الأخبار
2019/7/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الحكاية الشعبية بقلم :سالم دمدوم

تاريخ النشر : 2013-12-18
الحكاية الشعبية
بقلم :
سالم دمدوم بتاريخ 16 فيفري 2013

الحكاية الشعبية تعدّ جزءاً من موروثنا الشعبي، وخلاصة إفرازات لتفاعلات الناس مع ظروف الحياة التي عاشها الإنسان . حيث كانت هذه الحكايات ، إحدى الدعائم المهمة في صقل شخصية الطفل ، فقد كانت كل قصة تهدف إلى قيمة يتم غرسها في نفوس الأبناء ، ليصيروا رجالا قادرين على تحمل المسؤولية ومجابهة ظروف الحياة المتغيرة ، وكذلك إعداد نساء يعتمد عليهن في بناء الأسرة المستقبلية ضمن التحديات الاجتماعية ، والاقتصادية المختلفة .
والحكاية الشعبية هي تلك التي تناقلها الناس عن طريق الرواية الشفوية منذ القدم ، ويؤثر الخيال الشعبي تأثيراً كبيراً في صياغتها ، وفي تطاير بعض الأحداث التاريخية والشخصيات ، بالمبالغة والغرائيّبية ، وتأتي الحكاية الخرافية في الإطار نفسه ، وإن تميزت عن الحكايات الشعبية بان أبطالها هم من البشر أو الجن ، بينما تقف الحكاية الشعبية عند حدود الحياة اليومية والأمور الدنيوية العادية ، كمكر النساء ، ومكائد زوجات الرجل الواحد ، وقسوة زوجة الأب على الطفلة المسكينة التي تتدخل العناية الإلهية لإنقاذها ، وتتداخل الحدود بين الخرافة والحكاية الشعبية .
فهي حينئذ نتاج فكري ، أنتجته الشعوب عبر تاريخها الطويل ، وأودعت به أروع قصصها ، وجل ما مرّ بها من أحداث وحكايات ، فجاءت لتعكس خلاصة تجاربها ، وتعطي صورة نابضة حية ، عن واقع الأمة عبر مراحل تاريخها الطويل ..

تأخذنا الحكاية ، باعتبارها أثرا أدبيا كما تقول جوليا كريستيفا ، إلى حافة الوجود ، حيث تدعو مشاهدها المتخيلة ، القارئ أو السامع ، إلى أن يصبح مسافرا مملوءا بالدهشة ، بما فيها من مشاهد عجيبة ، تذكي الخيال وتحرك السؤال. لكن هذه المشاهد العجيبة التي تبهر العين والفكر، قد تنفتح أيضا على عالم مظلم مليء بالرعب واليأس والأدب ، كالحلم لا يمكن التحكم فيه ، وهو يمزق تمسكنا الخاص بعالم الخبرة العادية أو يوقفه.
ويقول الكاتب البوسني إيفو اندريتش :
تنسج الحكايات حول مصير الإنسان ، و يتناقلها الناس عبر القرون ، وإلى ما لا نهاية ، دون انقطاع ، بألف لغة ولغة . في ظروف حياتية متنوعة ومتغيرة إلى الحد الأقصى . يتبدل أسلوب وشكل روايتها مع الزمن ، لكن الحاجة إلى الحكاية وإلى سردها تبقى أزلية . فالحكاية تنساب كالماء الجاري ، وسردها لا يعرف الحدود وهكذا يبدو لنا أحيانا ، إن البشرية منذ ومضة وعيها الأولى ، تتداول عبر القرون نفس الحكاية بمليون شكل مختلف ، على إيقاع نفس الرئة ونبضات القلب ، وكأن هذه الحكايات ، تصبو إلى ما كانت تصبو إليه شهرزاد الأسطورية ، وهو خداع الجلاد و تسويف حلول المأساة الحتمية التي تتهددنا ، و محاولة التوهم بالحياة والديمومة ...
ولعل هاجس القص لا يقل إلحاحا عن الرغبة في الاستماع ، فالمتعة التي يعيشها السارد ، لا تقل أبدا عن المتعة التي يعيشها المتلقي ، ذلك لأن السارد والمتلقي معا يعيدان صياغة الحياة التي يشتهيانها . ولم يكن هاجس القص هذا ليولد عرضا في نزعات الإنسان الأولى ، فقد كان سبيلا للتواصل مع غيره من جهة ، ووسيلة لفهم ما يحيط به وتفسيره .
" لعل في الحكايات الشفوية أو المكتوبة ، يكمن تاريخ البشرية الحقيقي ، وربما كان بإمكاننا أن نقف من خلالها على فحوى هذا التاريخ أو التكهن به على اقل تقدير ، وذلك بصرف النظر عما إذا كانت هذه الحكايات ، تعالج الحاضر أو الماضي
وترتبط الحكايات الشعبية عادة بالجدات، اللاتي تميزن بأسلوب رواية القصص المسلية والمثيرة ، التي لا تخلو من التناقضات والأحداث غير المترابطة أحياناً، إلا أن الأطفال كانوا يجدون في تلك الحكايات ، وسيلة للمتعة والتسلية، وتعتمد الجدات في الحكايات على الأمثال والحكم الشعبية التي يراد بها إيصال مفاهيم ومبادئ مرتكزة على الأخلاق الحميدة والفضائل
غير إن بعض الحكايات الخيالية التي تقصها الجدات ، وتحديدا تلك المرتبطة بأسلوب التخويف والتهديد ، قد تترك أثراً سلبياً في نفوس الأبناء. حيث تعتمد بعض الجدات ، على التركيز في الحكايات على مضامين تربوية سلبية ، وإبرازها دون توضيح أو تهذيب ، ما يشكل عاملاً سلبياً في تربية النشء ، خصوصاً أن المعلومات والأحداث المكونة للقصة ، قد تؤثر في التكوين العقلي والخلقي للمتلقي وفي خياله وسلوكه العام. وحينئذ فالحكاية لها خطر كبير ينبغي أن نتفطن له عندما نوجهها للأطفال .وهي تدخل في أغلب فروع المعارف الإنسانية ، تكون أساسا لرواية أو مسرحية ، أو قصيدة شعرية رائعة ، وتكون وسيلة تربوية تحوي ضروبا من الدروس والأفكار ، يستغلها المربون لتنوير عقول المتعلمين وصقل مداركهم والارتقاء بها إلى النضج ،وغرس مبادئ الفضيلة والنخوة وحب الوطن ، وتكون عبرة يعتبر بها الأذكياء ، وفلسفة لها أطروحات سياسية واجتماعية، فتكون نقدا لاذعا للسياسيين وأنظمة الحكم ، كما تكون تشهيرا بالخصوم برمزيتها وأسلوبها المخاتل ...
ولذلك حين نتأمل الدراسات المتعلقة بالحكاية الشعبية ، نجدها متأرجحة بين حقول معرفية مختلفة . فهي تارة تدرس باعتبارها أدبا ، يتناولها المتخصصون في الدراسات الأدبية ، وتارة تدرس من طرف المختصين بالدراسات الأنثربوليجية ، وأحيانا أخرى نجدها محل بحث من طرف علماء الاجتماع . وهذا يدل على أنها مبحثا ملتبسا ، شان أغلب المنجزات السردية الأخرى ، مثل الرواية والأسطورة والقصة والأقصوصة ، ولعل ذلك ما أشارت إليه النظرية النقدية المعاصرة ، وسماه النقاد والباحثون من أمثال تزفتيان تورد وف ، وجينيت جرار ورولان بارت بتداخل الأنواع السردية
تعد الحكايات الشّعبيّة بأشكالها المختلفة ، من أهم مصادر التراث الشعبي، والتاريخ الشفهي، بما يرد فيها من أحداث تلاشى تاريخها بسبب التحريف والتشويق والمبالغة، وبقيت القيم والمعطيات الثقافية المعرفية التي تتضمنها، وهي معطيات تربوية ، ونفسية ، وتاريخية، واجتماعية، متعددة ومركبة ، ومن خلالها يمكن معرفة الظروف الاجتماعية، وحياة الناس في: القحط، والرخاء ، تاريخ شفهي للجماعات.
والحكاية قصة ليس لها مؤلف معروف وإلا خرجت عن إطار تصنيفها في التراث الثقافي غير المادي، وعلاقتها بالإبداع تتجلى بصيغ متعددة ، منها ما يصوغه الراوي من وصف وإضافة وعناصر تشويق ، مما لا يغير من السياق العام للسرد الحكائي ، ومنها ما تتركه لدى المستمع وتثيره من انفعالات وجدانية،
يتجلى هذا الدور لدى الجدّات اللواتي كنّ يسردن الحكاية والأحفاد يسرحون في خيالاتهم، ويتقمّصون أبطال الحكاية ، خاصة عندما تعمد الجدّة الراوية إلى تسمية أبطال الحكاية طبقا لأسمائهم ، إن الأطفال يملكون خيالاً تصورياً هم بحاجة إلى تنميته وتوجيهه واستثماره ، بدلاً من تحطيمه عن طريق تقديم بيانات جاهزة لعقل الطفل تجعل تفكيره التصوري الناشئ ، يتراجع ويضمر أو يقف مؤجلاً ، لقد كان إلحاح الأطفال على الجدات لسرد الحكايات والاستفسار عن بعض التفاصيل أو حتى إعادة الحكاية عدّة مرّات ، له أهميته العقلية واللغوية والحوارية.
كما إن الحكاية الشعبية شكلت الركيزة الأساسية لبناء القصة الأدبية والرواية ، لما تملكه من جماليات الصوغ الفني من جهة ، والقدرة على الوصف والتصوير والحبك الدرامي ، فهي تمتاز بمقدمة، ومشكلة، أو مشكلات وحلول، مما مهّد لظهور الأدب القصصي بالتوازي معها وليس على أنقاضها بدليل استمرارها وعدم انزياحها لصالح القصة والرواية .
يرى الدكتور: أحمد زياد محبك من جامعة حلب أن (الحكاية تقدم قصة ذات بداية ونهاية، متكاملة، وتمتاز بالتماسك وقوة الحبك والبناء، وهي تعتمد على حوادث كبيرة فاصلة، وغالباً ما تكون غريبة ونادرة، وهي حوادث كثيرة وكبيرة، وليس فيها شيء من الوقوف على الحوادث الصغيرة والتفصيلات، أو شيء من الاهتمام بالمواقف النفسية والانفعالات
وإنّ صلابة القوانين الشكلية للحكايات وضيق إطارها هو سرّ قوتها وبقاءها، ولمّا كانت التركيبات الشّفهيّة في الحكاية الشّعبيّة هي شكل من أشكال التعبير الأدبي مصاغ بطريقة فنية خاصة، فإنها تفتح مجالات واسعة لدراسات مقارنة شيقة بين حكايات الشعوب، فالبنية الحدثية للحكايات متشابهة في كل الحضارات
علاقة الحكاية بالتراث
حين نتحدث عن الحكاية ، نجد أنفسنا بالضرورة في صلب الحديث عن التراث .
فهي والأسطورة والأمثال والألغاز والشعر الشعبي والقصة ، والعادات والتقاليد من صميم الموروث الشعبي ، فهي والحالة هذه كالشجرة التي تحجب الغابة ، فإذا تسلقنا الشجرة تبدت لنا أبعاد الغابة بأكملها وهذه الغابة هي التراث نفسه ، فما هو التراث .؟
سؤال ما هو التراث من الأسئلة الحرجة ، التي واجهت النظم الفكرية والمعرفية على اختلاف مكوناتها ومرجعياتها الفلسفية والاجتماعية . ذلك إن هذا السؤال بات متصلا ومتفاعلا مع سؤال المعاصرة والحداثة. وصار التراث قيمة مرجعية للأمم . ولذلك نجد له كثيرا من التعريفات. لا تتيح هذه المناسبة استعراضها جميعا. ويمكن الخروج منها بما يشبه تعريفا عاما على الوجه الآتي :
هو كل ما ينتقل من عادات ، وتقاليد ، وعلوم ، وآداب ونحوها ، من جيل إلى جيل. فيشمل كل الفنون والمأثورات ، من شعر وغناء وموسيقى ورقص وقصص وحكايات وأساطير ومعتقدات وأمثال تجري على ألسنة العامة من الناس . وعادات وتقاليد يمارسها المجتمع في أفراحه وأتراحه .
ثقافة كاملة نتجت عن تفاعلات جدلية ، حدثت داخل المجتمع من جهة ، وبينه وبين المجتمعات الأخرى التي احتك بها ، وتماس معها ، بشتى ضروب التماس .
فإذا عدنا إلى الحكاية موضوع هذه المداخلة المتواضعة وجدناها ملتبسة مع الأسطورة والخرافة ، وصار من الأكيد محاولة التفريق بينهما ،
إذا بحثنا عن تعريف الحكاية لبيان هذه الفروق نجد أن الباحثين في التراث لا يتفقون حولها وعلينا أن نقدم تعريفا ملنا إليه بالضرورة :
1 الخرافة
حديث مستملح مكذوب ولعل ذلك ما يشير إليه المثل السائر " حديث خرافة . حيث ذكر ابن الكلبي في قولهم حديث خرافة أن خرافة رجل من بني عذرة أو من جهينة، اختطفته الجن ثم رجع إلى قومه فكان يحدث بأحاديث مما رأى يعجب منها الناس، وهي غالبا ما تشتمل على مدى جغرافي محدود، قرية أو غابة . تشتمل على متعة متجددة لا تنتهي في كل مرة تحكى أو تقرأ . بينما الأسطورة تمتد عبر مدى جغرافي فسيح ، وقد تحيط بالعالم كله بل قد تشتمل على عوالم مختلفة _ عالم البشر وعالم الآلهة . عالم الأحياء وعالم الأموات - و تكون لها قراءات مختلفة ، وتفسيرات متنوعة
.
2 الأسطورة :
يعرفها البعض بأنها شائعة أصبحت جزءا من تراث الشعب الشفهي . بينما البعض يراها حكاية ذات أحداث عجيبة خارقة للعادة غير أنه في سياق الفهم الحديث للأسطورة كما تناولتها المدارس النقدية الحديثة لم تعد هي الحديث الوهمي الكاذب أو الباطل بل كشف الدرس الأنثروبولوجي ان الساطير والقصص هي الأدوات التي يتحدث بها المخيال المجتمعي عن رموزه التاسيسية ويكون من خلالها ذاته .وإذا كان القرآن الكريم قد استعمل كلمة ( اسطورة ) استعمالا سلبيا منذ الفترة المكية المبكرة ، فذلك لارتباطها بشخص النضر بن الحارث ، وقد كان النضر بن الحارث هذا من شياطين قريش أي من أذكيا ئها المتعلمين درس في الحيرة وبلاد فارس ، وحين جهر النبيئ بالدعوة إلى الإسلام كان النضر أشد قريش مباداة للرسول بالتكذيب والأذى وكان صاحب أحاديث ، أي أنه كان قاصا مولعا باكتتاب القصص والأساطير الجاهلية العربية والفارسية . يقول الطبري : انه " كان يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم " . ويقول أيضا إنه " تعلم فيها احاديث ملوك فرس ، وأحاديث رستم وأسفنديار " . ويضيف النيسابوري " إنه اشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم وأسفنديار " . والظاهر أن معرفته بالأساطير والقصص الفارسية والعربية القديمة شخعته على الاجتراء على تحدي الرسول . يقول ابن هشام نقلا عن ابن اسحاق : " كان إذا جلس الرسول مجلسا ذكر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله ، خلفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال : انا والله يامعشر قريش أحسن حديثا منه ، فهلم إلي فانا أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار ، ثم يقول : بماذا محمد أحسن حديثا مني ؟ . قال ابن هشام : وهو الذي قال في ما بلغني : سأنزل مثل ما أنزل الله . وقد نزلت في النضر بن الحارث ثمان آيات . وكل ما ذكر في القرآن من الأساطير فهو فيه . " وقد وردت عبارة أساطير الأولين في القرآن الكريم تسع مرات ، في ىيات مختلفة بعضها مكي وبعضها مدني : الأنعام والأنفال والنحل والمؤمنون والفرقان والنمل والأحقاف وال قلم و المطففون
3 الحكاية :
والحكاية في اللغة " : هي :" ما يقص من حادثة حقيقية أو خيالية كتابة أو شفاها ، وهي مصدر مشتق من الفعل حكى يحكي حكاية ، أي قص و روى ، والحكي هو الكلام ، والحكاية هي القصة المروية التي يتناقلها عامة الناس فيحكيها الكبير للصغير ، وتتناقلها الأجيال حتى تصبح موروثا شعبيا متعارفا عليه . الحكاية من المحاكاة والقصة من قص الأثر ، والسالفة والسالوفة وجمعها سوالف وسواليف من يسولف ،أي يروي الحديث عن الأمور والأحداث السالفة . ( )
و تعرف الموسوعة الحرة الحكاية بأنها القصة المروية والتي قد تستند إلى المخيلة بصورة أساسية وإلى بعض الحقائق في جوانبها فهي حينئذ كل ما يروى أو يقص من أحداث خيالية أو واقعية ، وهي في اللغة إيراد اللفظ المسموع بدون زيادة أو نقصان فيه . وهي أقدم من كل الموضوعات التي ابتدعها الخيال الشعبي ، تتجلى فيها حكمة الشعب ونتائج ممارساته ومعايشته للحياة ، هي خلاصة تحارب الأجيال مصاغة في قالب قصصي مشوق ، زاخر بالعبر والقيم النبيلة . وهي بدورها تنقسم إلى قسمين :
حكاية خرافية وهي نمط من أنماط القصص الشعبي يتدخل فيه عنصر خارق أو سحري يؤثر في تنامي الأحداث وتطورها .
حكاية شعبية وهي قصة من نسج الخيال الشعبي حول حدث مهم يستمتع الشعب بروايتها والاستماع إليها جيلا بعد جيل عن طريق الرواية الشفهية مما يرجح أخذ وقائعها مأخذ الصدق والحقيقة ومن ثم فالحكاية الشعبية تعبير موضوعي ، في حين أن الحكاية الخرافية تعبير ذاتي. والحكايات الشعبية موروث تراثي عتيق يرثه الخلف عن السلف ، وما من جيل إلا ويستمد الكثير من حكاياته من الجيل السابق عليه فيستمر التواصل بين الأجيال وتمتد جذور التراث عميقا في التاريخ لتصل عقول الأبناء بتراث الآباء والأجداد
الحكاية الشعبية وصراع الهوية:
تفطنت الشعوب مع بدايات القرن التاسع عشر إلى خطر الحكايات الشعبية ودورها المحوري في الحفاظ على الهوية القومية وحفظها من الذوبان والتلاشي أمام طفرة وسائل الإعلام ومحاولات دول عظمى طمس هويات الشعوب وإذابة خصوصياتها وتنميطها وإلغاء تاريخها ، حتى يسهل ابتلاعها .
يقول الباحث الأمريكي " جورج لافي ونسون " :
ليس أخطر على الشعب الأمريكي من أهزوجة أو حكاية هندية ، تتندر بها أم أمريكية . ليس أخطر على الشعب الأمريكي من تراث الهنود الحمر .!
من هذا المنطلق صارت مباحث التراث عموما ، والحكاية خصوصا مرتبطة بسؤال الهوية وأصبحت مدخلا خطيرا للبحث في ثقافة أي شعب من الشعوب ، وصار الاهتمام بها أكيدا . ففي بداية القرن التاسع عشر في سنة 1806 أقبل الأخوان " جاكوب وفلهلم الألمانيان على جمع ميئتي حكاية شعبية من مدينة كاسل الألمانية كان لبعضها صلة بألف ليلة وليلة ، وكليلة ودمنة ، وصارت تعرف بحكايات جريم الخرافية . من هذه الحكايات : الأقزام السبعة ، وذات الرداء الأحمر ، وسندرلا . ترجمت هذه القصص إلى 140لغة وهي حكايات جمعاها من النساء الألمانيات حيث كن يروينها لأطفالهن حول المدافئ في البيوت والأكواخ في ليالي الشتاء الطويلة . وكانت غايتهما من ذلك تأصيل الهوية الألمانية والحفاظ عليها من الذوبان . اعترفت الحكومة الألمانية بخطورة هذا الجهد الذي بذله الأخوان ، وما له من دور في تأصيل ثقافة الشعب الألماني فكرمتهما خير تكريم حيث أقامت متحفا للتراث باسمهما ، ووضعت صورتهما على أعلى ورقة نقدية ورقة ،الألف مارك .
أصل الحكايات الشعبية
إن تشابه الحكايات في بلدان بعيدة جغرافيا عن بعضها مختلفة الأجناس واللغات أعطى انطباعا بأن لهذه الحكايات أصلا انطلقت منه وتفرعت . غير أن كل البحوث التي تمكنا من الإطلاع عليها لم تتفق على أصول الحكايات الشعبية . فقد ذهب الأخوان جريم إلى إنها ذات أصول هندية آرية ولكن أغلب الباحثين في الموضوع رفضوا هذا الاتجاه ، وعللوا التشابه بينها ، بتشابه الظروف البيئية والمشاكل التي تواجه الناس في مختلف البلدان والأزمان . يقول الباحث " جوزيف بيلي ":
" إن كل حكاية أو نموذج لحكاية يمكن أن يؤلف ويعاد تأليفه من جديد ميئآت المرات ، في أزمنة وأمكنة مختلفة ، وإن التشابه الذي يلاحظ بين حكايات بلاد مختلفة ، ما هو إلا نتيجة لتشابه العوامل الخلاقة للعقل البشري "
وهذا التفسير وإن بدا مقنعا إلى حد ما فإنه يمثل هروبا من مسألة التأصيل في الحكاية الشعبية .ويرى أنه ليس مطلوبا من الحكاية الشعبية ، أن تكون ذات مرجعية تاريخية ، كما هو الحال في السيرة الشعبية ، فهي تقدم أبطالا خرافيين يمكن أن تنتجهم مخيلة أي شعب من الشعوب .
تشابه الحكايات الشعبية :
إن المتأمل في التراث الشعبي عموما يلحظ تشابها كبيرا بين مختلف الشعوب فقد صادف يوما أن شاهدت شريطا وثائقيا على أحد الفضائيات يتناول تقاليد الزفاف في التبت ، وأدهشني ان تلك التقاليد تكاد تكون نفس تقاليد الزفاف عندنا في الخمسينات ركز الشريط على لحظة انتقال الزوجة إلى بيت زوجها ، فإذا العروس باكية محتقنة الوجه والدموع تنهمر من عينيها كما هو حال عرائسنا في الخمسينات وما قبلها . ثم يركبونها على بغل ويمدون لها أواني بها الماء والأرز والحنطة فتنثره في جميع الجهات ، كما هو الحال عندنا !
كما أن الحكايات الشعبية عموما وعلى امتداد المعمورة نجد بينها تشابها كبيرا ففي كتاب الباحثة الأمازيغية عائشة بوسنينة " حكايات أمازيغية " مثلا نجد مثيلات لها بين حكاياتنا الشعبية مثل حكاية نونجة وعكشة ، وتقص حكاية الضرة التي تحتال على ضرتها فتحولها إلى بقرة . وهي حكاية من حكايات كيد الضرائر لبعضهن موجودة ضمن حكاياتنا في تونس .
كما أن تلك الحكاية التي كانت تقصها جداتنا عن ملك قرر أن يقتل كل الشيوخ والعجائز في مملكته لأنهم حسب رأيه أصبحوا حملا ثقيلا على الأمة وخلاصتها : إن أحد الأبناء لم ينفذ قرار الملك وأخفى أباه عن عيون الملك . وذات يوم قرر الملك أن يختبر ذكاء أهل مملكته فأختار بحيرة عميقة تتدلى فوقها أغصان شجرة كثيفة الأوراق وعلق بها جرة بكيفية تكون صورتها منعكسة على صفحة الماء ودعا رعيته إلى إخراج الجرة . حضر الابن الذي لم يقتل أباه وشاهد ما يجري حيث لم يستطع أحد وجود الجرة ، وعندما رجع إلى أبيه وقص عليه القصة ، قال له إن الجرة لابد أن تكون في الشجرة وخيالها منعكس في الماء . ومن الغد تقدم الشاب وحل اللغز .فطلب منه الملك أن يبن له كيف عرف الحل . خاف الشاب على حياته وحياة أبيه ولكن الملك أعطاه الأمان ، عند ذلك أعلمه أنه لم ينفذ أمره ولم يقتل أباه الشيخ ، وإن أباه هو الذي دله على مكان الجرة . عند ذلك عاد الملك إلى رشده وألغى أمره بقتل الشيوخ والعجائز .
هذه الحكاية ، توجد حكاية يابانية عنوانها جبل الدموع ، نفس الحكاية التي عرضت منذ حين خلاصتها . تتحدث الحكاية اليابانية عن حاكم قرر إن كل من له أم أو أب تجاوز الستين يجب أن يحمله إلى جبل الدموع وهو جبل شاهق بعيد ويتركه هناك حتى يموت ، غير أن شابا عز عليه ترك أمه للموت هناك فرجع بها وأخفاها على عيون الملك في دهليز تحت بيته . وبعد زمن جمع الملك الرعية وقال لهم : من لا يأتيني بحبل مظفور من رماد سوف يتعرض لزيادة الضرائب ومصادرة جزء من أرضه . رجع الكل حائرا مفكرا في المصيبة التي حلت بهم . ولما حكى الشاب لأمه الحكاية ، قالت له إن ذلك أمر ممكن وطلبت منه أن يأتي بحبل من القنب ويضعه على صفيح ويشعل تحته النار حتى يصير رمادا . ومن الغد حمل الولد حبل الرماد إلى الحاكم المتجبر . ولما سأله : من دله على هذه الحيلة ؟ خاف خوفا شديدا على أمه وعلى نفسه ولكنه فضل الصدق ، وأخبر بالحقيقة . عند ذلك تفطن الملك لمدى جهله وألغى هذا القانون الجائر .
التقاء الحكايات رغم تباعد رواتها
سنعمد الآن إلى عرض حكايتين واحدة من تراث الهنود الحمر والأخرى من حكاياتنا التونسية ونحاول المقارنة بينهما .
* حكاية الجاموس وفأر الحقل= حكاية شعبية من حكايات الهنود الحمر :
" ذات زمان بينما كان الفأر يجمع الحبوب لفصل الشتاء ، اقترب منه جاره الجاموس وراح يرعى ، لم يكن ذلك ليروق للفأر الصغير لأنه يعلم أن الجاموس سيقتلع الأعشاب الطويلة بلسانه المنجلي ، ولن يبقي له مكانا يختبئ فيه . هكذا قرر الفأر أن ينازل الجاموس في معركة كما يفعل بنو البشر !
" هيا يا صديقي الجاموس إني أتحداك وأدعوك للنزال " قالها الفأر بصوته الصائي لم يكترث الجاموس ، وضن الأمر كله مزاحا . وبغضب شديد ردد الفأر تحديه ، فيما ظل الجاموس يلهم الأعشاب بهدوء
عندها ضحك الفأر الصغير ، بسعادة المنتصر بتحديه ، فالتفت إليه الجاموس وأجاب باستهتار :
خير لك أن تخرس أيها الصغير أو آتيك فأدوس عليك ولا يبقى منك أثر . قال الفأر : لا .. لن تستطيع . هيا . هيا إذا كنت تستطيع
عندها هجم الجاموس على الفأر ، كان يخبط العشب بجنون ويشق الأرض بحوافره الأمامية . ولما توقف نظر حواليه فلم يعثر للفأر عن أثر ، فقال : لقد أنذرتك بأني سأطحنك فلا يبقى منك أثر
في تلك اللحظة أحس الجاموس بخربشة شديدة في أذنه اليمنى ، فنفض رأسه بأقصى ما يستطيع ، وهز أذنه إلى الأمام وإلى الوراء . كان القضم في أذن الجاموس يشتد عمقا ويزداد إيلاما إلى أن طار صوابه فصار يدك العشب بحوافره ويفلح الأرض بقرنيه ، ثم بدأ يخور خوارا جنونيا ويركض بأقصى سرعته قدما ثم في حركة دائرية إلى أن توقف أخيرا وصار يرتجف .
عند ذلك قفز الفار من أذنه وقال له : هل تعترف الآن بأنني أنا السيد ؟
شخر الجاموس وهو يقول : لا ، ثم هجم عليه من جديد يريد أن يدوسه تحت حوافره . لكن صديقنا الفأر اختفى . وفجأة أحس به الجاموس داخل أذنه الثانية ! فجن من الألم وانطلق من جديد يذرع البرية ويجمح في الهواء حتى سقط ميتا ...
* حكاية تونسية بعنوان القبرة والثور
يحكى إن عصفورة كان لها فراخ في عش بين الأعشاب وذات يوم داهمها ثور فدهس عشها وقتل صغارها فأرادت أن تنتقم لفراخها . طارت فوقه ونقرته ولكن لم تؤثر فيه فذهبت تشكو لكل ذات جناح وتطلب العون ، حتى جاءت للذباب فقال لها كلفي من يجرحه في مكان لا يصل إليه ذيله ونحن نتكفل لك بقتله إن شاء الله . فذهبت إلى النسر ، وطلبت منه إنجاز المهمة ، فرق لحالها وذهب إلى الثور وجرحه جرحا عميقا في غاربه . عند ذلك جاءت أسراب الذباب إلى الجرح وراحت تعفنه بلعابها وبرازها حتى تكاثرت فيه الجراثيم فتعفن وقضى على الثور .
قراءة في الحكايتين
واضح أن الحكايتين تعالجان موضوع جبروت القوة وأن الضعيف يستطيع هزيمة القوي إذا عرف كيف يستغل نقاط الضعف فيه . غير إن معالجة الموضوع اختلفت بين الحكايتين .ففي الحكاية الهندية ، نرى أن الضعيف قد عرف نقاط الضعف التي يستطيع بها قهر الخصم والتي يستطيع استغلالها بدون أن يتعرض للخطر فلم يجد انسب مكان له من الأذن فهي توفر له حماية كافية من قوة الثور ومكانا مناسبا للعمل المباشر ضد خصمه وهكذا استطاع الفأر الصغير الضعيف هزيمة الجاموس بكل جبروته وقوته . من الملاحظ أيضا أن الفأر في الحكاية الهندية اعتمد على نفسه ولم يطلب العون من أحد بينما نرى العصفورة في الحكاية التونسية رسخت معنى التعاون بين أفراد القبيلة الواحدة ، وهي هنا ذوات الأجنحة كلها . وتدرج العمل ضد الثور المتغطرس من العمل الفكري إلى المقاومة المادية السريعة إلى العمل البطيء والمتواصل حتى الوصول إلى الهدف ، كما نلاحظ أن اضعف ذوات الأجنحة هي التي كتبت السطر الأخير في هزيمة الثور .
تفاعلات الحكاية :
تعتبر الحكايات رصيدا ثريا للأدب على اختلاف أنواعه فقد أظهرت الدراسات الأدبية أن أغلب المنجزات الإبداعية في السرد خاصة ، انبعثت عن حكايات شعبية و يكاد يجمع الباحثون على إن أصل الرواية ، هو الأساطير والحكايات الشعبية وإذا كان المختصون في الميثولوجيا ، والديانات، والأدب المقارن ، يتفقون على أنه كلما توغلنا في ماضي الجماعات البشرية، فإن الحكايات تضل حاضرة، وأنها تعرض تماثلات ونماذج في كل عصر من العصور ملفتة للنظر، شكلا ومضمونا ، ترانا قريبين من اعتبار الرواية كانت كامنة في الحكايات و الأساطير وتماثلاتها المختلفة، بل لعلها مجرد تحولات لتلك الأساطير، وبناء حبكة جديدة لها ولنأخذ كمثال على ذلك المسرحية الشهيرة " تاجر البندقية " لوليام شكسبير .
يقول خليل مطران في مقدمة تعريبه لهذه المسرحية الرائعة ما يلي :
أصل هذه القصة أحدوثة ، وما أصغرها من أحدوثة ، جرت في إيطاليا وتناقلتها عنها سائر الأمم . خلاصتها : أن فتاة ذات مال وافر وجمال باهر ، وعقل كالكوكب الزاهر مات عنها أبوها ، فخطبها ملك مراكش وأمير أراقون من جملة النبهاء ممن خطبها . ولكنها مالت إلى شاب رقيق الحال من مسقط رأسها وبني جلدتها ، استدان المال الذي أنفقه في الزلفى إليها بضمان صديق له فقير مثله رهن لليهودي الذي أقرض ذلك المال رطلا من لحم صدره . فاستخارت الفتاة الله في مستقبلها ، وناطت أمرها بثلاث صناديق ، ذهبي وفضي ورصاصي . وضعت في الأول منها جمجمة ميت ، وفي الثاني رأس هزأة أبله ، وفي الثلث رسمها ، فمن اختار من الخطاب الصندوق الذي فيه رسمها أصبحت له حليلة . وقد جاء في هذه الحكاية ما يجيء عادة في كل حكاية من أمثالها : إن حبيب الفتاة هو الذي ألهم الصواب ، ففرحت به ، واحتالت لإنقاذ صديقه من تبعة ضمانه لليهودي بأن تنكرت بزي عالم قانوني ، وقضت على شيلوخ المرابي . طالع شكسبير هذه الحكاية ، فما أجالها في فكره المبتدع ، حتى أحالها من خرافة تقصها العجائز على أحفادهن ، إلى رواية تمثيلية من أسمى الروائع التي جادت بها قرائح المبدعين في هذا الفن ...
كما نجدها الحكايات مبثوثة في أغلب شوامخ الأدب العالمي من الألياذة إلى ألف ليلة وليلة كما أن أقدم رواية في العالم وهي رواية " الحمار الذهبي أو التحولات " ما هي إلا حكايات متنوعة جمعها الكاتب لوكيوس أبوليوس في رواية مشوقة فيها الفكاهة والفلسفة والنقد الاجتماعي . وقد تختفي الحكاية وراء الأمثال ، بحيث تظهر الحكاية عندما نغوص في شرح المثل .
النهاية
بنقر دان في 11فيفري2013
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف