت ظهر الثور الذي خدعتها وداعته، فسارع بها إلى البحر، حيث اختطفها إلى جزيرة كريت. كان من يرى الثور يظن أنه يرى ثوراً حقيقياً. وكذلك كان مشهد الماء الذي سبح فيه. وبدت أوروبا وهي تنظر بعنين يملأهما الحنين والشوق إلى الشاطئ الذي يبتعد عنها، كما لو كانت تستنجد برفيقاتها كي يغثنها. وظهر رعبها من الأمواج المرتفعة مجسداً في قدميها اللتين سحبتهما من بين الماء. وقد ملأت إيراكين نسيجها بموضوعات مشابهة كانت كلها منسوجة بمهارة فائقة. ولكنها مشاهد تدل بقوة على تصميم لا يلين على التمسك برأيها الخاص حول الآلهة. ولم تتمالك أثينا من إبداء إعجابها وإن شعرت في الوقت ذاته بثقل الهزيمة التي ألحقت بها.

ولم يلبث الغضب أن تملكها، ولذلك ضربت أثينا النسيج بالمكوك فتمزق إلى عدة قطع. وبعد ذلك لمست جبين إيراكين وجعلتها تشعر بالذنب والخجل. ولم تتمكن المسكينة من تحمل تلك المشاعر فخرجت إلى حيث شنقت نفسها. وقد أشفقت عليها أثينا عندما رأتها معلقة بالحبل من عنقها فقالت لها: "عيشي أيتها المرأة الخاطئة ولعلك تحتفظين بذكرى هذا الدرس الذي تلقيته. ولتقضي حياتك وحياة سلالتك كلها معلقين دائماً في قادم الأيام كلها." ثم رشتها بسائل مأخوذ من نبتة سامة وفي الحال سقط شعرها وكذلك أنفها وأذناها، وتقلص جرمها، وصغر رأسها، وثبتت ذراعاها إلى جانبيها، وتحولت أصابعها إلى أقدام. أما بقية جسدها الذي أخذ ينفث الخيوط، فقد ظل معلقاً بالخيوط وبقي على تلك الحال التي أصبح عليها عندما رشتها أثينا وحولتها إلى عنكبوت.
 















آرتميس وأكتايون

 
أرتميس وأكتايون

كان الوقت في منتصف النهار وكانت الشمس تقف في منتصف الطريق بين مشرقها وبين مغربها عندما قال أكتايون ابن الملك كادموس لرفاقه الشبان الذين كانوا يصطادون معه الظبي العجوز في الجبال.

"يا أصدقائي إن شباكنا وأسلحتنا مبتلة بدماء ضحايانا، لقد نلنا ما فيه الكفاية من الرياضة اليوم، وغداً يوم جديد نستأنف ما كنا فيه، أما الآن فبينما يجفف ابوللو الأرض بأشعته فلنركن إلى الراحة في الظل"

وكان هناك وادٍ تغطيه أشجار الصنوبر للإلهة أرتميس إلهة الصيد المعروفة أيضاً باسم ديانا، وكان في أقصى الوادي كهف لم تصنعه أيدي البشر، وإنما بنته الطبيعة وأسرفت في تزيينه، فصنعت له عقداً من الحجارة بمهارة تفوق مهارة البشر. وكان هناك نبع ينبثق من أحد جانبي الكهف، وكان حوضه المفتوح الذي يصب فيه مكوناً من حاجز معشب. وهنا وفي هذا المكان من الغابة، اعتادت الإلهة أن تأتي لتأخذ قسطاً من الراحة بعد الصيد، حيث تمسد لها حورياتها قدميها في مياه النبع الفوارة. وذات يوم قصدت الكهف مع حورياتها، وناولت قوسها إحداهن وناولت الأخرى جعبة سهامها، كما نزعت عنها حورية عباءتها، وانحنت زميلتها لتحل الصنادل عن قدمي الإلهة. ثم قامت الحورية كروكيل وهي أكثر الحوريات مهارة بتر جيل شعر الإلهة، أما نيفيل وهيال والباقيات فقد صببن الماء في حوض واسع. وبينما كانت الإلهة تغتسل رأت على باب الكهف أكتايون الذي كان قد ترك رفاقه وأخذ يتجول في الغابة، وقد قادته قدماه إلى قدره. وما أن ظهر على باب الكهف حتى صاحت الحوريات من مرأى الرجل، وأسرعن لحجب جسد الإلهة بأجسادهن. واصطبغت وجنتا الإلهة أرتميس بلون يشبه لون السحب التي تصبغ السماء عند الغروب لهول المفاجأة. ومن هناك حيث كانت محاطة بحورياتها ومحجوبة بهن، حولت شقها ومدت يديها بحركة غريزية بحثاً عن سهامها وقوسها، ولكنها لم تكن في متناول يدها, ولذلك فقد أخذت حفنة من الماء ورشته على المقتحم قائلة: "إذهب وأخبر الآن من تشاء، إن كنت قادراً على الكلام، أنك شاهدت عري أرتميس." وعلى الفور نبت للفتى قرنان على جانبي الرأس، وتحولت يداه إلى قدمين، وذراعاه إلى رجلين، وغطى جسمه جلد منقط ذو شعر. واحتل الخوف في نفسه مكان جرأته السابقة، وفر البطل هارباً. وبينما هو يجري شعر بالإعجاب من سرعته الفائقة. ولكنه عندما توقف عن النهر ليشرب، رأى صورته في الماء، ووقع بصره أول ما وقع على قرنيه. وأراد أن يقول لقد سحرتني، ولكن الكلمات لم تخرج من فمه، بل أن أي صوت لم يصدر عنه على الرغم من الجهد الذي بذله. وجرت الدموع على الوجه الذي حل مكان وجهه الأصلي، ورغم ذلك كله فقد كان وعيه باقياً على حاله. وفكر: "ماذا أفعل؟ هل أذهب إلى المدينة واتجه إلى القصر، أم أختبئ في الأحراش؟" وكان الرأي الأول يبعث فيه الخجل، أما الثاني فكان مبعثاً لخوفه. وبينما هو في تردده ذاك رأته كلاب الصيد. وفي البداية رآه الكلب الإسبرطي ملانبوس فدل عليه بنباح عال، وسرعان ما انضمت إليه بقية الكلاب، بانفاجوس ودورسيوس وليلابس وثيرون ونابي وتيجريس، ثم البقية، وخفت كلها تجري وراءه وهي تسابق الريح. وأخذ يجري أمامها بخفة ورشاقه يقفز فوق الصخور والمهاوي العميقة، وعلى شعاب الجبل التي كان يظن أن لا أحد يقدر على السير عليها، وهو يمعن هرباً من مطارديه. وكان يجري بكل قوته، وكانت الكلاب تتبعه بإصرار، واختلس نظرة إلى مطارديه فرأى مجموعة كلابه الخاصة تتقدم الفريق المطارد، بينما يحثها أتباعه الصيادون. وأراد أن يصرخ فيهم: أنا أكتايون، ألا تعرفون سيدكم، ولكن الكلمات كانت خارج مدى قدراته. وامتلأ الجو بنباح الكلاب. وما هو إلا قليل حتى أنشب أحدها مخالبه في ظهره، وعضه الآخر في كتفه، وعرقلاه عن المسير حتى وصلت بقية الكلاب ودفنت أسنانها في لحمه. صاح متألماً ولكن ليس بصوت بشري، وبالتأكيد ليس بصوت الغزال أيضا.ً وسقط على ركبتيه، ورفع رأسه، وكان حرياً به أن يرفع يديه متوسلاً لو كانت له يدان ترتفعان. وصل رفاقه وأصدقاؤه، وأصدروا أصواتا تثني على الكلاب، بينما صاح بعضهم ينادي أكتايون. وتحرك بعضهم يمينا وشمالاً بحثاً عنه، ليشاركهم في رياضتهم. وعندما سمع أكتايون اسمه أدار رأسه وسمعهم وهم يتأسفون على غيابه عن حضور المشهد. وتمنى من قلبه أن يكون الأمر كذلك، فقد كان خليقاً به أن يفرح بصيد كلابه، ولكن أن يشعر بمخالبها وأسنانها فذلك كان أكثر مما يستطيع احتماله. ووقف كلهم حوله يقطعونه ويمزقونه، ولم يلبث إلا قليلاً حتى تمزقت حياته إرضاء لأرتميس.
 



































ادميتوس والسيستيس

 
ادميتوس والسيستيس

كان ايسكولابيوس ابنا للإله ابوللو من أنثى من البشر، وقد منحة والده علما ومقدرة في الطب وفن شفاء المرضى، حتى انه اصبح قادرا على إعادة الموتى إلى الحياة. وقد غضب هاديس اله الجحيم غضبا شديدا لذلك. وتمكن من إقناع كبير الالهه زيوس بإطلاق صاعقة على اسكولابيوس. وعندما رأى الإله ابوللو مقتل ولده، لم يجد طريقة للتعبير عن غضبه غير توجيه انتقامه نحو العمال الأبرياء الذين يصنعون الصواعق للإله زيوس. وهم مجموعة من فصيلة سايكلوب العمالقة الذي لكل منهم عين واحدة في منتصف جبينه. وقد كان المعمل الذي كانوا يصنعون فيه الصواعق للإله واقعا تحت جبل اتنا البركاني، حيث كانت الأبخرة والسنة اللهب تنبعث من فرن معملهم الذي كان مشتعلا دائما. أطلق الإله ابوللو سهامه على السيكلوبات إلى درجة أن الإله زيوس شعر بان تلك السهام موجهة إليه بصورة غير مباشرة. ولذلك فقد قضى على الإله ابوللو أن يعمل خادما لدى أحد البشر الفانين لمدة عام عقابا له. وهكذا ذهب ابوللو ليخدم ادميتوس ملك تيساليا، وليرعى له قطعانه على الضفاف الخضراء لنهر امفريسوس.

وكان الملك ادميتوس يتطلع إلى خطبة الحسناء السيستيس التي كان يخطب ودها الكثيرون من ملوك الإغريق ونبلائهم، وهي ابنة بيلياس الذي كان قد أعلن انه سيزوج ابنته للخاطب الذي يصل إلى قصره في عربة تجرها الأسود. وقد تمكن ادميتوس من تلبية هذا الشرط بمساعدة راعي قطعانه الإلهي ابوللو، وسعد بزوجته الجميلة السيستيس أيما سعادة. وكما هي عادة الحياة في ادخار المصائب والمحن لبني البشر لتقلب أفراحهم أتراحا، أصيب ادميتوس بمرض خطير حتى اشرف على الهلاك. وتدخل الإله ابوللو لصالحه لدى الأقدار حتى أقنعها بالإبقاء على حياته، فاستجابت لطلبه، ولكنها اشترطت أن يتقدم شخص ما ويقبل أن يموت بدلا من ادميتوس. وقد سعد ادميتوس بهذه الفرصة، ولم يفكر إلا قليلا بالفدية المطلوبة. وربما ظن أنها سهلة التحقيق لطول ما سمع كلمات الولاء والمحبة والاستعداد للفداء من حاشيته وأقاربه، فتوقع أن أحدا منهم لابد سيقدم حياته سعيدا راضيا فداء لمليكه وولي نعمته. ولكن الأمر لم يكن بتلك السهولة التي توقعها. فالمحاربون الأشداء، الذين كانوا على استعداد للتضحية بحياتهم في ميادين الوغى، امتنعوا جميعا عن الإقدام على الموت فداء له على سرير المرض. أما الخدم المسنون، الذين عملوا فترة طويلة من أعمارهم في القصر منذ عهد أبيه؛ والذين خبروا كرمه في منزله منذ نعومة أظفارهم، فلم يكونوا على استعداد لقضاء ما تبقى لهم من عمر مستلقين على ظهورهم ليعانوا المرض، لمجرد إظهار إخلاصهم وامتنانهم لمليكهم. وقد تساءل الرجال من حاشيته قائلين " لم لا يفعلها أحد أبويه ويضحي بحياته في سبيل ابنه، وهما اللذان لا يتوقع لهما أحد أن يعيشا فترة طويلة على أي حال لكبرهما. أما إن لم يفعل أي منهما ذلك، فمن الذي يمكنه أن يشعر أكثر منهما بوجوب التضحية في سبيل الابن الذي وهبا له الحياة لإنقاذه من المصير المحتوم الذي ينتظره؟."

أما الأبوان فعلى الرغم من تألمهما لما يعانيه ابنهما، وتوقعهما موته وفقدانه؛ فقد ترددا وأحجما أخيرا عن تقديم التضحية المطلوبة. عندئذ تقدمت زوجته السيستيس في كرم ووفاء وإخلاص لتقدم نفسها للموت إنقاذا لزوجها وحبيبها ادميتوس.  وعلى الرغم من تعلق ادميتوس بالحياة ورغبته الشديدة فيها إلا انه لم يكن مستعدا للمحافظة عليها بهذا الثمن الغالي، ولكن لم يكن ثمة سبيل آخر، فقد سبق السيف العذل وتحقق شرط الأقدار. ولم يكن بوسع أحد تصريف الأقدار أو تغيير مسارها. فبمجرد أن أعلنت السيستيس موافقتها على التضحية بحياتها، سقطت فريسة للمرض الذي برئ منه ادميتوس لينهض سليما معافى. بينما أخذت هي تغوص  سريعا في لجة الموت الفاغر أشداقه على هيئة قبر ينتظر مقدمها.

وفي الوقت الذي كانت هذه الأحداث تصل فيه إلى قمة مأساويتها بمرض السيستيس؛ وصل البطل هرقل إلى قصر ادميتيوس ليجد سكانه غارقين في الحزن، وقد بدا عليهم الوجوم، وظهرت عليهم الكآبة التي لفت القصر ودمغته بطابعها الموحش. فما كان من هرقل الذي اعتاد على قهر الصعاب والتصدي للمهام الجسام، إلا أن قرر محاولة إنقاذ حياة السيستيس. ولتحقيق ذلك ذهب ليتخذ له مقاما عند باب غرفة الملكة المريضة، وظل في مكانه لا يبرحه ليلا ولا نهارا ولا يغمض له جفن؛ حتى وصل الموت لينشب أظفاره فيها. فتصدى له هرقل وامسك به، واجبره على إطلاق فريسته. وهكذا شفيت السيستيس وارتسمت البسمة مرة أخرى على شفتي ادميتيوس وبقية سكان القصر.
 





البطل الأسطوري هرقل


 















السنتورات

 







معركة السنتورات في حفل الزواج
(من رخاميات الجين الأثرية في المتحف البريطاني بلندن).

 
السنتورات

السنتورات مخلوقات أسطورية، نصفها إنسان ونصفها حصان وقيل أنها كانت تعيش في ثيساليا في اليونان القديمة. وقد خُلدت عراكها في حفلة الزفاف، تماثيل حواها (البارثينيون)، وهو معبد في أثينا باليونان. وتعرف تلك الأعمال الفنية بـ(رخاميات إلجين)، وهي موجودة الآن في المتحف البريطاني في لندن.

كانت هذه الحيوانات ذات ِشكل  بشري حيث يقع عادة رأس وعنق الحصان من جسده بينما كانت بقية الجسد لحصانً كأفضل ما تكون الأحصنة. وقد كان الأقدمون لشدة ما كانوا مغرمين بالأحصنة، يعتبرون أن توحيد هذا الكائن، أي الحصان، بالإنسان مسبة للحصان، وانتقاصاً من قدره. ولذلك كان السنتور هو الوحش الوحيد من الوحوش القديمة التي عاملها الأقدمون باحترام كبير.      وكان من الطبيعي أن تنضم السنتورات إلى رفقة البشر. وفي حفل زفاف (بيريثيوس) إلى (هيبوداميا) كانت السنتورات ضمن المدعوين إلى الحفل. وفي تلك الحفلة وبتأثير الخمرة التي تناولها، قام السنتور (يوريشون) بمحاولة الاعتداء على العروس؛ وقد حذا بقية السنتورات حذوه، الأمر الذي أدى إلى نشوب معركة حامية الوطيس قتل فيها بعضهم. وتلك هي معركة لابيثيا.مع السنتورات والتي احتفى بها الفنانون والشعراء في كثير من الأعمال الفنية القديمة سواء الشعرية منها والمرسومة والمنحوتة.

لم يكن كل السنتورات بنفس الطباع الفظة التي كانت لضيوف (بيرسيوس). فشيرون على سبيل المثال كان قد تلقى العلم على يدي الإلهين ابوللو وآرتميس، وقد عرف بمهارته في الصيد والطب والموسيقى وفن العرافة. وقد كان إسكولابيوس أحد أبرز أبطال القصص الإغريقية وابن الإله ابوللو من تلامذته.

 فعندما عاد الحكيم إلى منزله حاملاً بين يديه الطفل الرضيع، تقدمت ابنته (أوسيرو) لاستقباله، وبمجرد أن وقعت عيناها على الطفل دخلت على الفور في غيبوبة تنبئية (لأنها كانت عرافة)، وتحدثت عن المجد الذي سيتمكن هذا الرضيع من تحقيقه ما أن يشب عن الطوق. وعندما شب إسكولابيوس أصبح طبيباً مشهوراً، إلى درجة أنه في إحدى المناسبات تمكن من إعادة الحياة إلى ميت.  وقد غضب لذلك الإله هاديس إله الجحيم وحاكم مستقر الموتى في باطن الأرض. وامتعض كذلك كبير الآلهة زيوس من فعلته. وبناءً على طلب هاديس أرسل زيوس صاعقة قتلت الطبيب. ومع ذلك فقد تم بعد موته قبوله في عداد الآلهة.

أما شيرون فقد كان أعدل وأحكم السنتورات كلها، وعندما مات وضعه زيوس ضمن النجوم في كوكبة الحصان.
 



































آيروس وسيشي

 
أيروس وسيشي

كان لأحد الملوك والملكات، ثلاث بنات. وكان جمال البنتين الكبريين جمالاً غير عادي، أما جمال الصغيرة فقد كان يجل عن الوصف. وكانت شهرة جمالها قد عمت البلاد وتجاوزتها إلى الأقطار الأخرى حتى أن كثيراً من الغرباء كانوا يأتون من الدول المجاورة في مجموعات ليمتعوا أنفسهم بمنظرها الخلاب، وكانوا يقولون عن جمالها أنه جدير بأفروديت إلهة الجمال وحدها. وفي الحقيقة فإن أفروديت قد شعرت بهجران العباد لمعبدها حيث كرس الرجال ولاءهم وإخلاصهم لتلك الفتاة العذراء التي كانت حيثما سارت تلاقيها أغاني التمجيد وتلقى في طريقها وعليها الأغصان والزهور. وكان هذا التمجيد الذي تتلقاه تلك الفتاة الفانية تمجيداً خليقاً بالخالدين وحدهم الأمر الذي أثار امتعاض الإلهة أفروديت المعروفة أيضا باسم فينوس وجعلها تشعر بأنها قد أهينت. وقد هتفت الإلهة وهي تهز جدائل شعرها الطيبة الرائحة بغضب قائلة: "هل ستكسف هذه الفتاة الفانية جمالي ومجدي؟ فعبثاً إذاً منحني راعي القطيع الملكي ذاك حكمه الذي صادق عليه الإله زيوس نفسه بأني أجمل الجميلات ونصرني على منافستي أثينا وهيرا، ومنحني سعفة الجمال. ولكنني لن أمكنها من الاستيلاء على الأمجاد التي تخصني في هدوء وسهولة وسأجعلها تندم على ذلك الجمال الذي هو في غير مكانه."

وهنا دعت ابنها ذو الأجنحة إيروس المرح اللعوب والذي تزداد شقاوته عندما يستمع إلى شكاواها التي لا تنتهي والمعروف أيضا باسم كيوبيد وأشارت إلى سايشي وقالت: "يا بني، عاقب ذلك الجمال المتمرد، واغرس في صدر تلك الفتاة المتعالية حباً لكائن وضيع لا قيمة له حتى تحصد مرارة مشاعر النصر الحالية التي تخالجها."

واستعد إيروس لتلبية طلبات والدته. وكان هناك نبعان في حديقة أفروديت أحدهما ذا ماء حلو والآخر مر المياه. وعمد إيروس إلى جرتين من العنبر فملأ إحداهما بالماء الحلو والأخرى بالماء المر، وعلقهما على جعبة سهامه وأسرع إلى غرفة شيسي ليجدها نائمة. فقام بوضع قطرات من الماء المر على شفتيها، ولكن منظرها الجميل أثار الشفقة في نفسه فلمس جنبها برأس سهمه. ومع لمسته تلك استيقظت سيشي وفتحت عينيها أمام إيروس الذي كان خفياً لا يرى، وقد أصابته تلك النظرة بالدوخة والحيرة والارتباك حتى أنه جرح نفسه بسهمه، ولكنه تجاهل جرحه، إذ كان اهتمامه منصباً على تدارك ما فعله، وإزالة المرارة التي قطرها على شفتيها، فسارع إلى إسقاط قطرات من الفرح الهادئ على حلقات شعرها.

ومنذ ذلك الوقت وبسبب غضب أفروديت عليها لم تجن سيشي من جمالها خيراً. صحيح أن كل الأعين كانت تتجه إليها بشوق، وأن كل فم كان ينطق بتمجيدها، ولكنها لم تر أحداً يتقدم لخطبتها سواء كان ملكاً أو شاباً نبيلاً بل ولا حتى مواطناً عادياً. وقد تزوجت شقيقتاها الكبريين منذ وقت طويل من أميرين، أما سيشي فقد بقيت وحيدة في منزلها الخالي تندب وحدتها، وقد شعرت بالسأم والمرارة من ذلك الجمال الذي وإن جلب الإطراء؛ فقد عجز عن إيقاظ الحب.

أما أبواها اللذان كانا خائفين من أن يكون قد تسببا في غضب الآلهة دون قصد منهما، فقد ذهبا لاستشارة عراف ابوللو فتلقيا الإجابة التالية: "إن العذراء لن تتزوج فانياً من البشر إن زوجها ينتظرها على قمة الجبل، إنه وحش لا تستطيع مقاومته الآلهة ولا البشر."

وملأت نبوءة العرافة الرهيبة هذه قلوب الناس باليأس والحزن، وترك أبواها نفسيهما للحزن الممض. ولكن سيشي قالت لهما:"لماذا يا أبوي؟ هل ندمتما على إنجابي؟ لقد كان حرياً بكما أن تحزنا عندما كان الناس يسبغون علي شرفاً لا استحقه، وهم يدعونني بصوت واحد أفروديت. وإنني أدرك الآن أنني لست إلا ضحية تلك التسمية. خذاني إلى تلك الصخرة التي ينتظرني فيها مصيري الشقي." فما كان من الأبوين إلا أن أعدا للأمر عدته وجهزا موكباً يشبه الجنازة، سارت فيها الفتاة مع أبويها متجهين إلى الجبل بين عويل الناس ومظاهر الأسف والحزن التي عمتهم. وهناك وعلى قمة الجبل تركاها وحدها وعاد الجميع بقلوب يملؤها الحزن إلى المدينة.

وبينما كانت سيشي واقفة على قمة الجبل ترتعش من الخوف وعيناها مليئتان بالدموع، حملها ذلك النسيم الحاني الدافئ الذي يسمى الزفير عن الأرض  بحركة لطيفة وبطيئة إلى واد مليء بالزهور. وعاد إلى نفسها الهدوء تدريجياً فاتخذت لها مرقداً على ضفة معشبة وتمددت لتنام. وعندما استيقظت نشطة من نومها، ألقت نظرة حولها فرأت منظراً بهياً لأشجار معمرة طويلة، فدخلت بينها وهناك في وسط الأجمة اكتشفت نبع ماء فوار يرسل مياها صافية نقية كالزجاج، وكان بجواره قصر تذهل واجهته العقول وتأخذ بالألباب. وكان جلياً أن مثل ذلك البناء لا يمكن أن يكون من صنع البشر، وقدرت أنه مأوى إله من الآلهة. واندفعت مأخوذة بالإعجاب والدهشة لتقترب من البناء بل وغامرت بالدخول. فكان كل شيء تراه في ذلك المكان يملؤها بالفرح والسعادة، فالأعمدة الذهبية التي تحمل السقف المنقوش، والجدران المليئة بالنقوش والتصاوير واللوحات التي تمثل الحيوانات والوحوش وهي تطارد بعضها في مشاهد ريفية، كانت متعة للنظر. وتوغلت في القصر لترى إلى جانب الأجنحة المخصصة للسكنى أجنحة أخرى مليئة بكل أنواع الكنوز وأشياء ثمينة أبدعها الفن وأخرى أبدعتها الطبيعة.

وبينما كانت عيناها مشغولتان بالتملي في تلك المناظر المدهشة، سمعت صوتاً يخاطبها لم تر مصدره يقول هذه الكلمات: " أيتها السيدة العظيمة إن كل ما ترينه هو ملك لك. أما نحن اللذين نخاطبك وتسمعين أصواتنا فإننا خدمك، وسنلبي كل طلباتك وننفذ كل أوامرك بكل لطف وعناية. فإن شئت اذهبي إلى جناحك واستريحي على سريرك، واستحمي عندما ترين أنك بحاجة إلى الاستحمام، وعندها سيكون عشاؤك جاهزاً في القاعة المجاورة في الوقت الذي ترغبين فيه بتناول الطعام."

وأصغت سيشي إلى أصوات خدمها غير المرئيين، وبعد فترة من الراحة والحمام المنعش، ذهبت إلى مكان تناول الطعام لتظهر أمامها على الفور مائدة عامرة دون أن يكون هناك أحد يرى وهو يرتبها.  وقد غطت المائدة ألوان من الأطعمة الشهية والأشربة والعصائر اللذيذة، كما شنفت آذانها موسيقى تنبعث من عازفين غير مرئيين؛ وكان أحدهم يغني لها بينما يصاحب آخر غناءه بالعزف على الناي، وكانت فرقة كاملة من المنشدين تردد الغناء.

وحتى هذه اللحظة لم تكن سيشي قد رأت بعد زوجها العتيد، فلم يكن يزور إلا في الظلام لينصرف قبل الفجر. ولكن صوته ولهجته المليئين بالحب والحنان أشعلا في قلبها جذوة الميل نحوه. وقد طلبت منه مراراً أن يبقى معها حتى ينبلج الصباح لتتمكن من رؤيته ولكنه لم يكن يرضى بذلك، بل إنه على العكس من ذلك أمرها بحزم ألا تحاول رؤيته أبداً، لأن أهم دواعي سعادته كما قال لها هو بقاء هويته خفيةً. وأردف يقول: "لماذا تريدين أن تريني هل لديك شك في حبي لك؟ هل طلبت شيئاً ولم يتم تأمينه؟ إنك إن رأيتني ربما داخلك الرعب من مرآي وربما همت بي، وأصابك الهيام بالمس. إن كل ما أطلبه منك هو أن تحبيني فقط، ذلك أني أفضل أن تحبيني كشخص من أن تتعبدي لي كإله."

هدأ هذا الشرح خواطر سيشي لبعض الوقت ومع مرور الزمن شعرت أنها في غاية السعادة. ولكن وبعد مدة من الزمن بدأت تفكر في أبويها اللذين يجهلان مصيرها، وفي شقيقتيها اللتين لم يسعفهن الحظ في مشاركتها حياتها السعيدة ووضعها المتميز. ولذلك بدأ يغزو نفسها شعور بأن قصرها الجميل لم يكن إلا سجناً. وفي إحدى الليالي عندما جاء زوجها كعادته وقد حل الظلام، أخبرته بمشاعرها وانتزعت منه بعد لأي موافقته على إحضار شقيقتيها لرؤيتها.

وهكذا استدعت زفير النسيم الدافئ الرقيق وأنبأته بأوامر زوجها فأطاع من فوره. ولم يلبث إلا هنيهة حتى أحضر شقيقتيها عبر الجبال إلى واديها. وهناك احتضناها بشوق وبادلتهما القبلات ثم قالت لهما: "تعاليا معي وادخلا منزلي أنعشا نفسيكما بكل ما بوسع أختكما تقديمه" ثم أمسكت كل واحدة من يدها واتجهت بهما إلى القصر الذهبي حيث اعتنى بهما عشرات من أشباح الخدم المتكلمين. وقد تمتعتا بالاستحمام في حمامها الفخم، وحضرتا مائدتها العامرة، ثم أرتهما كل كنوزها. ولكن كل هذه المشاهد المذهلة أوغرت صدري شقيقتيها، فشعرتا بالغيرة والحسد لما تمتعت به شقيقتهما من ثراء ونعمة تتجاوز ما عرفتا في حياتهما، بل أنه كان أكثر وأكبر مما يمكن أن تتخيلاه في أكثر الأحلام إغراقاً في الخيال.

ثم أمطرتاها بالأسئلة، وكان من بين الأسئلة استفسارات عن زوجها وأي شخص يكون وما هو وكيف هو وماذا يشبه وكيف منظره وسمته وشكله وحجمه؟ فردت عليهما سيشي بأنه شاب جميل يقضي وقته في الصيد على الجبال. ولكن جوابها لم يقنع شقيقتيها، فضغطتا عليها حتى اضطرت إلى الاعتراف بأنها لا تعلم حقيقة منظر زوجها وشكله، وأخبرتهما بالأمر كله. وهنا لاحت الفرصة للشقيقتين لتخريب حياتها فأوغرتا صدرها بالشكوك وقلن لها في ما قلن: "أين عقلك، لقد قالت العرافة أنك ستتزوجين وحشاً مخيفاً هائلاً، ألا تذكرين؟ إن سكان هذا الوادي يقولون أن زوجك ليس إلا وحشاً بل وتنيناً مرعباً دميما، وأنه إنما يطعمك ويسمنك ليأكلك فخذي نصيحتنا وتزودي بسكين حادة ومصباح، وضعيهما في مكان لا يراهما فيه زوجك، حتى إذا أتى ونام وتأكدت من أنه قد ذهب في نوم عميق، أحضري المصباح وأشعليه لكي تري بعينيك إذا كان ما قيل عن زوجك صحيحاً أم لا، وإذا ظهرأنه ليس إلا وحشاً كما قيل عنه، فاقطعي رأس الوحش بالسكين واستردي حريتك."

قاومت سيشي هذه الضغوط بكل ما استطاعت من قوة، ولكن شقيقتيها نجحتا في غرس الفكرة في عقلها. وعندما غادرت أختيها القصر عائدتين إلى عالمهما ظلت كلماتهما ترن في أذنها، وقد آزرها الفضول فاستولى على نفسها حتى لم تعد قادرة على المقاومة. ولذلك فقد أعدت مصباحاً وسكيناً حادة وخبأتهما حيث يمكنها تناولهما في الظلام, ثم انتظرت الفرصة السانحة عندما غط في زوجها في نومه، فذهبت وأحضرت المصباح بهدوء لترى أن من قيل أنه وحش لم يكن إلا إلهاً فائق الجمال. وكانت خصلاته الذهبية منسدلة على عنقه الناصع البياض كالثلج، وعلى خديه القرمزيين. وكان هناك جناحان بارزان من كتفيه لهما منظر وملمس أزهار الربيع. وعندما قربت المصباح من وجهه لتتأمل وجهه أكثر وقد أسرها جماله، سقطت نقطة من الزيت الحار المشتعل على كتف الإله، فاستيقظ من نومه فزعاً وفتح عينيه على اتساعهما وثبت نظراته عليها، ثم وبدون أن ينطق بكلمة واحدة نشر جناحيه وطار من النافذة. أما سيشي فقد بذلت كل جهدها لتتبعه وقفزت فوق السرير واتجهت إلى النافذة وقفزت منها فسقطت إلى الأرض. نظر إليها إله الغرام إيروس وهي ملقاة على التراب، فأوقف طيرانه للحظة واحدة ليقول لها: "أه يا سيشي الحمقاء هل هذا جزاء حبي لك؟ لقد عصيت أوامر أمي إلهة الجمال من أجلك وخالفت أوامرها لي واتخذتك زوجة، فكيف طاوعك قلبك على أن تحملي سكيناً لتقطعي به رأسي؟ إذهبي وعودي إلى أختيك اللتين تقدرين نصائحهما أكثر من نصائحي. ولن أعاقبك بأي عقاب إضافي أكثر من هجرك إلى الأبد. إن الحب لا يمكن أن يجتمع مع الشك في مكان واحد" ومع آخر كلماته طار بعيداً تاركاً سيشي المسكينة ملقاة على الأرض تردد نواحاً حزيناً.

وبعد حين عندما تمكنت سيشي بالكاد من تمالك نفسها والنظر حولها، فإذا بالقصر والحديقة قد اختفيا. ووجدت نفسها في حقل واسع غير بعيد من المدينة التي تعيش فيها شقيقتاها فاتجهت إليها. وهناك التقت بشقيقتيها أخبرتهما بقصتها المحزنة كلها، وقد تظاهرتا أمامها بالحزن بينما كانت تلك المخلوقتان الشريرتان تشعران في داخلهما بسعادة بالغة للنتيجة التي آلت إليها شقيقتهما. وقالتا لنفسيهما: "ربما يختار إحدانا بدلاً منها" وسيطرت عليهما الفكرة. وفي اليوم التالي ودون أن تخبرا شقيقتهما بشيء انطلقتا في الصباح الباكر إلى الجبل. وما أن وصلتا إلى القمة حتى دعتا زفير ليأخذهما إلى سيده وألقتا بنفسيهما ظناً منهما أن زفير سيحملهما، فسقطتا من قلة الجبل وتقطعتا مزقاً.

وفي هذه الأثناء كانت سيشي تتجول على غير هدى بحثاً عن زوجها دون أن تتناول طعاماً أو تتوقف للراحة. وقد وقع نظرها على جبل عظيم يوجد بالقرب من قمته معبد ضخم. تنهدت وقالت لنفسها: "ربما كان حبيبي وسيدي يسكن هناك" وأخذت طريقها نحوه. وما أن دخلته حتى رأت أكواماً من الذرة وبعضها معداً للضرب وكان هناك أكوام من حبوب الشعير المذراة موزعة في المكان، وكانت هناك أيضاً كل أدوات الحصاد ملقاة بإهمال، كما لو أن الحصاد ين ألقوا بها جانباً ورحلوا في نهاية يوم من العمل. فقامت سيشي بوضع حد لهذه الفوضى فجمعت الأشياء المتشابهة معاً ووضعت كل شيء في مكانه الصحيح، إيماناً منها بأن المرء لا ينبغي أن يهمل الأمور التي تخص الآلهة، ومحاولة منها لنيل رضى الآلهة حتى يقفوا إلى جانبها في محنتها. وكانت ديميتر المقدسة التي ينتمي إليها المعبد قد رأت الجهد الذي بذلته فتأثرت من إخلاصها وقالت لها: "يا سيشي إنك حقاً تستحقين عطفنا وإن كنت لا أستطيع أن أحميك من تجهم أفروديت، ولكني سأعلمك أفضل طريقة للاستفادة من غضبها وتحويله لصالحك. إذهبي وسلمي نفسك متطوعة إلى سيدتك وحاكمتك وحاولي بالتواضع والإخلاص أن تفوزي بغفرانها ورضاها، بل وربما أعادت إليك زوجك الذي فقدت."

أطاعت سيشي تعاليم ديميتر، وأخذت طريقها إلى معبد أفروديت وأخذت تبذل جهدها لتكييف عقلها استعداداً لخوض التجربة. وبدأت تراجع مع نفسها ما ينبغي عليها قوله وأفضل السبل لتهدئة غضبة الإلهة؛ شاعرة في الوقت ذاته أن الأمر كله محفوف بالشك والخطر بل وربما كان قاتلاً.

استقبلتها أفروديت بوجه غاضب قائلة: "يا أقل الخادمات إخلاصاً وإيماناً هل تذكرت أخيراً أن لك سيدة أم أنك جئت بحثاً عن زوجك الذي وقع فريسة للمرض نتيجة الجرح الذي أصابته به زوجته المحبة؟ إنك امرأة حمقاء وخالية من أي قدر من اللياقة، وغير مؤهلة لأي شيء لدرجة أن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تكسبك وده ومحبتة هي الإنحناء الطويل في أداء الأعمال الشاقة. سأختبر كفاءتك لأن تكوني ربة منزل. ثم أمرت بأن يتم اقتياد سيشي إلى مخزن معبدها حيث كانت هناك كميات كبيرة من القمح والشعير والفول والفاصولياء واللوبياء وأنواع أخرى من الحبوب مخلوطة ومجهزة لإطعام الحمام، وقالت لها: "خذي وافصلي كل نوع بمفرده واحرصي على أن تكملي عملك قبل حلول الظلام" ثم تركتها وانصرفت. ولكن سيشي التي فوجئت بحجم العمل الكبير تخشبت في مكانها صامتة دون أن تحرك إصبعا نحو الكومة الكبيرة. وبينما كانت جالسة هناك في يأس، أثار إيروس الرحمة نحوها في قلوب النمل الصغير ساكن الحقول وهكذا تقدم قائد النمل متبوعاً بجيشه المكون من رعاياه السداسية الأرجل، واقتربوا من الكومة وعملوا بجد حاملين الحبوب واحدة واحدة في كل مرة وفصلوا كل نوع منها في كومة، وعندما انتهوا من العمل اختفوا دون أن يتركوا وراءهم أي أثر. وعند الغروب عادت أفروديت من حفل الآلهة الذي حضرته، تفوح منها الروائح العطرية ومتوجة بالورود، وما أن رأت أن المهمة قد أنجزت حتى هتفت: "هذا ليس عملك أيتها الفتاة الكسلى، ولكنه من عمله هو، ذلك الذي كنت سبب شقائه" ثم رمت إليها بقطعة من الخبز الأسود لعشائها وغادرت المكان.

وفي اليوم التالي أمرت أفروديت بإحضار سيشي إليها فلم مثلت أمامها قالت لها: "أنظري إلى ذلك المرعى حيث تمتد الأرض المعشبة على ضفاف المياه، هناك ستجدين أغناماً ذات صوف ذهبي ترعى بدون راع؛ فاذهبي إلى هناك واحضري إلي عينة من ذلك الصوف الثمين على أن تكون مكونة من صوف كل شاة في القطيع." أطاعت سيشي الأمر واتجهت إلى ضفة النهر وهي على استعداد لبذل كل جهدها في تنفيذ المهمة. ولكن إله النهر استثار الأعشاب الطويلة بهمهماته المنغومة التي بدت كما لو كانت تقول: "أيتها الفتاة المتعبة احذري من الفيضان الخطر، ولا تخاطري بالاقتراب من تلك الأغنام الشرسة في الناحية الأخرى، فهي ما دامت واقعة تحت تأثير الشمس المشرقة فإنها تصاب بغضب شديد ورغبة حارقة تدفعها إلى مهاجمة الفانين لتدميرهم بقرونها الحادة وأسنانها القاسية، أما عندما تقود شدة حرارة الشمس الأغنام للبحث عن الفيء للاحتماء بالأماكن الظليلة، وعندما تكون روح الفيضان قد هدأت وركنت إلى الراحة فإنه يمكنك عبور النهر في أمان، وستجدين الصوف ملتصقاً بالأعشاب وجذوع الأشجار." وهكذا أعطى إله النهر العطوف إلى سيشي نصائحه عن كيفية إكمال مهمتها، وقد تمكنت متبعة توجيهاته من العودة إلى أفروديت وقد حملت ملء حضنها كومة من الصوف الذهبي. ولكنها لم تتلق أي ثناء من سيدتها القاسية التي قالت لها: "إنني أعلم حق العلم أن هذا لم يتم بجهدك وحدك، ولست مقتنعة بعد بأنك تمتلكين أية مزية نافعة. ومع ذلك فإن لدي مهمة أخرى لك، خذي هذا الصندوق أمامك واذهبي به إلى أرض الظلال وسلمي الصندوق إلى بيرسيفون. وقولي لها لقد أرسلتني سيدتي أفروديت وهي تطلب منك أن ترسلي إليها قليلاً من جمالك لأنها فقدت جزءاً من جمالها أثناء تمريضها لابنها، ولا تتأخري عن العودة سريعاً من مهمتك القصيرة لأني يجب أن أطلي نفسي بما تحضرين حتى أظهر به في أوساط الآلهة والإلهات هذا المساء."

ولم يخطر ببال سيشي أن منيتها قد دنت وأصبحت في متناول اليد عندما التزمت بالنزول بقدميها إلى إيريبوس مستقر الأموات. وحتى لا تتأخر في الوصول إلى المصير المحتوم كان عليها أن تصعد إلى قمة برج عال ثم تلقي بنفسها من فوقه حتى تسلك أقصر طريق إلى العوالم تحت الأرضية الخاصة بالموتى. ولكن صوتاً من البرج ناداها قائلاً: "لماذا أيتها الفتاة المسكينة المنكودة الحظ تقدمين على إنهاء حياتك بهذه الطريقة البشعة؟ ومن هو هذا الجبان الذي دفعك إلى ركوب هذا الخطر بعد أن نجوت من الأخطار السابقة بالمعجزات؟" ثم دلها الصوت على كهف يمكن أن تصل منه إلى هاديس إله الجحيم وعلمها كيف تتجنب أخطار الطريق وكيف تجتاز سيربيروس الكلب ذا الرؤوس الثلاثة وكيف تتمكن من جعل شارون صاحب القارب الذي يعبر عليه الموتى بين ضفتي النهر الأسود يأخذها إلى الضفة ثم يعيدها مرة أخرى ثم أردف الصوت يقول: "عندما تعطيك بيرسيفون الصندوق مليئاً بجمالها فانتبهي أن تفتحي الصندوق واحذري أن يدفعك فضولك إلى التطلع إلى كنوز الجمال الخاص بالإلهات".
تشجعت سيشي بنصيحته وأطاعته في كل ما قال، وأخذت الطريق الآمن الذي دلها عليه إلى مملكة هاديس وهناك تم إدخالها إلى قصر بيرسيفون، وهناك دعيت إلى الجلوس وتناول الطعام فلم تقبل اكتفت بقطعة خبز، وسلمت رسالة أفروديت فأعيد الصندوق إليها بعد قليل مغلقاً وبداخله الكنز الثمين. وعادت من حيث أتت وقد كان من دواعي سعادتها أن ترى ضوء النهار مرة أخرى. ولكنها بعد أن قطعت بنجاح كل تلك المسافة وأدت الجزء الأكبر من مهمتها الخطرة، أحرقتها الرغبة في فحص محتويات الصندوق، وقالت لنفسها: "كيف لي وقد خضت كل تلك المصاعب أنا حاملة صندوق الجمال الإلهي ألا آخذ على الأقل شيئاً قليلاً منه لأضعه على خدي حتى أظهر أكثر جمالاً في نظر زوجي العزيز" وهكذا فتحت الصندوق بحرص فلم تجد فيه أي جمال على الإطلاق بل وجدت نوماً مخيفاً مرعبا،ً وسقطت على ظهرها في منتصف الطريق نائمة دون حراك.

ولكن إيروس الذي كان قد أبل من مرضه الذي سببه له الجرح الذي أصيب به لم يعد يتحمل البعد عن حبيبته سيشي، ولذلك فقد تسلل من أصغر الشقوق في نافذة غرفته وطار إلى حيث كانت حبيبته مستلقية، وجمع النوم من فوق جسدها وأعاده إلى الصندوق، ثم أيقظها بلمسة خفيفة واحدة من سهمه، وقال لها: "ها أنت للمرة الثانية تكادين تلقين حتفك بسبب فضولك، فقومي الآن وأدي مهمتك التي كلفتك بها والدتي وسأتكفل أنا بالباقي." وبرشاقة البرق انطلق إيروس يشق أجواز الفضاء إلى مستقر الآلهة حيث مثل أمام زيوس ليرفع إليه التماسه وقد أعاره زيوس أذناً صاغية ثم عرض قضية العاشقين على أفروديت وحاججها حتى أقنعها بوجهة نظره وما أن نال موافقتها حتى أرسل هرمس لإحضار سيشي إلى الاجتماع السماوي في الأعالي، وعندما وصلت أعطاها كأساً من شراب الآلهة وقال لها: "اشربي هذا يا سيشي لتصبحي خالدة ولن يتمكن إيروس بعد الآن من تمزيق شباكك التي تربطه بك وسيكون زواجكما أبدياً." وهكذا اقترنت سيشي مع إيروس مرة أخيرة وإلى الأبد وقد رزقا بطفلة اسمها السعادة.

إن قصة إيروس وسيشي تعتبر قصة ملحمية، واسم سيشي بالإغريقية معناه الفراشة كما أن نفس الكلمة تعني الروح، وليس هناك مثال أكثر روعة من الفراشة في العالم الفاني للدلالة على الروح، ولا ما هو أكثر جمالاً منها عندما تنفتح أجنحتها الرائعة خارجة من ضريحها الذي كانت مستلقية فيه بلا حراك، لتحوم تحت أشعة ضوء النهار في جو مفعم بالعبير الذي يطلقه الربيع من كل الكائنات.

















ديونيسيوس، إله الخمر

 
ديونيسيوس، إله الخمر

ديونيسيوس المعروف أيضاً باسم باخوس كان إله النبيذ والنبات عند اليونان. وتروي هذه القصة كيف أصبح ديونيسيوس معبوداً في اليونان، كما تروي الأحداث التي وقعت للملك الطيبي بينثيوس. وأحداث هذه القصة توجد في كتاب القصاص الإغريقي يوريبيديس الموسوم (الديونيسيوسيون) والذي كتبه في العام 405ق.م.

كان ديونيسيوس ابناً لكبير الآلهة المسمى عند الإغريق زيوس وعند الرومان جوبيتر كما يسمونه أيضاً باسم جوف. أما أم ديونيسيوس فقد كانت من البشر وهي سيميل ابنة كادموس وهارمونيا، ملك وملكة المدينة الإغريقية طيبة. وكانت الإلهة هيرا أخت الإله زيوس وزوجته في نفس الوقت تغير من سيميل وتحقد عليها. وفي سعيها للانتقام من سيميل رسمت خطة كفيلة بتدميرها.

اتخذت الإلهة هيرا زوجة زيوس صورة بوريو مربية سيميل العجوز، وقالت لسيميل:"إن عشيقك هذا الذي يدعي أنه الإله زيوس يبدو دعياً كاذباً، وأنا أشك في أن يكون هو الإله, ثم أردفت هيرا قائلة إنني على أي حال أتمنى أن يتبين في نهاية المطاف أنه هو الإله ذاته إلا أنني أشعر بالخوف لأن الناس غالباً ما يدعون أشياء غير حقيقية. فإذا كان هو الإله زيوس حقاً فاجعليه يثبت ذلك لك. أطلبي منه أن يأتي في هيئته الحقيقية وأن يلبس كل الملابس والأسلحة التي يلبسها في السماء. فذلك أدعى إلى نفي كل الشكوك.

واقتنعت سيميل بخوض تلك التجربة، فطلبت من عاشقها عند مجيئه إليها أن يعدها بإجابة طلبها قبل أن يعرف طبيعة الطلب. وهنا منحها زيوس وعده وأكد عليه بقسم لا يحنث أشهد عليه النهر استيكث الذي تخشاه كل الآلهة. وبعد أن فعل ذلك أخبرته بطلبها، وبينما هي تتكلم حاول الإله إسكاتها ولكنها كانت أسرع منه فقد فرت الكلمات من بين شفتيها وأصبحت أمراً واقعاً، وأصبح هو في وضع لم يعد بمقدوره فيه أن يحنث بقسمه بعدم تحقيقه لما طلبت. وانصرف عائداً إلى السماء وهو واقع تحت وطأة هم ثقيل، وهناك لبس من زينته الإلهية أخفها وطأة وأقلها بثاً للرعب في القلوب مكتفياً بزيه الذي اعتاد أن يظهر فيه بين الآلهة، وبهذه الهيئة دخل غرفة سيميل ولكن هيكلها الفاني لم يتحمل الإشعاع الإلهي لزيوس فتحولت من فورها إلى كومة من رماد.

أخذ زيوس ابنه الرضيع ديونيسيوس وأعطاه إلى النيسيين في نينفيس وقد كافأهم زيوس على رعايتهم لولده بأن جعلهم من نجوم السماء. وعندما كبر ديونيسيوس اكتشف طريقة صناعة النبيذ وكيفية استخلاص السائل الثمين من العنب، ولكن زيوس ضربه بالجنون، وجعله سائحاً يجوب مختلف أرجاء الأرض. ولكن فيرجيا ملكة ريا عالجته وعلمته طقوس ديانتها ومضى هو من لديها يجوب قارة آسيا ويعلم الناس زراعة العنب وصناعة النبيذ. وكانت أشهر جولاته رحلته إلى الهند التي قيل أنها دامت عدة سنوات. وعندما عاد منتصراً إلى اليونان أخذ ينشر طقوس عبادته في أنحائها، ولكن بعض الأمراء عارضوه لأنهم احتقروا تعاليم تلك العبادة لما جلبته من اضطراب وجنون معها.

وعندما اقترب ديونيسيوس من مسقط رأسه طيبة حرم ملكها بينثيوس طقوس عبادة ديونيسيوس التي لم يكن لها أي تقدير أو احترام. ولكن ما أن علم الناس أن ديونيسيوس قد اقترب من المدينة حتى تقاطروا من كل حدب وصوب وخاصة النساء سواء في ذلك العجائز منهن والشابات لمقابلته والالتحاق بموكبه المنتصر.

وقد ذهبت أوامر وتهديدات الملك بينثيوس كلها سدى فقال ساخطاً للحاضرين حوله: "إذهبوا واقبضوا على قائد المتسكعين ذاك وأتوا به إلي. فسرعان ما سأجعله يعترف بكذب ادعاءاته عن أصله الإلهي وسأجعله يدين بلسانه عبادته الخليعة." وقد ذهبت نصائح أحكم مستشاريه بدورها سدى وهم ينصحونه بل ويرجونه بعدم التعرض للإله فلم ينفع رجاؤهم إلا في زيادة غضبه حدة.

عاد الذين أرسلهم بينثيوس للقبض على الإله ديونيسيوس وكانوا قد دُفعوا وطردوا من قبل أتباع ديونيسيوس، ولكنهم مع ذلك تمكنوا من إحضار أسير واحد معهم وكانت يداه مقيدتان خلف ظهره عندما أركعوه أمام الملك. قال له الملك بينثيوس والغضب يتطاير شرراً من بين عينيه: "أيها الرجل سيتم إعدامك في الحال حتى يكون مصيرك عبرة للآخرين ولكن ومع أني أكره تأجيل إعدامك قم وتكلم أخبرنا من أنت وما هذه العبادة الجديدة التي تؤدونها؟."

وقف الأسير يتكلم غير هياب فقال: "إن اسمي هو أسيتس أما بلدي فهي مايونيا، وقد كان أبوي فقيرين، فلم تكن لهما حقول أو ثيران يورثوني إياها، ولم يتركا لي غير قصبات صيد وشباك خاصة بمهنتهما كصيادين. وقد حذوت حذوهما لبعض الوقت حتى سئمت طول البقاء في المكان ذاته فتعلمت فن الملاحة وكيف أتمكن من إيجاد طريقي مستعيناً بالنجوم. وقد حدث عندما كنت مسافراً إلى ديلوس أن سفينتنا رست عند جزيرة ديا ونزلت إلى البر. في الصباح التالي أرسلت بحارة السفينة بحثاً عن الماء بينما تسلقت أنا تلاً لألاحظ اتجاه الرياح؛ وعندما عاد رجالي أحضروا معهم مفاجأة أو كما وصفوها جائزة. وكانت عبارة عن غلام ذا مظهر ناعم وثري وكانوا قد وجدوه نائماً. ومن مظهره قدروا أنه ربما كان ابن ملك وأنهم قد يحصلون على فدية كبيرة لقاءه. نظرت إلى ملابس الغلام ومشيته ووجهه وكان في ذلك كله ما جعلني أشعر أن هذا الغلام كان أكثر من شخص من الفانين. قلت لرجالي أي إله هذا الذي تنكر في هذه الهيئة التي لا أعرفها، ولكن تحت تلك الهيئة إله ولا شك. ثم خاطبت الغلام قائلا:اغفر لنا أيها الإله هذا العنف الذي عوملت به وامنحنا النجاح في مسعانا. وهنا انبرى لي ديكتيس أمهر الرجال في تسلق الصواري والنزول على الحبال، وكذلك ملينثيس رجل الدفة وإبوبيس قائد البحارة صاحوا في صوت واحد قائلين: "وفر صلواتك لنا." وكم كان إغراء المال يعمي الأبصار. وعندما مضوا قدماً لحمله على ظهر السفينة قاومتهم وقلت لهم: "إن هذه السفينة لن تكون مكاناً يجري فيه مثل هذا الإلحاد المشين في حق الآلهة، وإن لي السهم الأكبر في هذه السفينة وعليكم تنفيذ ما أقول." ولكن ليكاباس العنيف أمسك بحنجرتي وكاد يلقيني من ظهر السفينة ولم أنقذ نفسي إلا بالتمسك بالحبال بينما أيده البقية فيما فعله.

عند ذلك هتف ديونيسيوس كما لو كان يصحوا من دوار: "ماذا أنتم فاعلون بي؟ ولم هذا الشجار؟ من أحضرني إلى هنا؟ إلى أين تحملونني؟" أجابه أحدهم: "لا تخش شيئاً؛ وأخبرنا إلى أين تريد أن تذهب وسنوصلك إلى مقصدك" أجاب ديونيسيوس قائلاً: "ناكسوس هي منزلي خذوني إليها وسنجزل مكافأتكم" وعده الجميع بذلك وطلبوا مني أن أتولى قيادة السفينة إلى ناكسوس. ومع أن ناكسوس تقع إلى يميننا وكنت أنشر الأشرعة للإبحار إليها، فقد طلب مني رفاقي بعضهم بالإشارة وبعض بالهمسات أن أبحر في الاتجاه المعاكس، وأن نتجه إلى مصر لنبيع الغلام هناك. ومن حيرتي وغضبي قلت لهم:" دعوا أحداً غيري يقود هذه السفينة." ونأيت بنفسي عن الاشتراك في جريمتهم النكراء. ولكنهم صبوا علي اللعنات وقام أحدهم وهو يهتف قائلاً: "لا تظنن أننا نعتمد عليك في تحقيق سلامتنا" وأخذ مكاني كقائد للسفينة وأبحر بها بعيداً عن اتجاه  ناكسوس.

وعندها نظر الإله إليهم كما لو كان قد أدرك لتوه فقط نواياهم الشريرة، ونظر إلى البحر وقال في صوت باك: "أيها البحارة هذه ليست الشواطئ التي وعدتم بأخذي إليها إن جزيرة يوندر ليست منزلي. ماذا فعلت بكم حتى تعاملوني هذه المعاملة؟ وياله من مجد حقير ذلك الذي يتأتى من خداع ولد صغير." بكيت عندما سمعته يقول ذلك ولكن البحارة ضحكوا مني ومنه وضاعفوا سرعة السفينة.

وفجأة ويا للغرابة توقفت السفينة فسحب البحارة مجاديفهم وأنزلوها في الماء ونشروا مزيداً من الأشرعة محاولين تحريك السفينة بالوسيلتين ولكن دون جدوى. فقد برزت نباتات العنب المتسلقة وثبتت المجاديف إلى السفينة ومنعتها من الحركة. ثم إنها تسلقت الصواري أحاطت بالقلوع وجعلت حولها غطاءً نباتياً كثيفا.ً وتسلق نبات مثقل بعناقيد العنب الصاري الرئيسي وامتد ليحيط بجسم السفينة. وسمعت أصوات الناي، وفاحت روائح العنب والنبيذ الزكية. أما الإله فقد ظهر على رأسه إكليل من أغصان الكرم وحمل في يده رمحاً مزيناً بفرع من الكرم وقد أحاط الرمح كالحلزون، وظهرت عند قدميه نمور تتمسح بهما بينما كانت هناك أنواع من القطط البرية والفهود المنقطة تلعب حوله. وأصيب الرجال بالرعب والجنون؛ بعضهم حبا على سطح السفينة بينما حاول آخرون أن يفعلوا الشيء ذاته عندما رأوا رفاقاً لهم قد سقطوا إلى الماء وأخذت أجسادهم تتغير وتصبح أكثر تسطيحاً وتظهر في نهاياتها ذيول. هتف أحدهم أية معجزة هذه؟! وما أن نطق حتى اتسع فمه ومنخراه وغطت القشور جسده. وآخر كان يحاول بجهد جذب مجدافه عندما شعر بيديه تنكمشان بحيث لم تعودا يدين بل تحولتا إلى زعنفتين. وهناك بحار آخر كان يحاول أن يمسك بحبل عندما وجد نفسه بدون أذرع فقوس جسده وقفز إلى الماء ولكن قدميه كانتا قد تحولتا إلى زعانف ذيل خلفية لسمكة. أصبح الطاقم كله مجموعة من الدلافين والبجع بعضها يسبح حول السفينة وبعضها يحوم حولها آناً على السطح وآنا تحته ينشرون الرذاذ ويطلقون نفثات المياه من أنوفهم العريضة. ومن بين العشرين بحاراً كنت أنا الوحيد الذي بقي على هيئته الأصلية. كنت أرتعد من الخوف ولكن الإله طمأنني قائلاً: "لا تخف ووجه السفينة نحو ناكسوس" وأطعته. وعندما وصلنا هناك قدمت القرابين وأحرقت الشحم وأحييت طقوس ديونيسيوس المقدسة.

هنا صاح الملك بينثيوس: "لقد أضعنا وقتاً كثيراً في الاستماع إلى هذه التراهات. خذوه ونفذوا فيه الإعدام على الفور. وتم اقتياد أسيتس بواسطة الحاشية وأدخل إلى زنزانة أغلق عليه بابها بينما كان حرس السجن والجلادون يعدون أدوات الإعدام. ولكن أبواب السجن الحديدية انفتحت من تلقاء ذاتها وسقطت القيود عن ساقي أسيتس وعندما بحثوا عنه لم يكن هناك.

وبرغم كل هذه النذر لم يرتدع الملك بينثيوس، وبدلاً من أن يرسل آخرين قرر أن يذهب بنفسه إلى الساحة حيث تؤدى الطقوس. وكان جبل سيثرون كله حياً يموج بالعباد، وكانت صيحات الديونيسيوسيين تتردد في كل ناحية. أججت تلك الصيحات غضب الملك بنيثيوس كما تثير أصوات أبواق الحرب الحصان المدرب، وشق طريقه خلال الغابة حتى وصل إلى أرض منبسطة حيث كان المشهد العظيم منتصباً أمام عينيه. وفي تلك اللحظة رأته امرأة وكانت المرأة أمه نفسها، ولكنها وقد أعمى الإله بصرها عن هوية ابنها صاحت قائلة: "انظروا إلى هذا الحيوان البري إلى هذا الوحش الذي يتجول في هذه الغابات هيا تعالين أيتها الأخوات وستكون أنا التي ستوجه أول ضربة إلى الحيوان" وهكذا أسرع الحشد باتجاهه تحولت لهجته الآمرة المتكبرة إلى تذلل وتضرع يدين من خلالها نفسه معترفاً بجرائمه طالباً الصفح، ولكنهن تكالبن عليه وأصبنه بالجروح وضاعت نداءاته إلى عماته وخالاته لحمايته من أمه عبثاً، وأصبح بينهن مزقاً مقطعة في كل يد قطعة بينما كانت صرخات أمه المنتصرة تملأ الأفق. وهكذا تأسست عبادة ديونيسيوس في اليونان.
 



































بيرسيوس وميدوزا

 
بيرسيوس وميدوزا

كان بيرسيوس ابناً لكبير الآلهة زيوس وامرأة من البشر الفانين هي داني. وكان جد بيرسيوس أكريسيوس قد تلقى تحذيراً من عراف بأن ابن ابنته سيكون سبباً في موته فما كان منه إلا أن أمسك بابنته وطفلها بيرسيوس الذي وضعته للتو وأغلق عليهما في صندوق وألقاه في اليم. وظل ذلك الصندوق يطفو منجرفاً نحو شاطئ مملكة سيرفيوس حيث وجده صياد قام بتسليم الأم وطفلها إلى ملك البلاد بوليديكتس الذي عاملهما برقة. وعندما كبر بيرسيوس أرسله بوليديكتس لقتال ميدوزا وهي وحش موقعه في غرب البلاد. وقد كانت ميدوزا فيما مضى شابة جميلة ذات شعر بديع أخاذ أكسبها شهرة عظيمة ولكنها لغرورها أخذت تقارن جمالها بجمال الإلهة أثينا فما كان من أثينا إلا أن نزعت عنها جمالها وحولت جدائل شعرها الجميل إلى ثعابين ذات فحيح. وهكذا أصبحت ميدوزا وحشاً قاسياً مخيفاً إلى درجة أنه لم يكن ينظر إليها شخص حتى يتحول من فوره إلى حجر. وقد تناثر حول الكهف الذي كانت تعيش فيه تحت الأرض أشكال من الحجارة لرجال وحيوانات شاء لها سوء حظها أن يقع بصرها على ميدوزا فلاقت ذلك المصير الرهيب.

وكان بيرسيوس أحد المخلوقات التي تسبغ عليهم أثينا حمايتها فأعارته ترسها كما كان الإله هرمس يحبه فأعطاه أحذيته المجنحة. اقترب بيرسيوس من ميدوزا بينما كانت نائمة، وحرص ألا ينظر إليها مباشرة بل كان يلاحظ شكلها المنعكس على الترس اللامع الذي كان ممسكاً به، فتمكن من قطع رأسها وسلمه إلى أثينا بعد عودته فقامت بتثبيته في وسط  ترسها.

بيرسيوس واطلس

بعد أن قام بيرسيوس بقتل ميدوزا حمل معه رأس الجرجونة ميدوزا وطار مستخدماً حذائي هرمس المجنحين عالياً فوق البحار والسهول. وعندما حل المساء وصل إلى الحد الأخير الغربي للأرض حيث تغرب الشمس وهناك أراد أن يستريح سعيداً حتى الصباح. وكانت المنطقة حد الملك أطلس الذي تتجاوز ثروته ثروات الرجال كلهم مجتمعين، فقد كان في غاية الثراء بما يملك من أراض وقطعان. ولم يكن له جار أو عدو يخاصمه في أملاكه وكانت حدائقه مصدر فخره، وهي الحدائق التي كانت لأشجارها ثمار ذهبية تتدلى من أغصان ذهبية أوراقها من الذهب. قال بيرسيوس لأطلس: "أتيت إليك ضيفاً فإن كنت لا تكرم إلا من كان كريم المحتد فإني انتسب إلى زيوس كبير الآلهة الذي هو أبي. أما إذا كنت لا تكرم إلا ذا الفعال الحميدة والبطولية فإني أعلمك بأني هازم الجرجونة ميدوزا. إنني أحتاج إلى الراحة والطعام" وهنا تذكر أطلس نبوءة قديمة حذرته بأن أبن زيوس سيسرق يوماً تفاحاته الذهبية ولذلك فقد أجاب قائلاً: "اذهب من هنا وإلا فلن تنفعك ادعاءاتك الكاذبة عن نسبك وأمجادك ولن تحميك مني." ثم قام بدفعه بعنف محاولاً إلقاءه إلى الخارج. وعندما رأى بيرسيوس أن الرجل العملاق كان أقوى منه كثيراً قال له: "ما دمت تزدري صداقتي ولا تقدرها حق قدرها فلتقبل هديتي." ثم أشاح بوجهه وأخرج من جرابه رأس ميدوزا ورفعه أمام أطلس، وسرعان ما تحول أطلس العملاق إلى حجر، وتحولت لحيته وشعر رأسه إلى غابات أما ذراعاه وكتفاه فقد تحولا إلى وديان عميقة. و أصبح رأسه قمة، وأصبحت عظامه صخورا. وأخذ جرمه يتعاظم حتى أصبح الجبل الذي لا يزال يسمى إلى اليوم بجبال الأطلس في المغرب بشمال أفريقيا والذي تستقر السماء بكل نجومها على كتفيه.

 
وحش البحر

واصل بيرسيوس طيرانه فوصل إلى بلاد الإثيوبيين التي كان سيفوس ملكاً عليها. وكانت كاسيوبيا الفخورة بجمالها ملكتها. وقد جرؤت على مقارنة نفسها بحوريات البحر اللواتي أغضبهن ذلك إلى درجة أنهن أرسلن وحش البحر الهائل لإيقاع الدمار والفوضى بالشواطئ. وقد زاد الطين بلة أن العرافة كانت قد أخبرت الملك سيفوس بأن عليه تقديم ابنته أندروميدا ضحية لترضية الوحش. وأثناء طيران بيرسيوس فوق شواطئ إثيوبيا ألقى نظرة من علٍ على تلك البلاد فرأى عذراء مقيدة إلى صخرة تنتظر وصول الوحش وقد بدت شاحبة وبلا حراك؛ حتى أن الناظر إليها ليظنها تمثالا من رخام لولا الدموع التي كانت تسيل على خدها، وجدائلها التي يحركها هبوب النسيم. وقد أخذ بيرسيوس بالمشهد حتى أنه كاد ينسى تحريك جناحي حذائه. ثم اتجه نحوها وحلق فوقها عن قرب وناداها قائلاً: "أيتها الشابة العذراء إنك لا تستحقين تلك السلاسل وإنما رباطاً يشد المحبين، أخبريني أرجوك ما اسمك وما اسم بلادك هذه ولم أنت مربوطة هكذا؟" ولم تجبه في البداية ولكنه عندما كرر أسئلته خشيت أن يظن بصمتها الظنون وأن يتصور أنها قد أجرمت جرماً شنيعاً استحقت معه ذلك العقاب ولذلك فقد أخبرته باسمها واسم بلادها وتفاخر والدتها بجمالها الذي أوردها هذا المورد. وما كادت تنطق آخر الكلمات حتى دوى صوت رهيب من جهة البحر، وظهر وحش البحر رافعاً رأسه فوق سطح الماء مثيراً الأمواج بصدره العريض. ارتعشت العذراء وانخلع قلب والديها اللذان كانا قد وصلا في تلك اللحظة إلى موقع الحدث، واندفعت أمها إلى جانبها وهي تشعر بالعجز عن حماية ابنتها، ولم تجد أمامها غير الدموع تعبر بها عن حزنها العميق ولفت ذراعيها حول ابنتها تحتضنها. وعندئذ تكلم بيرسيوس قائلاً: "سيكون هناك وقت كاف للدموع فيما بعد أما هذه الساعة فيجب أن نكرسها جميعاً للإنقاذ. وبصفتي ابناً لزيوس وقاهراً للجرجونة ميدوزا فقد أكون صالحاً ليتم قبولي عريسا، ولكني سأبذل جهدي أولاً كي أفوز بها مقابل الخدمة التي سأقدمها لها إذا أذنت الآلهة. وإني أشترط إذا تمكنت من إنقاذها أن تكون هي جائزتي." وقد وافق الوالدان على الفور فكيف لهما أن يترددا في قبول شرطه في مثل تلك الظروف؟ بل أنهما قرنا قبولهما بوعد منهما بتقديم هبة ملكية تليق بابنتهما.

وفي هذه اللحظة كان الوحش قد أصبح على بعد مرمى حجر، فقفز الشاب في حركة مفاجئة إلى أعلى وانطلق محلقاً في الهواء وكالنسر كان يرى من علوه الوحش يلمع تحت أشعة الشمس، فانقض عليه وامسك بعنقه ليمنعه من إدارة رأسه واستعمال أنيابه، ثم أغمد سيفه بين كتفي الوحش. وبتأثير الألم الممض للجرح الذي أصاب الوحش قفز في الهواء ثم غطس في الماء إلى الأعماق؛ وأخذ يتقلب من جانب إلى آخر كما لو كان حيواناً قد أنشبت فيه كلاب الصيد مخالبها وأنيابها. بينما كان بطلنا يتجنب هجمات الوحش تلك مستخدماً أجنحته واستمر يغمد سيفه وينزعه في كل جزء من جسد الوحش تطاله يده. وأخذت المياه تندفع من منخري الوحش مختلطة بدمائه وابتلت أجنحة البطل بتلك الدماء فخرج من الماء ليقف على صخرة كانت قمتها بارزة فوق السطح، وجلس فوقها متمسكاً بالنتوءات البارزة عليها، بينما كان الوحش قد طفا على الماء واقترب منه، فسدد إليه البطل ضربته القاضية. وإزاء هذا المشهد الهائل والمثير ارتفعت أصوات حشود الناس التي كانت متجمعة على الشاطئ ورددت التلال صدى صيحاتهم. أما الأبوان فقد غمرهما الفرح واندفعا ليحتضنا صهرهما العتيد وهما يدعوانه ببطلهما ومنقذ بيتهما. أما العذراء التي كانت سبب المباراة وجائزتها فقد تم حل قيودها من الصخرة.

 
حفل الزواج

عاد الوالدان المبتهجان وبصحبتهما بيرسيوس وأندروميدا إلى القصر، حيث تم إقامة حفل كبير لهما. وكان الجو مليئاً بالبهجة والمرح. وفجأة ارتفعت ضجة عالية أحدثها فينيوس المحارب خطيب العذراء أندروميدا ودخل إلى مقر الحفل مع حشد من أصحابه مطالباً بحقه في الزواج من الفتاة. قال له سيفيوس: "كان ينبغي عليك المطالبة بعذرائك عندما كانت مشدودة إلى الصخرة ليلتقمها الوحش بعد أن حكمت عليها الآلهة بذلك المصير الذي فسخ كل الارتباطات السابقة تماماً مثل الموت الذي لا يبقي رباطاً على حاله." ولكن كلماته تلك لم تلق أذناً صاغية لدى فينيوس الذي لم يحر جواباً غير تسديد رمحه إلى بيرسيوس ولكن رمحه أخطأ الهدف ولم يلحق به أذى. وعندما هم بيرسيوس بتسديد رمحه رداً على الاعتداء هرب الجبان واختبأ خلف المائدة. وكانت حركته تلك بمثابة إشارة لأصحابه للانقضاض على ضيوف سيفيوس، ولكن هؤلاء دافعوا عن أنفسهم بضراوة حيث حدثت معركة كبيرة. وانسحب الملك العجوز من المكان بعد محاولات عدة لتهدئة الوضع، داعياً الآلهة لتشهد أنه لا ذنب له في هذا الانتهاك الفظيع لحقوق الضيافة.

وقد خاض بيرسيوس ومن معه تلك المعركة بشجاعة لبعض الوقت. ولكن عدم التكافؤ في العدد بينهم وبين المهاجمين كان كبيرا،ً وبدا كما لو أن الموت قد أخذ يقترب منهم وأنه لا مفر منه؛ عندما لمعت فكرة مفاجئة في ذهن بيرسيوس وقال لنفسه: "سأجعل عدوي يدافع عني" ثم قال بصوت عالٍ: "من كان صديقاً لي فليشح بوجهه ولا ينظر إلي وأخرج رأس الجرجونة ميدوزا من جرابه فقال له فيسيليوس أحد أصدقاء فينيوس: "لا تحاول إخافتنا بدميتك هذه" ورفع رمحه مسدداً إياه نحو بيرسيوس وكأنه يريد إلقاءه عليه، ولكنه وفي تلك اللحظة ذاتها تحول إلى تمثال من حجر. أما آمبكس الذي كان بصدد إغماد سيفه في جسد أحد الضيوف فقد شعر بأن ذراعه قد تجمدت حتى لم يعد قادراً على رفعها أو إنزالها وتحول بدوره إلى حجر. وثالث من أصحاب فينيوس توقف أثناء اندفاعه صارخاً وبقي هناك حيث تحول إلى تمثال حجري مفتوح الفم. وكان أكونتس أحد أصدقاء بيرسيوس قد اختلس نظرة من رأس الجرجونة فحاق به مصير الآخرين. وقد ضربه استيجاس في تلك اللحظة بسيفه ولكن بدلاً من أن يجرحه به فقد ارتد سيفه محدثاً صليلاً عالياً.

أما فينيوس الذي شاهد تلك النتيجة التي آل إليها اعتداؤه الظالم فقد أصيب بحيرة غمرته حتى اليأس. وصاح عالياً ينادي أصدقاءه ولكن صيحته لم تجد من يجيب عليها، وأخذ يلمسهم واحداً واحداً فإذا به يحس بملمس الحجارة تحت أصابعه. وهنا جثا على ركبتيه ورفع يديه إلى بيرسيوس ولكنه كان في نفس الوقت حريصاً على عدم النظر إليه وصاح طالباً منه الرحمة قائلاً: "خذ كل شيء وأعطني حياتي فقط." نظر إليه بيرسيوس وقال له: "أيها الجبان الوضيع سأعطيك هذا، لن يمسك سلاح ولكن سيتم نصبك في منزلي كذكرى على هذه الأحداث والتف حوله بحيث وضع رأس الجرجونة أمام عينيه في حركة مفاجئة، وبذلك تجمد فينيوس في وضع الركوع الذي كان فيه ويداه ممدودتان ورأسه ملتفت إلى الجانب وأصبح تمثالاً بديعاً من الصخر.

لقد كانت كاسيوبيا اثيوبية ولذلك وبالرغم من جمالها الأخاذ فقد كانت سوداء البشرة.

وقد سميت كاسيوبيا بنجمة إثيوب الملكية لأنها بعد موتها وضعت ضمن المجرة التي حملت اسم ابنتها. وعلى الرغم من أنها قد حازت هذا الشرف العالي فإن حوريات البحر عدواتها القديمان تمكن من تحقيق نوع من النصر عليها بحيث وضعنها في ذلك الجزء من السماء القريب من القطب حيث يبدو رأسها نصف الوقت كل ليلة منحنياً إلى أسفل كما لو كانوا يلقنونها درساً مهيناً.
 











تمثال نصفي قديم للجرجونة ميدوزا
(التمثال محفوظ في متحف ميوزيو دي كونسيرفاتوري في روما بإيطاليا)
 















أفروديت وأدونيس

 



آفروديت وأدونيس
(للفنان الإيطالي بيولو فيرنيس وقد رسمها عام 1582م. واللوحة محفوظة في متحف برادو في مدريد بإسبانيا)

 
أفروديت وأدونيس

أفروديت إلهة الحب والجمال عند الإغريق وهي المعروفة أيضا باسم فينوس في الأساطير الرومانية. ومن بين عشاقها الكثر كان هناك شاب يدعى أدونيس، وفي هذه القصة نرى كيف أن الإلهة أفروديت قامت بتخليد ذكرى معشوقها على هيئة زهرة لها حمرة الدم تدعى في العربية شقائق النعمان.

كانت أفروديت تلعب يوماً مع ولدها آيروس (إله الحب) فأصاب صدرها بأحد سهامه. وقد سحبت السهم ولكن الجرح كان أعمق مما ظنت. وقبل أن يندمل الجرح رأت أدونيس فانشغلت به. ولم تعد تعير اهتماماً لمنتجعيها المفضلين، بافوس وكيندوس ولا أماثوس الغني بالمعادن. بل أنها غابت عن السماء فقد أصبح أدونيس أعز عليها منها. وقد تبعته ولازمت صحبته، وهي التي كانت تحب الركون إلى الظلال لا تهتم بشيء بقدر اهتمامها بجمالها وجاذبيتها، فأصبحت تجوب الغابات والتلال في رداء يشبه رداء إلهة الصيد آرتميس؛ تحث كلابها وتطارد الأرانب والغزلان الحمر أو تمارس أنواعاً أخرى من الصيد غير ذات خطر. وكانت تتجنب الذئاب والدببة التي تجذبها روائح القطيع. وكانت تحث أدونيس أيضاً على الحذر من الحيوانات الخطرة قائلةً: "أظهر شجاعتك أمام الجبان أما إظهارها أمام الشجاع فأمر في غاية الخطورة. وأحذر من أن تعرض نفسك للخطر فتخاطر بسعادتي. لا تهاجم الوحوش التي حبتها الطبيعة بالأسلحة، فإني لا أبالي بأية أمجاد تنالها مقابل تعريض نفسك للأخطار الجسيمة. إن شبابك وجمال وجاذبية أفروديت لن تؤثر في قلوب الأسود أو الدببة المتوحشة. فكر في مخالبها الرهيبة وقواها العظيمة! فأنا أكره جنسها كله. أتسألني لماذا؟." ثم أخبرته قصة أطلنطا وعاشقها هيبومينيس اللذين تحولا إلى أسدين نتيجة عدم وفائهما لها.

وبعد أن حذرته ركبت عربتها التي تجرها البجع وقادتها بعيداً في السماء. ولكن أدونيس كان أنبل من أن يستمع إلى تلك النصائح. كانت كلابه قد أهاجت الخنزير البري من أجمته ورمى الشاب برمحه ليصيب الحيوان بطعنة نجلاء في جانبه، والتفت الوحش وسحب السلاح من جسده بفكيه وأسرع يعدو خلف أدونيس الذي استدار وفر هاربا.ً ولكن الوحش صدمه برأسه ورفعه عالياً ثم غرز نابيه في جنبه وألقاه قتيلاً ممدداً في السهل.

لم تكن أفروديت بعربتها التي تجرها البجع قد وصلت إلى قبرص عندما سمعت أنات حبيبها تشق السماء إليها فاستدارت عائدة بعربتها التي تجرها الأجنحة البيض إلى الأرض. وعندما اقتربت رأت وهي لا تزال عالية في السماء جسده الهامد يسبح في دمه، ترجلت من عربتها وانحنت عليه وضربت ثدييها وشدت شعرها. وقالت وهي تنتقد الأقدار: "لن يكون لك إلا نصر جزئي؛ فذكرى حزني ستبقى إلى الأبد، وإن مشهد مقتلك يا حبيبي أدونيس وحزني عليك سيتجددان كل عام. إن دمك سيتحول إلى زهرة؛ حتى لا يتمكن العزاء من إغوائي فينسيني الحبيب." وبينما هي تتحدث صبت إكسيراً على الدم؛ وما أن اختلطا حتى ارتفعت فقاعات كتلك التي تظهر على سطح بركة تسقط عليها قطرات المطر وخلال ساعة واحدة نبتت زهرة ذات لون أحمر قان كلون الدم. ولكنها زهرة قصيرة العمر. وقد قيل أن الريح تؤدي إلى تفتح الزهرة وبعدها تحمل معها أوراقها؛ ولذلك سميت بـ(الآنيمون) أي زهرة الريح نسبة إلى سبب تفتحها وفنائها.

 



































كادموس
 
كادموس

تنكر زيوس كبير الآلهة في شكل ثور جميل واقترب من البقعة التي كانت تلهو فيها أوروبا الجميلة ابنة أجينور ملك فينيسيا  مع أترابها، فأعجبها ذلك البهاء العجيب المنبعث من ذلك الثور، فاقتربت منه كي تلاطفه، فآنست منه خضوعا وألفة نحوها، وعندما وضعت يدها على ظهره أحنى لها رأسه وبرك على قائمتيه الأماميتين وكأنه يدعوها إلى امتطاء ظهره، فلما فعلت حملها وفر بها. فأمر أجينور ابنه كادموس أن يذهب للبحث عن اخته وألا يعود بدونها، وذهب كادموس وقضى وقتاً طويلاً في البحث عن شقيقته ولكنه لم يجدها ولم يجرؤ في الوقت نفسه على العودة خائباً إلى أبيه. فذهب إلى عرافة ابوللو ليستشيرها عن اسم المدينة التي يجب أن يتجه إليها ويستقر فيها، فأخبرته العرافة أنه سيجد بقرة في حقل وعليه أن يتبعها في تجوالها، وحيث تقف البقرة عليه أن يبني مدينة ويسميها طيبة. وكان كادموس قد تمكن بصعوبة بالغة من الإفلات من كهف الكاستيليين الذين سبق أن أخبرته عنهم العرافة نفسها. ذهب كادموس في طريقه فرأى بقرة تسير ببطء أمامه فتبعها عن قرب. وظلت البقرة تواصل سيرها حتى عبرت قناة ماء سفيسوس الضحلة ثم خرجت منها إلى سهل بانوبي. وهناك توقفت رافعة جبهتها العريضة إلى السماء وملأت الجو بخوارها. قدم كادموس شكره للآلهة وركع على ركبتيه يقبل الأرض الغريبة ثم رفع ناظريه يتأمل الجبال المحيطة به. وقد نوى على تقديم أضحية إلى زيوس، فأرسل خدمه ليبحثوا عن ماء صاف ليريقه عند تقديم القربان. وقريباً من المكان كانت هناك أجمة أشجار معمرة اتجه إليها رفاقه بحثا عن الماء، وكانت الأجمة عذراء لم تمسسها فأس. وكان في وسطها ما يشبه الكهف، وكان جذع أحد الأشجار ضخماً ومحاطاً بنباتات حرشية تشابكت أغصانها المنخفضة الارتفاع لتشكل ما يشبه العقد، ومن أدنى الشجرة انبجس نبع ماء كأصفى ما يكون الماء. وقد لبد في الكهف  تنين رهيب ذي رأس عليه ما يشبه العرف بينما كان جسده يلمع كالذهب. كانت عيناه تشعان كالنار، وجسده منتفخاً بالسم وهو يهز لسان ذا الثلاث شعب، ويبدو في فمه ثلاثة صفوف من الأسنان. وما أن غمس الرجال آنيتهم في النبع فأحدث ارتطامها بالماء صوتاً، حتى رفع التنين رأسه ومده خارج الكهف وأصدر فحيحاً مرعباً. سقطت الآنية من أيديهم وشحبت وجوههم من الرعب فلم يحاول أي واحد منهم القتال أو الهرب فقتل التنين بعضهم بأنيابه والتف جسده حول البعض الآخر فقتلهم بينما تساقط آخرون وقد قتلتهم أنفاسه السامة.

أما كادموس الذي ظل ينتظر عودة رجاله حتى منتصف النهار فقد سئم الانتظار وذهب يبحث عنهم، وكان ملتفاً بجلد أسد وكان يحمل في يديه رمحاً طويلاً وآخر قصيراً وبين جنبيه قلباً شديداً كان يركن إليه أكثر من رمحيه. وعندما دخل الأجمة ورأى جثث رجاله الهامدة والوحش بأنيابه المخضبة بالدم هتف قائلاً: "سأنتقم لكم يا أصدقائي المخلصين أو سأشارككم مصيركم" قال ذلك وهو يرفع صخرة عظيمة ألقاها بكل قوته على التنين. وكان من شأن مثل هذه الصخرة أن تهز جدار قلعة لو سقطت عليه، ولكنها لم تترك على الوحش أدنى أثر. وعندها سدد كادموس رمحه الطويل إلى الوحش فاخترق جلده وقطع لحمه وثبت فيه، وأدار الوحش رأسه من شدة الألم ليرى مكان إصابته وحاول نزع السلاح عن جسده بفمه ولكنه لم يتمكن إلا من كسر مقبض الرمح بينما بقي السنان في لحمه. انتفخ عنقه غضباً بينما غطت رغوة مدماة فكيه وكانت الأنفاس المنطلقة من منخريه تسمم الجو حوله. حرك نفسه على شكل دائرة ثم مد نفسه على الأرض كما لو كان جذع شجرة عظيمة وبينما كان يزحف إلى الأمام كان كادموس يتراجع إلى الخلف ممسكاً برمحه الآخر مُسدَداً إلى فم الوحش المفتوح. وثب التنين على الرمح محاولاً عض السنان، فانتهز كادموس الفرصة ورمى الرمح بكل قوته في تلك اللحظة حتى أن رأس الثعبان الذي ارتد إلى الخلف بقوة من شدة الألم اصطدم بجذع شجرة فاخترق الرمح رأسه وثبته إليها. فانحنت الشجرة من ثقل التنينن الذي كان يتحرك بعنف وهو يصارع الموت.

بينما كان كادموس واقفاً فوق جثة غريمه يتأمل كبر حجمه إذا به يسمع صوتاً واضحاً لم يعرف مصدره يأمره باتنزاع أسنان التنينن وغرسها في الأرض، فأطاع وخد أخاديد في الأرض وزرع فيها الأسنان التي قدر لها أن تنبت رجالاً. لم يكن قد عمل إلا قليلاً عندما بدأت الأخاديد تتحرك وظهرت من الأرض أسنة الرماح تشق طريقها إلى السطح وبعد ذلك ظهرت خوذ فوق الرؤوس التي تحملها ثم ظهرت الأكتاف والصدور والأطراف لرجال مسلحين، وما هو إلا قليل حتى أنبتت الأرض حصاد أسنان التنين فرقة من المحاربين المسلحين. ارتد كادموس إلى الخلف في حذر وأخذ أهبته لمواجهة عدو جديد، إلا أن أحد أولئك الرجال قال له: "لا تتدخل في معركتنا الخاصة" قال المتكلم ذلك وهو يضرب أحد اخوته النابتين بسيفه ولم يلبث أن سقط هو نفسه إلى الأرض بعد أن اخترقه سهم أطلقه رجل آخر. وسقط الثالث ضحية لرابع واستمر الأمر على هذا المنوال وكل يقتل أخاه حتى سقط الجميع قتلى إصاباتهم المتبادلة ولم يبق منهم إلا خمسة. وقام أحد هؤلاء الخمسة بتنحية أسلحته جانباً وقال: "أيها الأخوة دعونا نعش في سلام" وهكذا انضم أولئك الخمسة إلى كادموس عندما شرع في بناء مدينته التي أسموها طيبة.

تزوج كادموس هيرميونيا ابنة الإلهة آفروديت. وقد حضر الآلهة من السماء ليشهدوا زفافهما وليشرفوا المناسبة بحضورهم. وصنع فولكان للعروس عقداً ذا بهاء رائع من صنع يديه. ولكن خطر الموت ظل معلقاً على رأس عائلة كادموس يهددها بسوء المصير نتيجة قتله للتنين المكرس للإله مارس. وقد أنجب كادموس فيمن أنجب ابنتين هما سيميل وإينو وحفيدين هما آستيون وبينثيوس الذين لاقوا جميعا مصائر مأساوية وماتوا في شقاء. أما كادموس وزوجته هيرمونيا فقد غادرا طيبة التي اصبحت ثقيلة على قلبيهما وهاجرا إلى بلد الإنشيليين الذين استقبلوهما بحفاوة وإكرام وما لبثوا أن ولوا كادموس ملكاً عليهم ولكن سوء حظ ذريتهما ظل يثقل كاهلهما وضميريهما حتى أن كادموس هتف يوماً قائلاً: "إذا كانت حياة ثعبان عزيزة إلى هذا الحد على الآلهة فإني أتمنى لو كنت أنا أيضاً ثعباناً" وما أن خرجت الكلمات من فمه حتى بدأ شكله يتغير ولاحظت هيرميونيا تغيره فجثت تدعو الآلهة أن تجعلها تشاركه مصيره وهكذا أصبحا كليهما ثعبانين، وبقيا بين الناس لا يخشيان وجود البشر ولا يصيبان أحداً بأذى.















ميليجر وأطلنطا
 
ميليجر واطلنطا

كان ميليجر أحد أبطال البعثة الارجونية وهو ابن إينوس وألثيا ملك وملكة كاليدونيا. عندما وضعت آلثيا ابنهما رأت المصائر الثلاثة التي كانت تغزل خيوط أقدارهم، فكان فيما شاهدته أن الطفل لن يعيش أطول من الزمن الذي يستغرقه اكتمال اشتعال غصن خشبي كان آنذاك يشتعل في المدفأة.  فما  كان من ألثيا إلا أن بادرت إلى انتشال الغصن المشتعل وأطفأته، واحتفظت به بعناية بعد أن لفته في القماش، ووضعته في مكان أمين. كيف لا وحياة ولدها أصبحت معلقة بسلامة هذا الغصن كما أوضحت الأقدار.

كبر ميليجر واجتاز أطوار الطفولة والصبا والشباب إلى الرجولة، وقد صادف ذات يوم انه بينما كان اوينيوس يقدم قرابينه إلى الآلهة نسي آن يخص الإلهة آرتميس بصلواته وقرابينه فما كان من الإلهة وقد غضبت لتجاهله إياها إلا أن أرسلت خنزيرا بريا هائل الحجم ليعيث فسادا بحقول كاليدونيا. كانت عينا الخنزير تصدران النار وحمراوان كالدم، وكانت الشعيرات على رأسه تشبه الرماح في انتصابها وطولها، أما ناباه فقد كانا أشبه بنابي فيل هندي. وقد كسر الذرة الناضجة في الحقول، واقتلع أشجار الزيتون، بينما هامت القطعان التي بث فيها الرعب على وجوهها في البراري.  وقد قتل الوحش كل حيوان أمكنه الاقتراب منه. وفشلت كل الوسائل لإيقاف الوحش عند حده، ولكن ميليجر لم ييأس فدعى كل أبطال الإغريق لتنظيم فرقة صيد ضخمة بهدف التخلص من ذلك الوحش المريع.

وقد استجاب له أبطال الإغريق وفي مقدمتهم ثيسيوس وأصدقاؤه بريثيوس وجاسون، وبيليوس الذي اصبح فيما بعد والد البطل الإغريقي الشهير أخيل، كما انضم إليهم تلامون والد أجاكس، وكذلك جاء نسطور وكان لا يزال بعد شابا وهو الذي حمل سلاحه مسنا مع أخيل واجاكس في حرب طروادة. هؤلاء الأبطال وآخرون غيرهم انضموا إلى الفرقة. ومعهم جاءت اطلنطا ابنة اياسيوس ملك اركاديا وكانت حلية ذهبية تزرر قميصها، وجعبة من العاج تتدلى من كتفها الأيسر بينما حملت يدها اليسرى قوسا وكان وجهها يضيء بجمال أنثوي جذاب، وما أن وقعت عليها عينا ميليجر حتى خر صريع الغرام.

وفي يوم المطاردة كانوا قد وصلوا جميعا إلي الأجمة التي يكمن فيها الوحش. فنصبوا الشباك القوية ومدوها بين شجرة وأخرى، وأطلقوا كلابهم وقاموا بتقصي اثر الوحش على الحصى والعشب. وفي تلك الغابة كانت هناك ارض سبخية تسيخ فيها الأقدام. وقد سمع الوحش وهو في مجثمه بين الأعشاب الطويلة صراخ الرجال وعواء الكلاب فخف مسرعا إلى مهاجمتهم. وقد سقط الكثير من الرجال صرعى أمامه. أطلق عليه جاسون رمحه مشفوعا بصلاة إلى ديانا إلهة الصيد راجيا منها السداد. ولكن إلهته المفضلة سمحت للرمح أن يلمس وحشها فقط لا أن يجرحه فانتزعت السنان من الرمح خلال طيرانه. أما نسطور الجريح فكان يبحث عن مخبأ وجده أخيرا بين أغصان شجرة، وتعثر تلامون بجذر بارز من الأرض فوقع على وجهه. غير أن سهما من اطلنطا ذاق دماء الوحش للمرة الأولى. كان جرحا طفيفا ولكن ميليجر مدح الرمية بمرح وأبدى تقديره العالي للرامية. واستثار ذلك المديح الموجه إلى الأنثى غيرة انسيوس فاندفع يتبجح بقوته واخذ يطلق شتائمه على الوحش والإلهة التي أرسلته، وفي اندفاعته نحو الوحش هاجمه الوحش المستثار فأسقطه أرضا بعد أن أصابه بجرح مميت. واخطأ سهم جاسون هدفه  وأصاب بدلا منه كلبا من كلابه هو. ولكن ميليجر بعد محاولة مخفقة تمكن أخيرا من غرس رمحه في جنب الوحش، ثم اندفع يسدد إليه بعدها طعنات متكررة.

وانطلق صيحات الإعجاب من كل من حضر المشهد، وقاموا بتهنئة المنتصر وهم محتشدون حوله  يحاولون مصافحته أو لمس يده. وكان ميليجر قد وضع قدمه على راس الوحش القتيل والتفت إلى اطلنطا ومنحها راس الوحش وجلده السميك وهما اللذان كانا التذكار الذي سيؤول إليه باعتبار انه الذي صرع الوحش. وهنا أثار تصرفه هذا غضب بعض الحضور وخاصة بليكسيس وتوكسيس وهما خالاه شقيقي والدته؛ فاعترضا  على قيام ميليجر بإعطاء الهدايا لاطلنطا بل انهما انتزعا تلك الهدايا من بين يديها. وافقد الغضب ميليجر صوابه للإهانة التي شعر أنها وجهت إليه والى المرأة التي يحب أنساه غضبه صلة الرحم فاغمد سيفه في قلبي الرجلين.

وعندما بلغت أخبار الانتصار على الوحش المدينة قامت الملكة الثيا بتقديم هدايا الشكر إلى المعبد على الانتصار الذي منحته الآلهة لابنها. ولكن ما أن وقعت عيناها على جثتي أخويها القتيلين حتى أخذت تخمش وجهها وتلطم صدرها ورفضت حتى تبديل ملابس الاحتفال بملابس الحداد. وعندما علمت بالفاعل ترك الحزن مكانه لتتأجج فيها رغبة الانتقام من ابنها. وسارعت إلى إخراج الغصن المميت من مخبئه، وهو الغصن الذي انتشلته ذات مرة من بين اللهب والذي يرتبط مصيره بحياة ابنها ميليجر، وأمرت بإشعال النار في المدفأة، وحاولت أربع مرات إلقاء الغصن في النار ولكنها تراجعت في المرات الأربعة أمام هول فكرة التسبب في موت ولدها بيديها.

أخذت مشاعر الاخوة والأمومة تتصارع في داخلها، وبينما تحجم أمام الفعلة توشك على الإقدام عليها فيشحب وجهها ولا يلبث الغضب الشديد أن يسيطر عليها لفعلة ولدها، فيحمر وجهها, وبقيت هكذا كسفينة تتقاذفها أمواج متضاربة الاتجاهات وظل عقلها في حالة يكاد معها يشل معلقا بين المشاعر المتناقضة. حتى انتصرت الأخت أخيرا على الأم فأمسكت بالغصن بين يديها وهتفت قائلة: "صبي غضبك يا آلهة الانتقام وانظري إلى القربان الذي أحضرته لك!.. فالجريمة يجب أن تمحو الجريمة. وإذا كان اوينيوس مبتهجا لانتصار ابنه بينما يغرق بيت ثيستيس في الحزن فان هذا لن يكون، ولكن لأي نوع من الأعمال ولدت ابني؟ اغفرا يا أخوي ضعف الأم فقد خانتني يداي. انه يستحق الموت ولكن ليس على يدي، ولكني إن لم اقتله فسيعيش منتصرا، ويوما ما سيكون ملكا على كاليدونيا بينما يهيم شبحاكما اللذين لم يثأر لهما أحد في عالم الظلال. كلا!.. فالذي وهبته الحياة سيموت الآن ليدفع ثمن جريمته. وسأستعيد الحياة التي وهبته إياها مرتين، مرة عندما ولدته، ومرة عندما انتشلت الغصن من النار.  آه ليته مات آنذاك فهاهو الشر قد انتصر. ولكن يا أخوي لقد انتصرتما أنتما أيضا." ثم أشاحت بوجهها جانبا ورمت الغصن إلى النار في المدفأة.

وفي تلك اللحظة شعر ميليجر فجأة كما لوأنه تلقى ضربة عنيفة. وشعر انه يحترق، ولكن منعته كبرياؤه من إظهار الشكوى من الألم الشديد الذي كان يشعر به ومع ذلك كان اشد ما يؤلمه أن يموت على فراشه تلك الميتة السخيفة الخالية من البطولة والتي لا يعمدها الدم والمجد. وبأنفاسه الأخيرة نادى على والده المسن وأخيه وأخواته وحبيبته اطلنطا ووالدته التي كان يجهل أنها السبب في موته. وازداد اشتعال اللهب في الغصن ومعها ازدادت آلام البطل. وعندما خمدت النار المشتعلة في الغصن همد معها جسده وفارق الحياة التي خرجت من جسده لتتقاذفها الرياح.

أما الثيا فقد أعملت يد الغضب في نفسها خمشاً ولطماً وضربا،ً بينما كانت أخوات ميليجر يرثينه في حزن شديد سيطر عليهن لوقت طويل؛ حتى أن الإلهة آرتميس أشفقت عليهن من الحزن الذي حل بذلك البيت الذي أثار غضبها ذات مرة فقامت بتحويلهن إلى طيور.

أطلنطا

أما السبب البريء لتلك المأساة؛ فقد كانت الفتاة الجميلة الذي كان وجهها الصبوح يليق بفتى أكثر مما يليق بفتاة؛ ومع ذلك فقد كانت ظاهرة الأنوثة. وكان عراف قد تنبأ لها قائلاً وهو يحذرها من الزواج: "لا تتزوجي لأن دمارك في زواجك." وقد أرعبتها النبوءة حتى أنها ابتعدت عن عالم الرجال، ووهبت نفسها لعالم الرياضة وللعدو خاصة. وكان كل خاطب يجيء من الخطاب الكثر الذين كانوا يطلبون ودها يقابل بشرط وحيد إذ تقول: "سأكون جائزة ذلك الذي يتمكن من هزيمتي في السباق؛ ولكن الموت سيكون عقوبة من يحاول ويفشل." وعلى الرغم من قسوة الشرط فإن البعض كان يحاول.وكان هيبومينيس هو الحكم دائماً في سباقاتها، وكان قد قال عندما دعي لتحكيم أول مسابقاتها: "هل يمكن أن يكون هناك أحمق يقبل بأن يخاطر بحياته في سبيل الفوز بزوجة؟."

 ولكنه وفي أول تحكيم، عندما رأى أطلنطا تحل إزارها لأجل السباق، غير رأيه وقال: "سامحوني أيها الشباب فلم أكن أعرف الجائزة التي تتنافسون عليها." وكان كلما حكم في سباقاتهم يتمنى لهم في قرارة نفسه الفشل. وكان يمتلئ بالخوف عندما يرى شخصاً يظن به القدرة على الفوز. وبينما كانت هذه الأفكار تجول في رأسه كانت العذراء تنطلق في سباقاتها وهي تزداد جمالاً في كل مرة عن المرة السابقة. فالنسيم الذي يهب عليها يبدو كما لو كان يمنح لقدميها أجنحة. وكانت جدائل شعرها تطير على كتفيها بينما تحلق أجزاء رداءها الخفيف وراءها بفعل الريح. وكانت هناك مسحة وردية تشوب بياض بشرتها كما لو كانت ستارة قرمزية شفافة تغطي جداراً رخامياً أبيضاً. و أما منافسوها فقد كانوا يهزمون بمراحل، ويساقون إلى الموت بلا رحمة.
ولم تؤثر تلك الانتصارات التي كانت تحققها على هيبومينيس ولا أخافته مصائر المهزومين. وقال لها يوماً وهو يزرر عينيه ويرشقها بنظراته: "لم تتفاخرين بانتصاراتك على أولئك العاجزين؟ إنني أتحداك!." نظرت إليه أطلنطا بإشفاق ولكنها لم تتمكن من استشفاف ما إذا كانت قادرة على هزيمته أم لا، وقالت له: "أي إله ذلك الذي نجح في إغراء شاب وسيم مثلك على التضحية بنفسه هكذا؟."  

وفي اليوم المحدد لتسابقها مع هيبومينيس، ظلت تختلس النظر إليه ثم قالت في نفسها: "إنني أشفق عليه ليس لجماله وإن كان جميلاً ولكن لشبابه. وإنني أتمنى لو أنه يتخلى عن السباق ولكنه إن لم يفعل أتمنى أن يفوز علي." وبينما هي في ترددها تقلب تلك الأفكار في رأسها، فرغ صبر المشاهدين وازداد شوقهم إلى رؤية السباق، واستعجلها والدها طالباً إليها أن تستعد. وهنا وجه هيبومينيس صلواته إلى الإلهة أفروديت إلهة الجمال قائلاً: "ساعديني يا أفروديت فأنت سندي في هذه الحياة." وقد استمعت أفروديت إلى صلواته. و كان في حديقة معبد الإلهة أفروديت في جزيرتها الخاصة قبرص شجرة ذات أفرع صفراء وأوراق صفراء وثمار ذهبية فجمعت ثلاث تفاحات ذهبية وأخفت نفسها عن الأنظار وأعطتها إلى هيبومينيس وعلمته كيف يستخدمها. وعندما اعطيت إشارة بدء السباق تحرك المتسابقان من نقطة الانطلاق، ليعدوا على المضمار المغطى بالرمل. وكان الرائي يظن لخفة خطواتهما أنهما قادران على الجري على سطح النهر أو على قمم نباتات الحنطة في الحقول دون أن يغطسا بينها. وارتفعت صيحات المشاهدين تشجع هيبومينيس قائلة: "الآن، الآن.. ابذل جهدك.. أسرع! أسرع! أنت تكاد تفوز عليها... لا تتراخى.. أبذل مزيداً من الجهد."

ومن المشكوك فيه أن يكون أي من الفتاة أو الفتى قد سمعا هذه الصرخات. ولكن أنفاس هيبومينيس كانت قد أضحت تشبه اللهاث، وقد أصاب الجفاف حنجرته، ولازال الهدف بعيدا.ً وهنا ألقى إحدى التفاحات على الأرض أمامها. فأخذت الدهشة العذراء ووقفت لتلتقط التفاحة. وهكذا تمكن هيبومينيس من التقدم عليها. وانطلقت صرخات التشجيع من كل جانب تحث هيبومينيس وتشجعه، ولكن العذراء ضاعفت جهدها وكادت أن تسبقه فرمى أمامها تفاحة ذهبية أخرى، وتوقفت للمرة الثانية لتلتقط التفاحة. وكانا قد اقتربا من الهدف وبقيت فرصة واحدة أخيرة وهنا هتف هيبومينيس عندما كانت العذراء تلحق به: "الآن أيتها الإلهة ضعي البركة في هديتك." ورمى بالتفاحة الأخيرة على جانب المضمار. نظرت العذراء إلى التفاحة وترددت ولكن الإلهة أفروديت دفعتها دفعاً إلى الاتجاه جانباً لالتقاطها وقد فعلت. وبذلك هزمت، وفاز الشاب وتسلم جائزته.

ولكن العاشقين كانا قد أخذا بسعادتهما ببعضهما حتى أنهما نسيا تقديم آيات الشكر للإلهة أفروديت؛ وقد غضبت الإلهة لنكران الجميل هذا فجعلتهما يهينان الإلهة ريا المعروفة أيضا باسم سيبيل؛ وهي الإلهة القوية التي لم تكن لتشتم أو لتتلقى الإساءة دون أن تنزل أشد العقاب. وقد انتزعتهما من هيئتيهما الآدمية وحولتهما إلى حيوانين يشبهانهما في أخلاقهما؛ فحولت المرأة البطلة التي تنتصر فتريق دماء عشاقها إلى لبؤة، وحولت زوجها وسيدها إلى أسد، وقرنتهما رباطاً إلى عربتها حيث لا يزالان يشاهدان في تماثيل ولوحات الإلهة ريا  زوجة كرونوس(الزمن) ووالدة كبير الآلهة زيوس.
 















هيب وجانيميد
 








اختطاف جانيميد
الإله زيوس يختطف راعي الغنم جانيميد وهو متنكر في شكل نسر
(رسم هذه اللوحة الفنان كوريجيو عام 1530م وهي محفوظة في متحف كونيستيس كوريسك في فيينا بالنمسا).

 
هيب وجانيميد

كان لآلهة الإغريق القديمة مجمع في الأعالي وكانوا يتناولون هناك طعام الخلود اللذيذ ويشربون العصير الإلهي. وكانت هيب آلهة الشباب وابنة هيرا تقوم على خدمتهم وتقدم إليهم طعامهم وشرابهم. ولكنها اعتزلت الخدمة عندما تزوجت من هرقل ابن زيوس كبير الآلهة.

وقد اختار زيوس الفتى الطروادي جانيميد ليحل محل هيب في خدمة الآلهة. فتنكر في صورة نسر ضخم واختطف الفتى الجميل من بين أترابه الذين كان يلعب معهم في جبل أيدا.
 



































سطوة الآلهة
 














نقش يصور مقتل أولاد الملكة نيوب عقوبة لها على كبريائها وتفاخرها على الإلهة ليتو.
 
سطوة الآلهة

كان لدى نيوب ملكة طيبة الكثير مما تفخر به، ومع ذلك فلم يكن مصدر فخرها شهرة زوجها (وزوجها هو الملك آمفيون، هو أحد ولدين أنجبهما زيوس من أنتيوب. وقيل أن آمفيون بنى أسوار مدينة طيبة بحجارة ضخمة نقلها إلى أماكنها من السور مستعينا بالموسيقى التي كان يعزفها على قيثارته)، أو جمالها الفائق أو محتدها النبيل، كما لم تكن قوة المملكة أيضاً سبب شعورها بالرضى والفخر الشديد. ولكنهم أبناؤها؛ فقد كانت في الحقيقة أما سعيدة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وقد كان من شأنها أن تدوم لها تلك السعادة لو أنها فقط لم تجاهر بسعادتها وفخرها على الملأ في ذلك اليوم المشؤوم. كانت المناسبة حفلاً سنوياً يقام على شرف الإلهة ليتو المعروفة أيضاً باسم (لاطونة) وابنيها ابوللو وأرتميس. فتجمع سكان طيبة وقد كلل كل منهم جبينه بالغار حاملين معهم البخور إلى مذبح الإلهة ومؤدين نذرهم عندما ظهرت الملكة نيوب بين الجمع، وكان ثوبها الملكي موشى بالذهب والمجوهرات وكان وجهها جميلاً بالقدر الذي يمكن لوجه امرأة جميلة غاضبة أن يظل جميلاً، وصاحت في الجمع قائلة: "أي هراء هذا. أن تفضلوا كائنات لم تروها أبداً على تلك التي تقف أمام أعينكم؟ لماذا تكرمون ليتو وتعبدونها، ولا تبدون نحوي شيئاً من ذلك؟ إن والدي هو تانتالوس الذي استقبلته الآلهة ضيفاً على مائدتها، وكانت أمي إلهة، أما زوجي فهو باني أسوار هذه المدينة طيبة وحاكمها، أما مسقط رأسي، فريجيا، فهي إرثي من أبوي. وحيثما التفت رأيت عناصر عظمتي، ولست في شكلي وإطلالتي أقل شأناً من إلهة. ودعوني أضيف إلى ذلك كله أن لي سبعة من الأبناء وسبعة من البنات، ثم قدروا كم صهراً وكنة من ذوي المراتب العالية يتمنون شرف نيل رضاي. أليس هذا سبباً كافياً للفخر. أتفضلون لاطونة هذه علي وهي ابنة التيتان حاكم الكون الذي أنزله زيوس هو واخوته الإثني عشر عن عرشهم. وهي أم طفلين فقط، بينما أن لي من الأبناء سبعة أضعاف ما لها. إنني محظوظة ولا شك وسأظل كذلك. فهل يقدر أحد على إنكار ذلك؟. هذه السعة التي أمتلكها في كل شيء هي حصني وأماني. إنني أشعر بأني أقوى كثيراً من تقلبات الحظ فقد يأخذ الحظ في تقلبه مني بعض الأشياء ولكني مع ذلك سيبقى معي الكثير. وحتى لو فقدت بعض أولادي فلن أكون أبدا في فقر ليتو ذات الطفلين. ابتعدوا عن هذه النذور وانزلوا الغار الذي تضعونه على جباهكم وتوقفوا عن هذه العبادة." وقد أطاعها الناس وغادروا مكان العبادة دون أن يستكملوا الطقوس.

وقد اشتعلت الإلهة ليتو غضباً وهي في قمة الجبال السمتية حيث تقيم وخاطبت ولدها وابنتها قائلة: "يا أولادي، لقد كنت دائماً فخورة بكما، وكنت أرى نفسي في مقدمة الإلهات إذا استثنينا هيرا زوجة زيوس، ولكنني الآن أصبحت أشك إن كنت إلهة حقاً. سيتم تجريدي من عبادي وسيهجر معبدي إن لم تقوموا بحمايتي." أرادت أن تكمل حديثها على هذا النهج عندما قاطعها ابوللو وقال لها: "يكفي يا أمي ولا داعي للمزيد، فالكلام لن يؤدي إلا إلى تأخير الإنتقام."

وهبط ولداها الإلهيان ملتفين بالغيوم حتى استقرا على أبراج المدينة. وأمام بوابات المدينة كان هناك منبسط واسع من الأرض حيث اعتاد شباب المدينة على ممارسة رياضاتهم الحربية وكان أبناء الملكة نيوب مع البقية، بعضهم يركب خيلاً عتاقا مزينةً بأردية وحلي فخمة وآخرون كانوا يقودون عربات خفيفة. وكان إزمينوس أكبر أولاد نوبي يقود حصانه الذي امتلأ فمه بالزبد عندما أصيب بسهم من الأعلى، وتزامنت صرخته مع تركه الأعنة من يده وسقوطه جثة هامدة. أما الابن الثاني فما أن سمع انطلاقة السهم حتى أرخى لحصانه العنان كما لو كان بحاراً شاهد عاصفة فنشر قلوعه متجهاً إلى الميناء، وبينما هو يحاول الهرب أصابه السهم المحتوم. وكان اثنان من اخوته قد أكملا مهامهما واتجها إلى ساحة الملعب ليخوضا مباراة في المصارعة، وبينما هما واقفان وجهاً لوجه وقد تماسكا في وضع الالتصاق المواجه حتى انتظمهما سهم واحد فقضى عليهما كليهما. أما الفينور، أخاهما الذي يكبرهما مباشرة فقد أسرع إلى حيث سقطا ليمد إليهما يد المساعدة عندما صرعه سهم أثناء أداءه لواجبه الأخوي. وهنا بقي واحد فقط، هو إلينيس الذي رفع ذراعه إلى السماء محاولاً الدعاء إلى الآلهة لعل الدعاء ينفعه قائلاً: "ابق علي أيتها الآلهة" مخاطباً إياها جميعها ولكنه لم يدرك لجهله أن الآلهة لم تكن بحاجة إلى دعواته؛ وكان يمكن لابوللو أن يبقي عليه لولا أن السهم كان قد سبق دعاءه وغادر الوتر متجهاً إليه.

كان صراخ الناس وبكاؤهم وحزنهم قد انتقل إلى حاشية الملكة التي سرعان ما أدركت ما جرى، ولم يكن يدور بخلدها قط أن ما حدث كان ممكن الحدوث، كانت غاضبة لأن الآلهة جرؤت على تلك الفعلة، كما كانت مندهشة من قدرتها على الفعل. أما زوجها آمفيون، فقد غمرته المصيبة وأخلت بتوازنه، حتى أنها قادته إلى الانتحار. وكم كانت نيوب في ذلك اليوم مختلفة عن تلك التي طردت الناس من المعبد ومنعتهم من أداء الطقوس، ثم قامت باستعراضها ذاك في طول المدينة وعرضها. فقد أثارت حزن أصدقائها بل وشفقة حتى أعدائها عندما ركعت تقلب جثث أبنائها الهامدة وتقبلها، متنقلة من الواحد نحو الآخر. ورفعت نيوب ذراعيها إلى السماء وقالت: "يا ليتو القاسية، هدهدي غضبك بالروع الذي أصابني، واملئي قلبك القاسي سروراً وأنت ترينني أشيع أولادي السبعة إلى قبورهم، ومع ذلك أين نصرك المزعوم؟ فمع كل ما أصابني لازلت أغنى منك أيتها القاتلة" وما أن أتمت كلامها حتى رن صوت وتر قوس يطلق سهمه فأشاع الرعب في كل القلوب ما عدا قلب نيوب وحدها، فقد استمدت من حزنها شجاعة فائقة. وكانت الأخوات حولها يندبن اخوتهن عندما سقطت إحداهن صريعة سهم فوق جثث اخوتها التي كانت تندبهم، وتوقفت أختها عن الكلام بينما كانت تواسي أمها، ثم غاصت أمامها نحو الأرض بلا حراك، وقتلت ثالثة وهي تحاول الهرب، ورابعة وهي تروم الاختباء، وسقطت الخامسة بينما كانت واقفة ترتعد وقد شلها الخوف، وهي لا تدري أي اتجاه تسلك. ولم تلبث السادسة أن سقطت بدورها، وهكذا قضت البنات جميعهن، ولم تبق منهن إلا واحدة كانت الأم متشبثة بها بين ذراعيها، فغطتها بجسدها كله وصاحت قائلة: "اتركوا لي واحدة هي صغرى بناتي! اتركوا لي واحدة من الكثيرين" وبكت، وأثناء حديثها وبكائها كانت الصغيرة قد سقطت ميتة بين ذراعيها. واسقط في يدها وجلست متخشبة أمام أولادها وبناتها وزوجها الموتى وقد استهلكتها الفاجعة. ولم يكن شعرها يتحرك مع النسيم، ولم يكن هناك لون على خديها، وكانت عيناها مفتوحتين على سعتيهما، وكالزجاج ثابتتين بلا حراك. ولم يكن يبدو عليها أي مظهر من مظاهر الحياة، وقد التصق لسانها بسقف حلقها، وتوقفت شرايينها عن ضخ دفقات الحياة. وظل عنقها منتصباً، ويداها ثابتتين حيث وضعتهما وبدت بلا حراك، فإذا بها قد تحولت إلى تمثال حجري ظاهراً وباطناً، ومع ذلك كله، وعلى الرغم من كونها قد تحولت إلى كتلة من صخر، إلا أنه كان هناك خيط سائل ظل يتدفق من عينيها كما لو كان دليلاً على حزن أبدي.
 















أورفيوس ويوريديس
 
أورفيوس ويوريديس

كان أورفيوس ابناً للإله الإغريقي ابوللو إله الشعر والموسيقى والطب والعرافة. وقد أهدى له والده قيثارة وعلمه العزف عليها. وقد مهر في العزف حتى أنه لم يكن هناك شيء يستطيع مقاومة سحر موسيقاه. حتى أن وحوش البراري المفترسة كانت تداخلها الرقة من جراء ألحانه، ناهيك بأصدقائه وصحبه، وكانت الحيوانات تتجمع حوله مستلقية في وداعة أو تقف مذهولة بجواره، بل إن الأشجار والصخور كانت تتأثر بموسيقاه وعزفه، فتفقد قسوتها. وكان الإله هايمن (إله الزواج عند الإغريق) قد دعي لمباركة حفل زواج أورفيوس من يوريديس، ولكنه وعلى الرغم من حضوره فإنه لم يجلب معه اليمن لهذا الزواج. فالمشعل الخاص به نشر دخاناً كثيفاً استثار الدمع من أعين الحاضرين، فكان ذلك نذير شؤم. وبعد فترة قصيرة من زواجها، وبينما كانت يوريديس تتجول مع الحوريات من رفيقاتها،  رآها راعي الأغنام إيريستوس، ففتن بجمالها وتقدم نحوها، فهربت منه، وخلال هروبها داست على ثعبان كان كامناً بين الحشائش، فعضها في قدمها، فماتت. وبث أورفيوس أحزانه إلى آلهة السماء وإلى الناس أجمعين، ولما أدرك أن توسلاته الموسيقية لم تجده نفعاً، عمد إلى البحث عن زوجته وحبيبته في عالم الأموات. فذهب إلى كهف بجوار رأس تيناروس وهناك اقترب من حدود عالم الموتى. ومر خلال جموع الأشباح حتى مثل أمام عرش هاديس إله الموتى والجحيم وغنى أمامه وهو يعزف على قيثارته منشدا: "يا إله باطن الأرض الذي لابد لكل من هو على قيد الحياة أن يقدم إليه، هذه الكلمات الصادقة أقدمها إليك. لم آت رغبة في التجسس على أسرار تارتاروس في الدرك الأسفل حيث يحتجز التيتان، ولم آت لتجربة استخدام قوتي ضد السيبيروس الكلب الثلاثي الرؤوس وذو الشعر الثعباني الذي يحرس مدخل الجحيم. وإنما جئت بحثاً عن زوجتي الذي اخترم حياتها وشبابها سم الثعبان. لقد قادني الحب إلى هنا. الحب، هذا الإله القوي الكلي القدرة علينا والذي يعيش على الأرض وهنا أيضاً لو صدقت الأساطير القديمة التي نسمعها. إني أتوسل إليكم بحق هذه المنازل المليئة بالرعب، وبحدود الصمت هذه، وبالأشياء التي لم تخلق بعد، أن تعيدوا نسج خيوط حياة يوريديس الممزقة. إن مصيرنا جميعاً إليكم، وعاجلاً أو آجلاً لابد أن نمر بواديكم هذا. وهي أيضاً عندما تستكمل مدتها في الحياة ستكون لكم. ولكن حتى ذلك الحين امنحوني إياها، أرجوكم. فإذا أبيتم علي ذلك فإني لا أستطيع العودة بمفردي ولتكن مشيئتكم النافذة هي ضمي وقبولي في عالم الموتى حتى أجتمع إلى حبيبتي."

وبينما هو يغني هذه التوسلات الناعمة ذرفت الآلهة دمعها، فحتى تانتالوس على الرغم من عطشها الشديد توقفت لحظة عن البحث عن الماء، وتوقفت عجلات إكسيون عن الحركة، وتوقف النسر العظيم عن تمزيق أكباد العمالقة، وتوقفت بنات دانوس عن أداء مهمتهن الأزلية في جلب الماء من النهر بالآنية المثقوبة، وجلس سيسيفيوس على صخرة يستمع. وعند ذلك وللمرة الأولى قيل أن خدود إلهات الرعب الثلاثة ذوات الأجنحة والشعور الثعبانية، اللواتي تعاقبن المذنبين وخاصة أولئك الذين يرتكبون الجرائم الأسرية، قيل أن خدودهن ابتلت بالدموع. ولم يعد في وسع بيرسيفون زوجة الإله هاديس على مقاومة توسلاته فتشفعت له، وكان  الإله هاديس نفسه قد تأثر فوافق على طلب أورفيوس. وتم استدعاء يوريديس وأقبلت تهيم من وسط أشباح القادمين الجدد، وهي تعرج من جرح قدمها. وسمح لأورفيوس أن يأخذها معه بشرط واحد، ألا وهو أن تتبع يوريديس أورفيوس في الطريق إلى الأرض حيث عالم الأحياء على ألا يلتفت إليها خلال مسيرهما في أرض الأموات حتى يصلا إلى خارجها. والتزم أورفيوس بهذا الشرط. وأخذا طريقهما إلى الأرض وهي تتبعه في صمت كامل، حتى لم يبق لهما إلا قليل للوصول إلى مقصدهما، عندما التفت أورفيوس في لحظة نسيان ليتأكد من أنها لازالت تتبعه وألقى عليها نظرة خاطفة، فلم يدر إلا وقد تم حملها بعيداً عنه. ومدا ذراعيهما في محاولة للإمساك ببعضهما ولكن أصابعهما قبضت على الهواء. وهكذا ماتت يوريديس للمرة الثانية، وعلى الرغم من وجود زوجها  بالقرب منها لم تتمكن من الإمساك به. ولم تلم زوجها، فأنى لها أن تلومه على تعجله لرؤيتها. ولم يكن منها إلا أن صاحت قائلة: "الوداع! الوداع الأخير يا أورفيوس" وأسرع بها حاملوها حتى أن صوتها بالكاد وصل إلى مسامعه.

حاول أورفيوس أن يتبعها وتوسل لكي يؤذن له بالعودة مرة أخرى ليسعى في خلاصها. ولكن قائد القارب المتجهم رفضه ورفض السماح له بالمرور. وقضى أورفيوس سبعة أيام وهو يتخبط دون طعام أو نوم يشكو بمرارة قسوة حكام إيريبوس أرض الأموات، وغنى شكاواه إلى الصخور والجبال مذيباً قلوب النمور ومزحزحاً أشجار البلوط الضخمة عن منابتها. وامتنع أورفيوس عن النساء، واستمر يعيش على ذكرى حبيبته المنكودة الحظ. وقد حاولت الفتيات الثراسيات جذب اهتمامه ولكنه رفضهن جميعاً. ولقد لازمنه ما استطعن، ولكنهن عندما وجدن أنه لا يعيرهن اهتماما،ً تحول غرامهن به إلى نقيضه. وفي أحد الأيام، وكانت قد أسكرتهن خمرة ديونيسيس إله النبيذ صاحت إحداهن قائلة: "انظرن إلى يأسنا" وأطلقت رمحها باتجاهه. ولكن الرمح ما أن وصل إلى مدى صوت عزف قيثارته حتى سقط عند قدميه دون أن يلحق به أذى، وحدث الشيء ذاته للحجارة التي حصبنه بها. وعندما رأت الفتيات تأثير عزف قيثارته على رماحهن وأحجارهن عمدن إلى الصراخ بصوت عال مزعج حتى يغطين على صوت العزف، وهكذا تمكن من أن ينلنه بقذائفهن حتى اصطبغ بالدم. ومزقته الفتيات الثائرات إرباً إربا ورمين رأسه وقيثارته إلى نهر هيبيروس حيث بقيا يطفوان وهما يصدران موسيقى حزينة تجاوبت معها الشواطئ مكونة سيمفونية طويلة حزينة. واجتمعت الميوسات التي تعيش لتخليد الفنون وهن بنات كبير الآلهة زيوس من زوجته منيموسين إلهة الذاكرة، وجمعن أشلاءه ودفنها في ليبيرتا حيث يقال أن العندليب يغني على قبره غناء أعذب من غنائه في أي مكان آخر من اليونان. أما قيثارته فقد وضعها الإله زيوس نجمة بين النجوم. وعاد أورفيوس مرة أخرى إلى أرض الأموات، ولكن بشبحه هذه المرة لا بجسده، حيث التقى بحبيبته يوريديس واحتضنها بذراعين مشوقتين. وهاهما منذ ذلك الحين يجوبان الحقول السعيدة معاً، أحياناً يتقدمها وأحياناً تتقدمه وهو يتأملها كما يشاء لا يخاف من عقوبة تقع عليه بسبب نظرة ساهية.
 

 




































إيكو ونارسيسيس
 






الفتى الوسيم نارسيسيس يموت بعد وقوعه في حب انعكاس صورته من على الماء.
(رسمها الفنان الفرنسي نيكوليس بوسان، وتوجد اللوحة في متحف اللوفر في باريس بفرنسا).
 
إيكو ونارسيسيس

كانت إيكو حورية جميلة من حوريات الغابات والتلال، وكانت تحب البقاء فيها، وقد كرست نفسها للرياضة التي تمارس في أراضي الغابات. وكانت ايكو إحدى الحوريات المفضلة لإلهة الصيد والقمر آرتميس، وكانت ترافقها في مطارداتها ورحلات صيدها. ولكن كانت لإيكو نقطة ضعف واحدة، هي حبها الشديد للكلام. وكانت تحرص على أن تكون لها الكلمة الأخيرة في أي حديث أو جدل.

وفي أحد الأيام، كانت هيرا ملكة الآلهات وزوجة زيوس تبحث عن زوجها. وكان لديها من الأسباب ما يحملها على الظن بأنه كان يسلي نفسه ويمتعها بالحوريات. وقد تمكنت إيكو من شغل الإلهة حتى تمكنت الحوريات من الفرار والاختفاء. وعندما اكتشفت الإلهة ما قامت به إيكو من خداع أصدرت عليها حكمها الذي لا يرد بهذه الكلمات: "لن تتمكني من استخدام لسانك هذا الذي خدعتني به إلا لغرض واحد أنت مغرمة به أصلاً وهو ترديد الكلام. ومع ذلك ستكون لك الكلمة الأخيرة ولكن لن تكون لك القدرة على المبادرة بالحديث."

وذات يوم رأت الحورية الشاب الجميل نارسيسيس بينما كان يقوم بمطاردة للصيد في الجبال. وقد أحبته وتبعت خطاه، وقد تمنت واحترقت بالرغبة في التحدث إليه بأرق لهجة كي تخلق فرصة للمناجاة بينهما ولكنها كانت غير قادرة على ذلك بسبب من لعنة الإلهة. وانتظرت بفارغ الصبر أن يبادرها بالحديث، وكانت تعد في ذهنها الأجوبة على كلامه. وبعد أيام من التعقب المستمر افترق الفتى الوسيم عن رفاقه وكان يسير وحيداً عندما سمع وقع أقدام وراءه في الغابة فصاح قائلاً: "من هناك" فردت عليه إيكو قائلة: "من هناك" ونظر نارسيسيس حوله فلما لم ير أحداً فصاح مرة أخرى قائلاً: "تعال إلى هنا" فردت عليه قائلة: "تعال إلى هنا" فلما لم يأت أحد إليه، أعاد نارسيسيس الكرة قائلاً: "لماذا تختبئ مني" فأجابته الحورية بالكلمات ذاتها، فقال وقد ميز صوت الأنثى: "تعالي نكن معاً" فما كان من الحورية إلا أن رددت تلك الكلمات من صميم فؤادها وأسرعت إلى الموقع الذي كان يقف فيه وهي على استعداد لأن تلقي بنفسها بين أحضانه مطوقة عنقه بذراعيها. فلما رآها مندفعة إليه فاردة ذراعيها تراجع إلى الخلف وهو يهتف "أبعدي يديك عني إنني أفضل الموت على أن تناليني" فقالت إيكو: "تناليني." ونظر إليها نظرة احتقار وتركها وذهب، بينما علت حمرة الخجل خديها وراحت تجري لتداري حياءها بين أشجار الغابة. وقد تملكها الحزن واستهلكها وأخذت تنتقل من كهف إلى كهف ومن هاوية بين الجبال إلى هاوية أخرى، وظلت تذوي ويتضاءل جرمها هياماً وحزناً حتى لم يبق منها شيء إلا صوتها الذي لازالت ترد به على كل من يرفع صوته متحدثاً بالقرب من جبل أو كهف. وبذلك احتفظت بعادتها القديمة وظلت لها الكلمة الأخيرة. وكلمة إيكو معناها بالعربية (الصدى).

ولم يكن موقف نارسيسيس القاسي مع إيكو موقف القسوة الوحيد الذي يصدر عنه، فقد اعتاد على أن يصد كل الحوريات كما فعل مع إيكو المسكينة.

وذات مرة كانت هناك إحداهن قد برح بها حبه، وكانت قد حاولت كثيراً الاقتراب منه ولكنها عانت من صدوده وقسوته، فاستعدت عليه الآلهة ودعت أن تذيقه معنى الحب الخائب الذي لا يجد استجابة من المحبوب. فكان انتقام الإلهة آرتميس لها قاسياً.

كان هناك نبع صاف كأن مياهه الفضة، حيث لا يمر الرعاة بقطعانهم به أبداً، ولم تكن تشرب منه تيوس الجبل ولا أي من وحوش الغابات، كما لم تكن الأوراق المتساقطة من الأشجار تقع فيه. وكان العشب الطازج ينبت حول النبع وتحميه الصخور من الشمس. وإلى ذلك النبع جاء الفتى نارسيسيس يوماً صدفة وهو متعب من الصيد يشعر بالحر والعطش. وانحنى الفتى ليشرب فرأى في الماء صورته فظن أن ما رآه كان إحدى الأرواح الجميلة التي تعيش في منابع المياه ولم تكن للناس في تلك الأيام مرايا يرون فيها صورهم كما يبدو، ووقف نارسيسيس طويلا يتأمل بإعجاب وافتتان الصورة الفاتنة والعينين الواسعتين البراقتين، والعنق العاجي، والشفتين المنفرجتين، والجسد الذي يشع بهاء وصحة نتيجة النشاط الرياضي. وهكذا وقع الفتى في غرام ذاته. وقرب شفتيه من سطح الماء محاولا الفوز بقبلة؛ ومد ذ راعيه ليعانق معشوقه، ولكنه اختفى منه عندما لمست يداه وشفتاه الماء. وكرر المحاولة مرات عديدة ولكن دون جدوى. وكان عشقه لصورته المنعكسة على صفحة الماء يزداد مع فشله في القبض على صاحبة الصورة التي يظن أنها تطل عليه من بين مياه النبع. ولم تطاوعه نفسه على الابتعاد عن المكان،  وازداد شغفه بالصورة حتى انه لم يعد يفكر بالراحة أو حتى بتناول الطعام. وبينما هو يحوم حول النبع محدقا في صورته اخذ يتحدث إلى الصورة قائلا " لماذا تتجنبني أيها الكائن الجميل، لا أظن أن شكلي قبيح إلى درجة تجعلك تنفر مني. لقد أحبتني الحوريات وأنت أيضا لا يظهر عليك النفور وإنما تظهر عدم المبالاة فقط. وكلما مددت يدي نحوك تمد يدك أنت أيضا، وعندما ابتسم تبتسم وتقوم بفعل كل الحركات التي افعلها." وعندما اكمل حديثه العاطفي سقطت من عينيه دمعتان فشوشت الصورة، وظن أنها ستتركه وتذهب فهتف قائلا " أتوسل إليك أن تبقي، يكفيني النظر فقط إذا كان اللمس لا يعجبك." وبهذا الكلام وأمثاله ظل يناجي الصورة دون ملل وفي الوقت ذاته يزيد في إضرام نار الغرام التي أخذت تستهلكه، حتى غاض لونه واختفى بهاؤه  وجماله الذي كان قد فتن الحورية ايكو ذات يوم. وقد بقيت ايكو ملازمة له وعندما كان يتأوه كانت تردد تأوهاته، حتى قضى من الجوع والعشق ومات ضحية غرامه بذاته. وعندما عبر شبحه النهر الاستيجي في عالم الأموات انحنى الشبح على الماء عله يتمكن من رؤية صورته. وقد حزنت عليه الحوريات وخاصة حوريات الماء، وعندما أخذن في لطم صدورهن قامت آيك بلطم صدرها أيضا. وكن قد أردن أن يعددن له كومة جنائزية على عادة الإغريق حيث يبنى صرح على شكل كومة فوق المكان الذي يحرق فيه جسد الميت، ولكنهن لم يجدن جسده بل نبتت في مكان الجسد زهرة وردية اللون في القلب  ومحاطة بأوراق بيضاء من الخارج، وهي الزهرة التي تحمل اسم نارسيسيس وتخلد ذكراه إلى يومنا هذا. ونارسيسيس تعني باللغة العربية (النرجس).




































بيجاسوس والتنين
 










الأمير بيلوروفين يمتطي الحصان المجنح بيجاسوس.
(لوحة مائية رسمها الفنان الإنجليزي والتر كرين في أواخر القرن التاسع عشر).

بيجاسوس والتنين

عندما قطع بيرسيوس رأس ميدوزا انبثق من دمها الذي تشربته الأرض حصان مجنح هو بيجاسوس. وكانت الإلهة أثينا، إلهة الحكمة والفنون والحرف، قد قبضت عليه وروضته وأهدته إلى الميوسات، ربات الإلهام التسع. وقد انبجس نبع هيبوكرين على جبل الميوسات، هيليكون، بضربة من حافر بيجاسوس.

وكانت التنين شيميرا وحشاً مخيفاً يزفر النار. وكان الجزء الأمامي من جسده مزيجاً من جسد أسد وتيس، والجزء الخلفي كان جسم تنين. وقد أثار الرعب في مملكة ليسيا حتى أن ملكها إيوبيتيس أخذ يفتش عن بطل يقتل التنين. وفي تلك الأيام وصل إلى قصره فارس شاب نبيل كان اسمه بيليروفون. وكان قد جلب معه رسالة توصية من بروتيس صهر آيوبيتيس، يشيد فيها بالفتى الذي لا يقهر بأكثر العبارات حرارة، غير أنه أضاف ملاحظة في رسالته إلى صهره يسأله فيها أن يقتل الفتى. وكان السبب لرغبة بروتيس في قتل بليروفون يرجع إلى غيرته منه، إذ كان يشك في نظرات الإعجاب الشديد التي كانت زوجته آنتيا تصوبها إلى المحارب الشاب. ومنذ ذلك الحين أصبح بليروفون مثلاً على من يحمل رسالة موته دون علم منه، وظهرت عبارة الرسائل البليروفونية.

وما أن قرأ آيوبيتيس الرسالة حتى وقع في حيرة شديدة، فهو لم يكن يرغب أو يريد خرق واجبات الضيافة من جهة، وفي نفس الوقت كان يريد تحقيق رغبة صهره من جهة أخرى. وبينما هو في حيرته خطرت له فكرة رأى فيها مخرجاً، وذلك بأن يرسل بليروفون لقتال التنين شيميرا. وقد قبل بليروفون، ولكنه قبل الذهاب لمقاتلة الوحش سأل العراف بوليدس الذي نصحه أن يحاول اقتناء الحصان بيجاسوس استعداداً للمعركة إذا كان ذلك ممكناً. وقد دله على وسيلة لذلك وهي أن يذهب إلى معبد الإلهة أثينا ويمضي فيه الليل. وقد فعل بليروفون ذلك، وبينما هو نائم رأى الإلهة أثينا تعطيه لجاماً ذهبياً، وعندما استيقظ من منامه رأى اللجام في يده. وكانت الإلهة قد أرته أيضاً في منامه الحصان بيجاسوس وهو يشرب من بئر بيرين، كما رأى في منامه أيضاً أن الحصان ما أن رأى اللجام حتى اقترب منه وكأنه يقدم نفسه إليه للركوب. وقد ذهب بليروفون إلى مكان البئر فوجد الحصان هناك وسارت الأمور معه كما رآها في منامه. وامتطى بليروفون ظهر بيجاسوس فارتفع به إلى الجو، وسرعان ما وجد التنين شيميرا وتغلب عليه بسهولة.

وبعد أن حقق ذلك النصر أُرسل بليروفون في مهام أخرى بطلب من مضيفه الغير مضياف. وقد تمكن بليروفون من الانتصار فيها جميعاً بمساعدة بيجاسوس. فاقتنع آيوبيتيس أخيراً بأن الشاب بطل يتمتع بحماية الآلهة ولذلك زوجه من ابنته وجعله ولي عهده. ولكن بليروفون جلب على نفسه غضب الآلهة بكبريائه وغروره؛ فقد قيل أنه بلغ الأمر به حداً حاول معه الوصول إلى سماوات الآلهة على حصانه المجنح، ولكن زيوس حاكم الآلهة أرسل ذبابة قارصة على بيجاسوس فرماه من ظهره، ونتيجة للسقطة أصيب بليروفون بالعرج والعمى وظل يجوب البلاد وحيداً متجنباً صحبة الناس ومات أخيراً وحيداً شقياً.
 



































أبوللو ودافني
 
ابوللو ودافني

الطمي الذي غطى الأرض بعد الفيضان منحها خصوبة زائدة، الأمر الذي أدى إلى ظهور أنواع كثيرة من المخلوقات المفيدة والضارة. ومن بين الأخيرة كان البايثون وهو ثعبان ضخم، انزل الرعب في قلوب الناس واتخذ له مستقرا في كهوف جبل بارنا سوس. وقد قتل الإله ابوللو الثعبان بسهامه مع انه لم يسبق له استخدام هذا السلاح إلا لصيد الحيوانات المسالمة كالأرانب والتيوس البرية وفي مباريات الصيد. وتخليدا لذكرى انتصاره على الثعبان أسس ابوللو الألعاب البايثينية حيث يتم تتويج الفائز في العاب القوى أو المصارعة أو سباق العربات بإكليل من أوراق الخوخ ذلك لان أوراق الغار لم تكن قد اعتمدت لهذا الغرض، لان ابوللو لم يكن قد أعلن تكريس شجرتها له. وتمثال ابوللو الشهير المسمى البلفدير يمثل الإله بعد انتصاره على ثعبان البايثون.

وكانت دافني حب ابوللو الأول. ولم يحدث ذلك الحب بالصدفة ولكنه كان نتيجة لعبة من اله الحب ايروس. وكان ابوللو قد رأى الصبي ايروس  وهو يلعب بقوسه وسهامه، ولما كان ابوللو لا يزال منتشيا بنصره على البايثون فقد قال للصبي" ماذا تفعل بأسلحة الحرب أيها الصبي اللعوب؟ اتركها للأيدي التي تستحقها. انظر مثلا إلى النصر الذي حققته باستعمالها ضد الثعبان الذي كان جسده السام الضخم يمتد على عدة فدادين من الأرض! فاقتصر أيها الطفل على مشعلك واشعل به اللهب الذي تلعب به بدلا من أن تفكر باللعب بأسلحتي ." ولكن ابن افروديت قال له: "إن أسلحتك يمكن لها أن تصيب كل شئ يا ابوللو ولكن سلاحي سيصيبك أنت"، ثم وقف على صخرة من صخور بارناسوس وسحب من جعبته سهمين مصنوعين بطريقتين مختلفتين، وكان أحدهما مخصصاً لإثارة الحب، والثاني مثيراً للرفض والكراهية. كان السهم الأول مصنوعاً من الذهب وذا رأس حاد، بينما كان الثاني بسيطاً ذا نصل من الرصاص. وقام بإطلاق السهم الرصاصي على الحورية دافني ابنة إله النهر بينيس، بينما أصاب بالسهم الذهبي الإله ابوللو في قلبه تماماً. وكانت دافني مغرمة بالألعاب الرياضية في الغابات وبرياضة المطاردة على وجه الخصوص. وقد طلب يدها خطاب كثيرون في الماضي إلا أن الفتاة ردتهم جميعاً وفضلت التجول في الغابات، ولم تكن تفكر لا في هايمن ولا آيروس. وكان أباها غالباً ما يقول لها: "إن لي عندك صهراً يجب أن تأتيني به، كما أن لي عندك أحفاداً يجب أن أحصل عليهم"
 ولكنها كانت تكره الزواج كراهية التحريم فكانت ما أن تسمع كلمات أبيها حتى يحمر وجهها الجميل فتحيط بذراعيها عنق والدها قائلة: " يا أعز الآباء إفعل لي هذا المعروف، وهو أن أبقى غير متزوجة مثل آرتميس" وقد وافق أخيراً على طلبها ولكنه قال لها: "إن وجهك الجميل سيمنع تحقيق رغبتك".

وقد شغف بها الإله ابوللو، وتحرق شوقاً لامتلاكها، ولكن ومع أنه الإله الذي يعطي النبوءات لسكان العالم كله لم يفكر في النظر في حظه الخاص. وذات يوم رآها وقد تدلى شعرها على كتفيها فقال لها: "إذا كان شعرك جميلاً هكذا وهو غير مرجل فكيف سيكون منظرك عندما تمشطين شعرك؟." ونظر إلى عينيها البراقتين كالنجوم؛ وإلى شفتيها، ولكنه لم يقتنع بمجرد النظر إليهما. أعجبته يداها وذراعاها، وكان كتفاها وعنقها عاريين، وتخيل أن ما كان مغطى منها كان أجمل، فتبعها فهربت وكانت في رشاقة الريح ولم توقفها مناشداته ولو للحظة واحدة، كان يصرخ قائلاً: "انتظري يا ابنة بينيس، فلست عدواً. لا تهربي مني هرب الحمل من الذئب، أو هروب الحمامة من الصقر. إنما ألاحقك لأني أحبك. إنك تشقينني بسبب خشيتي من أن تسقطي على الحجارة فتؤذي نفسك، فأكون السبب في ذلك. لماذا لا تبطئين سرعتك وأنا سأفعل مثلك. أنا لست بالمهرجً ولا بالفلاح الجلف. إن أبي هو زيوس وأنا سيد ديلفوس وتنيدوس، وأعلم كل شيء في الحاضر والمستقبل. أنا إله الغناء والقيثارة. إن سهامي لا تخطئ هدفها؛ ولكن، ها هو سهم أكثر دقة من سهامي قد اخترق قلبي! وأنا إله الطب وأعرف فوائد كل النباتات الشافية. ولكنني أعاني مرضاً لا يقدر شيء مما أعرف على شفائه."

واصلت الحورية هربها. وكانت تزداد جاذبية في نظره كلما أمعنت في الهرب.  وكانت الريح قد تخللت ملابسها، وكان شعرها المرسل تعبث به الريح وترفعه خلفها. ونفد صبر الإله وهو يرى توسلاته تذهب سدى، ولكنه كان يلحق بها مدفوعاً بحبه لها وكلفه بها. وهكذا ظل الإله والفتاة يعدوان وكأنما كان يطير على أجنحة الحب بينما تطير هي على أجنحة الخوف. واقترب منها وكادت تحس بأنفاسه المتلاحقة على شعرها، وأخذت قوتها تضعف وشعرت بأنه ممسك بها لا محالة. وهنا نادت أباها إله النهر قائلة: "ساعدني يا بينيس شق الأرض لتحتويني، أو غير هيئتي التي وضعتني في هذا الخطر!" وما كادت تنهي كلامها حتى شعرت بتصلب أطرافها؛ وإذا ببشرتها يغلفها لحاء لين وأصبح شعرها ورقاً وذراعاها أغصاناً وانغرست قدماها عميقاً في الأرض فأصبحت جذوراً. وأصبح وجهها قمة الشجرة، ولم يبق شيء من شكلها السابق إلا جمالها. وقف ابوللو أمام الشجرة مندهشاً ولمس جذعها وشعر بأنه يرتعد تحت أصابعه. عانق الأغصان ووزع قبلاته عليها. فانكمشت الأغصان أمام شفتيه. فهتف قائلاً: "إذا كنت لن تكوني زوجتي فستكونين شجرتي. وسأتخذ من أوراقك وأغصانك تيجاناً؛ وسأزين بك قيثارتي وجعبة سهامي؛ وعندما سيسير قادة الرومان العظام في مواكب نصرهم نحو الكابيتول سيتخذ كل منهم من أوراقك إكليلاً يتوج جبينه. وكما أن شبابي أبدي فإنك ستكونين دائمةً الإخضرار، ولن تعرف أوراقك السقوط." وهكذا أصبحت الحورية شجرة غار وأحنت رأسها في استسلام لمصيرها الجديد.
 















بروميثيوس وباندورا
 







باندورا تفتح الصندوق الذي انطلقت منه الشرور إلى العالم.
(لوحة مائية الألوان رسمها الفنان الإنجليزي والتر كرين في أواخر القرن التاسع عشر).
 
بروميثيوس وباندورا

كان بروميثيوس أحد الآلهة التيتان العمالقة الذين سكنوا الأرض قبل خلق البشر. وقد كلف هو أخوه إبيثيميوس بمهمة خلق الإنسان وتوفير وسائل الحماية والعيش له وللحيوانات. وكان إبيثيميوس يقوم بالمهمة بينما كان بروميثيوس يشرف عليه. وقد قام إبيثيميوس بمنح الحيوانات وسائل عديدة للحماية وتحصيل العيش مثل الشجاعة والقوة والرشاقة، ومنح بعضها الأجنحة، وبعضها المخالب والأنياب، ونوعاً آخر منحه دروعاً على جسمه تحميه من الضربات إلى آخر ما هنالك من هبات وعطايا. وعندما جاء دور الإنسان لم يبق شيء له فقد وزع إيبيثيموس كل شيء على الحيوانات. وعندئذ طلب من أخيه بروميثيوس حلاً للمشكلة.

وقد تمكن بروميثيوس بمساعدة من الإلهة أثينا من سرقة النار من السماء وإعطائها للبشر، بأن قام بإشعال مشعل من عربة الشمس وعاد به إلى الأرض. وهكذا أصبح الإنسان أقوى من جميع الحيوانات بفضل تلك الهبة. ذلك أنه أصبح قادراً على تدفئة نفسه وهو الذي لا فرو له وصناعة الأسلحة وهو الخالي من المخالب والأنياب.

وكانت المرأة لم تخلق بعد، وقد قيل أن زيوس صنعها وأرسلها إلى بروميثيوس وأخيه ليعاقبهما على سرقتهما النار السماوية وإهدائهما إياها للبشر وكذلك لمعاقبة الإنسان على قبوله الهدية. وكان اسم المرأة الأولى باندورا. وقد تمت صناعتها في السماء حيث أسهم كل إله بشيء ما لإكمال صنعها وجعلها تامة الخلق. فأعطتها أفروديت الجمال، ومنحها هرمس القدرة على الإقناع أما ابوللو فقد علمها الموسيقى وهكذا دواليك إلى آخر ما لها من مزايا. وعندما أرسلت باندورا إلى الأرض تقبلها إبيثيميوس بقبول حسن وسعد بها على الرغم من تحذير أخيه بروميثيوس له بوجوب الحذر من زيوس وهداياه. وقد كان لأبيميثيوس في منزله صندوق فيه كثير من الأمور الضارة التي لم يكن الإنسان بحاجة إليها فأبقاها هناك. ولكن باندورا تملكها الفضول لمعرفة ما في الصندوق على الرغم من تحذيره لها من فتحه. وذات ليلة قامت إلى الصندوق بينما هو نائم وفتحته، فانطلقت من الصندوق كل تلك الشرور التي كانت فيه. وكان مما انطلق من الصندوق أمراض مثل الصداع لرأس الإنسان والمغص لمعدته والروماتيزم لمفاصله والحقد والغضب لعقله وقلبه إلى آخر ما هنالك من شرور لا يزال الإنسان يعاني منها إلى اليوم. وحاولت باندورا منع الشرور من الانطلاق بإغلاق الصندوق ولكن حركتها جاءت متأخرة إذ أن كل الشرور كانت قد غادرت الصندوق ولم يبق فيه منها شيء.

وبعد أن انتشر الجنس البشري وعمر الأرض أحفاد الإنسان الأول والمرأة الأولى باندورا قيل أن الحياة على الأرض مرت بثلاث أطوار متعاقبة متباينة؛ العصر الأول كان العصر الذهبي حيث لم تتمكن الشرور التي أطلقتها باندورا بعد من الإنسان. وأعقبه العصر الفضي الذي كان الناس فيه أقل نقاء من أسلافهم ثم أتى العصر البرونزي الذي تمكنت فيه الشرور من الإنسان وقد قام زيوس بتقصير مدة الربيع وتقسيم السنة إلى أربعة فصول متساوية الطول. وكان على الناس أن يعانوا من الظروف الجوية السيئة للمرة الأولى منذ وجدوا على الأرض. وقد اتخذوا من الكهوف أو من الآجام الكثيفة أو من الأكواخ المصنوعة من الأغصان مساكن لهم في بادئ الأمر. ولم تعد المحاصيل تنتب دون أن تزرع. وأصبح الإنسان في العصر البرونزي متوحشاً في طبيعته وأكثر لجوءا إلى شريعة القوة وإن كان لم يهو إلى قعر الإجرام. أما أكثر العصور صعوبة فقد كان العصر الحديدي الذي انفجرت فيه الجرائم وعمت العالم كأنها الفيضان واختفى الصدق والأمانة والشرف والتواضع. وبدلاً منها جاء الغش والتحايل والعنف والرغبة الآثمة في الكسب والفوز من أي طريق وبكل وسيلة. وفي هذا العصر أشرع البحارة قلوعهم في وجه الريح، وقطعت الأشجار من الجبال لبناء السفن التي تجوب البحار. وأصبحت الأرض التي كانت مشاعاً بين الناس مقسمة إلى ملكيات خاصة، ولم يكتف الناس بما ينتجه لهم سطح الأرض فعمدوا إلى باطنها يحفرون ويحفرون ليستخرجوا المعادن والخامات كالحديد الضار والذهب الأشد ضرراً. وثارت الحروب واستعمل فيها الناس المعادن لقتل بعضهم بعضاً. ولم يعد الضيف يأمن على نفسه في بيت صديقه ولا يأمن الصهر صهره، ولا الأخوة الأخوات، أو الرجال زوجاتهم. فقد شاعت الخيانة وجاءت قوة الإرث المغرية لتفرق بين الأقارب وتزرع بينهم العداوة والبغضاء بدلاً من الحب والتآلف. واصطبغت الأرض بالدماء فهجرتها الآلهة واحداً إثر آخر.

وقد اشتعل زيوس غضباً من الحالة التي آلت إليها الأرض فطلب من الآلهة الاجتماع للتشاور فاستجابوا له وأخذوا طريقهم إلى قصره السماوي سالكين إليه الطريق الممتدة إلى السماء التي يمكن لأي إنسان أن يراها في الليالي الصافية والذي تدعى الطريق اللبني. وقد عرض زيوس على الآلهة الحالة المخيفة التي آلت إليها الأمور في الأرض وأخبرهم بعزمه على تدمير كل سكانها حتى يفسح المجال لنشوء جنس جديد يستحق الحياة أكثر من سلفه. قال ذلك وأشهر الصواعق ليرمي بها الأرض ولكنه خشي مغبة اندلاع النار التي قد تمسك بالسماء ولذلك فقد اختار أن يغرق الأرض بالماء فأمسك الريح الشمالية وقيدها وأرسل الريح الجنوبية التي غطت وجه السماء بسحب سوداء داهمة وتجمعت السحب وسمعت أصوات اصطدامها، وانصبت الأمطار على الأرض وتدفقت كالسيول. وقد طلب الإله من أخيه بوسيدون مساعدته فأطلق جماح الأنهار بحيث ملأت وجه الأرض، وفي الوقت ذاته أرسل الزلازل على الأرض بحيث اندفعت البحار في فيضان رهيب لتغمر وجه الأرض فكنست ما عليها من بيوت وقطعان وبشر ومعابد. وما بقي صامداً غمرته المياه. وهكذا أصبح وجه الأرض وجهاً واحداً يغمره الماء لا تباين فيه ولا بروز ولا عوج، ومن بين كل الجبال بقي جبل بارناسوس وحده البارز على سطح المياه حيث بدت قمته الشامخة من بين الأمواج، ولم يبقى من الناس إلا زوج من نسل بروميثيوس لجآ إلى قمة الجبل وهما ديكلايون وزوجته بيرا وكانا رجلاً عادلاً وامرأة مخلصة متدينة، وعندما رأى زيوس أنه لم يبق من البشر إلا هذان الزوجان اللذان لم يؤذيا أحداً في حياتهما أمر السحب أن تتفرق والرياح أن تكف وكشف الأرض للسماء وأمر بوسيدون ابنه ترايتون لينفخ في صدفته ويأمر المياه بالتراجع، فأطاعت المياه وعادت إلى شواطئها والأنهار إلى مجاريها. وهنا خاطب  ديكلايون زوجته بيرا قائلاً: "يا زوجتي أنت المرأة الوحيدة الناجية وقد ربطتني بك قبلاً روابط المودة والرحمة والزواج، واليوم يربطنا المصير المشترك والمخاطر التي علينا أن نواجهها معاً، فلنستخدم القوة التي ورثناها من سلفنا بروميثيوس ولنجدد الجنس البشري الذي أوجده هو. لنبحث لنا عن معبد متواضع ولنسأل الآلهة الهداية." وهكذا بحثا عن معبد ودخلاه فوجداه ممتلئاً بالطمي ومع ذلك فقد اتجها إلى المذبح الذي لا تشتعل فيه النيران وهناك ارتميا إلى الأرض وصليا إلى الآلهة طالبين الهداية. فأجابهم هاتف قائلاً: "اخرجا من المعبد بوجوه مقنعة وثياب غير مزررة وألقيا خلفكما عظام أمكما." استمعا إلى الكلمات بدهشة، وكانت بيرا أول من كسر الصمت فقالت: "لا يمكننا أن نطيع هذا الأمر، كيف ننتهك حرمة عظام والدينا." وبحثا عن ظل في الغابة وأخذا يقلبان ما سمعاه على وجوهه. وبعد صمت طويل تكلم ديكلايون فقال: "إما أن تكون حواسي قد خدعتني أو أن هذا الأمر الذي تلقيناه مما يمكن تنفيذه دون أن يكون فيه ما يغضب الآلهة." إن الأرض هي أمنا العظيمة والأحجار هي عظامها؛ وهو ما أمرنا الصوت أن نلقيه خلفنا، وعلى أي حال فليس هناك ضرر من التجربة." وهكذا غطيا وجهيهما وفتحا أزرار ثيابهما وأخذا حجارة ورمياها خلفهما. ولدهشتهما أخذت الحجارة في النمو واتخاذ أشكال غير أشكالها حتى قاربت شكل الإنسان وكأنها تمثال غير مكتمل أهمله صانعه ثم تحول الطمي الذي كان محيطاً بها إلى لحم وأصبحت الأجزاء الحجرية عظاماً. الحجارة التي ألقاها الرجل أصبحت رجالاً، أما تلك التي ألقتها المرأة فقد أصبحت نساءً، وكان الناتج جنساً صلباً من البشر قادراً على العمل الشاق كما نحن عليه اليوم، الأمر الذي يدل على أصلنا."
 



































المرامدة
 

المرامدة

المرامدة هم جنود أخيل في الحرب الطروادية ومن بينهم كان زيليوس (الشديد الحماس) و(أنسكروبيوليس) الفاجر الذين كانا تابعين لقائد سياسي فأصبح اسماهما مرادفين للحماس والفجور إلى يومنا هذا. إلا أن أخبار المرامدة لا تترك لدى المرء انطباعاً عن جنس دموي متوحش، بل تترك انطباعاً عن جنس مثابر ومسالم.

وصل الملك سيفالوس ملك أثينا إلى جزيرة أجينا طلباً للمساعدة من ملكها صديقه وحليفه آكوس  وذلك في حربه ضد عدوه مينوس ملك كريت. وقد استقبله آكوس بكل حفاوة ووعد صديقه الملك سيفالوس بالعون قائلاً: "إن لدي عدداً كافياً من الناس لحماية نفسي ومملكتي وتقديم العون لك في الوقت ذاته." فأجاب عليه آكوس قائلاً: "إن من دواعي سعادتي أن يكون الأمر كذلك، وقد أثارت دهشتي رؤيتي لهذه الجماعات من الشباب التي تحيط بي والذين يبدون أسناناً من عمر واحد. وأمر آخر هو أنني تلفت كثيراً بحثاً عن أناس عرفتهم من قبل، ولكن دون جدوى. فماذا حل بهم يا ترى." أطرق آكوس قليلاً ثم أجابه بصوت يملؤه الأسى: "كنت أنوي إخبارك قبل أن تسألني، إنها قصة نموذجية لعاقبة سارة تنتج عن أحداث مؤسفة. فأولئك الذين عرفتهم من قبل قد أصبحوا رماداً وغباراً، فقد أصابنا وباء أرسله علينا غضب الإلهة هيرا أمعن في سكان هذه الأرض تقتيلاً. وقد كان سبب غضب الإلهة هيرا هو حمل هذه الأرض لاسم واحدة من غريماتها الكثر اللواتي يعشقهن زوجها. وفي البداية بدا لنا الأمر كما لو كان المرض ناتجا عن أسباب طبيعية فبذلنا قصارى جهدنا لمكافحتها بالأعشاب والأدوية الطبيعية. ولكن سرعان ما اتضح لنا أن الوباء كان أقوى بكثير من كل جهودنا، ومع ذلك لم نستسلم. وفي بداية الحدث ظهرت السماء ذات يوم وكأنها ستسقط على الأرض، وتجمعت سحب كثيفة ملأت الجو بحرارة خانقة، وهبت علينا رياح جنوبية قاتلة لمدة أربعة أشهر كاملة. وقد أثر هذا الاضطراب الكبير على الآبار والينابيع، حتى أن آلافاً من الحيات والثعابين زحفت على الأرض ولوثت بسمومها كل نبع. أما الوباء فقد أصاب في البداية الحيوانات الدنيا كالبقر والطيور، وكان الرعاة المنكودوا الحظ يذهلون وهم يشاهدون أنعامهم تتساقط ميتة واحدة تلو الأخرى، وكان المزارعون يرون ثيرانهم تتمدد على الأرض أثناء الحراثة ولا تقوم من مجثمها أبدا. وتساقط الصوف من فرو الخراف وضوت أجسادها وسرعان ما ماتت. أما الأحصنة التي كانت مجلية في السباقات فيما مضى فلم تعد قادرة على الجري، وأخذت تستلقي على الأرض في حالة مزرية لتموت ميتة بشعة مسبوقة بنزع شديد. وفقد الخنزير البري وحشيته، والغزال رشاقته، والدب روحه العدوانية فلم يعد يهاجم الرعاة. وهكذا أخذ كل شيء يفنى، وتناثر الجثث في الشوارع والحقول والغابات وسمم تفسخها الجو بروائح كريهة ثقيلة. أما الأعجب من ذلك كله فإن الكلاب والطيور لم تقترب مطلقاً من تلك الجثث، بل إن الذئاب الجائعة نفسها تحاشتها. ثم أخذ المرض ينتقل إلى البشر وفي البداية هاجم الريف ثم لم يلبث أن انتقل إلى المدينة. وكان المصاب بالوباء تحمر وجنتاه ويثقل تنفسه ويتورم لسانه ويجف حلقه ولا يلبث أن يموت. ولم يتمكن الأطباء من مساعدة الناس لأن المرض هاجمهم أيضاً وكان اتصالهم بالمرضى يؤدي إلى إصابتهم فوراً بالعدوى. وهكذا اختفى الأمل وتلاشى واعتاد الناس على فكرة أن الموت هو المخرج الوحيد من تلك الحالة. وأخذ الناس يهملون كل الاحتياطات ويتجمعون بالمئات حول الآبار ومنابع المياه ويطفئون عطشهم بمائها، ويظلون يشربون ويشربون حتى الموت."

وأضاف قائلاً لضيفه: "وخلال هذه الأحداث المأساوية وصلت إلى حالة لم يكن بوسعي معها فعل أي شيء أبداً غير كراهية الحياة وتمني الموت مع رعاياي الذين تساقطوا في الشوارع كالذباب أو كالثمار المتعفنة التي سقطت عن أشجارها. هل ترى يا صديقي ذلك المعبد في تلك البقعة العالية؟ إنه معبد مكرس للإله زيوس. وكم من الصلوات أقيمت هناك من قبل الزوجات والأمهات والآباء، ومع ذلك فقد كان الكثير منهم يموت وهم يؤدون الشعائر، وكثيراً ما كان الشخص يسقط بينما الكاهن يعد العدة لتقديم القربان، فقد كانوا يسقطون بسطوة المرض العارمة كما لو كانوا قد أصيبوا بسهام قاتلة. ومع استمرار الحالة فقد الناس إيمانهم بكل مقدس، ولم يعد أحد يهتم حتى بمجرد دفن الجثث. ولم يمض وقت طويل حتى لم يعد هناك أحد يبكي أحداً، فقد مات الجميع الآباء والأبناء والأزواج الزوجات وأصبحوا جميعاً أثراً بعد عين."

"وذهبت إلى معبد زيوس ووقفت أمام المذبح ورفعت يدي إلى السماء قائلاً: "لو كنت حقاً أبي وأنك لا تشعر بالخجل من كوني إبناً لك فأعد إلي شعبي أو خذني أنا أيضاً. وما كدت أنهي قولي حتى سمعت صوت الرعد فصحت قائلاً: "إني أقبل النذير، ولعله يكون بشيراً. وكان في المكان الذي أقف فيه شجرة بلوط ذات ظل وارف مكرسة للإله زيوس فرأيت عليها طابوراً من النمل مشغولين بعملهم يحملون ذرات من الدقيق في أفواههم ويتبع كل منهم الآخر زاحفين على جذع الشجرة. وتأملتهم بإعجاب وناديت قائلاً: يا أبي، اعطني رعايا بكثرة هؤلاء وأعمر مدينتي الخالية. وهنا اهتزت الشجرة بصوت مدو. وأصابتني الرعشة ومع ذلك سجدت وقبلت الأرض والشجرة. وداعبني الأمل، وما أن حل المساء حتى استولى عليَّ النوم، ورأيت حلماً كانت فيه الشجرة واقفة أمامي وتلك الكائنات الدقيقة تزحف على كل جذعها وفروعها وأغصانها، ثم لم تلبث أن اهتزت لتلقي بتلك الحشرات إلى الأرض والتي ما كانت تقع من الشجرة حتى يبدأ حجمها في النمو أكثر فأكثر إلى أن ينتصب عودها وقد سقطت سيقانها الكثر فلم يبق منها إلا اثنتان، وذهب عنها لونها الداكن، ولا تلبث أن تكتسب الشكل البشري شيئاً فشيئاً. وهببت من نومي وأنا مملوء بالأسف لأن الآلهة أخذت مني حلماً جميلاً ولم تعطني مقابله شيئاً حقيقياً. وكنت لا أزال في المعبد عندما لفتت انتباهي ضجة مصدرها أصوات بشرية من خارج المعبد لم أتمكن من تمييز أصحابها. وخطر في ذهني أنني كنت لا أزال نائماً وأن ما سمعته لا يزال جزءاً من ذلك الحلم الجميل فإذا بتلامون ابني يفتح بوابة المعبد وهو يهتف بي قائلاً: تعال يا أبي وأنظر إلى ما يجري من أمور تفوق الخيال. وخرجت، ورأيت جموعاً من الناس مثل الذين رأيتهم في منامي، وكانوا يتحركون في طوابير منتظمة بنفس النمط الذي شاهدته على الشجرة. وبينما أنا واقف هناك في دهشتي وذهولي تقدمت الجموع مني وركعت أمامي وحيتني باعتباري ملكها. وأزجيت واجب الشكر إلى زيوس وقمت بتقسيم المدينة الخالية بين هذا الجيل الجديد، وكذلك فعلت بالأراضي التابعة لنا. وقد أسميتهم المرامدة مشتقاً الاسم من اسم النمل باللغة اليونانية. وها أنت يا صديقي قد رأيت هؤلاء الناس، إنهم جنس صبور على العمل وجلد أمام المصاعب، ولهم طموح لا يحد، ولا يتخلون عن مكاسبهم بسهولة، ويمكنك يا صديقي أن تجند لنفسك قوة من بينهم تتبعك إلى الحرب متصفة بالشباب والجسارة."
 




































كاستور وبولوكس
 
كاستور وبولوكس

عندما عشق كبير الآلهة زيوس ، الحسناء ليدا زوجة تنداروس ملك اسبرطة، تنكر في صورة طائر البجع وعاشرها. فوضعت بيضتين، خرج من الأولى بولوكس وهيلين الخالدان، وخرج من الثانية كاستور وكليمانسترا الفانيان. والحسناء هيلين توأم بولوكس هي التي كانت سبباً في الحرب الطروادية.

وعندما قام ثيسيوس وصديقه بيرثيوس باختطاف هيلين وكانت لا تزال بعد طفلة، أسرع أخواها كاستور وبولوكس إلى نجدتها وتخليصها من خاطفيها.

كان كاستور مشهوراً بمهارته العالية في تدجين الخيول الوحشية وترويضها، بينما كان بولوكس ملاكما بارعاً. وكانت علاقة الأخوين ببعضهما علاقة قوية متينة يشدها الحب الأخوي برباط لا ينفصم. وقد اشترك الأخوان في البعثة الأرجونية التي ذهبت بحثاً عن الفروة الذهبية.

وخلال رحلة البعثة البحرية هبت عواصف شديدة كادت تغرق السفينة فقام أورفيوس بالدعاء إلى الآلهة وعزف على قيثارته حتى تبددت السحب وظهرت هالات نجمية فوق رأسي الأخوين وسكنت الرياح وهدأت الأمواج. ومنذ تلك الحادثة اعتبر كاستور وبولوكس شفيعين للبحارة والرحالة وسميت الهالات التي تغمر الصواري والأشرعة في ظروف جوية معينة باسميهما، وهي الهالات التي سميت في العهود المسيحية فيما بعد بلهب القديس إلمو.

وبعد انتهاء البعثة الأرجونية اشترك الأخوان كاستور وبولوكس في معركة ضد أدوس ولينثيوس، فقتل كاستور عند الأسوار، وكان وقع الصدمة شديداً على بولوكس حتى أنه دعا أباه زيوس أن يتقبله فداءً لأخيه كاستور. ولكن زيوس قرر بدلاً من ذلك أن يسمح للأخوين البقاء يوماً معاً في عالم الموتى ويوماً في السماء بين الخالدين. وفي رواية أخرى قيل أن زيوس جعل الأخوين نجمتين توأمين بين النجوم جزاء إخلاصهما للرابطة الأخوية.

لقد أسبغ الرومان عليهما الشرف الإلهي وأطلقوا عليهما اسم (الدياسكوري) ابني كبير الآلهة. وقد ترددت روايات عديدة عن مناسبات ظهور متعددة للأخوين في حالات من الشدة الشديدة أو الحروب الصعبة. ومما قيل في ذلك، أن الأخوين ظهرا للجيش الروماني الذي كان يحارب في معركة بحيرة ريجيليس، وساعدا الجيش على تحقيق النصر، وقام الرومان بتشييد معبد في مكان ظهورهما تكريماً لهماً. وقد قالت الروايات أن كاستور وبولوكس كانا إذا ظهرا في مثل تلك المناسبات النادرة فإنهما كانا يقدمان على مهرين أبيضين رائعين.
 















سيمونايديس
 
سيمونايديس

كان سيمونايديس شاعراً بارعاً مكثراً من شعراء الإغريق القدماء وكان غزير الإنتاج وإن لم يصل إلينا إلا النزر القليل من شعره. وكعادة الشعراء الإغريق في ذلك الزمن كان سيمونايديس يتكسب من شعره الذي كان يلقيه في احتفالات الأمراء والملوك والمناسبات الاحتفالية التي يقيمونها.

وذات مرة عندما كان مقيماً في بلاط إسكوبيس ملك ثيساليا عزم الملك على إقامة حفل كبير وطلب من سيمونايديس أن ينظم قصيدة في مدحه ليتم إنشادها في الحفل. وسعياً من سيمونايديس لتنويع موضوع القصيدة وجعلها أكثر تشويقاً فقد أضاف إليها موضوعاً آخر إلى جانب مدح الملك. وكان الموضوع الذي اختاره سيمونايديس يتعلق بالأخوين كاستور وبولوكس، فتغنى بسيرتهما في قصيدته مسبغاً عليهما الثناء والتمجيد اللائقين بهما.

وفي يوم الحفل الموعود وقف سيمونايديس يلقي قصيدته. ويبدو أن مضيفه وراعيه ملك ثيساليا قد ساءه أن يتم إشراك غيره في المديح في القصيدة ذاتها. ولذلك وعندما حان وقت تقديم الجائزة للشاعر أمر الملك بإحضار مبلغ من المال وضعه أمامه، وتقدم الشاعر لاستلام جائزته فأخذ الملك نصف المبلغ وأعطاه للشاعر قائلاً له: "هذا جزاء الجزء الذي يخصني من القصيدة، أما الباقي فخذه ممن أشركتهما في مدحي." وعاد الشاعر إلى مجلسه مشيعاً بضحكات ضيوف الملك الساخرة. وما هو إلا قليل حتى جاء الحاجب ليخبر الشاعر بأن هناك فارسين شابين واقفان بالخارج ويصران على مقابلته لأمر هام وعاجل. فخرج سيمونايديس يبحث عن الشابين فلم يرهما، فدار دورة حول القصر بحثاً عنهما ولكنه لم يشعر إلا بدوي هائل فالتفت ليرى مصدره فرأى سقف القصر وقد سقط على الملك وضيوفه الذين بداخل القصر. أما هو فلم يجد أثراً للشابين إلا أنه ظل مقتنعاً إلى أن مات أنهما كانا كاستور وبولوكس.
 




































الفروة الذهبية
 






البعثة الآرجونية، الباحثة عن الفروة الذهبية
(للفنان الإيطالي كوستا لورينزو، وهي محفوظة بمتحف بادوا في إيطاليا).
 
الفروة الذهبية

في الزمان القديم كان يعيش في ثيساليا ملك وملكة اسمهما أثاماس ونيفيل، وكان لهما طفلان، ولد وبنت. ومع مضي الزمن لم يعد الملك أثاماس يشعر بالود تجاه زوجته ولذلك هجرها واتخذ له زوجة أخرى. وقد توقعت نيفيل خطراً يصيب ولديها من جهة زوجة أبيهما، ولذلك فقد عملت على أن تبعدهما عن متناول يدها. وقد ساعدها في مسعاها ذاك الإله هرمس، فأعطاها خروفاً ذا فروة ذهبية أركبت عليه الطفلين واثقة من أن الخروف سيوصلهما إلى مأمنهما. واندفع الخروف إلى الجو متجهاً إلى الشرق وعلى ظهره الطفلان حتى تجاوز المضيق الذي يفصل بين أوروبا وآسيا. وهناك سقطت البنت هيل من ظهره إلى البحر في المكان المسمى اليوم بالدردنيل. واستمر الخروف في أداء مهمته حتى وصل إلى مملكة كولشيس على الشاطئ الشرقي للبحر الأسود، وهناك أنزل الغلام فيريكسيس حيث استقبله ملك البلاد آيتس بحفاوة. وقام فيريكسيس بالتضحية بالخروف قرباناً للإله زيوس وأعطى الفروة الذهبية للملك آيتس الذي قام بوضعها في أجمة مقدسة بحماية تنين لا ينام.

وكانت هناك مملكة أخرى في ثيساليا قريبة من مملكة أثاماس، ويحكمها قريب له هو الملك آسون، الذي تخلى عن عرشه لأخيه بيلياس بعد أن سئم من ممارسة الحكم. واشترط على بيلياس أن يبقى على العرش ريثما يكبر ابنه جاسون الذي كان قاصراً في ذلك الوقت. وعندما كبر جاسون وذهب إلى عمه بيلياس ليطالبه بعرشه تظاهر عمه بالاستعداد للتخلي عن العرش له، ولكنه اقترح عليه في نفس الوقت أن يقوم أولاً بإنجاز مهمة بطولية بالذهاب بحثاً عن الفروة الذهبية التي كان مكانها في مملكة كولشيس معروفاً للجميع، وأوهمه بيلياس بأن الفروة ملك لعائلتهم وينبغي استرجاعها. وأعجبت الفكرة جاسون وأخذ يستعد لإنجاز المهمة. ولم يكن الإغريق في ذلك الزمان يعرفون من السفن إلا قوارب صغيرة مكونة من جذع شجرة يتم تجويفها. ولذلك فعندما طلب جاسون من آرجوس أن يبني له سفينة تتسع لخمسين شخصاً، اعتبر طلبه ذاك طلباً غاية في الصعوبة والضخامة. وقد قام آرجوس ببناء السفينة، واصبح اسم السفينة آرجو نسبة إلى آرجوس بانيها. وأرسل جاسون دعوات إلى جميع الشبان المغامرين في مختلف أنحاء بلاد الإغريق. وسرعان ما وجد نفسه على رأس مجموعة من الشباب الأشداء الذين أصبحوا فيما بعد أبطالاً وأشباه آلهة في بلاد الإغريق. وكان من بينهم هرقل وثيسيوس وآورفيوس ونسطور وقد سموا فيما بعد بالأرجونيين نسبة إلى سفينتهم آرجو.

وأبحرت آرجو بحمولتها من الأبطال من شواطئ ثيساليا ومرت بجوار جزيرة ليمنوس وعبرت ميسيا إلى ثريس. وهناك وجد ركابها الحكيم فينيس، فأعطاهم تعليمات بخصوص مستقبل رحلتهم. وقد أرشدهم فينيوس إلى كيفية عبور المضيق الخطر. وعندما وصل الفتيان إلى الجزر العائمة التي تغلق المضيق أطلقوا حمامة لتأخذ طريقها بين الصخور الضيقة، فعبرت إلى بر الأمان دون أن تخسر سوى قليل من ريش ذيلها. وقد استغل جاسون ورفاقه لحظة انفراج المضيق بين الجزر فقاموا بإعمال مجاديفهم بقوة حتى تمكنوا من العبور. وما أن عبروا حتى انغلق المضيق خلفهم وقضم جزءا من دفة سفينتهم ولكن الضرر كان ضئيلا. ومضوا بسفينتهم بمحاذاة الشاطئ حتى وصلوا إلى الجانب الشرقي من البحر حتى رسوا في مملكة كولشيس.

وقام جاسون بإرسال رسالة إلى الملك الكولشي آيتس فوافق على تسليم الفروة الذهبية بشرط أن يتمكن جاسون من أن يقرن الثورين ذوي الأقدام البرونزية اللذان يزفران النار إلى نير المحراث، وأن يقوم ببذر أسنان التنين الذي قتله كادموس، وهي الأسنان التي كان معروفاً أنها تنبت رجالاً مسلحين قد يصوبون أسلحتهم ضد من قام باستنباتهم. وقد وافق جاسون على الشروط، وتم تحديد موعد لإجراء الاختبارات. وكان جاسون قد تمكن قبل ذلك من شرح قضيته لابنة الملك واسمها ميديا، ووعدها بالزواج منها أمام مذبح الإلهة هيكات داعياً الإلهة إلى الشهادة على وعده. وكانت ميديا ساحرة مجلية، فعلمت جاسون من السحر ما يمكنه من التعامل مع الثورين الناريين ومع المحاربين الذين تنبتهم أسنان التنين بأمان، كما زودته بعقار سحري يتغلب به على حارس الفروة  الذهبية. وفوق ذلك كله كان جاسون يمتلك أسلحته كاملة ومعها قلبه الشجاع.

وفي الموعد المحدد، تجمع الناس أمام الأجمة المقدسة، ونصبت منصة ملكية اتخذ الملك مجلسه عليها، بينما اجتمع الناس على جانبي التل. وأسرع الثوران وهما يزفران النار من منخريهما فتحترق الأعشاب حيث ما مرا، وكان لزفيرهما صوت فرن صهر المعادن، ويصدر عنهما دخان كالبخار الذي يخرج من الماء المغلي. فتقدم إليهما جاسون بجسارة، وأسرع رفاقه الأبطال يتطلعون إليه. وتمكن جاسون من تهدئة غضب الثورين بصوته، وامتدت يداه دون خوف تربت على عنقيهما. وبلطف قام بوضع النير عليهما، ثم جعلهما يجران المحراث. واندهش الكولشيون لما رأوا وهلل الإغريق فرحاً. وبعد ذلك باشر جاسون بذر أسنان التنين في المكان الذي حرثه الثوران، وسرعان ما نبتت فرقة من الرجال المسلحين. وما أن برزوا إلى سطح الأرض حتى أشرعوا أسلحتهم واتجهوا إلى جاسون. واضطرب أبطال الإغريق خوفاً على بطلهم وكذلك اضطربت ميديا مع أنها هي التي علمته أسلوب التعامل مع الكائنات التي ستواجهه وأرته كيف يأمن شرها، فشحب وجهها من الخوف. وفي البداية قام جاسون بإبعادهم عن نفسه مستخدماً سيفه وترسه حتى إذا تزايد عددهم وتكاثروا عليه، عمد إلى الأسلوب السحري الذي علمته إياه ميديا وأمسك بحجرة ورماها في وسط أعدائه. فما كان منهم إلا أن وجهوا أسلحتهم ضد بعضهم بعضاً. ولم يمض إلا وقت قليل حتى لم يبق منهم أحد على قيد الحياة. وعانق الإغريق بطلهم بسرور وكادت ميديا تفعل الشيء نفسه لولا الحياء. وبقيت أمام جاسون مهمة واحدة وهي تنويم التنين الذي يحرس الفروة الذهبية، وقد فعل ذلك بأن رش عليه قطرات من الدواء السحري الذي زودته به ميديا. فما أن شمها التنين حتى هدأ غضبه ووقف للحظة دون حراك ثم أغلق عينيه اللتين لم يكن يغلقهما أبداً وانقلب على جانبه ليغط في نوم عميق. وأمسك جاسون بالفروة الذهبية وأسرع بصحبة رفاقه وميديا إلى السفينة قبل أن يتمكن الملك آيتس من إعاقة سفره، وأسرعوا بسفينتهم إلى ثيساليا فوصلوا إليها سالمين وهناك سلم جاسون الفروة الذهبية إلى عمه بيلياس. وكرس سفينته آرجو لإله البحر بوسيدون. ولا نعلم ما حدث لتلك الفروة فيما بعد فلربما اتضح أنها مثل كثير من الجوائز الذهبية لا تساوي المشقة التي تجشمت في سبيلها.

ميديا والملك آسون

خلال الأفراح التي أقيمت احتفاءً بعودة الأبطال بالفروة الذهبية، أحس جاسون بأن هناك ما ينقصه لتكتمل فرحته، وكان ذلك حضور والده الملك المتقاعد آسون إلى تلك الاحتفالات، التي لم يتمكن من شهودها بسبب كبر سنه وعجزه. والتفت جاسون إلى ميديا وقال لها: "يا زوجتي العزيزة هل في وسع فنون سحرك التي شاهدت بنفسي قوتها وبراعتها أن تعيد الحيوية إلى أبي، خذي بضع سنوات من عمري إذا كنت تستطيعين أن تضيفيها إلى عمره." ابتسمت ميديا وقالت له لن يكلف الأمر ذلك كله، ولعل سحري سيساعدني على إطالة عمر أبيك دون المساس بعمرك أنت."
وعندما اكتمل القمر في منتصف الشهر التالي، خفت ميديا ونشطت لأداء المهمة التي طلبها منها زوجها جاسون. وبينما كان الناس نائمون والليل يلفه الهدوء، أخذت ميديا توجه دعواتها وتعاويذها إلى القمر وإلى هيكات وإلى النجوم وإلى زوجة إله باطن الأرض وإلى تيلوس ربة الأرض التي بقوتها تنموا النباتات. ووجهت صلوات حارة إلى آلهة الغابات والجبال والوديان والبحيرات والأنهار والرياح والسحب. وبينما كانت تقوم بأداء طقوسها وتتلو تعاويذها كانت النجوم تزداد إشراقاً، واخترقت عربة جو الأرض تجرها تنانين مجنحة. وركبت ميديا على العربة فأخذتها إلى أراض بعيدة، حيث تنمو النباتات التي تعرف هي سرها لتختار منها ما يلائم غرضها. وقضت ميديا تسع ليال في بحثها، وخلال تلك الفترة لم تقترب من قصرها ولم يظلها سقف، وكانت كل اتصالاتها خلال تلك الفترة مقتصرة على الخالدين.

وعندما عادت إلى قصرها نصبت مذبحين للقرابين، أحدها للإلهة هيكات والآخر للإلهة هيب إلهة الشباب، وضحت بخروف أسود قرباناً بينما كانت تصب على المذبح قرابين أخرى من الحليب والنبيذ، وتوجهت بصلواتها إلى هاديس وزوجته الشابة التي اختطفها بألا يتعجلا في أخذ حياة الرجل العجوز. وبعد ذلك أمرت بالملك العجوز آسون، فتم وضعه مستلقياً أمامها، حيث تلت عليه تعويذة سحرية أوقعته في نوم عميق، ومن هناك أمرت بأن يحمل ليوضع على فراش من الأعشاب كانت قد أعدته له وكأنه ميت. وكانت ميديا قد أمرت جاسون وصحبه بعدم الاقتراب من المكان لئلا تقع عين على غوامض طقوسها وسحرها. وبشعر منفوش طافت ثلاث مرات حول المذبح وغمست أغصاناً مشتعلة في دم الخروف وأعادتها إلى النار لتحترق. وكانت قد أعدت مرجلاً ضخماً وضعته على النار ووضعت فيه أعشاب سحرية وبذوراً وأزهاراً وحجارة من الشرق البعيد، وحفنات من الرمال مأخوذة من شواطئ كل المحيطات، ثم أتت بحفنة من الصقيع المتجمد على النبات الذي كانت قد جمعته على ضوء القمر، وأضافت إلى الجميع رأس بوم وجناحيه وأحشاء ذئب، وقطعاً من صدفة سلحفاة، وأكباد حيوانات معمرة، ثم أضافت في الأخير رأس ومنقار غراب قد عمر أكثر من تسعة أجيال من أجيال البشر. وغلت تلك الأشياء جميعها في المرجل وهي تحركها بعصا جافة مأخوذة من غصن شجرة زيتون، فلم تلبث العصا أن تغير لونها الرمادي إلى الأخضر وأخذت تنبت منها الأوراق حتى أصبحت مغطاة بثمار الزيتون. وما أن أخذ المرجل يفور وتظهر عليه الفقاعات، حتى أخذ الرذاذ يتطاير منه فيقع على الأعشاب الجافة حتى تتحول من فورها إلى نباتات ربيعية غضة.

وعندما شاهدت ذلك تأكدت ميديا من أن كل شيء أصبح جاهزاً فقامت واستلت سكيناً حادة وقطعت عنق الرجل العجوز وجعلت دمه كله يتسرب منه إلى وعاء في يدها، ثم صبت في فمه وعلى جرحه من عصير المرجل فتغير لون شعره وتحول من الأبيض الناصع إلى السواد الداكن كما لو كان شعر شاب في العشرين، وزالت الغضون والتجاعيد من وجهه وجسده وأصبحت عروقه ملأى بدماء حارة متدفقة، وعادت الحيوية إلى مفاصله المتيبسة. واستيقظ آسون ليندهش من حالته التي عادت إليه بعد أن فارقته منذ أكثر من أربعين عاماً عندما كان شاباً يافعاً.

وكان الملك بيلياس شقيق الملك آسون وعم بطلنا جاسون لا يزال يماطل في إعادة العرش إلى أصحابه، ولكنه كان مندهشا من عودة العافية إلى شقيقه وشعرت بناته اللواتي كن يحببنه كثيراً بالغيرة وطلبن من ميديا أن تفعل به ما فعلت بالملك آسون وأن تعيد إليه شبابه. ووافقت ميديا ولكنها اشترطت عليهن ألا يخبرن أباهن بالأمر، وهكذا أعدت مرجلها من جديد ووضعته على النار حتى إذا فار بمائه وأعشابه طلبت من بنات الملك بيلياس إحضار الخروف الأسود العجوز فأحضرنه فوضعته في المرجل وسرعان ما سمعت الفتيات ثغاء وإذا بحمل صغير يقفز من المرجل بدلاً من الخروف العجوز وينطلق خارجاً نحو الحقل. وفد شاهدت الفتيات التجربة بسرور بالغ ولذلك فقد حددن موعداً لإجراء التجربة على أبيهن. وفي الوقت المحدد أعطتهن ميديا دواء منوماً، فلما غط بيلياس في النوم أعدت له ميديا مرجلاً من نوع آخر ولم تضع في هذا المرجل غير بعض الماء والأعشاب البسيطة، ثم دخلت معهن إلى مخدع الملك العجوز بينما كان يغط في النوم بتأثير المنوم وطلبت منهن أن يطعنه بسكاكينهن حتى يتسرب منه الدم ولكنهن ترددن وأشحن بوجوهن فشجعتهن ميديا فنبذن ترددهن وقمن بطعن أبيهن. وهب الشيخ من نومه صارخاً:" ماذا تفعلن يا بناتي؟ هل ستقتلن أباكن؟" فأصابهن الفزع وسقطت السكاكين من أيديهن، ولكن ميديا وجهت إليه الضربة القاتلة قبل أن يفوه بكلمة أخرى وأخرسته إلى الأبد.

وبعدها قمن بحمل أبيهن ووضعنه في المرجل واستغلت ميديا انشغالهن بالعملية لتقفز إلى عربتها التي تجرها التنانين. وعندما ذهبت إلى جاسون لتخبره بما صنعت فرح باستعادة عرش أبيه. ولكنه بعد فترة من الزمن عزم على الزواج من كيريوزا أميرة كورنثة. ومن شدة غضب ميديا من نكران جاسون لجميلها وفضلها عليه، دعت الآلهة بأن تنتقم لها، وأرسلت رداءً مسموماً هدية إلى العروس الشابة، ثم عمدت إلى أبنائها من جاسون فقتلتهم جميعاً، وأشعلت النار في القصر، وركبت عربتها ذات التنانين المجنحة وفرت إلى أثينا. وهناك تزوجت الملك آجيوس والد ثيسيوس.
 



































ثيسيوس
 






صورة حديثة لأطلال البارثينيون الذي بني قبل 2500 عام كمعبد للإلهة أثينا إلهة الحكمة على قمة تل الأكروبوليس في مدينة أثينا عاصمة اليونان
(الصورة لأولدريتش كاراسيك/ بنك الصور).
 
ثيسيوس

كان ثيسيوس ابناً لآجيوس ملك أثينا من إيثرا ابنة ملك تروزان. وقد نشأ ثيسيوس في تروزان وبقي هناك حتى بلغ سن الرجولة فتوجه إلى أثينا ليقدم نفسه إلى والده. وكان آجيوس قد افترق عن زوجته إيثرا قبل ولادة ابنه ثيسيوس وأوصلها إلى بلاد أبيها، وهناك وضع سيفاً وزوجاً من الأحذية تحت صخرة ضخمة، وقال لزوجته: "عندما يتمكن ابني من رفع هذه الصخرة بمفرده وأخذ السيف والحذاء، أرسليه إلي." وعندما رأت الأم أن الوقت قد حان، أخبرت ولدها بالأمر فأزاح الصخرة بسهولة وأخذ سيف أبيه وحذاءه. وعندما عزم على الرحيل ضغط عليه جده ليسافر بحراً إلى أثينا لأن طريق البر كان أطول وأخطر، ولكن الشاب الواثق من نفسه والذي يستشعر بين جوانبه البطولة كان قد اتخذ لنفسه البطل هرقل مثلاً أعلى، فصمم على السفر براً. وفي اليوم الأول من رحلته وصل إلى إيبيدوروس حيث صادف رجلاً يسمى بيريفيتيس، وهو ابن الإله هيفيستوس إله النار. وكان هذا الرجل المتوحش الهمجي يحمل معه دائماً خطافاً من الحديد يرعب به المسافرين. وعندما رأى ثيسيوس يقترب، هاجمه، ولكنه سرعان ما سقط تحت ضربات البطل الذي أخذ معه الخطاف وحمله معه كتذكار لانتصاره الأول.

وبعد متاعب جمة مع اللصوص وقطاع الطرق خرج منها كلها منتصراً، صادف في طريقه رجلاً شريراً آخر يدعى بروكوست. وكان لبروكوست سرير حديدي اعتاد أن يربط عليه المسافر الذي يقع بين يديه، فإن كان الشخص أطول من السرير قطه وإن كان أقصر من السرير مطه، وكان المسافر المسكين ينتهي في الحالتين قتيلاً مطاً أو قطاً. وقد ألحقه ثيسيوس بأمثاله من المجرمين.

ووصل ثيسيوس إلى أثينا أخيراً حيث كان ينتظره خطر أعظم من كل ما صادفه في طريقه. فقد كانت تنتظره هناك الساحرة ميديا زوجة أبيه، والتي كانت قد هربت من زوجها جاسون في عربتها التي تجرها التنانين المجنحة بعد أن قتلت أبناءها وأشعلت النار في قصر زوجها. وقد تمكنت ميديا بسحرها من معرفة هوية الفتى الآتي قبل مقدمه، وخشيت من أن تفقد نفوذها على زوجها إذا اجتمع شمله بابنه ثيسيوس، فأخذت تملأ رأسه بالشكوك من الفتى الغريب قبل أن يصل، وأعطته كأساً من السم ليقدمه إليه بمجرد وصوله. وما أن وصل الفتى إلى قصر أبيه الذي كان يظنه عدواً له كما أخبرته زوجته الساحرة، حتى عرض عليه كأس الشراب المحتوي على السم، فتقدم الفتى ليتناول الكأس، وفي اللحظة ذاتها رأى الملك آجيوس السيف الذي بحوزة الفتى وعرفه، وأدرك أنه كان على وشك أن يقتل ابنه. وما أن انكشفت خدعة ميديا حتى شعرت بالخوف ففرت مرة أخرى إلى آسيا، ووصلت إلى بلدة سميت فيما بعد ميديا نسبة إليها. أما ثيسيوس فقد أعلنه أبوه ولياً لعهده.

وكان الأثينيون في ذلك الوقت يعانون من مشكلة عويصة بسبب الضريبة البشرية التي كان عليهم أداؤها كل عام إلى مينوس ملك كريت. وكانت الضريبة تتكون من سبعة شبان وسبع فتيات شابات يرسلون كل عام إلى هناك ليتم تقديمهم لوحش له جسد ثور ورأس إنسان مخيف فيقوم بافتراسهم. وكان ذلك الوحش في غاية القوة والوحشية وقد تم حجزه في متاهة (اللابيرينث) التي صممها وبناها ديدالوس، وهو المهندس الذي اتخذ له جناحاً كجناح النسر وألصقه إلى جسده بالشمع وطار به، فأذابت الشمس الشمع وسقط ميتاً. وكان ديدالوس قد بنى المتاهة بحيث أن من دخلها لا يتمكن أبداً من الخروج منها. وكان الوحش يهيم فيها وتتم تغذيته بالضحايا البشرية التي كانت تدفع إلى المتاهة فتتيه حتى يوقعها قدرها بين يدي الوحش.

وقد صمم ثيسيوس على أن يخلص شعبه من هذه المأساة ولو أدى ذلك إلى فقدانه لحياته. ولما جاء موعد إرسال الضريبة البشرية وتم اختيار الضحايا بالقرعة طبقاً للعادة المتبعة، وضع ثيسيوس نفسه في المجموعة بدلاً من أحد أفرادها على الرغم من توسلات والده. وغادرت السفينة بحمولتها التعيسة ناشرة أشرعة سوداء كالعادة. وعندما وصلوا إلى كريت، تم عرض المجموعة على ملك المدينة مينوس وابنته إريادني. ولكن ابنة الملك ما أن رأت ثيسيوس وجماله وبهاءه حتى وقع من نفسها موقعاً حسناً سرعان ما تحول إلى حب عارم. ولما جاء موعد إدخال الضحايا إلى المتاهة، حضرت ابنة الملك سراً إلى المكان وزودت ثيسيوس بسيف ولفة من خيط قوي وأوصته بربط طرف الخيط عند مدخل المتاهة وأن يمده في مسيره حتى يتمكن من الخروج فيما بعد. وكالعهد به تمكن ثيسيوس من قتل الوحش معبود الكريتيين، والخروج من المغارة. وأخذ معه إريادني ابنة الملك وعاد بها مع رفاقه ورفيقاته سالمين إلى أثينا. وفي الطريق توقفت سفينتهم عند جزيرة ناكسوس وهناك هجر ثيسيوس الفتاة بعد أن تركها نائمة وعاد إلى أبيه. وقد فسر ثيسيوس فيما بعد تصرفه هذا بأنه كان بناء على أمر من الإلهة أثينا حامية مدينتهم وإلهة الحكمة والفنون والصناعات والتي جاءته في منامه وأمرته بأن يفعل ما فعل. وعندما استيقظت أرادني من نومها ورأت هجر ثيسيوس لها أصيبت بحالة من اللوعة والحزن الشديد حتى أشفقت عليها الإلهة أفروديت إلهة الحب والجمال وعزتها بأن وعدتها بأن تكون معشوقة لإله من الخالدين بدلاً من ذلك الفاني الذي غدر بها.

وكان ثيسيوس قد وعد أباه أنه إذا عاد سالماً فسيرفع أشرعة بيضاء بدلاً من أشرعة السفينة السوداء، ولكنه نسي، وما أن رأى الأب الأشرعة السوداء حتى ظن أن الوحش قد التهم ابنه فانتحر، وبذلك أصبح ثيسيوس ملكاً على أثينا.

وقد مرت على ثيسيوس أحداث كثيرة منذ أن تسنم عرش أثينا؛ وكان من أهم تلك الأحداث حملته ضد الأمازونيات - والأمازونيات جنس من النساء المحاربات الشديدات المراس أنشأن محتمعاً على شاطئ البحر الأسود خاصاً بالنساء ولا مكان فيه للرجال، وكن يشتركن في الحروب الإغريقية كحليفات، كما يتقاتلن مع ممالك الإغريق من آن لآخر. وكانت الأمازونيات يرحلن، كلما دعتهن الحاجة، للاتصال بالرجال في الممالك المجاورة، أو خلال الحروب التي يخضنها، فإذا حملت الواحدة منهن بالأنثى استبقتها وربتها، أما إذا أنجبت ذكراً فإما أن ترسله إلى أبيه أو تقتله. واشتهرت الأمازونيات بأنهن كن يتدربن على فنون القتال المختلفة وكن مولعات بالرماية بالسهام على وجه الخصوص. وكانت الأمازونيات يقمن بكي الثدي الأيمن للطفلة فلا يبزغ ولا يتكور، وذلك حتى لا يعوقها عن استعمال القوس عند سحب الوتر لإطلاق السهم.

وعندما قاد ثيسيوس حملته ضدهن لم تكن الأمازونيات قد أفقن بعد من وقع الهزيمة التي أوقعها بهن هرقل، ولذلك فقد تمكن ثيسيوس من التغلب عليهن وأسر ملكتهن آنتيوب. وقامت الأمازونيات بدورهن بغزو أثينا وتمكن من اختراق المدينة نفسها. وقد جرت المعركة الأخيرة في قلب مدينة أثينا حيث تمكن ثيسيوس فيها من صدهن.

وحدث آخر هام من الأحداث التي شهدها ثيسيوس، كان قيام بيريثيوس بغزو سهل الماراثون واستيلائه على قطعان ملك أثينا ثيسيوس الذي لاحق جيشه لاسترجاع القطعان. وعندما التقيا حدث موقف غريب. فما أن وقعت عينا بيريثيوس على ثيسيوس حتى شعر بإعجاب شديد نحوه فتقدم إليه فارداً ذراعيه كعرض للصداقة والسلام وصاح قائلاً: "إني أحكمك، فاحكم بما يرضيك." فرد الأثينيون قائلين: "نطلب الصداقة." وهكذا أقسم الفريقان على الإخلاص والوفاء لبعضهم. وقد وفى الفريقان بعهودهما، ونشأت بينهم أخوة سلاح وثيقة. وذات مرة تعاهد ثيسيوس وبيريثيوس على الزواج من فتاتين على أن تكونا من نسل زيوس كبير الآلهة، واختار ثيسيوس الزواج من هيلين بعد أن تكبر، وتمكن من اختطافها، وهي لا تزال بعد طفلة، بمساعدة صديقه بيريثيوس، حتى أطلق سراحها أخواها كاستور وبولوكس وخلصاها من بين يديه. وهي هيلين نفسها التي أصبحت فيما بعد سبب الحرب الطروادية. أما بيريثيوس فقد وضع نصب عينيه هدفاً شبه مستحيل. إذ اراد اختطاف الإلهة بيرسيفوس، زوجة هاديس إله مستقر الموتى في باطن الأرض، ومع علم ثيسيوس بالمخاطر التي تحف المسألة فقد صحب صديقه العاشق الطموح في رحلته إلى باطن الأرض، فأمسك بهما الإله هاديس والصقهما إلى صخرة على بوابة قصره، حيث بقيا حتى وصل هرقل وتمكن من تخليص ثيسيوس الذي عاد إلى مملكته تاركاً صديقه بيريثيوس لمصيره المظلم.

وبعد وفاة آنتيوب الأمازونية التي كان ثيسيوس قد تزوجها بعد أسره لها، تزوج ثيسيوس من فيدرا البنت الأخرى لمينوس ملك كريت، ولكن فيدرا شغفها حب هيبوليتوس بن ثيسيوس الذي كانت سنه مقاربة لسنها، والذي كانت له في نفس الوقت من الصفات الشخصية ما لا يقل عن صفات أبيه. وقد حاولت إغواء الفتى ولكنه صدها بحزم، فتحول حبها له كراهية شديدة. فاستخدمت نفوذها لدى زوجها لتبذر بذور الغيرة من ابنه في نفسه. ولذلك فقد دعى الإله بوسيدون أن ينزل انتقامه بابنه. وبينما كان هيبوليتوس يقود عربته ذات يوم على الشاطئ، خرج وحش من الماء وأخاف الأحصنة التي تجر العربة، فنفرت على غير هدى، وتحطمت العربة التي تقل هيبوليتيوس فقتل من جراء الحادث. ولكن الطبيب اسكولابيوس أعاده إلى الحياة بمساعدة الإلهة ديانا، التي قامت بنقل هيبوليتوس إلى إيطاليا لتضعه تحت حماية الحورية إيجيريا بعيداً عن سطوة والده وزوجة أبيه الظالمة.

وبعد مضي فترة من الزمن سئم الأثينيون ثيسيوس فاضطر إلى اللجوء إلى بلاط الملك سيروس ملك ليكوميديس الذي استقبله بحفاوة في البداية ثم غدر به وقتله في النهاية. وقد بقي رفات ثيسيوس مدفوناً هناك في ليكوميديس إلى أن نقله القائد الأثيني سيمون وبنا عليه معبداً سمي الثيزيوم تكريماً له.
 















هرقل
 





صراع هرقل مع الهيدرا
تبين اللوحة هرقل وهو يحطم رؤوس الهيدرا ذات التسعة رؤوس بينما يقوم تابعه وقريبه إيالوس بإحراق موضع كل رأس يحطمها هرقل حتى لا تنبت من جديد.
(اللوحة من رسم الفنان فرانسيسكو زورباران في العام 1634م، وهي محفوظة في متحف ديل برادو في مدريد بإسبانيا).

هرقل

كان هرقل الذي ينطق اسمه باليونانية هيركيوليز، ابناً لكبير الآلهة زيوس وامرأة من البشر هي آلكمينا. ومنذ ولادة هرقل شنت عليه الإلهة هيرا زوجة زيوس، التي كانت تكره عشيقات زوجها وأبنائهن، حرباً ضروساً لا هوادة فيها. وفي البداية أرسلت ثعبانين لقتله في المهد، ولكن الرضيع المعجزة صارعهما وخنقهما بيديه العاريتين. وبعد محاولات عديدة لقتل هرقل رضيعاً وصبياً وشاباً نجحت هيرا في حمل زوجها على وضع هرقل تحت وصاية خاله الملك يوريسثيوس، وإلزام هرقل بتنفيذ أوامره. وكانت هيرا قد أحكمت تدبيرها مع يوريسثيوس الذي أصبح كالخاتم في أصبعها خوفا وطمعا. فكلف هرقل بمهام مستحيلة التنفيذ لصعوبتها عرفت في التاريخ بمهام هرقل الإثني عشر. وكانت المهمة الأولى تتمثل في قتل الأسد الضخم الذي يعيش في وادي نيمينيا، وطلب منه أن يحضر إليه جلد الأسد. وقد صارع هرقل الأسد النيميني بيديه وقتله خنقاً، بعد أن حاول قتله بالسهام فلم تغن عنه شيئاً، وعاد إلى خاله حاملاً الأسد الميت فوق كتفيه. وقد ارتعب يوريسثيوس من منظر الأسد ومن قوة ابن أخته فأمره ألا يعرض ضحاياه مرة أخرى داخل المدينة وأن يبقيها خارجها.

وكانت مهمته الثانية هي قتل الهيدرا. والهيدرا وحش ألحق أذى بالغا بمدينة آرجوس، وكان يعيش في مستنقع بالقرب من بئر اميمون. وكانت اميمون قد استحدثت البئر واستخرجت منها الماء عندما كانت البلاد تعاني من الجفاف، وقد حدث ذلك عندما إذن لها حبيبها اله البحر بوسيدون بلمس الصخرة برمحه ذي الثلاث شعب فانفجرت منها عيون ماء  ثلاثة،  استولت عليها الهيدرا التي أرسل هرقل لقتلها. وكان للهيدرا تسعة رؤوس والأوسط منها خالد لا يموت. وكان هرقل يضرب رؤوسها بهراوته ولكن ما أن يحطم رأسا حتى ينبت لها مكانه رأسان . وبعد لأي وجهد جهيد تمكن هرقل بمساعدة خادمه الأمين إيلوس من حرق رؤوس الهيدرا حتى لاتنبت ثم دفن الرأس التي لا تموت تحت صخرة هائلة الحجم .

وكانت المهمة الأخرى التي كلف بها هرقل هي تنظيف إسطبلات  الملك ايجياس ملك ايليس . وكان للملك ايجياس قطيع من الثيران يتكون من ثلاثة آلاف راس، لم تنظف اسطبلاتها منذ ثلاثين سنة. وقد حول هرقل مجرى نهري الفيوس وبينيوس إلى الاسطبلات فنظفت تماما خلال يوم واحد .

والمهمة التالية كانت اكثر تعقيدا، إذ أن ادميتا ابنة يوريسثيوس تملكتها الرغبة في الحصول على رداء ملكة الامازونيات. فأمر يوريسثيوس هرقل بإحضار الرداء. وكانت الامازونيات شعبا من النساء المحاربات يسكن عددا من المدن المزدهرة . فاصطحب هرقل معه عددا من المتطوعين ووصل إلى بلاد الامازونيات بعد أن واجه مصاعب عديدة في الوصول إليها .  وقد استقبلته ملكة الامازونيات هيبوليتا بلطف ووافقت على تسليمه الرداء. ولكن الإلهة هيرا تنكرت في شكل امرأة امازونية، وأقنعت الامازونيات الأخريات بان الغرباء يختطفون ملكتهن. فاقبلن  مسلحات في حشد كبير إلى موضع سفينة هرقل. فلما رآهن محتشدات وعلى أهبة للقتال، ظن هرقل أن في الأمر مكيدة دبرتها الملكة هيبوليتا للغدر به وبرفاقه فقام بقتلها من فوره، ثم أثخن في الأمازونيات واخذ الرداء وأبحر عائدا.

ولم يكد هرقل يستريح من عناء مهمته السابقة، حتى طلب منه يوريسثيوس  أن يحضر له ثيران جيرايون الذي كان وحشا له ثلاثة أجساد، ويعيش  في الجزيرة  الحمراء (ايريثيا)، وكانت تدعى كذلك لأنها تقع في الغرب عند أشعة الشمس الغاربة الحمراء، وكان جيرايون ملكها.  وقد قطع هرقل للوصول إليها بلادا عديدة، حتى تخطى حدود ليبيا ووصل إلى أوروبا. وهناك قام بنصب الجبلين كالب وابيلا كتذكارين على رحلته. وهذان الجبلان هما الجبل الذي يسمى اليوم جبل طارق على البر الأوروبي ونظيره على البر الأفريقي، واللذان يطلان على المضيق الذي يحمل الاسم ذاته.  وكان الجبلان قد سميا قبلا بأعمدة هرقل نسبة إليه . وكانت ثيران جيرايون في حراسة العملاق يوريشون وكلبه ذا الرأسين، فقتل هرقل العملاق وكلبه واخذ الثيران.

وبعد ذلك، حدثت حكايته مع كاكوس الذي كان عملاقا يسكن كهفا في جبل افنتين، ويسيطر على البلاد المحيطة بالجبل، ويتصرف بها كما يشاء.  وقد التقاه هرقل بينما كان عائدا بثيران  جيرايون، عندما سرق كاكوس جزأ من  القطيع بينما كان هرقل نائما . وقام كاكوس بسحب الثيران جارا بذيولها حتى تدل آثار أقدامها على الاتجاه المعاكس، وأخذها إلى كهفه. وقد افتقد هرقل الثيران ولم يعرف أين ذهبت ، ولكن وبينما كان سائرا ببقية القطيع مر أمام كهف كاكوس فأخذت الثيران المخفية في الكهف تخور فاكتشفها هرقل وقتل العملاق، وأوصل القطيع  إلى عمه يوريسثيوس.

أما اصعب المهام التي كلف بها هرقل فقد كانت إحضار تفاحات الهيسبيريديات الذهبية الثلاث، وكان وجه الصعوبة في المهمة هو أن هرقل لم يكن يعلم أين يمكن له أن يجدها. وكانت هذه التفاحات في الأصل هدية من إلهة الأرض تيرا للإلهة هيرا بمناسبة زواجها من زيوس كبير الآلهة، فقامت هيرا بإيداع التفاحات لدى بنات المرأة هيسبيروس حيث يحرسها تنين يقظ. وبعد مغامرات عديدة وصل هرقل إلى جبال الأطلس في الجهة الغربية من شمال أفريقيا. وكان أطلس هو والد الهيسبيريديات. واحد التيتان الذين حاربوا الآلهة فتمت معاقبتهم، وكان نصيب أطلس أن يحمل ثقل السماء على كتفيه. فاعتقد هرقل انه لو كان بمقدور أحد أن يجد التفاحات فان أطلس هو ذلك الشخص. ولذلك كان عليه أن يقوم بمهمتين مزدوجتين، والأولى هي أن يقنع أطلس بالذهاب للبحث عن التفاحات، والثانية أن يجد أحدا يحل محل أطلس في حمل السماء أثناء غيابه. وقد تمكن هرقل من إنجاز المهمتين فاقنع أطلس بالذهاب لإحضار التفاحات، وتولى هو حمل السماء بدلا منه. وقد عاد أطلس بالتفاحات ولكنه وقف طويلا أمام هرقل وهو يفكر في الهرب وتركه يحمل السماء،  إلا انه قرر في النهاية أن يعود لمهمته الإلهية، وسلم التفاحات لهرقل، فعاد بها إلى عمه يوريثسيوس.

واحد اكثر مهام هرقل شهرة، كانت انتصاره على انتيوس الذي كان ابن الآلهة تيرا (الأرض) وهو عملاق ضخم ومصارع لا يغلب. وكان مصدر قوته التي لا تقهر، اتصاله بأمه الأرض و ذلك انه كان غير قابل للهزيمة مادامت رجله ثابتة عليها.  وكان انتيوس يجبر كل الغرباء الذين يصلون إلى بلاده على المصارعة معه بشرط أن يقتلهم إذا هزمهم،  وهو ما كان يحدث عادة.  وعندما لقيه هرقل وصارعه وجد انه غير قادر على التغلب عليه لأنه كان كلما أسقطه أرضا  نهض انتيوس من سقطته انشط مما كان.  ولذلك فقد رفعه هرقل عن الأرض وخنقه وهو معلق في الهواء.

أما آخر المهام التي تم تكليفه بها فقد كانت إحضار الكلب ذي الرؤوس الثلاثة  حارس عالم الموتى في باطن الأرض. وهبط هرقل إلى هاديس وبصحبته أخيه الإله هرمس رسول الآلهة وأخته الإلهة أثينا. وطلب من الإله هاديس أن يسمح له بحمل الكلب سيبيريس إلى سطح الأرض. وقد سمح له بذلك الإله هاديس بشرط ألا يستعمل أي سلاح في محاولته. وعلى الرغم من المقاومة الشديدة التي أبداها الوحش فقد امسك به هرقل وثبته وحمله إلى عمه يوريسثيوس ثم أعاده إلى مقره مرة أخرى. وبينما كان هناك طلب من الإله هاديس إطلاق سراح البطل ثيسيوس الذي كان قد قبض عليه مع صديقه بيريثيوس عاشق زوجة الإله هاديس والذي كان يعتزم اختطافها. وقد لبى الإله هاديس طلبه.

وذات مرة قتل هرقل صديقه ايفيتوس في نوبة جنون، فحكمت عليه الآلهة بان يعمل عبدا للملكة اومفالي لمدة ثلاث سنوات. ويظهر أن أخلاق البطل تغيرت تماما خلال تلك الفترة من النقيض إلى النقيض . فقد عاش حياة نسوية وكان يقضي وقته لابسا ثياب امرأة وهو يغزل الصوف مع خادمات اومفالي بينما كانت الملكة تلبس ثيابه المصنوعة من جلد الأسد. وبعد انتهاء فترة خدمته ذهب وتزوج من ديجانيرا وعاش معها في سلام وهدوء ثلاث سنوات أخرى . وفي إحدى المناسبات وبينما كان مسافرا مع زوجته وصل إلى نهر، وكان السنتور نيسوس يحمل المسافرين عبر النهر مقابل اجر. وعزم هرقل على عبور النهر بنفسه وسلم زوجته ديجانيرا إلى نيسوس ليعبر بها. ولكن نيسوس الذي أعجب بالمرأة حاول الهرب بها، فصرخت مستغيثة وسمع هرقل صراخها فالتفت وأطلق عليه سهما أصابه في قلبه. وبينما كان يموت، طلب السنتور من ديجانيرا ان تأخذ جزا من دمه الذي لا يتجمد وتحتفظ به لان فيه خاصية سحرية يمكن أن تعيد إليها حب زوجها إذا احتاجت إلى ذلك.

وقد فعلت ديجانيرا ما أشار به عليها ، ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى احتاجت لاستعماله. ذلك أن هرقل في إحدى غزواته اسر فتاة جميلة تدعى ايولي وتعلق بها تعلقا لم ترض عنه ديجانيرا. وفي أحد الأيام عندما كان هرقل على وشك أن يقرب قربانا إلى الآلهة بمناسبة أحد انتصاراته ، أرسل إلى زوجته يطلب منها رداء ابيض ليرتديه في المناسبة. وقد ظنت ديجانيرا أن الفرصة مناسبة لاستعمال سحر دماء نيسوس فغمست الرداء في الدم ثم غسلته وأرسلته إليه. وقد بقيت قوة السحر المزعوم في الرداء على الرغم من غسله، وذلك أنه ما أن شاعت في الرداء الحرارة من جسد هرقل حتى كان السم قد تسرب من خلال مفاصله كلها وسبب له ألما لا يطاق. وخلال معاناته تلك امسك بليكاس الذي احضر له الرداء القاتل ورماه في البحر. وامسك بالرداء ليخلعه، ولكن الرداء التصق بلحمه فانتزع هرقل الرداء ومعه قطع من جسده. وتم حمله وهو على هذه الحال إلى سفينة أعادته إلى منزله. وما أن شاهدت ديجانيرا نتائج فعلتها حتى شنقت نفسها أسفا. واستعد هرقل للموت فأمر أن يحمل إلى جبل ايتا حيث كان قد بنى لنفسه ضريحا جنائزيا من كومة من الأشجار. وهناك أعطى قوسه وسهامه إلى صديقه الرامي فيلوسيتيس، ثم استلقى على الضريح واضعا رأسه على هراوته، وقد تغطى بجلد الأسد. ثم طلب من صديقه فيلوسيتيس بوقار وهدوء كما لو كان يؤدي طقسا احتفاليا بأن يشعل النار في الخشب.

 
















الفصل الرابع
الشعر الغربي يحتفي بالأساطير
 
نماذج من توظيف الأسطورة في الشعر الغربي

وقد أشار الشاعر الإنجليزي كيتس إلى قصة هاياسينثس في إنديمون فقال:




"أو يمكنهم مشاهدة مباراة رمي الحلقات
من على جانبي الملعب
وهم يرثون الميتة الحزينة لهاياسينثس
عندما قتلته أنفاس زفير الخبيثة
أنفاس زفير النادم"


 
يتناول الشاعر الإنجليزي سبينسر قصة آراشني في ديوانه مويوبوتموس وفي المقطعين الشعريين التاليين يقص الشاعر الأحداث التي تلت قيام الإلهة أثنيا بإهداء شجرة الزيتون للبشر.

"وبين تلك الأوراق خلقت فراشة،
محكمة كانت ومدهشة التمويه،
ترفرف بين أشجار الزيتون في مرح طائش،
عارضة حياتها كلها أمام الأعين الناظرة؛
أجنحة القطيفة الحريرية ،
التي سطرت عليها كذبها البريء،
قرونها الممتدة وأفخاذها المغطاة بالشعر،
وألوانها الرائعة وعيونها المتألقة".

وفي مقطع آخر يصف لحظة وقوع بصر أراشني على إيروس النائم عندما تسبب إرتباكها في إحراق كتفه بزيت المصباح المشتعل:

"وعندما رأته أراشني غافيا،
ذلك النادر مثيله بين البشر،
تجمدت دهشة عيناها وهي تلتهم جماله،


وحين ثبت نظرته السريعة عليها،
رد صمتها على غضبه،
نصرها الرخيص كان سهماً أصابها،
وأنتج حنقه عجلتها التي أحرقته،
عندئذ أصبح حقده سماً في شرايينها".

 
أما جاريك فقد كتب النموذج التالي للشعر القديم واضعاً اللوم على أراشني في إزعاجها سيدها وتحول سعادتها إلى إهانة لم تكن الآلهة سبباً فيها:

"عندما يرسم الشعراء أراشني
يخبرون عن فتاة من الفانين
راحت ضحية كبرياء جريحة
لإلهة مهزومة

"فاحذر يا قدر أراشني؛
وتعقل في سيرك،
فأنت لابد مقابل حقدها،
تلك التي تكره فنها وذكاءها".


 
وقد ذكر الشاعر شيلي في قصيدته أدونيس بعض مشاهد قصة أكتايون فقال:

"جاء إلى أنداده بشكله الغريب
شبحاً بين الرجال بلا رفيق،
وكآخر سحابة في عاصفة تتلاشى،
تلك التي يحمل رعدها النذير،
فهو أيضاً كما أتصور
حدق في جمال الطبيعة العاري،
ومثلها فر أكتايون، هارباً متنكباً الطريق".


 
الشاعر الأمريكي هنري وادسورث من القرن التاسع عشر في "أغاني الراح " يصف موكب باخوس هكذا:

" آلهة الغابات والحقول تتبع باخوس الشاب؛
وآيفي تتوّج ذلك الحاجب العظيم
كجبين أبولو،
ذي الشباب السرمدي."

    "محاطا بالباخوسيين الحسان،
عازفي الصنوج والمزامير والناي.
ومن البساتين الناكسية في زانت
تهذي الكروم البرية بالأشعار ".


 
وهناك تلميح إلى قصّة باخوس والملاحين في ( كوموس) للشاعر الإنجليزي جون  ميلتون                


" باخوس ذلك النتاج الأول للعنب الإرجواني
مزج إكسير النبيذ الحلو ليستعمله في المساء،
وبعد أن مسخ الملاحين التوسكان،
حاذى الشاطىء التيراني عندما خفت الريح،
وعند جزيرة سيرسة سقط؛
(من الذي ليس يعرف سيرسة، إبنة الشّمس؟
التي يفقد سحر كأسهامن ذاقه شكله،
فيغدو ذليلا في إهاب خنزير)."


 
يقول الشاعر الإنجليزي جون ميلتون، في كوموس، " ملمّحا إلى أسطورة بيرسيوس:

" ماذا كان ذلك الجورجون ذو الرأس الأفعوانية
ذلك الدّرع الذي لبسته مينيرفا الحكيمه ، العذراء التي لا تقهر،
تجمد به خصومها حجارة صلدة
لكن النظرات المتصلّبة للصّرامة العفيفة،
والنبل السخي أغرقت القسوة العنيفة
في الإعجاب المفاجئ والرّهبة الفارغة! "





 
أماآرمسترونغ، شاعر " فن حفظ الصّحة"  فيصف تأثير الصّقيع على المياه هكذا:


"الآن ينفخ الشّمال الفظّ ليبث البرد خلال
السهوب المتيبسة،
وبسّحره الأقوى
من سحر سيرسة أوالجلد الذي خمّرته ميدي ،
يجعل السواقي التي اعتادت أن تثرثر إلى مصارفها
تستلقي جامدة كالأوتاد بين المصارف،
وحتى القصبات الذّابلة
لاتبدي حراكا.
السّيول العنيفة من الشمال الشرقي،
أطاحت بطحال المشاكس رؤوسهم الغاضبة،
وحولت زبد جنونهم كله إلى نصب ثلجي.




 
مثل هذا الأداء،
الصارم ، المفاجئ، فاق في مظهره المريع
أداء ميدوزا الفظيعة،
عندما تتجوّل خلال الغابة حولت
مستأجريهم الوحشيين إلى حجاره؛
كأسد هائج وثب غاضبا على فريسته،
قوتها الأسرع فاقت إستعجاله،
وثبّته في ذلك الموقف العنيف
مثالا على الهياج... من رخام!




 
والتّلميح التّالي إلى بيرسيوس للشاعر ميلمان في (سامور):

" في وسط الزّفاف اللّيبي الملفّق
وقف بيرسيوس في هدوء الغضب الصّارم ،
نصف واقف، نصف عائم على ريش كاحله
متورم المظهر، بينما الوجه السّاطع على درعه
مسخ الشّجار المهتاج حجارة؛ ولذاك نهض.
بدون أسلحة سحرية، في ثيابه وحدها
مريعا بسيطرة نظرته القويّة،
صلابة البريطاني ؛ في سطوته الصّاعدة
التي رحلت للخارج،
وقاعة الشجار كان يلفها الصمت ."

 
وقد قام الشاعر الإنجليزي اللورد بايرون بإسقاط مأساة الملكة نيوب على روما التي فقدت أمجادها فكتب يقول:



" نيوب الملكه! هناك تقف،
ثكلى وبلا تاج في بلائها الصامت؛
وفي يديها الذّابلتين جرّة فارغة ،
الرماد المقدّس بعثر منذ عهد بعيد؛
لايحتوي القبر رماد  سيبيوس الآن:
قبور مقفرة من سكانها الأبطال
تكذب نفسها
تدفق، يا نهر التيبر القديم!
خلال الرخام المقفر؟
إنهض بامواجك الصفر، وغطّ كآبتها. "


 
 الشاعر الإنجليزي جون دريدان يشير إلى طائر الفينيق في إحدى قصائده المبكرة قائلاً:

"عندما يبدو الفينيق الجديد للعيان
تحيي ذوات الريش ملكتها بامتنان

وبينما تتجه صوب المشرق في دأب
من كل أيكة تنضم الطيور إلى الموكب

وحين يتغنى بأمجادها كل شاعر من شعراء السماء
تتجاوب الأجنحة المصفقة مع ذاك الغناء."

 
أما معاصره الشاعر الإنجليزي جون ميلتون فيقارن في الجزء الخامس من كتابه الفردوس المفقود بين الملاك رافائيل المتجه إلى الأرض بطائر الفينيق فيقول:



"موغلاً نحو الأرض في إنحداره
مسرعاً عبر أثير السماء
مستعيناً بأجنحته في إبحاره
بين العوالم."



 
الشاعر اللورد جورج جوردون نويل (بيرون)، من القرن التاسع عشر، في وصفه لمدينة فينيسيا، التي بنيت على جزيرة منخفضة في البحر الأدرياتيكي، يستعير من أسطورة سيبيل (ريا):




"مظهرها البحري ـ سيبيل،
المنبعثة للتو من المحيط
في إطلالة ملكية، تظهرفي السماء
 متمردة، بتاجها الفخور ذي الأبراج
حاكمة المياه وقواها".
.



 
ويلمّح الشاعر الآيرلندي توماس مور من القرن 19 في  " قوافي على الطّريق، "  إلى قصّة أطلنطا وهيبومينيس هكذا:




" حتى هنا، في منطقة العجائب هذه ،
 أجدالهوى الخفيف الحركة،
 يمعن في ابتعاده، متجاوزا الحقيقة.
أو على الأقل، مثل هيبومينيس،
يضيع دورها بالأوهام الذّهبية؛
التي يلقيها في طريقها. "


 
ويصف الشاعر الفيكتوري من القرن التاسع عشر اللورد ألفريد يتنيسون لوحة تصور أسطورة جانيميد بالمقطع الشعري التالي:





"وهناك أيضاً كان جانيميد،
محمر الوجه
وعجزه الوردي ملتصق،
بالنسر بين القدمين.
وكالشهاب طار خلال السماء،
فوق المدينة ذات الاعمدة."


 
أما الشاعر الإنجليزي شيلي فوصف في قصيدته (بروميثيوس) الإله زيوس وهو ينادي ساقيه جانميد فيقول:



"صب لي نبيذ السماء يا جانيميد الأيدي
وأملأ بها الكؤوس البديعة ناراً"
 
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف