الأخبار
الفلاح الخيرية تتكفل باعادة ترميم غرفة شاب مقبل على الزواج تضررت بفعل القصفهيئة الأعمال الخيرية تسلم كفالات مالية بقيمة 235 ألف شيكل ل 452 يتيمافي ذكرى الاستقلال:عريقات يدعو دول العالم لتجسيد استقلال فلسطينالمحافظ البلوي واللواء الفارس يسلِمان مكرمة الرئيس للاشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصةسوريا: أسامة دنورة لميلودي: إغلاق تركيا الحدود مؤشر لعدم توافقها مع الإرهابيين وعلى قرب العمليةسوريا: مدير عام مؤسسة المياه والصرف الصحي بدمشق: خفض ساعات التقنين مرتبط بزيادة الإنتاجأبو عمرو يطالب الشعوب الإفريقية والآسيوية بتقديم كل أشكال الدعم لتعزيز صمود الفلسطينيينالشعبية: قرار الخارجية الأمريكية بحق العاروري استمرار لاستهداف محور المقاومة"الميزان" يستنكر القيود الجديدة على الصيادين بغزة ويطالب المجتمع الدولي بالتدخلانطلاق فعاليات الأسبوع العالمي للريادة 2018 في فلسطينجمعية المستهلك ومستشفى المطلع ينظمان يوما للكشف المبكر والفحوصات للسكريبيان جماهيري صادر عن مكتب التعبئة و التنظيم - إقليم لبنان بمناسبة الاستقلالمخاطر التهريب الجمركي والتهرب الضريبي وأثرهما على الخزينة والسوق الفلسطينية وسبل الحد منهماالاتحاد الأوروبي يختار المغربي الدوزي سفيرا للشباب العربيبلدية الخليل تعلن تشكيل غرفة الطوارئ استعداداً لمواجهة المنخفض الجوي
2018/11/15
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

أدب الدولة الأموية في المشرق بقلم:حسين علي الهنداوي

تاريخ النشر : 2013-12-11
أدب الدولة الأموية في المشرق بقلم:حسين علي الهنداوي
الأدب والنقد والحكمة العربية والإسلامية
في العصر الأموي

المجلد الخامس

حسين علي الهنداوي


يرصد ريع هذه الموسوعة لجمعية البر والخدمات الاجتماعية بدرعا

الموسوعة مسجلة في
مكتبة الأسد الوطنية // دمشق
في مكتبة الفهد الوطنية //الرياض
في مكتبة الإسكندرية // مصر العربية





حسين علي الهنداوي (صاحب الموسوعة)


ـ أديب و شاعر وقاص ومسرحي و ناقد و صحفي
له العديد من الدراسات الأدبية و الفكرية
نشر في العديد من الصحف العربية
- مدرس في جامعة دمشق ـ كلية التربية - فرع درعا
- ولد الأديب في سوريا – درعا عام 1955 م
- تلقى تعليمه الابتدائي و الإعدادي و الثانوي في مدينة درعا
- انتقل إلى جامعة دمشق كلية الآداب – قسم اللغة العربية و تخرج فيها عام 1983
- حائز على إجازة في اللغة العربية
ـ حائز على دبلوم تأهيل تربوي جامعة دمشق
- عمل محاضراً لمادة اللغة العربية في معهد إعداد المدرسي قسم اللغة العربية في مدينة درعا
- انتقل إلى التدريس في المملكة العربية الســـعودية عام (1994 /2000 ) في مدينتـــي عنيزة و تبوك 0
- عضو اتحاد الصحفيين العرب
- عضو اتحاد كتاب الانترنت العرب
- عضو تجمع القصة السورية
- عضو النادي الأدبي بتبوك
الصحف الورقية التي نشر فيها أعماله :
1- الكويت ( الرأي العام – الهدف – الوطن )
2- الإمارات العربية ( الخليج )
3- السعودية ( الرياض – المدينة – البلاد – عكاظ )
4- سوريا ( تشرين – الثورة – البعث – الأسبوع الأدبي )
المجلات الورقية التي نشر فيها أعماله :
1- مجلة المنتدى الإماراتية
2- مجلة الفيصــل السعودية
3- المجلة العربية السعودية
4- مجلة المنهـــل السعودية
5- مجلة الفرسان السعودية
6- مجلة أفنــــان السعودية
7- مجلة الســــفير المصريــــة
8- مجلة إلى الأمام الفلسطينية

مؤلفاته :
أ‌- الشعر :
1- هنا كان صوتي و عيناك يلتقيان/1990
2- هل كان علينا أن تشرق شمس ثبير/1994
3- أغنيات على أطلال الزمن المقهور /1994
4- سأغسل روحي بنفط الخليج /1996
5- المنشّى يسلم مفاتيح ايلياء/1996
6- هذه الشام لا تقولي كفانا / مخطوط

ب‌- القصة القصيرة :
شجرة التوت /1995
ج – المسرح :
1- محاكمة طيار /1996
2- درس في اللغة العربية /1997
3- عودة المتنبي / مخطوط
4- أمام المؤسسة الاستهلاكية / مخطوط
د – النقد الأدبي :
1- محاور الدراسة الأدبية 1993
2- النقد و الأدب /1994
3- مقدمتان لنظريتي النقد و الشعر / مخطوط
4ـ أسلمة الأدب
هـ - الدراسات الدينية :
1- الإسلام منهج و خلاص ـ الجزء الأول
2- الإسلام منهج و خلاص ـ الجزء الثاني
3- الإسلام منهج و خلاص ـ الجزء الثالث
4- فتاوى و اجتهادات بالإشراك / جمع و تبويب
5 _ هل أنجز الله وعده ؟
الصحف الالكترونية التي نشر بها :
1ـ قناديل الفكر والأدب
2ـ أنهار الأدب
3ـ شروق
4ـ دنبا الوطن
5ـ ملتقى الواحة الثقافي
6ـ تجمع القصة السورية
7ـ روض القصيد
8ـ منابع الدهشة
9ـ أقلام
10ـ نور الأدب




الأدب والنقد والحكمة العربية والإسلامية
في العصر الأموي





بسم الله الرحمن الرحيم



بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المجلد الخامس
الأدب في العصر الأموي في المشرق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين , ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين . . . وبعد :
لم يكن الأمويين الذين غابوا عن مسرح التاريخ بعد فتح مكة المكرمة أن يعودوا إلى سدة الحكم لولا القدر الذي أوقع الخليفة الراشدي سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حبال الموت فقد حالف الحظ سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أحد كتاب الوحي والقائد الفذ الذي استطاع أن يؤسس في الشام خلافة إسلامية فتحت معظم البلاد المحيطة ببلاد العرب ووسعوا مساحة الدولة الإسلامية بعد الحكم الراشدي , وإن صبغوا هذه الخلافة بسمة الأسرة الأموية وللأسف بعد أن أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الخلافة سمة ( التقوى ) دون النظر إلى الخلافة على أنها ذات لون أو عرق أو قبيلة أو أسرة أو دم ) . معتبرا أن الخلافة مؤسسة ( دينية دنيوية ) غايتها إقامة العدل والحق والخير للناس جميعا ً , وقد سار على هذه القاعدة الخلفاء الراشدون الأربعة الذين لم يحيدوا عن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام , وبإعطاء الخلافة سمة الأسرة ( بني أمية ) فقد عادت إلى أبناء العروبة أولا ً والإسلام ثانيا ً القبلية العصبية ( القيسية واليمانية ) ليتسنى لهم القبول عند الناس والرضا بهم كخلفاء بعد الراشدين ومن هنا انفتحت على الأمويين نيران الخلافات مما جعلهم يسفكون الكثير من الدماء في سبيل تثبيت أركان الملك لهم وتحول الأدب ( الشعر ) إلى خادم لهؤلاء الخلفاء على الأغلب وإن كان شعر الخوارج السياسي وشعر الأحزاب الأخرى قد فتح صفحة جديدة في تاريخ الأدب العربي في هذا العصر تمثل في نبذ فكرة الخلافة القائمة بالتوريث والتي ستصبح فيما بعد سمة من سمات هذه الخلافة في العصور اللاحقة وحتى سقوط الخلافة العثمانية على يد كمال أتاتورك عام 1926 كما وأن هذا العصر فتح لنا صفحة جديدة من صفحاته الأدبية تمثلت في نوع جديد من الغزل هو الغزل العذري , المنسوب لقبيلة بني عذره في وادي القرى ( مدينة العلا اليوم في المملكة العربية السعودية هذا الغزل النقي الصالح البعيد عن الشهوة والمنغصة وتطور فن النثر بجميع أشكاله ابتداء من الدراسات القرآنية ودراسات السنة النبوية المطهرة والقصص الوعظي والرسائل والمنافرات القبلية والوصايا والمنافرات الأدبية وإذا كان الشعر قد طغى على الأجناس الأدبية الأخرى فإن تلك الأجناس الجديدة قد نمت وعلى رأسها الخطابة وبقيت مكانة الخطيب أكثر منزلة وإن عادت للشاعر منزلته بدعم من الخلفاء الذين ما زالت ثقافتهم عربية سامقة تعطي للأدب وللأدباء المتميزين الأهمية في ظل قبلية ترمز الشاعر كوزير أعلام ناجح لقبيلته إضافة إلى أن الخلفاء الأمويين لم يكونوا أو بعضهم شعراء فحسب أو متذوقين للشعر وإنما كانوا نقادا لهذا الشعر يشددون على وظيفته التي ما زالت تركز على نشر الفضائل ونبذ الرذائل ورفع مكانة مكارم الأخلاق , التي جاء بها رسول الله عليه الصلاة والسلام , .
نعم لقد أردنا أن نبين في هذا العصر أن الدولة الأموية بقيت بلونها العربي وبولاتها الأمويين وبقادة جيوشها العرب وبثقافتها العربية المتمازجة مع الإسلام والتي لم تنجح بالصمود أكثر من تسعين عاما حيث لم تعد النزعة العربية الملائمة لشعوب كثيرة ذات توجهات قومية أخرى أحيت الإسلام وطالبت بضرورة تطبيق تعاليمه التي على رأسها قوله تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) .
نعم لقد مثل الأمويون قيم الأدب الحقيقية وعادوا بها إلى القيم الايجابية التي تمثلها الجاهليون وأكدها المسلمون وهكذا فقد خطا الأدب خطوة رابعة ولكنها لم تكن بزخم الأدب الدعوي ضمن دائرة توظيف الأدب وحتى يكسب الخلفاء الأمويون القبائل أكرموا شعراءها من جهة وأثاروا النزعات القبلية بينهم ونشأ ما يسمى بفتن النقائص الذي يعد وصمة عار في قيمية الشعر العربي .





الباب الأول
الحياة العامة في العهد الأموي
الباب الأول
الفصل الأول
الحياة السياسية في العهد الأموي
تأسيس الدولة الأموية

العصر الأموي في المشرق .
تأسيس الدولة الأموية .
توطيد أركان الدولة
ـ عبد الملك بن مروان .
ـ عبد الملك بن مروان
ـ أعماله الداخلية وحروبه الخارجية .
( ب ) دور القوة – الوليد بن عبد الملك – أعماله الداخلية وحروبه الخارجية (1)
عمر بن عبد العزيز – أعماله الداخلية والخارجية ( 2 )
هشام بن عبد الملك ( 3 )
الوليد بن يزيد
ـ يزيد بن الوليد
مروان بن محمد .
عوامل ضعف الدولة الأموية وسقوطها .










العصر الأموي في المشرق
41 – 132 هـ
التعريف بالعصر الأموي وامتداده :
أطلق المؤرخون اسم العصر الأموي على الفترة التي تلت العصر الراشدي ، لأن الخلفاء الذين حكموا في هذه الفترة ينتسبون إلى الأسرة الأموية . وقد امتدت من حكم معاوية بن أبي سفيان عام (41 هـ ) وحتى مقتل مروان بن محمد آخر خلفائهم عام (132 هـ )، وانتقال الحكم إلى الأسرة العباسية . وحكم خلالها أربعة عشر خليفة ثلاثة منهم من البيت السفياني والباقي من البيت المرواني .

نسب الأمويين ومكانتهم :
يعود نسب الأمويين إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف . وكان أمية من سادات العرب ورجالاتها المشهورين بالغنى في مكة ، وهذا ما جعله في مقام عمه هاشم بن عبد مناف . وقد تنازع هذان البيتان زعامة قريش قبيل الإسلام . ثم اتفقا على اقتسام مظاهر هذه الزعامة : فكان لبنى أمية السيادة العسكرية ، ولبنى هاشم إطعام الحجيج وسقايتهم ، والإشراف على الكعبة المشرفة. وكان من ابرز شخصيات بني أمية زمن البعثة أبو سفيان الذي أسلم عند فتح مكة وهو والد معاوية مؤسس الدولة الأموية .




قصي

عبد مناف

عبد شمس هاشم
أمية عبد المطلب
حرب
صخر ( أبو سفيان ) العباس أبو طالب عبد الله

معاوية ( أول خلفاء الخلفاء علي محمد ( ص )
بني أمية ) العباسيون

شجرة نسب للأمويين
( لاحظ صلة القربى بين الهاشميين والأمويين )



معاوية بن أبي سفيان :
ولد معاوية بن أبي سفيان في مكة المكرمة قبل الهجرة بخمسة عشر عاماً ، وأسلم مع أهله يوم فتح الرسوم (ثبى الله عليه وسلم) مكة المكرمة وأصبح بعد ذلك كاتبا ً له . وقد أسهم في خدمة الدولة الإسلامية الجديدة ، ففي خلافة أبي بكرالصديق رضي الله عنه رافق معاوية أخاه يزيد الذي قاد االجيوش الإسلامية المتوجهة إلى بلاد الشام لتحريرها من الروم البيزنطيين . وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولي معاوية بن أبي سفيان على الأردن وفي عهد الخلفية عثمان بن عفان رضي لببه تعالى عنه أصبح معاوية واليا على بلاد الشام كلها ، ولهذا برز معاوية كرجل دولة في وقت مبكر .

تأسيس الدولة الأموية
معاوية مؤسس الدولة الأموية :
بعد مقتل الخليفة على بن أبي طالب رصي الله نعالى عنه وتنازل ابنه الحسن رضي الله تعالى عنه عن الخلافة ، انتقل حكم الدولة العربية إلى معاوية بن أبي سفيان الذي أصبح الخليفة الأوحد للمسلمين . حاول الخليفة الأموي بعد أن أجمع الناس على بيعته عام (41 هـ ) و سميذلك العام بعام الجماعة ، لاتفاق كلمة المسلمين، وا ستمر حكمه حتى عام (60هـ )عاشت الدولة العربية خلال هذه الفترة في سلام وازدهار .
سياسته وأعماله الداخلية :
حين تولى معاوية بن أبي سفيان الحكم في دمشق قامت فئات مختلفة تعارضه وتنازعه على الحكم والخلافة منها :
1 ـ الشيعة : الذين يرون وجوب حصر الخلافة في آل علي بن أبي طالب ( رضي الله تعالى عنه)
2 ـ الخوارج : الذين يرون أن الخلافة حق لكل شخص كفء من المسلمين دون النظر إلى أسرته أو قبيلته .
3 ـ أبناء الصحابة الذين يرون أن تكون الخلافة في الصالحين من قريش لا في غيرهم ؛
إلا أن معاوية تمكن من التغلب على هذه الفئات بدهائه وحلمه المقرون بالحزم والشدة واستطاع أن يسوس البلاد سياسة تدل على حسن التدبير . فكسب ولاء السكان ومحبتهم له . وقد استطاع أن يوطد حكمه بوسائل مختلفة ، فاختار أعوانه ممن عرفوا بالذكاء والدهاء السياسي مثل زياد بن أبيه وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، وارتبط بصلة المصاهرة مع قبيلة كلب اليمانية ومن أهم أعماله الداخلية :
1 ـ نقل العاصمة من الكوفة إلى دمشق لوجود أنصاره فيها .
2 ـ حصر الخلافة في أهل بيته ، حيث هيأ الجو لتحقيق فكرة ولاية العهد لابنه يزيد بعده . 3 ـ جعل الخلافة وراثية بعد أن كانت شورى في العهد الراشدي .
4 ـ يعد أول من أقام الحرس والشرطة والحجابة في الإسلام ،
5 ـ أوجد المقصورة بقصد حمايته في أثناء الصلاة .
6 ـ أول من وضع نظام البريد لوصول الأخبار بسرعة من الولايات واليها .
7 ـ أسس ديوان الخاتم لختم الرسائل الرسمية خوفا من التزوير .
8 ـ حفر الآبار على الطرقات للقوافل التجارية .
الحروب الخارجية :
لقد كان شغل معاوية الشاغل في أول عهده بالخلافة توطيد أركان دولته الداخلية . وبعد أن تم له ذلك اتجه إلى الجهاد والفتح فحارب الروم البيزنطيين على جبهتين هما :
في شمالي بلاد الشام :
وصل العرب بفتوحاتهم الأولى إلى جبال طوروس في شمالي بلاد الشام وأقاموا من هذه الجبال المنيعة حدا فاصلا بينهم وبين الروم البيزنطيين . وقد حاول هؤلاء تخطي الحدود عندما قامت الحرب الأهلية بين علي ومعاوية فكانت محاولتهم هذه نذيرا لمعاوية د فعة المحاولة إخضاعهم وإزالة خطرهم . وما أن انتهى من مشكلاته الداخلية حتى بدأ بإقامة الثغور ( مدن ومراكز عسكرية ) على الحدود الشمالية لبلاد الشام ، كما رتب الشواتي والصوائف وقد تبين للعرب بعد سلسلة من الهجمات صعوبة الفتح والتوسع برا في هذه الجبهة ولذلك اتجهت أنظارهم نحو البحر المتوسط وبخاصة بعد أن تكررت اعتداءات البيزنطيين على السواحل العربية .
كان معاوية أ ول من اهتم بالحروب البحرية منذ كان واليا على الشام في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه فعمل على بناء أسطول عربي فتح فيه عدة جزر منها قبرص ورود س اللتان كانتا قواعد للبحرية البيزنطية في البحر المتوسط . وفي عام( 48 هـ ) جهز معاوية جيشا عظيما لفتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية براً وبحراً وكان في هذا الجيش معظم الصحابة وأولادهم منهم أبو أيوب الأنصاري . وقد أمّر معاوية ابنه يزيد على هذه الحملة التي حاصرت العاصمة البيزنطية أ شهرا طوالاً من البر والبحر وحدث قتال شديد على أبوابها لم يتمكن المسلمون بنتيجته من فتحها للأسباب التالية :
1 ـ متانة أسوارها .
2 ـ مناعة موقعها .
3 ـ فتك النار الإغريقية بسفنهم .
وفي أثناء الحصار قتل الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري ودفن خارج أسوار القسطنطينية ولا يزال قبره هناك
في شمال إفريقيا :
رأينا كيف استطاع العرب أيام الراشدين تحرير مصر من الروم البيزنطيين علي يد عمرو بن العاص الذي تمكن أيضا من تحرير برقة وضمها إلى مصر ، ثم توقفت حروب التحرير فترة من الزمن بسبب المنازعات الداخلية .
وعندما استتب الأمر لمعاوية وجه اهتمامه إلى شمال إفريقيا فأرسل عام( 50 هـ) جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري لتحريرها من أيدي الروم البيزنطيين ، وكانت آخر معقل لهم في الشواطئ الجنوبية للبحر المتوسط ، وقد حررها بعد مقاومة عنيفة خصوصا بعد أن دخل سكانها الأصليون في الدين الجديد ، وانضموا إلى الجيش العربي ، فسهلوا لعقبة عملية التحرير إذ تقدم نحو طرابلس وتونس وأقام مدينة القيروان قرب قرطاجة وجعلها معسكرا لجيشه ومركزا للولاية التي أسسها .
توقفت بعدها حروب التحرير لفترة ثم استؤنفت زمن الخليفة يزيد بن معاوية حيث قام
عقبة بن نافع الذي بتحرير بقية البلاد العربية حتى بحر الظلمات ( المحيط الأطلسي ).




توطيد أركان الدولة الأموية
( آ )
عبد الملك بن مروان
65 – 86 هـ ، 685 – 705 م
خلفاء معاوية :
استلم يزيد الحكم بعد موت أبيه معاوية حيث أخذت له البيعة في حياة والده عام(60هـ) دامت خلافته أربع سنوات قامت خلالها مشكلات عظام في وجهه منها رفض الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير مبايعته ، كما نقض أهل المدينة بيعته وأعلنوا الثورة .
وقد توفي يزيد شاباً ولم تحل جميع هذه المشكلات ، وخلفه ابنه معاوية الثاني وكان ضعيفا ً لم تطل خلافته أكثر من شهرين تنازل عنها دون أن يعين خلفا له
مؤتمر الجابية وانتقال الخلافة إلى البيت المرواني : بعد وفاة معاوية الثاني تداعى الأمويون إلى عقد مؤتمر الجابية ( موقع جنوب دمشق في منطقة حوران ) للتداول في أمر الخلافة . وقد تم الاتفاق على مبايعة مروان بن الحكم على أن يخلفه خالد بن الحكم على أن يخلفه خالد بن يزيد بن معاوية ثم عمرو بن سعيد بن العاص ، وبذلك انتقلت الخلافة إلى البيت المرواني من الأسرة الأموية .
خلافة مروان بن الحكم :
كان من أبرز أعماله بعد أن أصبح خليفة :
أن عمد إلى توطيد حكمه وذلك بالتغلب على الفئات التي امتنعت عن بيعته ، فقاد جيوشه لقتالهم في معركة مرج راهط ( موقع شرق دمشق بالقرب من قرية عذرا ) حيث هزمهم .
أعاد مصر إلى حظيرة الخلافة الأموية ، فلم يكد مروان ينتهي من خصومه في بلاد الشام ، حتى جهز جيشا سار به هو وابنه عبد العزيز إلى مصر لاستخلاصها من يد أنصار ابن الزبير وقد تم له ذلك .
أما محاولته استرجاع الحجاز والعراق من عبد الله بن الزبير، فلم يستطع تحقيقها بسبب وفاته
وكان قد أخذ البيعة لأبنية عبد الملك ثم عبد العزيز مخالفا بذلك مقررات مؤتمر الجابية
ب – عبد الملك بن مروان ( 65 – 86 هـ ) ( 685 – 705 م)
أعماله الداخلية وحروبه الخارجية:
امتدت خلافة عبد الملك بن مروان من (65 – 86 هـ) ثم توفي مروان بن الحكم تاركاً لابنه عبد الملك عدداً من المشكلات التي كانت تهدد كيان الدولة فسارع عبد الملك لمواجهتها تارة بالشدة والحزم وتارة بالحكمة والسياسة مما جعل المؤرخين يعدون عبد الملك ابن مروان الموطد الأول للدولة الأموية .
أعماله الداخلية :
انصرف عبد الملك إلى الاهتمام بشؤون الإدارة والإصلاح بعد أ ن وطد سلطانه داخل البلاد ، فأولى الناحية الإدارية عناية فائقة ، وأعطاها مضمونا يتمشى مع حاجات الدولة . ومن أبرز أعماله الداخلية :
1 ـ اتباع سياسة تقوم على إيجاد توازن بين القبائل العربية من قيسيين ويمانيين ، بغية إزالة الخلافات التي كانت قد تجددت إثر معركة مرج راهط وذلك عندما والى القيسيون عبد الله بن الزبير وانحاز اليمانيون إلى الأمويين ، وقد برهن عبد الملك بذلك على أنه رجل دولة لترفعه عن الخلافات معتبرا نفسه حكما بين الرعية كلها
2 ـ إضفاء الصفة العربية للدولة وتأكيدها وذلك بعدة وسائل في مقدمتها : تعريب الدواوين ، والنقد ، والطراز ، كما سنرى في بحث التنظيم الإداري .
3 ـ عمل على تطوير نظام البريد الذي وجد منذ زمن معاوية إذ خصص له الخيول والجمال في المناطق الصحراوية والموظفين والأماكن ووضع الصوى على الطرق وبذلك ربط أجزاء الدولة واطلع على أمورها بشكل تام .
4 ـ أمر ببناء مسجد قبة الصخرة في القدس ، كما
5 ـ وأن بناء الكعبة في شكلها الحالي تم في عهده .
الحروب الخارجية :
أولا – في الجبهة الشرقية :
كانت العمليات العسكرية في هذه الجبهة تأخذ شكل غزوات غير منظمة ، تقوم بها بعض قطع من الجيش بناء على تكليف من الخلفاء أو الولاة كلما سنحت الفرصة.وما أن تولى المهلب بن أبي صفرة أمر الحرب في خراسان بتكليف من والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي حتى أخذت هذه الغزوات شكلا منظما وبدا المهلب أعماله العسكرية بالزحف على خوارزم ، كما زحف أبناؤه من بعده على مدينة ( كابول ) في أفغانستان ومناطق أخرى .
ثانيا – الجبهة الشمالية البيزنطية :
لم تكف الدولة البيزنطية عن التأمر على الدولة العربية الناشئة . فكانت تنتهز كل فرصة للنيل منها. وقد مر معنا كيف انتهزت فرصة الخلاف بين علي ومعاويةرضي الله تعالى عنهما فحرضت بعض العناصر الموالية لها لإزعاج الدولة العربية ، وإثارة القلاقل داخلها كما انتهزت الفرصة بعد وفاة يزيد لتقوم ببعض الحركات العسكرية بهدف تحقيق نصر سريع على العرب وحين آلت الخلافة إلى عبد الملك ، تنبه إلى الخطر البيزنطي القريب من الحدود الشمالية وأراد أن ينصرف إلى معالجة المشكلات الداخلية التي كانت تهدد عرشه ، لذا سارع إلى مهادنة البيزنطيين وبعد أن توطدت الأمور في الداخل أعاد تشكيل فرق الصوائف والشواتي لقتال الروم البيزنطيين كما كان متبعا في زمن معاوية ابن أبي سفيان .
ثالثا – جبهة شمال إفريقيا :
تولى عقبة بن نافع ولاية إفريقيا للمرة الثانية زمن يزيد بن معاوية فتابع أعماله العسكرية هناك ، ووصل إلى المحيط الأطلسي ( بحر الظلمات ) وفي أثناء عودته قتل مع بعض أصحابه قبل وصوله القيروان من قبل أعدائه سكان البلاد الأصليين وبعد مقتله حاول الروم البيزنطيون إعادة سيطرتهم على شمال إفريقيا والقضاء على الحكم العربي فيها . فتراجع إلى ما وراء حدود تونس وكان لابد من حركة تحرير جديدة للمغرب .
وعندما ا طمأن عبد الملك بن مروان إلى متانة مركزه في المشرق وجه حمله بقيادة حسان بن النعمان لاستعادة المغرب العربي فاصطدمت هذه الحملة بمقاومة سكان البلاد تقودها الكاهنة ( وهي امرأة ادعت النبوة ) وقد تمكن الجيش العربي من قتلها وتشتيت صفوف أتباعها واسترجاع المغرب بكامله عدا مدينة سبته ، وبذلك قضي نهائيا على أمل البيزنطيين باستعادة المغرب . وأقبلت جموع السكان على الدخول في الإسلام . وأصبحوا عنصرا محارباً في خدمة الدول العربية لاسيما في فتح الأندلس .
وفاة عبدالملك بن مروان :
توفي عبد الملك في دمشق بعد أن عهد بالخلافة من بعده إلى ولديه الوليد ثم سليمان لان أخاه عبد العزيز توفي في حياته ، وبهذا أصبحت الخلافة في أبنائه من بعده .



دور القوة
( 1 )
الوليد بن عبد الملك ( 86 – 96 هـ)
( 705 – 715 م)
أعماله الداخلية وحروبه الخارجية :
ورث الوليد عن أبيه ملكاً متين الأركان ، لا يعكر صفوة ثائر ، وخزانة عامرة بالأموال ، وجيشا قويا . فتحققت في أيامه إصلاحات داخلية كثيرة وأعمال عمرانية وفتوحات عسكرية .
آ – الأعمال الداخلية :
كان الاهتمام بشؤون الرعية والسهر على مصالحها واضحا في عهد الوليد ، ومن أهم ما قام به :
1 ـ أمر بإصلاح الطرق وحفر الآبار في مختلف البلدان واستصلاح الأراضي لاستغلالها في الزراعة .
2 ـ لقي ذوو العاهات من مكفوفين ومقعدين ومجذومين ... الخ كل رعاية من الدولة بتوجيه من الخليفة ، إذ أمر أن تبنى مشافي خاصة للمجذومين للإقامة فيها ، حيث يجدون الطعام والمبيت والرعاية التامة .
3 ـ كان مولعا بالأعمال العمرانية ، فقد أمر ببناء المسجد الأموي في دمشق وبتجديد بناء مسجد النبي ( صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنورة بعد أن جرى توسيعه ، وفي عهده بني عدد من القصور الفخمة في مناطق مختلفة من الدولة من أبرزها ( قصر عمره ) قرب عمان في الأردن ونظرا لما كانت تتمتع به الدولة من تقدير من الدول الأخرى بسبب الانجازات التي تحققت في عهد الوليد فإن المؤرخين يعدون هذا العهد العصر الذهبي للدولة الأموية .
ب – الحروب الخارجية:
وتشمل عدة جبهات هي
أولا – الجبهة الشرقية :
تابع العرب توغلهم في المناطق الشرقية للدولة منذ بدايات العهد الأموي ، وقد أخذت حروبهم شكل الفتح والاستقرار في عهد الوليد حيث كان الحجاج بن يوسف واليا على العراق منذ عهد عبد الملك وقد قام بخدمات كبيرة لتثبيت خلافة الأمويين ، واستمر في ولائه لهذه الأسرة حتى وفاته . مما يدل على أنه كان موضع ثقة لدى الوليد فأبقاه على العراق ، وهو الذي سير جيوش الفتح في هذه الجبهة وقد شمل النشاط العسكري منطقتين هما بلاد ما وراء النهر ، بلاد السند .
الفتح في بلاد ما وراء النهر : عين الحجاج قتيبة بن مسلم الباهلي عاملا ً على خراسان وهي المقاطعة الشرقية من فارس ، وعهد إليه بمهمة فتح بلاد الترك فصار قتيبة في كل صيف يقطع نهر جيحون غازيا ً ، ثم يرجع في الخريف إلى مرو عاصمة خراسان . فاستولى على بلخ وسمر قند وبخارى وخوارزم حتى وصل إلى كاشغر على حدود الصين . وقد أبطل عبادة الأصنام وحبب الناس بالدخول في الإسلام . إذ سمح لهم بقراءة القرآن بلغتهم بدلاً من اللغة العربية التي لا يعرفونها .
الفتح في بلاد السند :
كما عين الحجاج ، محمد بن القاسم الثقفي قائداً على الجيش المكلف بفتح بلاد السند ، بالرغم من صغر سنة ( 18 سنة ) ، وذلك نظرا لشجاعته وعبقريته العسكرية . وقد تمكن هذا القائد من فتح مدينة الديبل ( كراتشي اليوم ) ثم تابع زحفه شمال السند حيث التقى مع ملكها داره في معركة انتصر عليه فيها ، وتمكن من قتله ، ثم اخذ يتوغل في فتوحاته حتى وصل كشمير إلا أن موت الوليد وتسلم أخيه سليمان الخلافة وعزله للقائدين أوقف الفتوحات في هذه الجبهة وعادت الجيوش العربية إلى قواعدها في العراق .
ثانيا : - الجبهة الشمالية البيزنطية :
تابع الوليد سياسة أبيه عبد الملك في محاربة الروم البيزنطيين ، إذ كلف آخه مسلمة بالقيادة ، وكان مولعا بالحرب وشجاعا في القتال ، فاستولى على عدد من الحصون في بلاد الروم وتطلع إلى فتح القسطنطينية عاصمتهم لكن وفاة الوليد حالت دون ذلك .
ثالثا – حروب التحرير في شمال إفريقيا :
تقلد موسى بن نصير ولاية إفريقيا من قبل الوليد ، وكانت قبل ذلك تتبع من الناحية الإدارية والي مصر . وقد أطلق هذا الاسم على البلاد الممتدة من ليبيا حتى المحيط الأطلسي . خرج موسى من مصر على رأس جيش قاصدا إفريقيا فلما وصلها وجدها ثائرة ضد العرب ، فسارع لقتال القبائل الثائرة في مناطقهم الجبلية ، واستطاع سحق مقاومة هذه القبائل ، ثم أرسل أحد قادته وهو طارق بن زياد على رأس جيش لتحرير مدينة طنجة فحاصرها حتى تحررت وتقلد طارق ولايتها .
ولما كانت إفريقيا طويلة الشواطئ ، وكانت القوى البحرية البيزنطية تهدد مدنها فقد وجد موسى أن من ضرورات الدفاع عن البلاد الاهتمام بدار صناعة السفن قرب مدينة تونس التي أنشئت زمن سلفه حسان بن النعمان . وما أن توافرت له السفن الحربية حتى هاجم الجزر والقواعد البحرية البيزنطية في البحر المتوسط وفتح بعضها مثل ميورقة ومنورقة وأبعد بذلك خطر الروم البيزنطيين نهائيا عن شمال إفريقيا ، ولم يبق خارج النفوذ العربي على الشاطئ الإفريقي إلا قلاع سبتة الحصينة الوا قعة على ساحل المتوسط شرقي طنجة ، وكانت هذه تتبع ملوك أسبانيا ، فكانوا يعينون عليها حكاما من قبلهم ، إلا أن الشقاق كان محتدما ً بين حاكمها ( يوليان ) وبين ملك أسبانيا ( لذريق ) مما سهل على العرب تحريرها بعد الاستعانة بسكان البلاد الأصليين الذين أعلنوا انضواءهم تحت راية الدين الجديد .

دور القوة
( 2 )
عمر بن عبد العزيز
99 – 101 هـ
718 – 720 م
الخلافة بعد الوليد :
آلت الخلافة بعد وفاة الوليد إلى أخيه سليمان بن عبد الملك ، كما أن الحملة التي أعدها الوليد لفتح القسطنطينية بقيادة أخيه مسلمة استمرت في مهمتها زمن سليمان فحاصرت القسطنطينية ولم تستطع فتحها ، وقد وافته المنية عام( 99 هـ )بعد أن تولى الخلافة نحوا من ثلاث سنوات ، وعندما شعر سليمان بن عبد الملك بدنو أجله أوصى بالخلافة لابن عمه عمر بن عبد العزيز ، ومن بعده لأخيه يزيد بن عبد الملك .
خلافة عمر بن عبد العزيز :
ينتسب عمر بن عبد العزيز من جهة أبيه إلى عبد العزيز بن مروان ، وكان واليا لأخيه عبد الملك على مصر ، وأما من جهة أمه فكان نسبه يتصل بعمر بن الخطاب . وقد تزوج من ابنه عبد الملك وعينه الوليد واليا على المدينة فكان مثالا للعلم والورع ، وحين آلت الخلافة إليه اتخذ من سيرة جده عمر بن الخطاب مثلا أعلى سار على هدية فكانت سياسته ترتكز على العدل والبساطة في العيش والشعور بالمسؤولية حتى إن بعض المؤرخون عده متمما لعهد الخلفاء الراشدين .
أعماله الداخلية :
من ابرز أعمال عمر بن عبد العزيز الداخلية :
1 ـ اعتمد على الفقهاء وقربهم ،
2 ـ جعل للقاضي منزلة ممتازة ومستقلة .
3 ـ منع العرب من استملاك الأراضي في البلاد المفتوحة حيث عدت ملكا للدولة ، وسمح لهم فقط باستثمارها مقابل دفع خراج عنها .
4 ـ اسقط الجزية عمن اسلم ، مما ساعد على اعتناق الإسلام .
5 ـ أعاد الحقوق إلى أصحابها بعد أن كانت مغتصبة من قبل المتنفذين كما أبطل كثيرا من الغرامات والمصادرات التي أحدثها الحجاج في العراق .
6 ـ فتح باب النقاش مع الخوارج فمالوا إلى الهدوء ، إذ لم يحاول أخذهم بالقوة والعنف بل استمالهم بالحجة والمنطق .
7 ـ أمر ببناء الخانات في المناطق البعيدة ليأوي إليها المسافرون .
النشاط العسكري في عهده :
كان عمر بن عبد العزيز منصرفا انصرافا كلياً إلى تحقيق العدالة بين رعايا الدولة مما شغله عن التفكير بالفتوحات على نطاق واسع ومع ذلك فإن أعمالا عسكرية تمت في عهده هي :
عين السمح بن مالك الخولاني والياً على الأندلس ، فزحف على رأس جيش اجتاز به جبال البرانس إلى الأراضي الفرنسية حيث احتل مدينة ناربونة وحاصر مدينة تولوز ، وقد وصل ملك الفرنجة بجيش جرار لتخلص المدينة من الحصار العربي ، واشتبك الجيشان في معركة حامية استشهد فيها السمح فاستلم القيادة بعده عبد الرحمن الغافقي الذي سحب جيشه عائداً إلى الأندلس . أمر بسحب الحملة التي كانت تحاصر القسطنطينية منذ زمن سليمان بن عبد الملك
وفاته :
استمرت خلافة عمر بن عبد العزيز نحو سنتين ونصف كانت ثقيلة على بعض أفراد البيت الأموي ، لأنه جردهم من امتيازاتهم وأجبرهم على إعادة الحقوق إلى أصحابها وقد اتهم هؤلاء أنهم دسوا له السم فتوفي في دير سمعان عام( 101 هـ ).

دور القوة
( 3 )
هشام بن عبد الملك
105 – 125 هـ
724 – 743 م
خلافته :
بعد وفاة عمر بن عبد العزيز خلفه يزيد بن عبد الملك ، ثم تلاه أخوه هشام الذي كان حسن السيرة ، مهتما بإدارة شؤون الدولة ومع أن عهده كان حافلا بالاضطرابات الداخلية والحروب الخارجية ، فقد تمكن هذا الخليفة من تذليل كثير من الصعاب التي اعترضت سبيله .
أعماله :
1 ـ قمع الفتن التي ظهرت في عهده ، وقد أحرزت جيوشه النصر في اغلب الميادين
عمل على تقوية الثغور الإسلامية وتعزيز حامياتها .
2 ـ أمر بحفر القنوات والبرك على طريق الحج إلى مكة ، كما بنى قصري الحير الشرقي والغربي .
3 ـ راقب ميزانية الدولة ، وأحسن تدبيرها ، وضغط نفقاتها حتى اتهم بالبخل .
4 ـ اختار أفضل الرجال لجهازه الإداري بغض النظر عن انتمائهم القبلي مثل خالد القسري ونصر بن سيار وغيرهم .
النشاطات العسكري في عهده :
لم تقتصر عناية هشام على الشؤون الداخلية بل وجه اهتمامه أيضا إلى الحروب والفتوحات في جبهات متعددة :
ففي الشرق : خاض حروباً ضد الترك الذين يعيشون وراء بحر ابن عبد الملك . وفي الشمال استؤنفت العمليات العسكرية ضد الروم البيزنطيين حيث بنى الحصون وقواها
وكان يقوم في كل صيف بغزوات كثيرة لمع فيها اسم قائد عربي اشتهر جداً عند العرب و الروم هو عبد الله البطال الذي تمكن من إلقاء الذعر في قلوب البيزنطيين فاخذوا ينسجون حوله القصص الكثيرة .وفي الأندلس عين هشام والياً على الأندلس هو عبد الرحمن الغافقي الذي فكر بالثار للهزيمة التي لحقت بالمسلمين أمام أسوار تولوز ، فعبر الحدود الفرنسية على رأس جيش قوي واستولى على مدن كثيرة منها بوردو وتور ثم التقى بجيش الفرنجة بقيادة شارل مارتل عند مدينة بواتيية حيث حدثت المعركة بين الطرفين ، كاد النصر أن يتم للعرب لولا ما وقع من اضطرابات في صفوف جيش المسلمين،واستشهد عبد الرحمن وتراجع العرب وقد دعيت هذه المعركة باسم بلاط الشهداء ( بواتييه ) 114هـ - 732 م لكثرة من استشهد فيها من العرب . وتعد من المعارك الحاسمة في التاريخ إذ لو تم النصر فيها للعرب لوقعت أوربا في يدهم ونشروا فيها لغتهم ودينهم وحضارتهم
وفاة هشام :
كانت فترة خلافة هشام مليئة بالأحداث الكبيرة أكسبت الدولة قوة رهيبة ، وقد توفي هشام في مدينة الرصافة التي كان يستجم فيها أحيانا .

دور الضعف و الانحطاط
( 1 )
125 – 132 هـ 743 – 749
دور الضعف والانحطاط :
بعد وفاة الخليفة هشام بن عبد الملك سادت الفوضى إرجاء الدولة وعمت الفتن والثورات التي أدت في النهاية إلى سقوط الخلافة الأموية . وقد حكم في هذه الفترة التي استمرت حوالي سبع سنوات أربعة خلفاء ، كان أولهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك وآخرهم مروان بن محمد الذي سقطت في عهده الخلافة على يد العباسيين.وقد أطلق على هذه الفترة دور الضعف والانحطاط لأنها تميزت بما يلي :
أن الدولة عاشت على أمجاد الخلفاء السابقين ، إذ لم تقم فيها إصلاحات أو حروب خارجية
اختلف خلفاء هذا الدور عن الخلفاء السابقين من حيث القوة والكفاءة في الحكم
أولا : الوليد الثاني بن يزيد الثاني( 125 – 126 هـ)
ويعرف بالوليد الثاني ، كان شاعرا ، وعرف بانصرافه إلى اللهو والجون وانشغاله بذلك عن أمور الدولة .
1 ـ بدأ عهده بمصادرة أملاك عمه وأمواله ، والانتقام من أنصاره وأركان دولته ، بحجة أن عمه كان يعمل لإبعاده عن الخلافة وتهيئة الجو لتولية ابنه.
2 ـ وقد تشدد في معاملة أولاد أعمامه .
3 ـ وأثار نقمة القبائل اليمنية عندما قتل زعيمهم خالد بن عبد الله القسري
4 ـ كما زاد في حقد الشيعة عليه . بعد قتله أحد زعمائهم .
وقام ببعض الأعمال هدف منها إلى كسب تقدير المسلمين له وتغاضيهم عن سلوكه مثل :
1 ـ زيادة رواتب الجند ليكسب تأييد الجيش وعطفه .
2 ـ إعطاء الفقراء والمرضى والعجزة من الأرزاق ما يحتاجون إليه .
لكن هذه الأعمال لم تفده في شيء بعد أن عاد إلى لهوه ومجونه . مما أدى إلى استغلال هذا السلوك من قبل بعض الأمويين الطامعين في الخلافة فعملوا إلى قتله في قصر قرب عمان في الأردن .
نتائج مقتل الوليد :
1- ازدياد العداء بين القبائل القيسية والقبائل اليمنية .
2- انقسام البيت الأموي في الشام على نفسه .
3- ضياع هيبة الخلافة .
ثانيا ً : يزيد الثالث بن الوليد الأول :
خلف الوليد الثاني في حكم الدولة الأموية ، وقد سمي بالناقص لأنه انقض عطايا الجند وقد قامت في عهده اضطرابات بين أفراد البيت الأموي في الشام أدت إلى قيام معارك وحروب أهلية بين أنصار الوليد المقتول وأنصار يزيد الخليفة . كما بعثت العصبية القبلية من جديد بين القيسيين واليمانيين وخصوصا ً في العراق وخراسان وكل ذلك هيأ للعباسيين نشر دعوتهم والاستعداد لإسقاط الخلافة الأموية .لم تطل خلافه يزيد ، وقد خلفه أخوه إبراهيم بن الوليد الذي لم يتمتع بشخصية قوية وحل محله مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين .

دور الضعف والانحطاط
( 2 )
مروان بن محمد
127 – 132 هـ
خلافته :
هو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ، ورث عن أبيه ولاية الجزيرة وأرمينيا كان محباً للعلم والفلسفة.برع في القيادة العسكرية عندما كان قائداً للجيوش العربية في الجبهة البيزنطية كما عرف بحزمة وحسن إدارته .
تسلم الخلافة بعد أن تغلب على إبراهيم بن الوليد الأول ، في وقت كانت فيه البلاد غارقة بالفتن والاضطرابات ، ولم يستطع بالرغم من قوة شخصيته وحنكته من المحافظة على الخلافة الأموية ، حيث كانت قواعدها تترنح وتتهاوى لتستقر مكانها الخلافة العباسية .
نقل العاصمة إلى حران :
جاء مروان إلى دمشق وتلقى البيعة من أهلها سنة( 127 هـ )، ولما شعر أن دمشق أصبحت ميداناً للنزاع بين أفراد البيت الأموي نقل العاصمة إلى مقر ولايته في حران حيث يتجمع فيها أنصاره وجنده ، لكن ذلك جر عليه نقمة أهل دمشق وغيرهم .
أبرز الحوادث التي جرت في عهد :
1 ـ انقسم البيت الأموي على نفسه ، فقد ثار سليمان بن هشام بن عبد الملك في الشمال ، واعتصم في قنسرين مطالبا بالخلافة .
2 ـ ثار الخوارج في شمال العراق واحتلوا منطقة الموصل ونصيبين كما ثار أبو حمزة الخارجي في جنوبي شبه الجزيرة وسيطر على طريق الحج . وقد تمكن مروان بن محمد من القضاء على هذه الثورات التي شغلته عن الخطر الرئيس المتمركز في خراسان والتمثل بالدعوة العباسية .
نهاية الخلافة الأموية :
بينما كانت جيوش مروان تتحرك لقمع هذه الثورات والفتن في الشام والعراق والحجاز . كان أبو مسلم الخراساني قد رفع الراية السوداء ( الراية العباسية ) في مرو عاصمة خراسان معلنا بداية الزحف العباسي الذي استطاع الاستفادة من عوامل الضعف والفساد بالرغم من أن عامل الأمويين على خراسان نبهه إلى ذلك . وطلب إليه قوات للقضاء على الثورة . وزحفت الجيوش العباسية إلى الغرب واصطدمت بجيش مروان في معركة الزاب بالقرب من الموصل حيث انهزم الأمويون . وهرب مروان فلاحقه العباسيون إلى مصر وقتلوه 132 هـ . وهكذا انتهت الخلافة الأموية بعد أن استمرت قرابة قرن من الزمن .





عوامل ضعف الدولة الأموية وسقوطها
مرت الدولة العربية في العهد الأموي بكل الأدوار التي تمر بها عادة أية دولة : دور التأسيس – القوة – دور الضعف والانهيار . فقد بلغت الدولة الأموية كما رأينا أوجهنا منذ عهد عبد الملك وحتى عهد هشام : إلا أن السلطة الأموية أخذت بعد ذلك تميل إلى الضعف والانحطاط بنتيجة العوامل التالية :
لم يجمع سائر المسلمين على فكرة وراثية الحكم ، التي سنها معاوية عندما اخذ البيعة لابنه يزيد . لان في ذلك مخالفة لمبدأ الشورى الذي كان متبعا في العهد الراشدي . وقد استمر العمل بمبدأ ولاية العهد طيلة فترة الحكم الأموي .
الثورات الداخلية :
واجهت الدولة في ظل الخلافة الأموية ثورات مختلفة قامت بها عدة فئات معارضة للحكم الأموي وهي على نوعين : ثورات قامت بها فئات تعتقد بأنها أحق بالحكم كثورات الشيعة وبني العباسي وعبد الله بن الزبير .
وثورات قامت بها بعض القبائل انتصاراً
موقف الموالي :
استاء الموالي منم سياسة الأمويين التي قامت على عدم مساواتهم بالعرب ، فدفعهم ذلك إلى الانضمام إلى كل حركة تريد النيل من الدولة ، وتجلى ذلك واضحاً في انضمامهم إلى الدعوة العباسية .
إحياء العصبية القبلية :
كان لسياسة بعض خلفاء بني أمية القائمة على تشجيع بعض القبائل وتقريبها دون الأخرى الأثر الكبير في إحياء العصبية القبلية التي قادت إلى تمزق الدولة من الداخل .
أن وراثية الحكم والتنافس داخل البيت الأموي قد أوصلت إلى الخلافة عددا من الخلفاء الضعفاء الذين لا أهلية لهم ، انغمس هؤلاء باللهو والمفاسد فأهملوا الحكم ، وتركوا أمور الدولة فوضى .
أن كل العوامل التي سبق ذكرها سببت إخفاق آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد في حماية كبان الدولة ومهدت لنجاح الدعوة العباسية ، التي انضم إليها جميع الناقمين على الحكم الأموي وذلك سنة 132 هـ .


الباب الأول
الفصل الثاني
الحضارة العربية في العصر الأموي




المجال العروبي
الأمويون وسيادة العرب في الدولة :
لا يمكن تحديد فترة معينة لظهور الفكرة القومية بمعناها غير الشوفوني التعصبي ، وإن كانت هناك بوادر تشير إلى ظهورها قبل الإسلام ، وقد تجلت في معركة ذي قار ، وتوضحت في مواقف عديدة في أثناء حروب التحرير وبخاصة في معركة البويب عندما انضم بنو تغلب النصارى إلى جانب أبناء جنسهم من العرب المسلمين ضد الفرس . وازداد هذا الشعور نموا أثناء مرحلة الفتوحات لأن العرب أخذوا على عاتقهم نقل القرآن كدستور إلى الشعوب الأخرى . حيث اعتمد الأمويون في حكمهم على العرب بفرعيهم اليمنيين والقيسيين وذلك لأسباب عديدة منها
1 ـ أن الإسلام ظهر بين العرب ، والقرآن نزل بلغتهم . والعرب هم حماة الإسلام وعليهم نشر رسالته بين الأمم . تلك الرسالة التي نقلتهم من الشرك إلى التوحيد .
2 ـ تعميق فكرة الاعتزاز بالعروبة وخاصة بعد أن هزموا دولتي الفرس والروم .
3 ـ اعتزازهم بأخلاقهم الحميدة ، وأنسابهم الصافية ، وتفاخرهم بها فيما بينهم .
شعر الأمويون بأهمية هذه الأسباب ، دفعهم ذلك الاعتماد على العرب وجعلهم أساس الدولة
تعريب الدولة :
تجلى هذا الاعتزاز بالعروبة في ضرورة إضفائها على جميع مرافق الدولة . لذلك فقد كان الخلفاء والولاة وقادة الجند والإداريون كلهم يختارون من العرب ، وأصبحت الدواوين تكتب باللغة العربية ، وكانت الكتابات على الطراز عربية . وأخيرا سكّ الأمويون نقودا ً عربية ، وطوروا النظم التي أخذوها عن الروم والفرس بما يتلاءم مع المجتمع العربي . وهكذا صبغت الدولة الأموية بالصبغة العربية وقد اضطر الموالي إلى تعلم اللغة العربية ، وانتشرت الثقافة العربية الإسلامية الواحدة في إرجاء الدولة كلها .
الموالي : وهم المسلمون من غير العرب ، وقد كثر عددهم بعد القضاء على الدولة الفارسية . وبالرغم من دخولهم في الإسلام فان قسما منهم كان متحمسا لإعادة بناء دولتهم ، ولشعور الأمويين بخطورة هؤلاء الموالي فقد حرموهم من حق المساواة مع العرب ومن مناصب الدولة العليا مدفوعين باعتزازهم بعروبتهم وبجذورهم مما زاد في نقمة هؤلاء وجعلهم ينضمون إلى جميع الحركات المناوئة للدولة الأموية .

الباب الأول
الفصل الثالث

الحضارة العربيةفي العصر الأموي
في المجال السياسي
الخلافة في العصر الأموي :
أطلق على كل رئيس من رؤساء الدولة العربية الإسلامية الذين حكموا بعد الرسول ( صلى الله علبه وسلم) اسم( خليفة ) . وكان الخليفة هو الرئيس الديني والسياسي للدولة ، ويصل إلى الخلافة بطريق الشورى .
بدل معاوية بن أبي سفيان نظام الشورى هذا وجعل الخلافة وراثية وأصبح الخليفة الأموي يأخذ البيعة لابنه أو أحد أقربائه في حياته ، وتجدد البيعة بعد وفاته .ويسمى الشخص الذي تؤخذ له البيعة ولي العهد .
علامات الخلافة :
استمر الأمويون في حمل علامات الخلافة التي توارثها الخلفاء الراشدون عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وهي :
1 ـ البردة : وهي كساء أشبه بالعباءة يلبس فوق الثياب وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يلبس البردة عندما يباشر أمور الدولة .
2 ـ الخاتم : هو خاتم كان يحمله الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، ويختم به الرسائل .
3 ـ القضيب : يستعمله الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في أثناء الخطابة على عادة العرب
شارات الخلافة :
1 ـ الخطبة : هي الدعاء للخليفة على منابر المساجد كل يوم جمعة وفي المناسبات.
2 ـ السكة : هي سك النقود المتداولة بين الناس في الدولة .
3 ـ الطراز : هو لباس الخليفة الرسمي ويتميز به عن سائر الناس . وقد أحدث الأمويون كلا من السكة والطراز . كما أن وجود الشارات في ولاية ما يعني خضوع هذه الولاية للدولة
السياسة الداخلية:
اعتمدت سياسة الأمويين الداخلية على الأسس التالية :
1 ـ تنظيم الدولة:
نظراً لاتساع الدولة فقد أوجد الأمويون ولايات جديدة ، ونظموا المالية والقضاء ، وأضافوا دواوين جديدة إلى جانب الدواوين القديمة حققت هذه السياسة السرعة في إنجاز أمور الدولة وضبطها والإشراف على الولايات .
2 ـ توطيد الأمن:
وطد الأمويون حكمهم تارة باللين وتارة بالشدة معتمدين في سياستهم على بعض الولاة والقادة ، فمنهم من عرف بدهائه كزيادة بن أبيه ومنهم من عرف بقسوته وشدته كالحجاج بن يوسف الثقفي . وقد تم في عهدهم ترحيل قبائل عربية إلى المناطق المفتوحة وبعضهم رحل إلى السودان . وبذلك انتشر العنصر العربي في هذه المناطق .
3 ـ العصبية القبلية:
قامت سياسة الدولة على إحياء العصبية القبلية التي جاء الإسلام لإضعافها ليحل رابطة العقيدة الدينية محلها ولتكون الرابطة الأساسية في المجتمع .
4 ـ تعريب الدولة:
عرب الأمويون الدواوين والسكة والطراز وجعلوا المناصب العليا في الدولة والجيش و الدواوين بأيدي العرب ، وقد أدت هذه السياسة إلى ظهور دولة عربية موحدة ومنظمة تمكنت من مواجهة أعدائها و القيام بفتوحات كبيرة .
السياسة الخارجية :
العلاقات مع الروم:
حاول الروم دائما استغلال انشغال العرب في العهد الأموي بالمشكلات الداخلية وتخطوا الحدود العربية . واجههم العرب بتحصين الثغور حتى يضمنوا سلامة حدودهم الشمالية ، ثم غزوهم . وقد استمرت هذه الغزوات المتبادلة طوال عمر الدولة الأموية ، ورافقها هجوم بري وبحري على القسطنطينية . وكان كل من الطرفين العرب والروم يعمد إلى استخدام بعض العناصر الموالية له في أ رض عدوة.
ورغم هذه الحروب فان العلاقات الثقافية والتجارية كانت تتم خلال فترات السلم مباشرة أو بوساطة وسطاء .
العلاقات مع دولة الفرنجة:
حاول الفرنجة القضاء على العرب في الأندلس ، ولكنهم أخفقوا في ذلك ورأى بعض الولاة أن احتلال جنوب فرنسا سيحمي الأندلس من هجوم الفرنجة ، غير أن معركة بلاط الشهداء أوقفت المد باتجاه أوربا . ولم يمنع ذلك من قيام مبادلات تجارية بين جنوب فرنسا وشمال إفريقيا .
العلاقات مع الصين والهند:
أخذت هذه العلاقات طابعاً ودياً وسليماً ، وبخاصة بعد توقف موجة الفتوح . وقد كانت هذه العلاقات تتم مباشرة أو بوسطاء .




الباب الأول
الفصل اللرابع
الحضارة العربية في العصر الأموي
في المجال الإداري
( 1 ) الحجابة والدواوين والولايات
معنى الحجابة:
اشتقت كلمة الحجابة من كلمة حجب أي منع ، وهي كمنصب تعني تنظيم مقابلات الناس مع الخليفة وعدم السماح بدخولهم إليه إلا بعد موافقته .
نشأة الحجابة:
حاول الخوارج اغتيال معاوية بن أبي سفيان حسب ما اتفقوا عليه ، ولكنهم أخفقوا ، وقد دفعت محاولتهم هذه بمعاوية بن أبي سفيان إلى إنشاء منصب الحجابة لتنظيم دخول الناس عليه ، وخشية إعادة محاولة اغتياله . كما أمر بإنشاء المقصورة ليحتجب فيها أثناء الصلاة في الجامع . وازدادت مكانة منصب الحجابة فيما بعد وبخاصة في الأندلس .
الدواوين :
الديوان كلمة فارسية الأصل معناها السجل أو الدفتر ، وأطلقها العرب على مكان حفظ سجلات الدولةالرسمية.عرف العرب في العصر الراشدي ديوانين هما ديوان الخراج وديوان الجند وقد أضاف الأمويون دواوين جديدة منها .
ديوان الخاتم: أنشاه معاوية ومهمته نسخ رسائل الخليفة وإيداعها في خزانة خاصة بعد ختمها حفظا لها من التزوير .
ديوان الرسائل أوالإنشاء: ويشرف على شؤون الولايات والرسائل التي ترد منها ، والتي ترسل من الخليفة إليها .
ديوان المستغلات: وتسجيل فيه واردات أملاك الدولة .
ديوان الطراز: ويشرف على مراكز صنع الملابس والأعلام التابعة للدولة والمسماة بدور الطراز ، وكان على رأس كل ديوان كاتب . وأهم هؤلاء كاتب ديوان الرسائل وقد اختارهم الأمويون من أهل الفصاحة . ومن أشهر كتاب الدواوين عبد الحميد الكاتب .
تعريب الدواوين: إن أهم الخطوات التي قامت بها الدولة الأموية هي تعريب الدواوين .
وقد كان ديوان الخراج يكتب في العراق بالفارسية ، وفي الشام باليونانية ، وفي مصر بالقبطية وذلك لأن العرب لم يكن لهم خبرة في الأمور الحسابية. وعندما تولى عبد الملك بن مروان الخلافة أمر بتعريف ديواني الشام والعراق ، وأما ديوان مصر فقد تم تعريبه في عهد ابنه الوليد . وتم تعريب الدواوين بعد تهيئة موظفين عرب للعمل فيها
أسباب تعريب الدواوين ونتائجه :
1 ـ إعطاء الدولة مضمونا عربيا ، وذلك بتعريب جميع مؤسساتها .
2 ـ ضرورة مراقبة سجلات الدولة ليسهل ضبطها . ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بكتابها باللغة العربية ، وتعيين موظفين يتقنون اللغة العربية للإشراف عليها .
ومن نتائج تعريب الدواوين أنها أدت إلى:
أ- تقلص نفوذ الفرس والروم في الدولة العربية .
ب– وجود فنيين عرب تسلموا إدارة الدولة ومؤسساتها .
ج- تطور فن الكتابة عند العرب وإدخال مصطلحات جديدة إلى اللغة العربية .
د – إشراف المسؤولين على سجلات الدولة ومؤسساتها .
تعريب النقد :
كان النقد المستعمل في الدولة العربية هو الدرهم الفضي الفارسي ، والدينار الذهبي البيزنطي فلما ولي عبد الملك الخلافة أمر بضرب نقود ونقش عليها كتابات إسلامية وسحب النقود المتداولة بين الناس . وأ سس عبد الملك لذلك داراً لسك النقود في دمشق ثم واسط .
أهمية تعريب النقد : حقق تعريب النقد الاستقلال المالي والاقتصادي للدولة العربية ، وجعلها في منجى من ضغط بيزنطة عليها .
تعريب الطراز: استمر دور بيزنطية التي كانت موجودة في مصر في صناعة الطراز على الشكل البيزنطي القديم بما فيه الكتابات اليونانية عليه . كما استورد الخلفاء بعضه من الدول الأجنبية . وقد أمر عبد الملك عند توليه الخلافة أن يصنع الطراز كله في البلاد العربية وأن يزين بكتابات عربية بعد أن وجد على الألبسة المستوردة كتابات لا تتـفق والعقيدة الإسلامية
الولايات : أعاد الأمويون تقسيم الدولة إلى ست ولايات، وتشمل كل ولاية منها عدة أقاليم ، وكان الخليفة يعين الولادة أو العمال على الولايات . ويعين الوالي مساعديه من الموظفين في أجزاء الولاية المختلفة بعد الحصول على موافقة الخلفية وكان الولاة يقدمون حسابهم إلى الخليفة مع تقارير عن وضع ولاياتهم ولا يقومون بعمل هام دون استئذانه .
أنواع الولاية : كانت الولاية على نوعين :
1ـ الولاية العامة وتكون سلطات الوالي وا سعة كولاية الحجاج بن يوسف الثقفي .
2 ـ الولاية الخاصة وتكون سلطة الوالي محدودة بما يمنحه الخليفة من سلطات .

الباب الأول
الفصل الخامس


الحضارة العربية في العصر الأموي

في المجال الإداري
( 2 )
القضاء والبريد والتنظيمات المالية
القضاء :
هو الفصل بين الناس في المنازعات وإقامة العدل . وقد توسعت اختصاصات القاضي في العصر الأموي ، وكان الخليفة يعين القاضي في العاصمة وربما في الولايات وعلى الأغلب كان الوالي يعين القاضي في ولايته .
الشروط التي يجب توافرها في القاضي :
يشترط في القاضي أن يكون سليم الحواس – تقياً – عادلاً – مستقيما ً – عالماً بالشريعة .
مصادر التشريع: استند القضاة في أحكامهم إلى المصادر التالية :
1 ـ القرآن الكريم : كتاب الله المنزل على رسوله .
2 ـ السنة : ما أثر عن رسول ( صلى الله عليه وسلم ) من قول أو فعل أو تقرير
3 ـ الاجتهاد : هو رأي القاضي في المسائل التي ليس فيها نص قرآني أو في السنة حسب فهمه للشريعة .
4 ـ القياس : هو قياس حادثة تعرض لهم على حادثة مشابهة وردت في القرآن والسنة .
5 ـ الإجماع : وهو الرأي الذي يتفق عليه أئمة المسلمين حول قضية ما .
مرتبات القضاة: تقاضي القضاة مقابل عملهم مرتباً من الدولة واختلف المبلغ المخصص لهم من عهد إلى آخر .
دور القضاء:
لم يكن هناك دور مخصصة للقضاء ، وإنما كان القاضي يمارس مهمته في الجامع أو في منزل .
المظالم: وهي بمثابة محكمة استئناف عليا ، يلجأ إليها المتخاصمون إذا شكوا عدالة القاضي ، أو يلجا إليها المتظلمون من تعدي الولاة وكبار الموظفين وأصحاب النفوذ وكان بعض الخلفاء الأمويين يخصصون يوماً خاصاً للنظر في المظالم .
ومن متممات القضاء:
1 ـ الحسبة: وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويسمى المسؤول عنها المحتسب ومهمته مراقبة الأسواق لمنع الغش وما ينافي الآداب العامة . وتشبه الحسبة في بعض مهامها شرطة البلديات والتموين .
2 ـ الشرطة: وكانت تابعة للقضاء ثم أصبح لها دائرة مستقلة في العصر الأموي . أصبح لكل مدينة شرطة خاصة بها ، ويسمى مديرها صاحب الشرطة. وكانت مهمتها تنفيذ أحكام القضاء وإلقاء القبض على المخالفين للقانون والدولة .
3 ـ تنظيم البريد: اهتم الأمويون بالبريد منذ عهد معاوية ، ولكن المنظم الحقيقي له كان عبد الملك وقد اهتموا به لتسهيل إشراق الخليفة على الولايات ، وسمي المسؤول عنه صاحب البريد ، وله أعوان في الولايات المختلفة . ولتسهيل مهمة البريد اهتم الأمويون بالطرق كما مر معنا .
مهمة صاحب البريد: كانت مهمة صاحب البريد نقل رسائل الخليفة إلى الولاة ونقل رسائل الولاة إلى الخليفة . إضافة إلى أنه كان عليه معرفة أخبار الولايات والحوادث الهامة التي تقع فيها وإبلاغها إلى الخليفة .
1 ـ تنظيم المالية: أودعت أموال الدولة العربية الإسلامية في بيت مال المسلمين وكان يسجل ما يدخل إليه وما يخرج منه في ديوان الخراج .
2 ـ جباية الأموال: قام بجباية الأموال في إنحاء الدولة موظفون معنيون لهذه الغاية . وكان يرأسهم مدير يسمى عامل الخراج ، وتنفق كل ولاية من وارداتها على شؤونها وترسل ما يفيض عنها إلى العاصمة . وأما العملة المستعملة فهي الدرهم الفضي والدينار الذهبي وذلك منذ عهد عبد الملك كما مر معنا .
واردات بيت المال : الزكاة والجزية والخراج والغنيمة والفيء والعشر والمكوس والركاز ..
نفقات بيت المال: صرفت الغنيمة والفيء والزكاة وفق النصوص الشرعية الإسلامية . وأما الضرائب الأخرى فكانت تصرف على مرتبات الولاة والقضاة والجند و موظفي الدولة ، وعلى مرافق الدولة العامة وتجهيز الجيوش ونفقات الخليفة . عد الأمويون بيت المال ملكاً للخليفة يتصرف به كما يشاء إلا في عهد عمر بن عبد العزيز فقد عدة ملكاً للمسلمين .


الباب الأول
الفصل السادس
الحضارة العربية في العصر الأموي
المجال العسكري
الجيش والأسطول
الجيش : اهتم الأمويون بالجيش اهتماماً بالغاً ، وبذلوا الأموال الكثيرة لتسليحه وإعداده وقد اعتمد الأمويون على العرب فيه ، فشكل هذا الجيش في بلاد الشام من قبائلها العربية ، واعتمد ولاتهم كذلك على القبائل العربية المستوطنة في الولايات والمناطق المفتوحة ، كما استعانوا بعناصر مسلمة غير عربية . وقد استقرت هذه الجيوش على الحدود في الثغور كملاطية والمصيصة وفي معسكرات كالكوفة ومرو
التطورات التي أدخلت على ما كان لدى العرب في عهد الراشدين :
1 ـ التجنيد الإجباري :
نظراً لازدياد حاجة الدولة إلى الجند لجأ عبد الملك بن مروان إلى فرض التجنيد الإجباري ، وطبقة واليه على العراق الحجاج بن يوسف وتشدد في تطبيقه بحيث اضطر جميع الرجال القادرين على حمل السلاح إلى الالتحاق بالمعسكرات ، وأصبحت الجيوش العربية تقسم إلى فئتين : الجيوش النظامية الدائمة والجيوش المتطوعة التي تدعى عند الحاجة .
2 ـ فرق الجيش : أهم فرق الجيش الكشافة والمشاة والفرسان وسلاح الهندسة وأحدث في العصر الأموي فرقة لنقل الجرحى . وقد تبع الجيش قراء القرآن والنساء لإثارة الحماسة .
3 ـ إثارة الحماسة لدى الجند : عندما كان الأمر يصدر بالقتال كان القراء يبدؤون بقراءة القرآن والتكبير ، وتدق الطبول والصنوج ، وتزغرد النساء ، فتثور الحماسة في صدور المحاربين ، ويندفعون لمهاجمة عدوهم وفي أغلب الحالات كان النصر حليفهم .
4 ـ الاستطلاع وتنظيم وسائل الإنذار : أينما توجه العرب كانت تسبقهم عيونهم(جواسيسهم ) و كان هؤلاء ينقلون إلى قادتهم أخبارالعدو ونواحي ضعفه وقوته . كما كان القادة يضعون في المناطق المرتفعة نقط مراقبة تسمى (المناظر) ، فإذا ما رأى المراقبون خطرا مقبلا أسرعوا بإنذار الجيش بإطلاق الدخان نهاراً أو إشعال النار ليلاً ، فلا يتمكن العدو من مباغتتهم
5 ـ طرق القتال : بقيت طرق القتال على ما كانت عليه في عهدالخلفاء الراشدين مع تعديل بسيط كان يطرأ حسب ظروف المعركة وأحوال الخصم . وفي أواخر العصر الأموي عمم نظام الكراديس بشكل نهائي في الجيش .
6 ـ مرتبات الجند : تقاضي الجند ما يشبه المرتب في عصرنا الحاضر من ديوان الجند ، وكان يسمى ما يأخذه عطاء ، ويضاف إليه وقت الحرب حصصهم من الغنائم .
7 ـ قيادة الجند : كان الخليفة هو القائد الأعلى للجيش ، ويقوم بتعيين القادة على الجيوش أما لبراعتهم في الحرب أو لأنهم من أصحاب العصبية . وكان قائد الجند يستعين بعدد من القادة العاملين معه في رسم الخطط الحربية وتنفيذها ، وأشهر هؤلاء القادة مسلمة بن عبد الملك بن مروان وقتيبة بن مسلم ومحمد بن القاسم وأبو المهاجر
الأسطول : الأسطول كلمة يونانية الأصل معناها مجموعة من السفن . وقد بدأ العرب ببناء الأسطول منذ ولاية معاوية على الشام زمن الخليفة عثمان . وكانت أول معاركه معركة ذات الصواري التي انتصر فيها العرب على الروم وقد رأى الأمويون ضرورة الاهتمام بالأسطول لرد اعتداءات الروم على السواحل العربية ، ولدعم الجيش البري ، فأنشؤوا دوراً لصناعة السفن في مصر وتونس وغيرها . وساعد على نمو الأسطول توافر الخشب في مصر ولبنان وتونس ، ووجود الصناع المهرة من سكان السواحل . واستخدمت في هذه السفن الأشرعة والمجاديف مستغلة هبوب الرياح وخصوصاً في جنوب شبه الجزيرة العربية .
الأساطيل العربية في العصر الأموي : كان للدولة الأموية ثلاثة أساطيل قوية ، وهي
1 ـ الأسطول المصري وتلحق به وحدة بحرية في البحر الأحمر ،
2 ـ والأسطول الشامي ،
3 ـ والأسطول المغربي .
4 ـ كما وجدت وحدة بحرية في الخليج العربي .
وكانت الأساطيل العربية تتعاون فيما بينها في أثناء الحرب .
سفن الأسطول : تعددت أنواع سفن الأسطول في العهد الأموي حسب مهماتها وأهمها :
1 ـ الشونة والبارحة : وهما أكبر سفن الأسطول وتوجد فيها أبراج ، وتستخدم للدفاع والهجوم .
2 ـ الحراقة : وهي سفينة صغيرة تستعمل لحمل النفط والمواد المحرقة .
3 ـ الطراد : سفينة صغيرة تشبه البرميل تستخدم لحمل الخيول والفرسان .
4 ـ الغراب : سفينة تشبه الشونة وتشبه في مقدمتها رأس الغراب وقد استخدمت لغزو شواطئ السند .
قيادة الأسطول : كان لكل أسطول قائد يسمى أمير الماء ، ولكل سفينة قائدان أحدهما ربان مسؤول عن تسيير السفينة ، والآخر يدير شؤون الحرب ، وأهم القادة جنادة بن أمية الأزدي فاتح رودس سنة 53 هـ
الأسلحة البحرية : تطورت أسلحة الأسطول في العصر الأموي ، فبالإضافة إلى الكلاليب التي استخدمت في العصر الراشدي ، فقد قذفوا النفط لحرق سفن العدو بوساطة منجنيقات صغيرة تسمى العرادات ، واستخدموا المزاريق لخرق سفن العدو وغير ذلك من الأسلحة .
طرق القتال البحرية : اتبع العرب في العهد الأموي طرقاً مختلفة من أساليب القتال مثل شد سفن العدو إلى سفنهم والقفز إليها ثم الاشتباك مع جنودها .

الباب الأول
الفصل السابع
الحضارة العربية في العصر الأموي
الحياة الفكرية
نمت الحركة الفكرية في العصر الأموي للأسباب التالية :
1 ـ تشجيع الإسلام للعلم : لقد دعا الإسلام إلى تحرر العقل واستخدامه في التفكير في خلق السموات والأرض ، كما دعا إلى طلب العلم و لو في أقصى الأرض ، والآيات التي تشير إلى ذلك كثيرة .
2 ـ تعريب الدواوين : أدى تعريب الدواوين إلى إيجاد فنيين ومصطلحات جديدة أغنت العلم واللغة .
3 ـ الاطلاع على ثقافات الأمم الأخرى: وتشجيع الخلفاء والولاة للأدب وخصوصاً الشعر والشعراء تعدت هذه الحركة الفكرية العناية باللغة العربية وآدابها وبدأ الاهتمام بالتاريخ والعلوم الأخرى والتعليم
أولا : علوم اللغة وآدابها :
آ - علوم اللغة ( النحو وقواعد اللغة ) : أدى اختلاط العرب بالأعاجم بعد قيام حركة الفتوح وتعلم هؤلاء لغة العرب إلى انتشار اللحن( الخطا) في اللغة . وقد دفع هذا أبا الأسود الدؤلي إلى وضع أسس قواعد اللغة بتوجيه من الخليفة على بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه .
وقد ضبطت اللغة في العصر الأموي بإيجاد الشكل والتنقيط لها ، وأسهم في ذلك الحجاج بن يوسف الثقفي وأبو الأسود الدؤلي .
ب – آداب اللغة ( ويقصد بها الشعر والنثر ) :
الشعر : ضعف الشعر في عهد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والخلفاء الراشدين لانشغالهم بالفتوحات ، وعندما جاء العصر الأموي ازدهر الشعر وعاد إلى مجده القديم بفضل تشجيع الأمويين للشعراء لأنه كان يؤمّن لهم الدعاية السياسية اللازمة إذ كان بمثابة الصحافة في عصرنا .
النشاط السياسي للفئات المختلفة ، وتبنى كل فئة شاعراً يدافع عنها ويهاجم أعداءها .
عودة العصبية القبلية بين عرب الشمال وعرب الجنوب وقيام شعراء الجانبين بالافتخار بقبائلهم ، ومهاجمة القبائل المنافسة لهم .
الترف والغنى : الناتج عن الفتوحات والذي أدى إلى إغداق الأموال على الأدباء لقاء مدحهم لهم . وقد تنوعت موضوعات الشعر ، وزا دت عما كانت عليه زمن الخلفاء الراشدين .
النثر : ازدهرت من فنون النثر في العصر الأموي( الخطابة والكتابة) .
الخطابة : ازدادت أهميتها في العصر الأموي نظراً لازدياد الحاجة إليها للدعوة إلى الجهاد ، ولبعث روح الطاعة للخليفة وللدعاية السياسية ومن أشهر خطباء هذا العهد الحجاج بن يوسف الثقفي .
الكتابة : كان لتعريب الدواوين وإنشاء ديوان الرسائل أثر كبير في تطور الكتابة . وقد أدخلت إليها أساليب جديدة وخصوصاً فن كتابة الرسائل على يد عبد الحميد الكاتب .
ثانياً – التاريخ : ظهر التاريخ على شكل قصص تروي حياة الأمم الماضية أو حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وغزواته . وقد جمعها الرواة عن طريق المحدثين دون التدقيق في صحتها . ومما دفع إلى الاهتمام بالتاريخ الحاجة إلى التعرف على أخبار الرسول وغزواته وأخبار الصحابة والأمم الأخرى . وسمي كتابها : كتاب السير والمغازي أو الإخباريون وأشهر من اهتم بها محمد ابن شهاب الزهري المتوفى 124 هـ .
ثالثاً – العلوم المختلفة : بدأت بواكير الحركة العلمية على يد خالد بن يزيد بن معاوية الذي عوض عن إخفاقه في الوصول إلى الخلافة بالاهتمام بعلم الصنعة أو الكيمياء . وقد ترجمت له كتب في الكيمياء والطب . ومن المحتمل أن خالد بن يزيد نفسه ألف في علم الصنعة . وأشهر الكتب المترجمة في هذا العصر كتاب أهرون بن أعين في الطب .
رابعاً – التعليم : لم يكن هناك تعليم بالمفهوم الحديث له . وإنما كان هناك تعليم بسيط يتم في الكتاتيب وحلقات المساجد ، حيث يتعلم الطالب القراءة والكتابة وبعض التاريخ . وأما أبناء الخلفاء وكبار الأمراء فقد كان لهم مؤدبون يعلمونهم القراءة والكتابة والرماية والسباحة وركوب الخيل . واستخدم في الكتابة ورق البردي والورق الخراساني والجلود .

الباب الأول
الفصل الثامن
الحضارة العربية في العصر الأموي
في المجال الفني
( 1 ) ـ فن العمارة وبناء الجوامع والمدن
العمارة في العصر الأموي : اهتم العرب في العصر الأموي بالعمارة بعد استتباب الأمن نسبياً في الدولة وتدفق الأموال عليهم بسبب الفتوحات ، وحب الخلفاء للترف والعمارات وتقليدهم الفرس والروم ، وخصوصاً أنهم استقروا في بلاد الشام وابتعدوا عن جو الحجاز الديني .
مصادر فن العمارة العربية : استفاد العرب في فني البناء والزخرفة من فنون الروم والفرس والعرب القدماء . ولكنهم لم يتوقفوا عندها بل ابتكروا أساليب جديدة ، فظهر لذلك فن عربي له شخصيته المميزة .
خصائص فن البناء العربي : تميز فن البناء العربي بمجموعة من الخصائص هي:
ـ تأثره بالدين الإسلامي: ويظهر ذلك في بناء المساجد والابتعاد عن رسم الإنسان والحيوانات في زخارفها . وتزيين الأبنية بكتابة الآيات القرآنية عليها وهو متماثل في كل إنحاء الدولة من حيث طرازه وتزييناته .
بناء الجوامع : اهتم الأمويون ببناء الجوامع لتامين أماكن العبادة للمسلمين الذين كان يتزايد عددهم . وقد استخدمت هذه الجوامع كمقر للتعليم والاجتماعات العامة ولأخذ البيعة والدعوة للجهاد . واعتنى الأمويون بتزيينها واستقدموا لذلك الصناع المهرة من بيزنطة كما فعل الوليد في بناء جامع المدينة
طراز بناء الجوامع : اتخذ جامع الرسول (صلى الله عليه وسلم) قدوة بناء المساجد في الدولة العربية الإسلامية ثم جرى تطوير بنائها في عهد بني أمية فأضيفت إلى المسجد الأقواس والقباب والمقصورة والمئذنة والمحراب ، وأصبح الجامع يتألف من بناء يتوسطه صحن مكشوف فيه مكان للوضوء . ويقع في جنوب الباحة مكان مسقوف للصلاة حيث يوجد المحراب والمنبر .
أهم الجوامع :
1 ـ جامع قبة الصخرة في القدس :أمر ببنائه عبد الملك بن مروان ، وهو بناء مثمن الشكل يحمل في وسطه قبة . وقد زين بالفسيفساء الجميلة
2 ـ الجامع الأموي بدمشق : بني بأمر من الوليد بن عبد الملك عام 96( هـ ): في موضع كان منذ القديم مكاناً للعبادة اشتهر هذا الجامع بفسيفسائه و زخارفه . وقد تعرض هذا المسجد للحريق عدة مرات مما أدى إلى دمار قسم هام من فسيفسائه .
3 ـ بني الأمويون مساجد أخرى كالمسجد الأقصى . وجددوا المساجد التي بنيت أثناء العهود الأولى مسجد المدينة
بناء المدن : أنشأ الأمويون المدن لضرورات أمنية وعسكرية . وكان يبنى المسجد أولا ثم دار الإمارة قربه ، ثم تبنى الأسواق والأحياء . وكانت كل قبيلة من القبائل تسكن حيا خاصاً بها ، ومن أهم المدن التي بنيت في العصر الأموي :
1 ـ القيروان في تونس : أمر ببنائها عقبة بن نافع (50هـ) لتكون مقرا لجنده ومركزاً لولاية شمال إفريقيا .
2 ـ واسط في العراق : قرب قرية الحي اليوم . أمر ببنائها الحجاج ابن يوسف( 83هـ) في مكان وسط بين الكوفة والبصرة والأهواز ، وجعلها مركزاً لولاية العراق وأسكن فيها الجند الشامي .




الحضارة العربية في العصر الأموي
في المجال الفني
(2)
بناء القصور – الزخرفة –
أولا – بناء البيوت : تميزت بيوت العرب بوجود باحة سماوية تقوم على جوانبها الغرف .
ومع ازدياد غنى المسلمين الناتج عن الفتوحات أخذت عنايتهم ببيوتهم تزداد ، وأصبحت هذه البيوت واسعة وتبني من الآجر والطين والحجارة وتزين بالنقوش . وقد بلغ الاهتمام بالعمارة درجة كبيرة عند الخلفاء الأمويين فبنوا القصور المختلفة .
قصور الأمويين : لاتزال بقايا كثير من قصور الأمويين منتشرة في البادية والمدن ، وهي تربو على ثلاثين قصراً أهمها قصر الخضراء وعمرة والحير الغربي .
أ – قصر الخضراء في دمشق : أمر ببنائه معاوية بن أبي سفيان في دمشق جنوب شرقي المسجد الأموي ، وسمي بالخضراء نسبة إلى قبة خضراء كانت له .
ب – قصر عمرة : يقع في الطرف الشمالي الشرقي للبحر الميت في شرقي الأردن ، أمر ببنائه الوليد بن عبد الملك ليستجم فيه ويمارس هوايته في الصيد . وأهم ما بقي منه الحمام ويتميز بوجود صور بشرية على جدرانه إضافة إلى مشاهد الصيد والمهن المختلفة .
ج – قصر الحيرة الغربي قرب تدمر : أمر ببنائه هشام بن عبد الملك ، وقد شيدت أسواره من الحجارة والأجر ، ودعمت بأبراج نصف دائرية ، ونقل إليه الماء بوساطة قناة . ونقلت واجهته إلى متحف دمشق .
طراز قصور الأمويين :
تألفت قصور الأمويين من سور خارجي مرتفع تتوسطه باحة مكشوفة تلتها أروقه مسقوفة ثم الأجنحة السكنية .
ثانياً – فن الزخرفة :
لم يشجع الإسلام على تصوير الكائنات الحية خوفا من عودة الناس إلى الوثنية ، لذلك انصرف الفنانون العرب إلى الزخرفة الهندسية والنباتية . ولم يمنع ذلك من وجود صور قليلة بشرية وحيوانية في قصور الأمويين ، ولا نجد لمثلها أثرا في المساجد .
واستخدم الفنانون العرب إلى جانب الزخرفة الهندسية والنباتية الخط العربي وخصوصا الكوفي في التزيين .
الفنون الصناعة الأخرى : برع العرب بتطعيم الخشب والنحاس والخزف وتجلت براعتهم في هذه الصناعة في كل الآثار التي خلفوها ورآهم .
ثالثاً – فن الموسيقا : إن قيام العرب بالفتوحات واختلاطهم بالروم والفرس وإعجابهم بموسيقاهم دفع الموهوبين من العرب إلى نقل إلحانهم وتكييفها مع الذوق العربي ثم تطويرها في العهود التالية . وشجع الأمويون الغناء والموسيقا خلافاً لما كان في عهد الخلفاء الراشدين ومنحوا المغنين هبات كبيرة ، واستمعوا إليهم في مجالس الطرب والأدب التي كانوا يقيمونها في قصورهم . وأشهر المغنين في هذا العصر ابن سريج ومعبد .
الآلات الموسيقية : عرف العرب الدف والمزهر والقصبة والزمر والناي كما استعملوا الطبول والصنوج ، وقد أباح الفقهاء استعمال الدف منها فقط

الباب الأول
الفصل التاسع
الحضارة العربية في العصر الأموي
في المجال الاقتصادي
نقصد بالحياة الاقتصادية الزراعة والصناعة والتجارة وطرق المواصلات وتطورها في ظل الدولة الأموية .
الزراعة : لقد شغلت الفتوحات والمشاكل الداخلية الأمويين عن الاهتمام بالزراعة ، ولكنهم لم يهملوها تماماً ، بل التفتوا إليها بين الحين والآخر . فقد أمر يزيد بن معاوية بحفر قناة من نهر بردى لري المناطق المرتفعة من الغوطة ، و أطلق عليها اسم نهر يزيد . وقيام ولاة الأمويين كالحجاج بن يوسف بشق قنوات الري ، وإعادة فتح ما ردم منها وإصلاحها ، وتجفيف المستنقعات واستصلاح الأراضي ، واستخدام في ذلك الرقيق الذي جلب من إفريقيا ومن أسرى الحروب . كما منع الحجاج هجرة الفلاحين من الريف إلى المدينة حرصاً على عدم نقص المحاصيل الزراعية وضريبة الخراج .
ملكية الأرض الزراعية :كانت ملكية الأرض الزراعية ثلاثة أنواع :
1 ـ الأراضي التي استولى عليها المتنفذون العرب .
2 ـ الأراضي التي كان يملكها الدهاقنة ( المتنفذون من الفرس ) .
3 ـ أراضي أملاك الدولة وخصوصاً المستصلحة منها ، وكانت توزع على أبناء البيت المالك وأتباعهم . كما كانت هنالك ملكيات خاصة لبعض الفلاحين وقد تشكلت نتيجة هذا النظام طبقة تملك الأراضي الواسعة استخدمت الفلاحين والرقيق في زراعتها .
أهم المنتجات الزراعية : تنوعت الحاصلات الزراعية في الدولة الأموية تبعا لاختلاف المناخ وتوافر وسائل الري والتربة الخصبة . وكانت أهم الحاصلات الزراعية الحبوب والزيتون الفواكه والكتان والتمور وقصب السكر .
تربية الماشية : اهتم العرب بتربية الماشية إذ بقيت مصدرا هاماً من مصادر غذائهم وتنقلهم وصناعتهم النسيجية . وأهم الحيوانات التي ربوها الإبل والغنم والبقر ، كما جلبوا الجاموس من الهند إلى أهوار العراق والجزيرة السورية . وقد بذلت عناية خاصة لتربية الخيول العربية الأصلية في هذا العهد .
الصناعة : عمل سكان البلاد على تطوير الصناعات التي كانت عمدهم بتشجيع من الخلفاء الأمويين . وقد ازدهرت الصناعة المعدنية بسبب توافر المعادن الضرورية لها ، كما تميزت صناعة النسيج برقيها بسبب وجود دور الطراز والخيوط المختلفة اللازمة لها . فاشتهرت مصر بالنسيج الكتاني ودمشق بالنسيج الحريري وأرمينيا وفارس بالسجاد .
كما وجدت صناعات أخرى كصناعة الورق في مصر وخراسان وصناعة السفن في المناطق الساحلية .
التجارة : انشغل الأمويون عن التجارة بالحروب ، ولكن ذلك لم يمنع العرب من القيام بنشاط تجاري .
التجارة الداخلية : وكانت تتم بين الولايات المختلفة ، وساعد على تقدمها اتساع رقعة الدولة ، والاهتمام بطرق المواصلات ، وإيجاد نقد عربي ثابت وموحد للدولة ، وتوطيد الأمن .
التجارة الخارجية :
أ – تجارة البحر المتوسط : أدى الصراع الذي كان قائما بين العرب والبيزنطيين إلى تناقص تدفق السلع من الشرق إلى الغرب . ولم يخفف من هذا النقص قيام تجار بعض الموانئ الايطالية الجنوبية بالتجارة مع سواحل شمال إفريقيا .
ب – التجارة مع الهند والصين : لم يكن هناك عائق يمنع التجارة مع الهند والصين ، لذلك كانت السفن التجارية تصل إلى سواحلها وتجلب مختلف البضائع الشرقية إلى موانئ الخليج العربي وعدن . وكانت أهم السلع المستوردة التوابل والمعادن الثمينة . وقد وصلت الحضارة العربية إلى أقصى الشرق بفضل التجارة العربية .
الطرق التجارية :
1 – الطرق البرية : وكانت تمتد بين العاصمة دمشق وولايات الدولة المختلفة ومن ثم إلى الدول المجاورة ، وأهم هذه الطرق :
1 ـ طريق تصل دمشق بالولايات الشرقية والسند والصين .
2 ـ طريق ممتدة إلى الأندلس عبر شمال إفريقيا .
3 ـ طريق دمشق – الحجاز – اليمن .
وقد اهتمت الدولة بطرق المواصلات البرية.

2 – الطرق المائية :
1ـ طريق المحيط الهندي ويبدأ من موانئ البحر الأحمر وعدن وموانئ الخليج العربي إلى الهند والصين .
2 ـ طريق البحر المتوسط ، ويبدأ من موانئ بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا إلى جنوبي ايطاليا وفرنسا وغيرها .
أهم المدن التجارية : كانت أهم المدن التجارية دمشق في بلاد الشام والإسكندرية في مصر و القيروان في المغرب والمرية في الأندلس وعدن في شبه الجزيرة العربية والكوفة والبصرة في العراق والديبل في السند ومرو في خراسان
مراقبة الدولة التجارة : كان للدولة حق مراقبة التجارة لمنع الغش والتلاعب بالأسعار ولجباية رسومها . وكان المحتسب في كل مدينة يقوم بهذه الأمور .



الباب الثاني
العصبية القبلية في العصر الأموي
الباب الثاني
الفصل الأول
عوامل عودة العصبية القبلية في العصر الأموي
بلغت العصبيات القبلية في هذا العصر من الحدة مبلغاً كبيراً بسبب بروز عوامل عدة أبرزها
1 ـ العوامل الاجتماعية : وتتمثل في انتقال القبائل العربية من الطور البدوي إلى الطور الحضري الذي كان من المفترض أن يفتت هذه العصبيات إلا أن نظام توزيع العطاء على الجند و استنفار المقاتلين قد فرض على الدولة أن تخطط المدن والأمصار على أساس قبلي حتى إن مدينة الكوفة شطرت شطرين شطر للقبائل اليمنية وشطر آخر للقبائل النزارية وهذا ما جعل العصبيات تعود بشكل حاد أضف إلى ذلك حرص بني أمية وأشرافهم وولاتهم على مصاهرة القبائل العربية فإذا تزوج الخليفة أو الوالي من قبيلته من القبائل تعصب لها ويدل على ذلك ما أحدثه أصهار ( خالد بن يزيد ) إلى آل الزبير من تبدل شعوره نحو هذه الأسرة التي ناصبت بني أمية العداء ونازعتها سلطانها حتى غدت أحب أسرة إليه وفي ذلك يقول .
أحب بني العوام طراً لحبها ومن أجلها أحببت آخر لها كلبا
كما وأن هذه المصاهرات جعلت بني أمية ينحازون مرة إلى ( كلب ) ومرة إلى
( قيس ) و أدى ذلك إلى الصراع القبائل وتنافسها .
2 ـ العوامل السياسية : التي هي بدورها زرعت بذور الاحترام بين هذه القبائل ولذلك وجد الأمويون في إثارة العصبيات بين القبائل كسباً سياسياً لدولتهم ودعماً لسلطانهم لأن انشغال القبائل في تيار الخصومات القبلية كان عاملاً في انجراف هذه القبائل عن نظام الحكم الأموي و عدم تكتل هذه القبائل ضدهم .
وقد وضع معاوية اللبنة الأولى لهذه العصبيات فانحاز في بداية أمره إلى القائل اليمنية بالشام حتى عزت اليمن في الشام في عهده وتطاولوا على قصره وهموا بإخراجهم من الشام مما أدى إلى تحرك العصبية المضربة في معاوية فأخذ يتعصب لها وأعطى ( 4000 ) رجل من قيس عطاء مخصصا ثم جعل ( يغزو اليمن بالبحر ) و ( قيس في البر )
أتترك قيس أمنيين بدارهم ونركب ظهر البحر والبحر زاخر
وهكذا بقي خلفاء بني أمية يقربون القيسية ويقصون اليمانية وبالعكس حتى دال ملكهم و انهار حكهم . أضف إلى ذلك أن التحريض بين الشعراء والرجال البارزين زاد من حدة الصراع القبلي وقد كان ممن اتهم بالعصبية القبلية الحجاج بن يوسف الثقفى الذي اختار كل عماله وولاته من القيسية ، وقد كان ( الجراح بن عبد الله الحكمي ) من اشد ولاة بني أمية تعصباً ومن المغالين في تعصبهم حيث كان يقول :( والله لرجل من قومي أحب إلي من مئة غيرهم ) وقد أدت عصبية الولاة إلى اتقاد نار العصبيات القبيلة طوال عهد بني أمية وإلى اتصال الفتن القبلية في شتى الأقطار الإسلامية
ومما ساعد على اشتهار النزاع القبلي سياسياً تنازع القبائل التي تنزل في ديار واحدة( السلطان السياسي) فيها فكل قبيلة ترغب أن يكون لها نصيب الأسد من المناصب السياسية وهذا ما جعل بني العباس يقوضون حكم بني أمية للسهولة .
3 ـ العوامل الاقتصادية : التي برزت في رغبته القبائل العربية في الحصول على القسط الأوفى من المكاسب المادية والمغانم وليس فقط السلطان السياسي على أن تداخل العاملين جعل الصراع يحتد أكثر فالبحث عن السلطات السياسي دوافعه كسب المغانم كما كان هو صراع القبائل العربية في العصر الجاهلي على ( الماء والكلأ والمرعي )
4 ـ العوامل الثقافية : المتمثلة في ما قام به الشعراء والخطباء من إيقاد لنيران العصبية القبلية وفي الحقيقة أن هؤلاء الشعراء والخطباء هم أكثر الناس تأثيرا في إثارة العصبيات القبلية بشكل مباشر من خلال دعوة القوم للثار والتحريض ، أو بشكل غير مباشر من خلال المفاخرات والمناقضات بينهم والتي ساعدت في نشر ثقافة التذكير بالوقائع والمعارك القديمة ونشر المثالب والمعايب ونكء الجروح القديمة وإثارة الحزازات التي عفا عليها الزمن


الباب الثاني
الفصل الثاني
مظاهر العصبية القبلية في العصر الأموي
لقد أدى إذكاء نار العصبية القبلية في هذا العصر إلى صراع ( حربي ولساني ) بالإضافة إلى اعتزاز القبائل بأنسابها وافتعال الأخبار والروايات التي ترفع من شان القبائل واستمرار النزعات القبلية والتنافس القبلي والثأر والمعاقرات ومن تلك المظاهر
1 ـ التمسك بالإنسان والاعتزاز به : ومن ذلك انتساب ( كثير الخزاعي ) إلى كنانه ويفخر باتصال نسبة بقريش أمام عبد الملك بن مروان .
أليس أبي بالصلت أم ليس إخوتي بكل هجان من بني النضر أزهرا
إذ ما قطعنا من قريش قرابة فإني قيسي يحمل النبل ميسرا
فرد عليه الأحوص الأوسي
شتابى بنو عمرو عليك وينتمي لهم حسب في جذم غسان معرق
فإنك لا عمرا أباك حفظته ولا النضر أن ضعيت شيك تلحق
2 ـ التماسك القبلي : الذي أدركت معناه القبائل من أجل تحقيق مصالحها ويتجلى التماسك القبلي واضحا في قصة سجن خالد القسري للفرزدق وما صنعه الفرزدق من أنه أوصى ابنه أن يستعين بقيسية الشام ليشفعوا له عند هشام ففعلوا وعبر الفرزدق عن أهمية الرابطة المضرية التي تؤلف بين ( قيس وتميم ) .
ألم تر قيساً قيس عيلان شمرت لنصري وحاطتني هناك قرومها
فقد حالفت قيساً على الناس كلهم تميماً فهم منها ومنها تميمها
وعادت عدوي أن قيسا لا سريحة وقومي إذا ما الناس عد صميما
3ـ الأحقاد القبلية : التي حاول الإسلام وأدها في مهدها غير أن العصر الأموي جاء وأعاد بعثها من جديد وأذكى نارها وقد عبر الأخطل عن عمق هذه الأحقاد حين قال :
إذا ما قلت قد صالحت بكراً أبى الإضغان والنسب البعيد
وأيام لنا ولهم طـــوال يعض الهام فيهن الحديـد
وهكذا كانت هذه الأحقاد تجعل القوم يسرون بكل مصيبة تظهر في القبائل الأخرى ويبتهجون لكل نائبة تنزل بهم وقد عبر عن ذلك بعض الشعراء قائلا :
يزداد لهم المناقي في منازلنا طيبا إذا عز في أعدائنا المرق
وقد ازداد التشفي بين القبائل في هذا العصر وأصبح السلعة الرابحة التي لا ينفعك أصحابها يبيعون ويشرون لها .
4 ـ استمرار النزعات الجاهلية : التي حاربها الخلفاء الأمويون وتمسك بها الناس لما رأوه من اتحياز في السلطان كالتداعي إلى القبائل والعشائر والتنافس في الكرم الموروث من خلال المعاقرات للإبل وإطعام الناس وكذلك نزعة المفاخرة والمنافرة وعلى الرغم من أن الإسلام وضع (التقوى ) ميزان التفاضل ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) إلاأن الكثير من القبائل عادت لميزان الجاهلية في تفاضل الناس .
5 ـ الأحلاف القبلية : التي عادت إلى الظهور في هذا العصر لإقامة التوازن بين الكثيرمن المشاكل القبلية في البلد الواحد أو التنافس لدفع أذى قبيلة قوية معادية ومن ذلك حلف ( تميم و كلب ) وحلف ( ربيعة واليمن ) وحلف ( بكر الربيعية وقبيلة الزاد اليمنية ) بالبصرة .



الباب الثاني
الفصل الثالث
أثر العصبية القبلية في الشعر الأموي
حمل الشعراء العرب منذ عصر الجاهلية لواء العصبية القبلية ونفخوا ببوقها وأججوا نارها وزاد صدى النزعة القبلية في العصر الأموي مترافقة مع النزعة الدينية وخاصة حين وجدت الأحزاب السياسية والفرق الدينية مسربا لها وقل أن نجد شاعراً أمويا لم يخضع للنزعة القبلية السياسية سوى شعراء اتجهوا للهو والنزاع و العبث كعمر بن أبي ربيعة . فقد بقي معظم الشعراء الأمويين يسيرون على سنن الشعراء الجاهليين في الحديث عن الأغراض القبلية في شعرهم وتقديم الولاء القبلي على سائر النزعات والمنافحة عن القبيلة والإشارة بمآثرها والشعراء المحترفون لم ينج من ذلك (لا شعراء الشام ولا العراق ولا الحجاز ولا خراسان) وقد نطق بلسان ( قيس ) زفر بن الحارث ونفيع بن صفار والعجير السلولي ونطق بلسان ( تغلب ) الأخطل الكبير والقطامي وأعشى تغلب ونطق بلسان ( اليمامية ) عمرو بن مخلاة وجواس بن القعطل وحكيم بن عياش المعروف بابن الأعور وعمران بن هلباء والأصبغ بن ذؤاله وبلسان ( نزار ) الفرزدق وجرير والبعيث وغسان السليطي والعجاج والراجز وابنه رؤبه . و بلسان ( القحطانية ) الطرماح بن حكيم الطائي وسراقة بن مرداس البارقي ؛ أما المواقع التي كان العرب يخوضون فيها المعارك في بلاد العجم فقد حكى عنها النابغة الجعدي والمغيرة بن حبناء وكعب الأشقري والشمردل اليربوعي ونهار بن توسعه البكري
وقد كان الشاعر المتعصب لقومه يعتقد أن الله ما وهبه موهبة الشعر إلا ليدافع عن قومه وفي ذلك يقول الفرزدق :
أنا الضامن الراعي عليهم وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وقد كان النزاع السياسي وثيق الارتباط بالنزاع القبلي إذ وقف الشعراء من الأحداث السياسية بحسب الموقف الذي تمليه القبيلة ولكن بعض الشعراء لم يناقدوا لهذه العصبية وبقيت أصواتهم خافتة في مناهضة هذه العصبية ومن هؤلاء الشعراء ( نهار بن توسعة – التميمي البكري ) الذي كان يؤثر الإسلام على الانتماء إلى بكر أو تميم :
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا هتفوا ببكر أو تميـــم
دعي القوم ينصر مدعيه فيلحقه بذي النسب الصميم
وما كرم و لو شرفت جدود ولكن التقي هو الكريـــم
وللأخطل الكبير موقف فخر في إثارة الفتن القبلية حين حرضه يزيد بن معاوية على هجاء الأنصار الذين رضي الله تعالى عنهم في قرانه الكريم ( رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وقد قال فيهم الأخطل :
ذهبت قريش بالمكارم والعلا واللؤم تحت عمائم الأنصار
وهكذا نجد أن الشعراء الذين يجب أن يكونوا رسل سلام ومحبة وخير وخاصة بعد أن جاء الإسلام يبشرون بالشر وتلقيح الفتن كما أكد زفر بن الحارث أن حزازات الصدور الجاهلية ستبقى كما هي مهما مر عليها الزمن .
فقد ينبت المرعي على دمنه الثرى وتبقى حزازات الصدور كما هيا
على ألا نفغل أن الشعراء كانوا يحرضون قومهم على الثار من أعدائهم ويحثون الموتورين على الطلب بدماء قتلاهم حتى أن بعض الشعراء وصف القاعدين عن الثار لقتلاهم بالنساء لأنهم عجزوا عن إدراك وترهم :
وإن أنتم لم تثأروا بأخيــــك فكونوا نساء للخلوق وللكحل
وبيعوا الردينيات بالحلي واقعدوا على الذل وابتاعوا المغازل بالنبل


الباب الثاني
الفصل الرابع
الرثاء القبلي في العصر الأموي
بغض النظر عن دوافع الرثاء المختلفة في نفس الشاعر سواء ما كان منها لفقد شخص عزيز أو تربطه به رحم أو صلة أو يمثل عقيدة أو مذهب أو منزلة اجتماعية ، فإن الرابطة القبلية تمثل جانبا من دوافع الرثاء حيث تهز المواجع التي تنزل بقوم الشاعر وقبيلته ذلك في هذا العصر ففي أعقاب موقعه مرج راهط التي دارت الدائرة فيها على قيس قام شعراء القيسية يندبون من صرع في ميراث المعركة من فرسانهم ويتوعدن كلباً بلقاء قريب يثأرون فيه لهزيمتهم و من ذلك ما قاله سيد قيس زفر بن الحارث
أتذهب كلب لم تنلها رماحنا وتترك قتلى راهط هي ماهيا
أبعد ابن عمرو وأين معنى تتابعوا ومقتل همام أمنى الأمانيا
وقد رثى الشعراء من هلك من أقوامهم أبان الفتوح والفتن السياسية والحروب الداخلية ، فلقد ترك موت عبد الرحمن بن مخنن سيد الأزد في الكوفة في قتاله الأزارقه أثر عميق في نفوس أهل الكوفة فرثاه سراقه بن مروان البارقي قائلاً
أعيني جودا بالدموع السواكب و مونا كواهي شنة مع راكب
على الأزد لما أن أصيب سراتهم فنوحا لعيش بعد ذلك خائب
وكنا بخير قبل قتل ابن مخنن وكل امرئ يوما لبعض المذاهب
وأكثر ما كان يؤلم الشاعر تفرق قومه وتشتت أمرهم بسبب المنافع واصطراع المطامع ومن ذلك قصيدة عبد الله بن قيس الرقيات التي يأس فيها لما آل إليه أمر قريش من الفرقة والاختلاف وقتال بعضها بعضا :
حبذا العيش حين قومي جميع لم تفرق أمورها الأهواء
ومن الرثاء القبلي في هذا العصر رثاء السادة والأشراف في القبائل الذين تغتالهم يد الردى أو يستشهدون في ساع الوغى ومن ذلك ما عبر عنه أعشى همذان في بكائيته لابن الأشعث .
عليك محمد لما ثويت تبكي البلاد وأشجارها
وكنت كدجلة إذ ترتمي فيقذف في البحر تيارها
وقد يكون الرثاء بسبب وباء جارف أو بسبب جائحة طبيعية كما في قول الحكم بن عبد الفاضري الأسدي يرثي جماعة من بني غاضرة هلكوا بطاعون وقع في الكوفة
أبعد بني زر وبعد ابن بحدل وعمرو أرجي لذة العيش في حضي
وهنوا وبقينا نأكل العيش بعدهم إلا أن من يبقى على أثر من يمضي
وللرثاء القبلي خصائص متميزة تتمثل بـ
1 ـ أنه صوت الشعور تجاه المرثي
2 ـ مخالجة اليأس لنفس الشاعر
3 ـ تهويل الخطب وتعظيم الرزء
4 ـ تعداد مناقب المرثي التي تسوغ شدة الجزع عليه
5 ـ الإشارة بشجاعة المرثي .





الباب الثاني
الفصل الخامس
الفخر القبلي في العصر الأموي
غلب الطابع القبلي على الشعر الأموي بشكل عام وموضوعاته ولكنه في الهجاء والفخر كان أكثر فقد عاد الفخر القبلي إلى صورته الجاهلية في العصر الأموي بسبب إذكاء الروح القبلية وقد مثل ذلك الفرزدق في قوله :
تميم هم قومي فلا تعد لنهم بحي إذا اعتز الأمور كبيرها
وحتى حين ينزع الشاعر إلى الفخر بنفسه فإن فخره في الغالب يكون صدى عصبيته وقد قال الفرزدق أيضا :
أنا الضامن الراعي عليهم وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
ولذلك فقد كانت موضوعات الفخر القبلي تتمثل في المناقب والمآثر التي كان الجاهليون يفاخرون بها وأهم هذه الموضوعات .
1 ـ التفاخر بالأيام والوقائع فشعر كل قبيلة سجل يؤرخ وقائعها الظافرة كفخر العديل بن الفرخ العجلي بيوم ذي قار وفخر بني عامر بن صعصعه بيوم شعب جبلة والفخر بيوم وهرحان ويوم السلان وفخر شعراء اليمانية بأيامهم على معد في الجاهلية كيوم ( أوارة ) وفخر بني تغلب بيوم الكلاب الأول وكذلك فخر بني يربوع بأيام طنحفة وذي نجب والصمد ومن ذلك قول جرير:
هم ضربوا هام الملوك وعجلوا بورد غداة الحوفزان فبكرا
وقد جعلت يوما بطخفة خيلنا لآل أبي قابوس يوما مذكرا
2 ـ التفاخر بفضائل الصحراء : التي فرضتها البيئة على المجتمع القبلي كالشجاعة والنجدة وإغاثة الملهوف وحماية المستجير وقرى الضعيف ونقيضه جرير الفائية تمثل ذلك أصدق تمثيل:
ترى جارنا فيها يجير وإن جنى فلا هو مما ينطف الجار ينطف
ويمنع مولانا وإن كان نائياً بنا جاره مما يخاف ويأنف
وقد علم الجيران أن قدورنا ضوا من للأرزاق والريح زفزف
نعجل للضيفان في المحل بالقرى قدوراً بهبوط تمد و تقرف

3 ـ التفاخر بإيثار حياة البادية على حياة الحضر: وقد مثلت ذلك الشاعرة ميسون بنت بحدل حين رفضت العيش في حياة القصور وآثرت العيش في الخيام .
لبيت تعصف الأرواح فيه أحب إلى من قصر ضيف
4 ـ التفاخر بالتمسك بالنظام القبلي: والخضوع لسادة القبيلة والانقياد إلى أولي الرأي وقد عبر عن ذلك القطامي في قوله :
ونطيع آمرنا ونجعل أمرنا لذوي جلادتنا وجزم قوانا
5 ـ الفخر برجاحة العقل وشدة النزق : كل بحسب الموقف والحاجة إليه فحين تعامل بالعقل ترد بالعقل وحين تستثار ترد كالجن يقول الفرزدق :
أحلامنا تزن الجبال رزانة و تخالنا حبنا إذا ما نجهل
ويرد عليه جرير
أحلامنا تزن الجبال رزانة ويفوق جاهلنا فعال الجهل
6 ـ تفاخر كل قبيلة: بأنها أعرق القبائل شرفا وأتبلها محتدا وأفضلها نسبا وأشرفها بيتا وأعلاها منزلة وأكثرها عزة وفي ذلك يقول جرير:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه اعز وأطول
7 ـ التفاخر بقتال أهل الشرك: والمشاركة بالفتوح الإسلامية من ذلك ما قاله الطرماح مفاخرا بقومه اليمانية الذين نصروا الخليفة وقاتلوا الثائرين عليه كما نصروا النبي من قبل وقاتلوا المشركين :
بهم ينصر الله الخليفة كلما رأوا نعل صنديد عن الحق زلت
بهم نصر الله النبي وأثبتت عرى عقد الإسلام حتى استمرت
وقد دارت هذه المفاخرات في إطار العصبية القبلية الواسعة بين العدنانية و القحطانيه كما هو في فخر الوليد بن يزيد بالعدنانية:
ونحن المالكون الناس قسرا نسومهم المذلة والنكالا
ونوردهم حياض الحي ذلا وما نالوهم إلا خبالا
شددنا ملكنا ببني نزار وقومنا بهم من كان مالا
وفخر القحطانية ببلائها في مرج راهط الذي مثله عمرو بن مخلاة
حزينا لكم من منبر الملك أهله بجيرون إذ لا تستطيعون منبرا
وأيام صوت كلها قد عرفتم نصرنا ويوم المرج نصرا مؤزرا
وكذلك دارت هذه المفاخرات في إطار العصبية الضيق وبين القبائل التي تربطها أصرة الرحم الكبرى ، وخاصة بين القبائل المتجاورة ومن المفاخرات الشعرية التي تمثل هذا الضرب تفاخر شعراء تميم ( جرير من جانب ) و ( الفرزدق و البعيث من جانب آخر ) مستخدمين المآثر الجاهلية لإبراز خصائصهم كإحياء الموؤدات وإكرام الضيف ونجدة المستغيث وحماية المظلوم والشجاعة في القتال وقد كان جرير والفرزدق على الرغم من تهاجيهما يركزان على الفخر بتميم القبيلة الأم .
يقول جرير :
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا
ويقول الفرزدق في تميم نفسها :
وبالله لو لا أن تقولوا تكاثرت علينا تميم ظالمين وأسرفوا
لما تركت كن تشير بإصبع ولا تركت عين على الأرض تطرف
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس و قفوا
وقد تميز الفخر بخصائص فنية بارزة تمثلت بـ :
1 ـ ظهور أثر الصنعة الفنية فيه .
2 ـ ظهور أثر الثقافة الدينية فيه ( القرآن الكريم – الحديث الشريف )
3 ـ ظهور أثر الثقافة الفكرية فيه ( وجود صدى الحياة الاجتماعية فيه )
4 ـ الاتكاء على التصوير الحسي .
5 ـ اللجوء إلى الألفاظ الفخمة المجلية التي تقرع الأذان بقوة جرسها وتملأ الفم لفخامتها .
6 ـ الاعتماد على جزالة التراكيب وقوة التأليف .
7 ـ استخدام أسلوب التهويل والتعظيم والمبالغة .



الباب الثاني
الفصل السادس
الهجاء القبلي في العصر الأموي
يعد الهجاء القبلي في العصر الأموي من الفنون العريقة ، ذلك أنه سلاح حاد يهدد به الشاعر خصوم وأعداء قبيلته وبذلك يكون الهجاء الأموي قبلي في دوافعه وطوابعه و سماته من خلال الطعن بخصومه ، فما أن تثور فتنة أو تهيج عصبية ما حتى يسارع الشعراء إلى خوض المعمعة بسلاحهم اللساني فيتهاجون ويتفاخرون وبلغ من شدة تأذي بعض القبائل بالهجاء مبلغا حملها على قتل الشعراء الذين تصدوا لهجائها . وقد أصبح فن الهجاء في هذا العصر فنا معقدا بعد أن كان سابقا بسيطا حيث أضاف شعراء العصر الأموي إلى ألوان الهجاء القديم ألوانا جديدة تمثلت في .
1 ـ تجريد المهجر وقبيلته: من جميع الفضائل والمناقب التي كانت مناط التفاخر في مجتمعه القبلي كالشجاعة والنجدة وإغاثة الملهوف وحماية الجار ونبل المحتد وعراقة النسيب وهي مآثر جاهلية استمرت في عصر الإسلام والعصر الأموي لأن المجتمع القبلي لم يختلف كثيرا عما كان عليه في العصر الجاهلي ومن ذلك ما قاله الأخطل في بني النجار حيها جردهم من مكارم الأخلاق .
خلوا المكارم لستم من أهلها وخذوا مساحيكم بني النجار
2 ـ التعرض للصفات الحسية والعيوب الخلقية: حيث يصف الشاعر قبح مهجوه به وسوء منظرهم لما أصاب العرب في هذا العصر من تحضر نسبي وتغير أذواقهم حيث يكثر الالتفات في المجتمع المتحضر إلى العيوب الخلقية التي تؤذي حاسة الاستماع بالجمال والأذواق المرهفة ومن ذلك قول جرير في هجاء قبيلة الهجيم حيث يصور سوء منظرهم
إن الهجيم قبيلة ملعونة حصى اللحن متشابهو الألوان
لو يسمعون بأكلة أو شربة بعمان أصبح جمعهم بعمان
3 ـ ألح الشعراء على نعت القبيلة المهجرة بالهوان : والعجز والخضوع للقبائل الأخرى تحقيراً لشأنها ومن ذلك هجاء الطرماح لقبيلة تميم وتعييرهم بالانقياد ليزيد بن المهلب والقحطانية :
بأي بلاد تطلب العز بعدما بمولدها هانت تميم و ذلت
أقرت تميم لابن دحمة حكمة وكانت إذا سميت هوانا أقرت
4 ـ التعيير بالمثالب القبلية: والتنقيب عن مخازي كل قبيلة ومثاليها وقد كانت العرب تعير غيرها بمزاولة الزراعة وصيد السمك من ذلك ما قاله جرير في بني حنيفة حيث عيرهم بمزاولة الزراعة :
أبناء نخل وحيطان ومزرعة سيوفهم خشب في مساحيها
ويقول الفرزدق معيرا أزد عمان بمزاولة الملاحظة وصيد السمك
ولم يدع داع يا صباحاً فيركبوا إلى الروع إلا في السفين المضببِ
5 ـ تفضيل بطن من بطون القبيلة على البطن المهجو :، أو تفضيل إحدى القبائل على القبيلة المهجوة وفي ذلك جرير موبخا بني نمير :
فغض الطرف إنك من نمير فلا كلبا بلغت ولا كلاباً
6 ـ إضافة أساليب جديدة لم يعرفها القدماء في الهجاء: تتمثل في إضحاك الآخرين من صورة المهجو وذلك برسم صورة ساخرة له تحمل السامع على الضحك منه أو باستخدام ألفاظ مثيرة للضحك وفي ذلك يقول جرير :
والتغلبي إذا تنضح للقرى حك استه وتمثل الأمثالا
وكذلك قوله:
قوم لذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار
7 ـ استخدام الإفحاش في اللفظ: ونهش الأعراض وهتك العورات وقد فعل ذلك فئة من الناس وأشفى غليلهمهذا الإفحاش تجاه أعدائهم من القبائل الأخرى وامتعض منه أخرون لم يألفوه لأنه ليس من أخلاق العرب التي لم تكن كذلك في الجاهلية ولا ألفوا ما ورد من هذا النوع من الهجاء لما دعا إليه الإسلام من أخلاق حميدة.
وقد تميز الهجاء القبلي بخصائص فنية جديدة قديمة رسمت معالمه بشكل آخر من خلال :
1 ـ ترك العفوية وعدم الاكتفاء بأبيات قليلة .
2 ـ الحرص على الإتيان بمعاني بكر وصور طريفة .
3 ـ الاعتماد على الصنعة والمهارة الفنية .
4 ـ إظهار مقدرته الهجائية وطول باعة في هذا المضمار .
5 ـ استخدام الثقافة الدينية القرآنية والحديث النبوي الشريف في وصم المهجو بعدم مراعاته للأخلاق الدينية .
6 ـ ترسم أسلوب القرآن الكريم والحديث الشريف في واقتباسه في استخدام الحجج والبراهين في دخص قضية من القضايا .



الباب الثاني
الفصل السابع
المناقضات القبلية في العصر الأموي
ظل الطابع القبلي واضحا في الشعر في عصر بني أمية على الرغم من محاربة الإسلام لهذه النزعة في جانبها السلبي وازدادت النزعة الفردية في هذا العصر و تغني الشعراء بمشاعرهم الغزلية أحيانا كما عند ( عمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر ) وطغى استقلال شخصية الفرد على شخصية الجماعة وبحث بعض الشعراء عن مكاسب فردية ، وفي العموم فقد بقيت المظاهر القبلية الرابطة للشاعر بقبيلته
ولم تكتمل الصورة الفنية للمناقضات القبلية على الرغم من وجودها في العصر الجاهلي إلا في عصر بني أمية على يد فحول شعراء الهجاء ( جرير – الفرزدق – الأخطل ) حتى غدا هذا الفن فناً أمويا خالصاً ولذلك بعد أن كان فن النقائض يجري على هواه وضع له الشعراء في العصر الأموي شروطاً دقيقة تمثلت في شروط تمس بناء القصيدة الخارجي و موسيقاها الشعرية ( التزام الشاعرين المتناقضين بحراً واحداً وقافية واحدة وروياً واحداً ) وشروط تمس بناء القصيدة الداخلي ( نقض الشاعرين معاني بعضهما بعضا ) وتلمس ذلك في نقيضتي جرير والفرزدق يقول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً وعائمة أعز و أطول
ويقول جرير :
لمن الديار كأنها لم تحلل بين الكناس وبين طلح الأعزل
وقد التزم الشاعران بشروط النقيضة باستثناء ( حركة الروي ) وتعتبر النقيضة مزيجا من الهجاء والفخر القبلي والتصدي و المنازعة في الشرف والمنافسة في المآثر فهي تنفيس عما تكنه الصدور من أحقاد وضغائن ومطاولة ومنازعة في الشرف والفضائل وتحقير للخصوم وتجريدهم من كل منقبة كما في قول الفرزدق:
وكنا إذا نامت كليب عن القرى إلى الضين نمشي بالعبيط ونلحف
وقد يمزج الشاعر في النقيضة بين الهجاء و المدح أو قد يلجا في نقيضة إلى مزج رثاء زوجته ( خالدة ) بهجاء الفرزدق :
لولا الهجاء لهاجني استعبار ولزرت قبر راد الحبيب يزار
وقد كان الشعراء يستهلون نقائضهم بالنسيب و الوقوف على الأطلال و قد يبادر خصمه مباشرة بالهجوم دون مقدمة ولا يأل شاعر النقيضة جهدا في محاولة تحقير صاحبه وتقزيمه و لو كذباً غير متجاهل لإحكام الصنعة الفنية (الجدل والمناظرة واستقصاء المثالب والمفاخر وإطالة القصيد )
وهكذا فقد دخلت كل القبائل في العصر الأموي فهي مناقضات في نطاق العصبيات الكبرى ( العدنانية والقحطانية ) ( ربيعة ومضر ) ( نزار واليمن ) حيث اشتعلت نار العداة بين مضرية الشام التي تمثلها قبيلة قيس والقبائل اليمنية وتمثلها كلب وجرت المناقضات بين زفر بن الحارث وجواس بن القعطل الكلبي .
وشارك في هذه المعركة اللسانية في أعقاب معركة مرج راهط شعراء كثيرون من الجانبين ومنة المناقضات المشهورة بين الشعراء نزار وقحطان تلك التي ثارت بين (الطرماح الطائي والفرزدق التميمي ) بسبب الأحداث القبلية التي شهدتها العراق في زمنيهما و كذلك ما دار بين ( الشاعر زياد الأعجم شاعر عبد القيس والشاعر كعب الأشعري شاعر الأزد ) و كذلك ما نشب بين المهلب بن أبي صغره والخوارج من خصومات سياسية جعل ( الشاعر ابن الكواء اليشكري يتهاجى مع الشاعر ثابت قطنة الأزدي ) وكذلك ما جرى بين الشاعر عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري وعبد الرحمن بن الحكم الأموي وكذلك مناقضة جرير وسراقه البارقي وكذلك ما جرى بين ثابت قطنة الأزدي وحاجب بن ذبيان المازني
ومن الجدير بالذكر أن المناقضات امتدت من العصبيات الكبرى إلى العصبيات الصفرى كما حدث بين ( النابغة الجعدي وابن مفراء السعدي التميمي ) وبين ( أرطاة بن سبية المري ) و (شيب بن البرصاء) وبين ( الشاعر العبسي المساور بن هند والشاعر الأسدي المرار بن سعيد الفقعي ) ومن أشهر المناقضات التي جرت في الحجاز ما دار بين الشاعرين القيسيين ( ابن ميادة المري وحكم بن معمر الخضري )





الباب الثاني
الفصل الثامن
مواقف الشعراء من العصبيات والأحزاب السياسية
كانت القبيلة في العموم تستظهر بشاعرها الذي يمثل وزير إعلامها من أجل اتقاء أذى شعراء القبائل المعادية ، ذلك أن القبيلة لا تلوذ إلا بشاعر مفلق تطمئن على براعته الهجائية كما حصل مع جرير عندما هجا قبيلة نمير بقصيدته المشهورة حين قال :
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
كما وأن عصبية الشاعر لم تكن تقف عند حدود عشيرته بل تضم قومه جميعا وربما دعا الشاعر إلى نبذ أسباب العداوة والخصومة و جمع كلمة العشائر تحت رابطة واحدة ، ومع قدوم الإسلام تبلورت لدى الشاعر القيم الدينية كعصبية جديدة أخذ يدافع عنها دون أن تقتلع هذه القيم الدينية عصبية الشاعر القبلية مع أن بعضاً من شعراء الخوارج سموا بعقيدتهم الدينية فوق روابط الرحم والعصبية القبلية متخذين ميزان تقوى الله الميزان الحقيقي في تفاضل الناس ومثل ذلك شعراء الشيعة الذين اتسعت صدورهم أكثر لعقيدة التشيع كما اتسعت لنحلة العصبية والتقت عندهم العصبيتان فقد كان الكميت الأسدي أشد شعراء الشيعة غلواً في تشيعه كما كان أشدهم غلواً في عصبيته وانتصاره لقومه النزارية .
وأعجب ظاهرة تلك التي قامت بين شاعرين هما الكميت والطرماح فقد كان الكميت عدنانياً عصبياً وشيعياً من القاليه يتعصب لأهل الكوفة بينما كان الطرماح قحطانياً عصبياً وخارجياً من الصغفرية يتعصب لأهل الشام مع العلم أن كليهما يقف من الحكم الأموي موقف المعارض وينظر إلى السلطة نظرة الكره و لو أنا درسنا مواقف الشعراء من عصبياتهم القبلية نجد أنهم لم يكونوا يتخلون عنها حتى في حالة مدح الخلفاء والولاة كما حصل مع يزيد بن الحكم الثقفي حين وفد على الحجاج فولاه فارس ثم استنشده فعدل عن مدحه إلى الفخر بقومه و رهطه بني كعب :
ومن يك سائلا عني فإني أنا ابن العبد من سلفي ثقيف
وفي كعب ومن كالحي كعب حللت ذؤابة الجبل المنيق
فغضب الحجاج وعزله وطرده ولما فارقه يزيد وأمن جانبه قال ( أو رثني أبي مجده ومقاله و أورثك أبوك أعنزاً ترعاها )
و لو رحت تستجلي مواقف الشعراء من الأحزاب السياسية لوجدت أن الذين وقفوا في جانب الحزب الأموي الحاكم كانوا يبحثون عن المال والأعطيات في الغالب وقليلاً ما كان الشاعر يخالف موقف قومه حين يجمعون على مناصرة حزب سياسي كما حصل مع أعشى همذان فقبيلته شايعت المختار الثقفى ونصرته بينما آثر هو البقاء في جانب مصعب بن الزبير وفي ذلك يقول أسى على قومه الذين أوقع بهم مصعب
وما أن سرني إهلاك قومي وإن كانوا وجدك في خبا ر
أما شعراء الحزب الزبيري فقد استجابوا الموقف قبائلهم حين نصرت عبد الله بن الزبير فلما قضي على الحزب الزبيري عاد شعراء الحزب الزبيري إلى خطيرة بني أمية ، كما وأن الشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي كان من المدافعين عن بني أمية فلما غلب مصعب بن الزبير على الكوفة أتى به أسيرا فمن عليه مصعب وأحسن إليه فانقلب نصيراً للحزب الزبيري وانقطع إلى مصعب يمدحه حتى أواخر حياته وترك موته في نفس عبد الله بن الزبير الأسدي الشاعر أسى عميقاً وخاطب قاتل عبيد الله بن زياد بن ظبيات قائلا :
أبا مطر شلت يمين تفرغت بسنيك رأس ابن الحواري مصعب
فلما انقادت المرات لسلطان بني أمية عاد الشاعر عبد الله بن الزبير يمدح الأمويين
أما الحزب الزبيري لم يستطع استمالة الشعراء إليه في الغالب واتخاذهم أبواقا تدعو له لأنه لم يكن يبسط كفه بالعطاء لهم على أن طائفة أخرى من الشعراء كان همها التكسب بالشعر تعرضه على كل من يبسط لها كفه بالعطاء ولم يظفر الحزب الزبيري إلا بشاعر واحد أخلص له الولاء هو عبيد الله بن قيس بن الرقيات وقد لازم الشاعر مصعب بن الزبير حتى آخر أيامه فلما قتل توارى الشاعر عن الأنظار فلما أمن على نفسه عاد إلى مدح بني أمية .
و أما شعراء الشيعة فقد كانوا يجمعون بين السياسة والدين مالوا إلى نزعة نصرة آل البيت اعتقاداً بأحقيتهم في الخلافة فهذا الكميث بن زيد لم يقبل نوالاً وعطاءً على نصرته لآل البيت إلا بعض الثياب تبركا بها على أن الشاعر أبو جلده اليشكري كان يناصر الحجاج فلما قامت ثورة بن الأشعث شارك مع قبيلته في نصرتها و كان من أشد الناس تحريضاً على الحجاج و بني أمية فانتهى الأمر بقتله .




الباب الثاني
الفصل التاسع
رعاية الشاعر لمصالح القبيلة في العصر الأموي
تهيأ للشاعر في العصر الأموي علاقة ثنائية تتمثل في حظوة الشاعر عند قومه وحظوته عند ذوي الملك والسلطان مما جعل الشاعر أسيراً لقومه يقوم على خدمتهم والدفاع عنهم ، فإذا ما أصاب قوم الشاعر مظلمة وجه الشاعر للسلطان عتباً كما حصل مع قوم الراعي النميري حين استبد سعاة الخليفة في جباية الصدقات وجانبوا جادة العدل التي أمرهم بلزومها
أخليفة الرحمن أنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله في أموالنا حق الزكاة منزلاً تنزيلا
أخليفة الرحمن إن عشيرتي أمس سوامهم عزين فلولا
فارفع مظالم عيلت أبناءنا عنا وأنقذ شلونا المأكولا
إن السعاة عصوك حين بعثتهم وأتوا دواهي لو عملت وغولا
ولما قال الشاعر :
ولئن بقيت لأدعون بطعنة تدع الفرائض بالشريف قليلا ً
غضب عبد الملك بن مروان فلم يجب الراعي النميري سؤله
و عاد الشاعر إلى الشكوى للخليفة بأسلوب رقيق فأجابه
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد
واقتل ذو المال والمثرون قد بقيت على التلاتل من أموالكم عقد
فإن رفقت بهم رأسا تعشقهم وإن لقوا مثلها من قابل فسدوا
وكذلك دافع النعمان بن بشير عن قومه الأنصار لدى معاوية وكان غليظا وعنيفا في ذلك مذكراً ما ضع الأنصار بمشركي قريش في بدر:
معاوي إلا تعطنا الحق تعترف بحي الأزد مشدوداً عليها العمائم
متى تلق منا عصبة خزرجية أو لاوس يوماً تختر مدء المحارم
الم تتبد ، يوم بدر سيوفنا وليلا ً محا ناب قومك قاتم
ضربناكم حتى تفرق جمعكم وطارت أكف منكم و جماجمُ
ولما أبلى اليمانية بلاء حسناً في تثبيت الحكم الأموي بعد وفاة يزيد وتوقعوا أن يقربهم بنو أمية ويباعدوا خصومهم القيسية وخذلوا انطلقت أ لسن الشعراء شعراء كلب وتوجهت إلى الأمويين بالعتب واللوم والتذكير بصنيعهم وفي ذلك يقول عمرو بن مخلاة الكلبي :
حربنا لكم عن منبر الملك أهله بجيرون إذ لا تستطيعون منبرا
فلا تكفر و أحسن مضبت من بلائنا ولا تمنحون بعد لين تجبرا
وكذلك كان شعراء العدنانية وقفوا مثل هذا الموقف من بني أمية وعمالهم ينافحون عن قبائلهم ويدافعون عن حقوقهم حيث نجد الفرزدق يثور على بني أمية و عاملهم على العراق خالد بن عبد الله القسري حين سجن خالد نصر بن سيار :
أخالد لولا الدين لم تعط طاعة ولولا بنو مروان لم توثقوا نصرا
أفي الحق أنا لا تزال كتيبة نطاعنها حتى تدين لهم قسرا
وهكذا كان الشعراء ينتهزون المناسبات التي تظهر فيها قبيلتهم الولاء للأمويين ، و من ذلك قول الشاعر خلف بن خليفة مخاطباً بني أمية ومدللا ً عليهم بموقف ربيعة منهم و وولائها لهم
حفظنا أمية في ملكها ونخطر من دونها أن تراعا
ندافع عنها وعن ملكها إذا لم نجد بيديها امتناعها
فقل لأمية ترعى لنا أيادي لم نجزها واصطناعا



الباب الثاني
الفصل العاشر
المديح المتصل بالعصبيات القبلية
يعد المديح في عصر بني أمية حرفة مجزية يبذل الشاعر في تجويدها غاية جهده إذ لم يعد المديح مقتصراً على القبيلة بل تجاوز ذلك إلى الخلفاء والأمراء وإشراف القبائل الأخرى وأجواءهم وصارت قضية ( التكسب ) بالشعر ذات أولوية كبيرة عند أكثر الشعراء باستثناء قلة منهم بقيت ترصد بالشعر خلجات النفس ومشاعر وأحاسيس الشاعر ، وحتى في حالة مديح الشاعر لرجل من قبيلته لم يكن دافع هذا المدح عاطفة الولاء للقبيلة بل كانت الرغبة بالتكسب هي الدافع لذلك
ومن هذا النوع مديح كعب الأشقري الأزدي في مدح المهلب وبنية وآله .
لقومي الأزد في الغمرات أمضي وأوفى ذمة و أعز جارا
هم قادوا الجيـاد على وجاها من الأمصار يقذفن المهارا
ثم يثني على المهلب قائلا ً
شهاب تختلى الظلماء عنه يرى في كل مبهمة منارا
براك الله حين براك بحراً وفجر منك أ نهار غزار
وكذلك وقف الفرزدق وجرير جانباً من مدائحهما على طائفة من رجال بني تميم البارزين في العراق ، فهذا الفرزدق في مدائحه لابن أحوز يدل على الخليفة وعلى بني أمية بمجالدتهم عنهم وبلائهم في سبيلهم فيقول :
ألم يأت بالشام الخليفة ابنا ضربنا له من كل عنه يخالف
صناديد أهدينا إليه رؤوسهم وقد باشرت منه السيوف الخذارف
ثم يمدح ابن الأحوز بعد ذلك :
فأنت الفتى المعروف والغاري الذي به بعد عباد تجلى المخاوف
أعز عظيم المنكبين سما به إلى كرم المجد الكرام الغطارف
وكذلك نجد جرير يقف جانباً من نقيضته له على مدح هلال بن أحوز وإيقاعه بآل المهلب وأنصارهم الأزد بقنا د بيل ويفخر بتميم :
ألا رب سامي الطرف من آل مازن إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا
وأطفأت نيران النفاق و أهله وقد حاولوا في فتنة أن تسعرا
ويتصف هذا النوع من المدح القبلي :
1 ـ صدق الشعور .
2 ـ قوة العاطفة .
3 ـ الانسجام مع عصبية الشاعر لقومه .
4 ـ وصف وقائع الممدوح الحربية .
5 ـ الفخر يقوم الشاعر والإشادة ببطولاتهم و شجاعتهم ومناقبهم .
6 ـ التصريح بطلب العطاء من الممدوح والتكسب بالشعر .
7 ـ نعت الممدوح بالجود ليهزوا أريحيته .




الباب الثالث
الشعر الأموي
تطور الشعر في العصر الأموي
واتت الدولة الأموية بعد منازعات وإحن وإيقاظ لفتن نائمة وازدادت معها رقعة الإمبراطورية الإسلامية شرقا ببلاد السند والأفغان الشرقية وغربا بما وراء مصر إلى المحيط الأطلسي في إفريقيا وأصبحت عاصمة الدولة دمشق في بيئة فاتنة مليئة بالمناظر الطبيعية الجميلة من جبال وانهار وأودية ورياض فهل وصفت تلك الطبيعة وهل غير الشعراء الذين أقاموا بها واخذوا ينشدون أشعارهم أمام أمير المؤمنين المنهاج القديم كلا ظل الشعراء يقفون بالأطلال ويصفون الناقة والرحيل ويمعنون بالمعاني الجاهلية من الخمر والنساء كان الإسلام لم يكن وكان حياتهم لم تتغير .
فعمر بن أبي ربيعة مثلا يبدأ حديث الهوى في عالم الفن والموسيقى والحضارة بقوله :
الم تسال الأطلال والمرتبعا ببطن حليات دوارس بلقعا
إلى الشرى من وادي المغمس بدلت معالمه وبلا ونكباء زعزعا
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما نكأن فؤاد كان قدما مفجعا
ولا ريب أن هذه وقفة تعودنا في البداوة الأصلية فهل كانت لصاحبنا نزعة بدوية أو كان أبوه بدويا لقنه العناية بالبادية والهيام بإطلالها لا لقد كان الشاعر حضريا نشا في مكة وكان أبوه حضريا من المكيين المعروفين بلثروة والنعيم انه لم يعبر عن عاطفة أو هوى بدوي وإنما بدا قصيدته كما بدا القدماء قصائدهم وليس من اللازم أن تكون هذه المعالم الباهتة آثارا لحب .
ولم يكن كثير بأكثر مرونة من عمر وإنما كان اشد جمودا على المعاني الجاهلية في الطبيعة بل في الأخيلة والصور التي ينتزعها من الطبيعة حين يتحدث عن الحب وقد يسرف في المعاني البدوية حتى يسخر منه معاصروه وتنكر عليه القول حبيبته ويبدو الجمود على أشده عند شعراء الأقاليم المداحين الذين اتصلوا بملوك الأمويين وولاتهم وتوفروا على المدح والهجاء وهءلاء هم الشعراء الذين يحتلون المكانة الأولى في العصر الأموي وتسير أشعارهم في أنحاء الإمبراطورية الإسلامية بتأثير الخلفاء والولاة وعملهم لهذه السيرورة ويشتغل العامة والخاصة والمدنيون والعسكر بانشادها والمبارة في المفاضلة بين أصحابها .
وأعلام هذه الجماعة الأخطل وجرير والفرزدق والثلاثة من بلاد ما بين النهرين ولدوا ونشئوا فيها ثم اقبلوا يساهمون في الأحداث السياسية ويضربون بسهم وافر وقد امتثلوا الشعر القديم وسلكوا في المدح الطريقة الجاهلية وجمدوا في الأوصاف الطبيعية جمودا لا يتفق مع حياتهم الاجتماعية والسياسية ولا مع البيئة التي نشاوا فيها .
والأخطل النصراني التغلبي اكبر هذه الجماعة وشاعر أمير المؤمنين عبد الملك ابن مروان ولا نستطيع أن نتبين في استفتاحاته الطبيعية التي تطول حينا وتقصر حينا أي فرق بينها وبين الشعر الجاهلي حتى الحقه جمهرة النقاد بالشعراء الجاهلين وفضلوه لهذا على معاصريه .
وقد اوغل في وصف حيوان الوحش وعهدنا بشعراء بكر الذين كانوا يسكنون بيئته قبل الحضارة الإسلامية إلا يتوغلوا توغله لكنه يحاكي من جملة الشعر القديم ما اتصل ببيئته وما بعد عنها .
وهو لهذا الجمود لا يظفر بمميزات بيئته من الترتيب ووضوح الوحدة في القصيدة وأن ظفر بالعناية اللونية وبشئ من التصوير المعنوي ففي قصيدة ينتقل من المنزل إلى وصف المهمة والناقة وحيوان الوحش ومن هذا إلى حديث الشراب والنديم ومنه إلى القسم على الطريقة الوثنية لينتهي بالمدح وكل هذه الانتقالات مفاجئة لا رابط بينها وأن صح تقدير روابط نفسية في الشعر القديم فإنها لا تصح في هذا الشعر بحال .
وإذا احتمل هذا الجمود أن صح للجمود أن يحتمل من الأخطل بما كان له في البادية من هوى ومقام فانه لا يحتمل من الفرزدق وقد ولد في البصرة المدينة الإسلامية لاخر عهد الخليفة الثاني وعرفت أسرته منذ الجاهلية بالرقة والبعد عن الفظاظة والوحشية لكنه على هذا كله كان جامدا على القديم البدوي .
ويبدوا هذا الجمود في الوقوف بالأطلال حين يقول :
الما على أطلال سعدي نسلم دوارس لما استنطقت لم تكلم
وقوفا بها صحى علي وإنما عرفت رسوم الدار بعد توهم
يقولون : لاتهلك أسى ولقد بدت لهم عبرات المستهام المتيم
فقلت لهم : لا تعذلوني فإنها منازل كانت من نوار بمعلم
فقد اخذ ألفاظ امرئ القيس بعد أن سلبها الروح والدم الحار والفها هذا التأليف الجامد الذي يجرد اسمى المعاني كل ما فيها من جمال وينتقل من هذا الحديث في غير تمهيد إلى موضوع آخر لا صلة للأول به .
ووهم الفرزدق إذ ظن أن هذه الوقفات التي يقصد ويصطنعها حين شاء تعبر عن انفعال أو تنطلي على القارئ وكشف عن حقيقة أمره حين قال :/
إذا شئت هاجتني ديار محيلة ومربط افلاء أمام خيام
فهذا القول واضح الدلالة في أن الأطلال لا تهجه وانه يقصد إلى هذا الضرب على انه لون من البراعة النظمية لكن التصنع يكشف عن نفسه دائما .
وتبدو طريقته في الجمود عند الماضي الشعري حين يصطنع معاني القدماء والفاظهم أوصاف الطبيعة .
ورب قائل يقول :الم يصف الفرزدق الذئب فيعجب وصفه القدماء ويتحدث عنه بعض المحدثين ويبدو فيه معنى الود للحيوان المفترس وهذه مرتبة عظيمة من مراتب الألف للطبيعة ؟ لقد وصف الفرزدق الذئب مرة فقال :
وليلة بتنا بالغريين ضافنا على الزاد ممشوق الذراعين أطلس
تلمسنا حتى أتانا ولم يزل لدن فطمته أمه يتلمس
ولو انه إذ جاءنا كان دانيا لألبسته لو انه كان يلبس
ولكن تنحى جنبه بعد ما دنا فكان كقيد الرمح بل هو أنفس
فقاسمته نصفين بيني وبينه بقية زادي والركائب نعس
وكان ابن ليلى إذ قرى الذئب داره على طارق الظلماء لا يتعبس
وقال في أخرى :
وأطلس عسال وما كان صاحبا دعوت بناري موهنا فاتاني
فلما دنا قلت ادن دونك إنني وإياك في زادي لمشتركان
فبت اسوي الزاد بيني وبينه على ضوء نار مرة ودخان
فقلت له لما تكشر ضاحكا وقائم سيفي من يدي بمكان
تعش فان واثقتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحباني
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما اخيين كانا ارضعا بلبان
ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى أتاك بسهم أو شباة سنان
يصح أن يقال : أن الصخر قد ينبض بالماء فلا ذلك من طبعه الجامد وأن الفرزدق الجامد في أوصاف الطبيعة قد مثل لونا من ألوانها وهو ألف تمثيلا حسنا لكن الواقع أن هذا اللون من ألف الوحش لم يكن مما يدخل في كيان الحياة عند الشاعر الحضري المترف المقرب من الولاة والملوك كما أننا لم ننسى بعد تلك الرياح العالية التي تملا الجو الشعري حين وصف الشنفري الذئاب وحياتهم الاجتماعية وصفا بليغا
أما شاعرنا فقد اخذ هذا التجاه القديم فاحاله كذلك حين صور الذئب وجرده من روح الألف الصادق وكان حريصا على القول بأنه لم يكن صاحبا للذئب وأن هذا الحيوان قد صيغ من الغدر ولا يغير من الأمر استعداده لان يلبس الثياب ومقاسمته الزاد وإكرامه فهذا تقليد أو قصد إلى الدلالة على الكرم والشجاعة .
وقيل انه كان يحكى بهذا الشعر حادثا صادفه في الطريق أثناء خروجه في نفرمن الكوفة فلما عرسوا باليل وكانت معهم شاة مذبوحة أتى ذئب فحركها فذعرت الإبل ورأى الفرزدق ما حدث من أمر الذئب فقطع رجل الشاة فرمى بها إليه فأخذها الذئب وتنحى ثم قطع يدها ورمى بها إليه كذلك فاكلها وانصرف ولما كان الصبح انشد فيما حدث باليل ولو صحت هذه الرواية وأن أضعفها أن الذئب لا يقنع ولا يرضى القسمة فهي تدل على أن هذه القصيدة لا تعدو الذكر للحوادث العابرة ولا تمثل فتنة الذئب أو تصويرا له حتى تدخل في شعر الطبيعة .
على أن الفرزدق نفسه قد نعت الذئب نعتا لا يمت إلى الألف بسبب حين شبه فقال
وكنت كذئب السوء لما رأى دما بصاحبه يوما أحال على الدم
وإذا فلا ماء من صخر ولا خصب في ارض موات وإنما هو جمود تام وثالث الثلاثة جرير بن عطية كان كزملائه في تناول الأوصاف الطبيعية تناولا جامدا وقد يسرع في الوقوف بالأطلال حتى لا يستغرق سوى بيت واحد ينتقل بعده إلى غرضه من الهجاء أو المدح وقد يطيل قليلا فلا ترى عنده طرافة في الطول ولا في القصر .
وقد يطيل في وصف رحيل الأحبة بعد حديث الاطلال كما في قصيدته التي مطلعها
قل للديار سقى أطلالك المطر قد هجت شوفا فماذا ترجع الذكر
فقد بكى الأطلال مم وصف الظعن فالجمل مسرعا ليعود إلى الظعن وهو في جملة معانيه بل في ألفاظه أحيانا كثيرة ليس له في هذا الباب جديد مذكور وقد أفصح عن حقيقة شعوره حين قال بعد أن أطال الوصف والذكر
ماذا يهجك من دار ومنزلة أم ما بكاؤك إذ جيرانك ابتكروا
وقد كان هناك آخرون يسالون هذا السؤال لأنفسهم تعجبا من تماديها في الحخب وبكاء الدار أما هو اصدق اليقين من أمره انه كان يسال هذا السؤال على علاته في غير انفعال ولا تعجب وانه يميل به حقيقة نفسه فهو يجمع معاني القدماء مع الإفادة من ألفاظهم جمعا ليس فيه جديد سوى النظم .
ولكل قاعدة استثناء والأحكام الأدبية تمثل الاتجاه العام ولا تبني على الشواذ ولهذا نرى في ادوار الجمود للأدب المختلفة نسمات عاطرة تملا النفس وتشعر بالحركة والحياة قدخضع أصحابها لعالمهم المطلق ومزاجهم الحر أو سبقوا عصرهم فرددوا نغمات سارت من بعدهم وكانت سمة عامة للعصور التي تلتهم .
وهذه السمات المعطرة التي تهب قليلا في دور الجمود لشعر الطبيعة العربي تتمثل في شعر مجنون ليلى وتحس أثرها فيما وصلنا من شعر الوليد بن اليزيد .
ولا يعنينا أن يكون المجنون عامرا أو مهديا أو الأقرع أو معاذا أو قيسا ابنه أو ابن الملوح أو البحتري بن الجعد ولا أن يكون شخصا واحدا أو رمزا للشعراء الهائمين في بيداء الحب .
وإنما الذي يعنينا هو أن هذا اللون من الشعراء المخلصين في الحب الصادرين عن أنفسهم قد كان لعنصر الصدق في شعرهم اثر في شعر الطبيعة وأن الشعر المنسوب للمجنون مثل له .
والطبيعة في شعر المجنون وثيقة الصلة بالحب ترتبط بها نفسه حتى تشاركه مظاهرها وموجوداتها في الحب في الفتنة بهذه المظاهر .
فطلوع الشمس وغروبها يصلان بينه وبين ليلى حتى يسائل النفس : هل هما يهديان التحية إلى ألها ؟
إلا هل طلوع الشمس يهدي تحية إلى آل ليلى أو دنو غروبها
ويثير طلوع النجم والصبح شجونه :
فما طلع النجم الذي يهتدي به ولا الصبح إلا هيجا ذكرها ليا
وإذا نظر إلى السماء فرأى طيرا يحلق في جوها حملة السلام إلى الحبيب :
إلا أيها الطير المحلق غاديا تحمل سلامي لا تذرني مناديا
وفي عالم الحب اتصلت نفسه بنجد وترابها الطيب وأقحوان الرمل وعلويات الرياح تجري بروح الخزامى والإبل تنتقل بين مواطن الحبيب .
ومن اجل الحب هام برائحة الخزامة واخذ يناجي شجرات الأثل يطلب الطمأنينة لفؤاده في ظلها .
إلا هل إلى شم الخزامى ونظرة إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فيا أثلاث القاع مل صحبتي مسيري فهل في ظلكن مقيل
ويا أثلاث القاع ظاهر ما بدا بحمى على ما بالفؤاد دليل
ويا أثلاث القاع من بين توضح حنيني إلى افيائكن طويل
ويا أثلاث القاع قلبي موكل بكن وجدوى غيركن قليل
وإذا رأى ظبيا حدثه عن ليلى .
وإذا مر بعقاب ساقط على وكره دعا له وطلب منه بيانا عن الحبيب يخرجه من الظلمات إلى النور .
وحين تصور الغراب دليل الفراق ونذير الرحيل قسا ودعا عليه بالعذاب والهوان وبالتشريد وفراق الأحبة مثله .
وإذا مر بأطيار على أشجار دنا منها مفتونا ومتذكرا الحبيبة بفتنها وناشدا أشعار الهوى والغرام .
وإذا هتفت ورقاء على فنن بكى بكاء الوليد .
وقد ينفس على الحمائم طمأنينتها مع اضطرابه ويعقد بينه وبينها ألوانا من القابلة الطريفة الدالة على شدة الفناء في الطبيعة .
ومن هذا تشبييه قلبه ليلة الرحيل بقطاة وقعت في الشرك معلقة الجناح يبكيها فرخاها القائمان بقفر يمنيان النفس بمرآها ويتخيلان عصف الرياح إيذانا بقدومها . واشد دلالة على معنى الفناء في الطبيعة تمنيه أن يكون هو والحبيب غزالين يرتعان في الرياض أو طائرين يحلقان نهارا في الجو ثم يأويان مساء إلى وكرهما أو حوتين يسبحان معا في البحر .
والوليد بن يزيد ـ وقد كان يسير مع نفسه على سجيتها غير حافل بأعباء الإمارة والملك ولا مقيد نفسه بأي قيد ـ يدل المأثور من شعره وهو قليل على نزعة متشابهة لنزعة المجنون : ومن شعره الدال على الاتصال النفسي بالطير عن طريق الحب قوله :
خبروني أن سلمى خرجت يوم الصلى
فإذا طير مليح فوق غصن يتفلى
قلت : من يعرف سلمى قال : ها ثم تعلى
قلت : يا طير ادن مني قال : هاثم تدلى
قلت هل أبصرت سلمى ؟ قال : لا ! ثم تولى
فنكأ في القلب كلما باطنا ً ثم تعلى
وقد تحدث كذلك عن العصافير وتبشيرها بالصباح , ومهد لبعض نزعات أبي نواس في الطبيعة والخمر , والانصراف عن الاطلاط .
تفسير الجمود
إن الأحداث السياسية هي التي قسمت الشعر على هذا النحو : غزل في الحجاز مشتهر في الحضر , وعفيف في البادية , وشعر سياسي عند الخوارج والشيعة , ومدح تقليدي عند شعراء الأقاليم .
ذلك بأن الحجاز قد سلب السلطان حين صارت العاصمة الإسلامية دمشق الشام . بل أصبح مأوى للثائيرن من بني هاشم والزبيريين والأنصار .
وبهذا عاد إلى خمول الذكر وذهبت شهرته ولم يبق له سوى موسم الحج , وانقلب سكان الحجاز ونجد إلى حياتهم المحدودة , وانصرفوا عن السياسة والجيش . طبيعي . وذلك أمره . إلا يصطنع المدح ولا الهجاء . فالمدح مصدره الاتصال بالحكم والهجاء الذي ينال من الناس ولا يحميه الخليفة يؤاخذ به صاحبه , أما إذا اتصل بالخليفة نفسه فالويل للشاعر الذي لا يستطيع النجاة من سلطان الهليفة بعد أن دانت له شبه الجزيرة بل بلاد فارس وممتلكات الروم . والويل للحجاز إن حمى هذا الشعر الثائر !
اصطنع أهل الحجاز الغزل الجاهلي الذي بلغ ذروته عند الأعشى الشاعر المغني , وشاع عندهم شيوعا ً حتى أصبح ينشد في البيوت , وبخاصة في بيوت المشهورات من النساء مثل سكينة بنت الحسين , بل كان ينشد في مسجد رسول الله كما كان النساء يجلسن في المسجد الحرام يوازن بين شعر كثير وجميل ونصيب .
أما أهل البادية فقد اصطنعوا الغزل الشعبي الملائم لبيئتهم والذي لا يزال له نظير في تلك البيئات حتى اليوم .
وكان الفريقين مقلدين لم يخرجا على الأصول القديمة , وكان جمودهما في شعر الطبيعة على أتمه .
أما الذين ثاروا وهيأوا أنفسهم لحمل أعباء الثورة , وهم الخوارج والشيعة فقد شردوا ولم يكن لهم في شعر الطبيعة نصيب .
وأما المداحون فقد جمدوا في التقليد . وكان لكل ذلك أسبابه .
أحيا الخلفاء الأمويون وخاصة من بعد معاوية النزاع القبلي , فكان الخليفة يصطنع القبائل التي تناصره , ويستبد بالقبائل التي تعاديه , وثارت بين القبائل فتن , وانبعث الماضي بكل ما فيه من ألوان شعرية وخصومات وفخر بالأيام والمواقع .
ويتمثل هذا النزاع القبلي , وبعثه بعثا ضاربا عنيفا , في قول الأخطل يمدح عبد الملك ابن مروان , ويهجو قيسا وبني كلب ويحرض عليهما :
بني أمية إني ناصح لكم فلا يبيتن فيكم أمنا زفر
إن الضغينة تلقاها وإن قدمت كالغر يكمن حينا ثم ينتشر
وهي أبيات طويلة منها :
فلا هدى الله قيسا من ضلالتها ولا لعا لبني ذكران إذ عثروا
ولم يزل بسليم أمر جاهلها حتى تعايا بها الإيراد والصدر
أما كليب بن يربوع فليس لهم عند التفارط إيراد ولا صدر
وقد نصرت أمير المؤمنين بنا لما أتاك ببطن ألغوطة الخير
ارايت جاهلية امعن من أن يستمع أمير المؤمنين إلى شاعر نصراني ينال من القبائل الإسلامية ويمن على الخليفة بنصر تغلب له ؟ أن هذا قد يبدو نابيا وقد أدى ببعض المتعصبين إلى الطعن على دين بني أمية لكن الحقائق الأدبية لا توزن بميزان غيرها وفي سبيل الفتنة الأدبية وفي سبيل السياسة يستساغ الكثير وقد أنكر هذا احد المسلمين المعاصرين وقال لعمرو بن العلاء : يا عجبا للاخطل نصراني كافر يهجو المسلمين لكن الأحياء للعصبية الجاهلية كان من الوضوح بحيث استحق عجب عمرو من هذا العجب فأجابه : يا لكع لقد كان الأخطل يجيء وعليه جبة خز في عنقه سلسلة ذهب فيها صليب ذهب تنفض لحيته خمرا حتى يدخل على عبد الملك بن مروان بغير إذن .
وهكذا نرى الخلفاء الامويين يحيون العصبية الجاهلية والأدب الجاهلي إحياء ولا يابهون في سبيل هذا الأحياء لشيء ويحيون وسط الحضارة بعقول بدوية وقد اغدقوا على شعراء المدح انواعا من النعيم بالغة واتخذ كل خليفة شاعرا مختار كما اغدق واتخذ الحكام في الجاهلية بل اشد مما فعلوا .
وترتب على فتنتهم بالحياة الجاهلية وادبها الفتنة بشعراء الجاهلية وباوصافها الطبيعية فترى الخلفاء يشغلون مجالسهم بحديث المفاضلة بين الجاهلين ويطلبون إلى الشعراء الحياة البدوية بابلها وصفا مفصلا ويطربون للشعر الجاهلي كل الطرب .
وكانت الجماهير على دين ملوكهم تطرب للشعر الجاهلي وتشغل نفسها بالمفاضلة بين شعراء الجاهلية كما كان الوقوف بالاطلال وبكاء الدمن ووصف الرحيل والابل وما إليها يستهويهن ويفضلون الشعراء الذين يتبعون الطريق الجاهلي ويعنون بهذه الألوان زكتب الأدب مليئة بالاخبار الدالة على هذا والقصة الآتية مثل منها :
بينا المهلب ذات يوم أو ليلة بفارس وهو يقاتل الازارقة إذ سمع في سكره جلبة وصياحا فقال : ماهذا ؟ فقالو : جماعة من العرب تحاكموا إليك في شيء فاذن لهم فقالوا : أنا اختلفنا في جرير والفرزدق فكل فريق منا يزعم أن احدهما اشعر من الآخر وقد رضينا بحكم الأمير فقال :كانكم اردتم أن تعرضوني لهذين الكلبين فيمزقا جلدي ثم دلهم على الازارقة اعدائهم فانهم قوم عرب يبصرون بلشعر ويقولون فيه بالحق وذهبا إلى معسكر الأعداء وطلبا المبارزة فخرج رجل سالاه في الأمر فاجاب بعد تمنع بتفضيل جرير لقوله في الخيل :
وطوى الطراد مع القياد بظونها طي التجار بحضرموت برودا
وهذه القصة لها روايات أخرى تتفق بالحوادث السابقة وتزيد احداها أن المتنازعين حين ذهبا إلى الازرقي سالهما قبل الاجابة عن ايما نهما بالخليفة فاجاباه بانهما لا يعدلان شيئا من أمر الله أو سنة الرسول .
ويتبين من هذه القصة على ما قد يكون فيها من مبالغة أن هذا الشعر كان يملك على العامة والخاصة افئدتهم وأن الشعر الجاهلي وما على شاكلته كان يشغل الناس من جميع الاحزاب ويطالعونه لا فرق بين أصحاب المذهب السياسي الرسمي وبين خصومهم بل أن هؤلاء الخصوم مثل الازارقة كانوا اشد بصرا به وكانهم كانوا يقصدون هذا الفن الشعري البدوي لذاته وأن المهم تشيع أصحابه للحاكمين ولعل العناصر الطبيعية كانت اشد فتنة لهم .
هل وجد عامة الشعب في هذا الشعر تمثيلا لماضيهم وقد أصبحوا اشد اعزازا له فاعتزوا به وهل أصبحت الجاهلية في عيونهم جميلة تستهوي الأبصار وتعجب القلب والعقل وهل الم بهم ما يلم ببعض الشعوب في الفترات التاريخية من التعلق بالماضي وهل خشي العرب أن تنسيهم الحضارة الجديدة حياة البداوة التي نجم فيها سر قوتهم وغلبتهم الاسدين فارس والروم فاعتزوا بهذه الحياة وعاشوا فيها قلبا وعقلا وأن عاشوا في الحضارة جسدا وحسا ربما صح هذا وهو غير بعيد فقد خشى من قبل عمر بن الخطاب من الحضارة حين تغيرت بشرة العرب المحاربين في فارس وسال الرسل متعجبا ماذا غير الوانكم فاجابوه بانها وخومة البلاد حينذ أمرهم أن يبنوا البصرة والكوفة على حدود الحضر والبادية وكان حريصا على أن يحيوا اقرب إلى الحياة البدوية فلم يرخص ببناء منازلهم بالحجارة إلا بعد أن التهمت النيران ديارهم وكان يتوجس خيفة من مصير العرب كلما انهالت المغانم واسباب الترف عليهم ذلك كله لم يقف دون الترف ولم يحل دون الاخذ بأسباب النعيم فقد كانت عوامل التطور اقوى من كل عائق وأن ظل هوى المسلمين على ذلك كله متعلقا بالجاهلية واماط حياتهم إلى عصر متاخر حتى أن الجاحظ نفسه في بدء النهضة يتحدث عن (أن الناس بماثر العرب في الجاهلية اشد كلفا )ثم يعجب من أنهم لا يقدسون أيام الإسلام وانتصاراته ويفتنون باخبار بطولته مع أنهم تربوعلى ما في الجاهلية أو تماثلها على الاقل .وفي هذا العصر نهضت حركة الرواية ووضع العلوم اللغوية مما يتطلب الرجوع إلى الماضي الأدبي والالمام لاستخراج القواعد العربية وتدوين اللغة وتفسير القرآن .وهؤلاء الرواة وعلماء اللغة كانوا بحكم عملهم شديدي التعصب للماضي الجاهلي لا يفضلون شاعرا إلا إذا اشتد قربه من شعراء الجاهليين بل كانوا يعجبون بالشاعر المعاصر ثم لا يقدمونه لأنه لم يدرك الجاهلية وكان حكم هؤلاء الرواة نافذا بين الناس وكان الخلفاء يستحضرون هؤلاء الرواة عند إنشاد الشعراء ويطلبون رأيهم كما كان الشعراء ضعفاء أمام هؤلاء الرواة لأنهم عالمون بمصادر شعرهم القديمة قد يرون على الكشف عنها وقد قال بعض الرواة أن هؤلاء الشعراء كل على الماضين أن أحسنوا فمن غيرهم وأن أساءوا فمن أنفسهم وكشفوا لهم أحيانا عن سرقاتهم فرجوهم أن يتستروا عليها وقال احد الشعراء في غير خجل أن ضوال الشعر خير من ضوال الإبل وكان العامة يؤمنون كذلك بآرائهم في المفاضلة بين الشعراء وتكفيهم هذه الآراء في غير مناقشة لأنها صادرة عن خبراء بفنهم يعرفون الأصول والمصادر ويتميزون بحسهم وملكاتهم .
وقد كان للرواة حلقات ياوي إليها الناس ليسمعوا من الشعر وكان الخلفاء يجيزونهم على روايتهم كما يجيزون الشعراء بل أعظم مما يجيزونهم .
ولم لا يفعل الخلفاء والناس ذلك والشعراء يحتذون القدماء ويجمدون عند أمثلتهم أليس الأصل أحق بالتقدير من الفرع .
وكيفما كان الأمر فان هذا العصر قد امتاز بالجمود في شعر الطبيعة وأن هذا الجمود قد أصبح قاعدة لها ما يسوغها ويدعوا إليها . ولكن هذا كله لم يكن ليمنع شاعرا عبقريا لو تهيأ لهذا العصر أن يظفر به من أن يثور على الجمود وتمثيل الطبيعة بمظاهرها في الإمبراطورية الإسلامية لان الشاعر الملهم لا يعرف حدودا لشاعريته ولا يتقيد بغير عالمه الباهر بلى انك لو ألقيته في الصحراء أو قذفت به في جزيرة قفر وسط المحيط لأعجز كما يقول احد النقاد الانجليز وقد رأينا إرهاصا عند شعراء الحب في هذا العهد كان من الممكن أن ينتهي بالوحي .
الرجز في العصر الأموي
يحدثنا تاريخ الأدب أن الرجز سبق الشعر . وأن امرأ القيس أول من قصد القصيد , ثم ظل الرجز على حاله أو قريبا ً من حاله الأولى حتى أتى العجاج فصنع به ما صنع امرؤ القيس بالشعر قال أبو عبيدة : (( إنما كان الشاعر يقول من الرجز البيتين والثلاثة ونحو ذلك . حتى كان العجاج أول من أطاله وقصده , ونسب فيه , وذكر الديار واستوقف الركاب عليها ووصف ما فيها وبكى على الشباب , ووصف الراحلة , كما فعلت الشعراء بالقصيد . فكان في الرجاز كامرئ القيس في الشعراء .
وفي هذا العهد الإسلامي وجد من الرجاز عدا العجاج رؤية بن العجاج والزفيان وقد بقي من أراجيز ما يمثل اتجاههم تمام التمثيل .
رجز العجاج في العصر الأموي :
أما عبد الله بن رؤية التميمي البصري المعروف بالعجاج ’ فقد وصف بالاظلال في أراجيزه , وصور الحياة بليلها وسراها وتهجيرها وسرابها وغيثها وبرقها , وحيوانها بألوانه من الفرس والناقة وبقر الوحش والذئب والأسد والنسر , كما عرض للجراد والبعوض والذباب وأدى مع هذا حاجة الحياة السياسية فمدح بأراجيزه خلفاء بني أمية وولاتهم , وهجا خصومه , كما مدح الشعراء المعاصرون وهجوا بقصائدهم .
وكان الولاة يصطنعون الرجاز كما يصطنعون الشعراء وقد اعتذر العجاج , في مدح سليمان عبد الملك , عن عدم شهود يوم المرحل , مع سليمان بن عدي والى اليمامة في أرجوزته :
أما ورب البيت لو لم اشغل شغلا بحق غير ما تكسل
وهذا المطلع هو أيسر ما في القصيدة إذ يعالج معنى سهلا ً أما باقي الأرجوزة فيلين حينا ً ويشتد حينا ً آخر تبعا للموضوع , وهو يقص في استرسال حوادث الوالي , ثم يصل إلى الخليفة في النهاية فيمدحه بالصفات البدوية كما مدح الوالي , ويصطنع فيها أسلوب الحوار , فهي اقرب إلى قصص تتخلله أوصاف لبعض المظاهر الطبيعية في البادية .
ومنها قوله في وصف الليل , بعد أن وصف المطابا وشبهها أثناء الإشادة بشجاعة الوالي :
إذا الظلام وهو داجي المشمل تغمد الأعلام بالتجلل
وحالت الظلماء بالتهول دون الجبال وفجاج المنقل
واحتل الوثيق كل محثل من المطايا والرحال الوغل
ويصف شجاعة الوالي في الليل ثم يقول في انقشاعه :
حتى إذا إعجاز ليل عنطل أوفت على الغور ولما تفعل
وصاح منها في توالي ما تلى ضياء فجر كانصرام المشعل
تجلو قداماه الدجى فتنجلي عن صلتان مثل صدر المنصل
وقد مثل إقبال الليل فجعل له ثوبا ً يتغمد الأعلام ويكسوها ظلاما ً , ثم مثل الظلام تمثيلا رهيبا ً فيه خفاء منشور . وانتهى إلى وصف طلوع الفجر بأن أعجاز الليل قد أقبلت على الغور فصاح بها ضوء النهار كالنار المتأججة , واصطنع التشخيص للمعاني اصطناعا كاملا ً , وهو في هذا الوصف قد تأثر بالقدماء , حين جعل الليل ثيابا ً مظلمة وأعجازا ً , ولكننا نرى هذا التصوير طريفا فيه حركة وحياة تلائمان جو الحديث المفعم بالمواقع والمعارك , ولهذا اختار الألفاظ المناسبة مثل التغمد والأعلام والصلتان والمنصل والصدر .
وقد مثل الليل نحو هذا التمثيل في أرجوزته التي مطلعها :
ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا من طلل كالاتحمى انهجا
واستعمل في الوصف كثيرا من الألفاظ التي استعملها في الوصف السابق , ذكر رداء الليل والأهوال وظهور الفجر في أعجاز الليل , ومثل باللهب المؤجج . كما مثل هناك بانصرام المشعل , وزاد غناء الجن ، وهو من المعاني القديمة وقام فنه على التشخيص ودار كذلك حول هذه المعاني في مواضع أخرى .
وفي هذه الأوصاف نرى تأثرا بامرئ القيس والمهلهل من بعدهما مع تفصيل وطرافة لا تتهيأ له في غير وصف المغازة والليل .
هل ابتدع العجاج ما يبدو من طرافة ؟ لا جرم أن له أثرا فيها لكن الحكم الدقيق على مداه يقتضي الإحاطة بما سبقه من الرجز وبالنثر اليدوي الذي حفظت كتب الأدب نماذج منه في وصف الليل والغيث والصحراء والحيوان فهذا النثر كان لا ريب ذا اثر كبير في رؤية البدو في حضرهم ويتزودون منهم .
قال رؤبة في وصف الفرس :
غمر الاجاري مسجا ممعجا بعيد نضح الماء مذاى مهرجا
وقال أعرابي في وصفه كذلك (أن اقبل فظبي معاج وأن احضر فعلج هراج )والاشتراك واضح في المادة اللفظية وأسلوب النظم بين الرجز والشعر وبين نثر البدويين في كثير من الأمثلة ونصوص الاصبهاني والمبرد إلا بقية من هذه الأوصاف غالبا على أن جملة أوصافه الأخرى لا ترى فيها مثل هذه الطرافة انه يقف بالأطلال فيقول :
يا دار سلمى اسلمي ثم اسلمي بسمسم أو عن يمين سمسم
وقل لها على تنائيها عمى ظللت فيها لا أبالي لومي
وما صباي في سؤال الارسم وما سؤال طلل وحمم
والنؤى بعد عهده الملثم غير ثلاث في المحل صيم
ولم يأت بجديد غير مسخ الشاعرية عند السابقين والنظم المتكلف .
ويبدو الأمر واضحا في قوله يصف الناقة :
كأن برجا ً فوقها مبرجا عنسا ً تخال خلقها المفرجا
تشييد بنيان يعالي أزجا تعدو إذا ما بدنها تفضجا
إذا حجاجا مقلتيها هججا واجتاف إدمان الفلاة التولجا
فلا نرى جديدا ً في كل هذا , ولا فيما بعده حين يصف حمار الوحش . وكل ما فيه تلك الاشتقاقات التي يحدثها من الألفاظ أو يبحث عنها لكي تستقيم له القوافي مثل (( مبرجا )) من (( برج )) والإغراب في مثل ( تفضجا ) وهذا الإغراب مطرد عنده , ويشبه إلى حد كبير صنيع أعراب البدو في أوصافهم التي اشرنا إليها من قبل .
والأمر كذلك واضح حين يتحدث عن ثور الوحش مشبها للناقة في مثل قوله :
كأن تحتي ذا شيات اخنسا الجأه نفخ الصبا وادمسا
والطل في خيس اراط اخيسا فبات منتصا وما تكردسا
إذا أحس نبأة توجسا حتى إذا الصبح له تنفسا
غدا بأعلى سحر واجرسا عدا يباري حرصا واستأنسا
فلا جديد كذلك في الوصف لثور الوحش المخطط الاخنس , يبيت في الطل معتصما ً بارطاة , خائفا ً من كل حس إلى الصباح فينطلق مسرعا ً طربا ً .
ويظهر القصد إلى الغريب , وإيراد الألوان من المشتقات والجموع , والمشاكلة في اللفظ أو الجناس , حين يتحدث عن الصحراء والجمل مشبها بالسفينة في أرجوزته :
دوية , لهولها دوي للريح في اقرابها هوى
ويبدو في هذه الأوصاف انه معلم لغة يتتبع الأجزاء والحركات ليدل على أسمائها , ولعله حاول أن يعلل لتسمية الفلاة دون دويا وأن للريح بها هويا ً . وذكر بعض أسماء وصفات للجمل , ثم ذكر جملة ما يتصل من أجزاء ومتعلقات , وجمع بين ( دوية ودوى ) و ( زل واستزل ) و ( حبا وحبى ) و ( فلا و المفلي ) وغير ذلك مما يظهر في جميع أراجيزه , أما المعنى وجملة الوصف فقديم عالجه الشعراء كثيرا ً .
ولعل القصد اللغوي اشد ظهورا ً في وصفه لثور الوحش بهذه الأرجوزة .
وهكذا ركب الضرورة في الاشتقاق والجمع , واتت أراجيزه غريبة تستمد غرابتها من القصد اللغوي ومن الاعتماد على ألفاظ البدويين الحضريين . ولا ريب انه كان يتحمل مشقة في هذا , وأن روي انه لم يكن يبطئ عليه الرجز متى أراده , ولعل هذا اللون قد تطور حتى انتهى إلى المقامات المسجوعة من بعد , وبخاصة أن القص واضح في هذه الأراجيز وضوحه على نحو أتم في المقامات .
أبو مر قال الزفيان
أما أبو مر قال الزفيان , عطاء بن أسيد السعدي الراجز , فإن ما بقي من أشعاره قليل , وكله مقطوعات صغيرة لا تعدو كبراها تسعة وثلاثين شطرا ً , وتختلف طريقته عن طريقة العجاج من ناحية القصد في استعمال الغريب والمتشاكل من الألفاظ والإيجاز لكنها تتفق معها في الغرض الأساسي وهو الخدمة اللغوية مع انعدام الطرافة الشعرية .
ومثل هذا قوله في الوقوف بالأطلال :
ما بال عين شوقها استبكاها في رسم دار لبست بلاها
طامسة الأعلام قد محاها تقادم من عهدها أبلاها
وعاصف يتبعها ذيلاها يستن بالجولان من حصاها
وكل رجاف إذا سقاها بديم مع رهم ولاها
فهو لا ريب أسهل واقل إغرابا , لكنه لم يأت بجديد كذلك في معانيه حين استبكى وذكر الرسم البالي ومحو تقادم العهد للأعلام , وكر الرياح والسحب والأمطار .
ومن هذا القبيل أوصافه للفقر والناقة والفرس ورحيل الأحبة .
رجز رؤية بن العجاج في العصر العباسي
أما رؤية بن العجاج , فقد كمل فن أبيه على يديه , وبرز فيه تبريزا , وأطال حتى بلغت إحدى أراجيزه أربعمائة شطرا ً . وقد شارك في الأحداث السياسية , وتكسب بالرجز , ولم ينس الفخر بنفسه وبقبيلته تميم وبمضر كلها , وظهر مدى تكسبه حين مدح خلفاء بني أمية وولاتها وحذر من أبي مسلم الخراساني , لكنه لم يلبث حين أتى العباسيون أن مدح السفاح بأطول أراجيزه .
ومما جاء فيها من الأوصاف التي سخر بها الطبيعة للمدح على طريقة القدماء قوله في النيل والفرات :
ما النيل من مصر يفيض مفعمه تنفضه أرواحه وشمه
إذا تداعى جال عنه خزمه واعتلجت جماته ولخمه
ولا فرات يرتمي تقحمه إذا علا مدفع واد يكظمه
كابر أو سرح عنه لهجمه ومده دفاع سيل يطحمه
يركب اجواف الزبى فيثلمه فيك بشيء عند جود تخذمه
فهذه الطريقة في تفضيل الممدوح على النهر أو البحر قديمة تحدثنا عنها في دور التقليد , ولم يزد رؤية غير الإغراب اللفظي , وقد صنع أبوه مثل هذا حين شبه مصعب بن الزبير بالغيث والبحر .
على انه قد ظهر ميله واضحا إلى وصف الحياة البدوية , وخدمة اللغة عن هذا الطريق , حين أسرف في وصف البادية بسرابها ومناظرها , وأفراد للمفازة أراجيز طويلة تمتاز بشدة الإغراب , ووضوح القصد اللفظي , وقد بلغت أحداها مائة وواحدا ً وسبعين بيتا ً , ومنها أرجوزته التي مطلعها :
وبلد عامية اعماؤه كأن لون أرضه سماؤه
وجاء فيها :
يهماء يدعو جنها يهماؤه والسير محروز بنا احزيزاؤه
ناج وقد زوزى بنا زيزاؤه يغشى قرأ عارية اعراؤه
يرمي بانقاض السرى ارجاؤه هيهات في منحرق هيهاؤه
مشتبه متيه تيهاؤه إذا ارتمى لم ادر ما مبداؤه
وانحسرت عن معرفي نكراؤه ولم تكاءد رحلتي كأداؤه
هول ولا ليل دجت ادجاؤه وأن تغشت بلدا ً اغشاؤه
وهو في هذه الأرجوزة يكاد يدل بمعرفته اللغوية على اللغويين , ويثبت مدى خبرته باللغة البدوية , وفي سبيل ذلك الادلال وهذا الإثبات لا يحفل بتنافر الحروف والكلمات , بل لعله قصد إلى ذلك مبالغة في أتباع الطريقة الأعرابية الجافة .
وتظهر الخصائص التنظيمية لأبيه على أشدها في أراجيزه , بل لقد أسرف إسرافا في إيراد الغريب من الأسماء والمصادر والأفعال , ففي القطعة السابقة يورد : يهماء ومحزوز واحزيزاء وزوزى وزيزاء وهيهات وهيهاء , وتكاءد وكأداء .
على أن هذا القصد اللغوي له فائدة معنوية ما نظن أن العجاج وابنه قد قصدا إليها . تلك هي روعة التصوير الموسيقي المبهم للمعاني . ففي وصفها للصحراء تبدو ذات غموض وروعة بإيراد الألفاظ المتقاربة في جرسها .
وقد وقف بالأطلال مثل أبيه , مصطنعا اللفظ الغريب في المعاني القديمة مع اقتضاب اشد .
وقد اقتضب طريقة القدماء في وصف البرق حين بدأ أرجوزة بقوله :
ارق عينيك عن الغماض برق سرى في عارض نهاض
غر الذرى ضواحك الايماض يسقى به مدافع الانواض
فهو يستعير معاني القدماء من لدن امرئ القيس في هذه الأوصاف , كما يستعيها في وصف الناقة والفرس وحيوان الوحش , وليس له سوى النظم المغرب واللفظ البدوي .
وبعض الرجاز هم من أهل البادية . لكن علميهم وهما العجاج وابنه رؤبة , بصريان , ورؤبة الذي كمل الجز على يديه وانتهى به ولد ونشأ في البصرة ولم يترك المقام بها إلى البادية إلا في فتنة ثارت أيام المنصور .
الراعي النميري
مهدت الحكات اللغوية والعناية بالأدب البدوي لظهور الرجازين الممتازين في هذا العهد الإسلامي الحضري , على نحو لم يظفر به العهد الجاهلي به , ولا بقليل من مثله .
وقد انتهت النهيرات المختلفة بالاجتماع عند ذي الرمة , على انه لم يكن مبتكرا كل الابتكار في اتجاهه إلى إحياء أدب الطبيعة البدوي , وإنما سبقه الراعي عمه , كما يقول القدماء , أو أستاذه كما يقول المحدثون . ولم يكن الراعي بدويا قحا ً , وإن كان بيته بالبادية وإنما كان يقيم بالبصرة مع كثيرين من أبناء قبيلته بني نمير , ويظعن أحيانا إلى البادية , وقد اتجه إلى ناحية خاصة اشتق منها اسمه هي وصف الإبل والتصوير لحياتها الراعية , وقدر له القدماء طرافة اتجاهه فقالوا عنه : (( كأنه يعتسف الفلاة بغير دليل , أي انه لا يحتذي شعر شاعر ولا يعارضه )) .
والحق أن اتجاهه كان جديدا ً وإن لم يسلم من الخضوع القديم فقد كان يأخذ في وصف الإبل بأساليب القدماء , لكنه امتاز بخصوصيات زاد فيها , وهي التصوير لحياة الرعاة , والإبغال في إحياء الإبل حياة إنسانية , وبروز بعض عناصر الفتنة في وصفه بروزا ً لم يظفر بمثله معاصروه وترتب على هذه الخصوصيات السهولة في الأداء وعدم الإغراب.
على انه لم يقصر جهده على هذا اللون وإنما مدح وهجا وتغزل , وقسم قصيدته بين الغزل والطبيعة والمدح والهجاء .
ويتمثل فنه في قصيدته :
ما بال دفك بالفراش مذيلا ؟ أقذى بعينك أم أردت رحيلا ؟
فقد بدأها بحديث الحب ثم انتقل إلى وصف الإبل مصورا قوتها وضخامتها وملامستها كما صورها القدماء , ومنها قوله :
بنيت مرافقهن فوق مزلة لا يستطيع بها القراد مقيلا
وهو معنى قديم جدا صوره الشعراء بأساليب مختلفة , متقاربة في البيان عم ملامسة البشرة حتى لا يثبت القراد عليها .
أما الطريف فهو تصوير رحلة الإبل مع حاديها وورودها الماء ورعيها , ووصف دقائق هذه الرحلة , وتأليف القطيع من ناقة نشيطة تتقدمه , وحاد يغني . وابل تتدافع , وسرى بالليل وعين تورد , وماء يقع في البطون الصوادي وما إلى ذلك , وكان العهد بشعراء الجاهلية المعروفين إلا يصفوا رحلة الإبل مجتمعة . وإنما يصفون ناقة تسير ويشبهونها بحيوان الوحش الذي يصفون رحلته إلى الماء مع جماعة من رفاقه , أو مبيته منفردا ً إلى جانب ارطأة حتى يدهمه الصياد في الصباح , فتدور بينهما معركة يظفر فيها الحيوان , كما ينجو حيوان الوحش المجتمع من السهام تسدد إليه أثناء وروده إلى الماء .
أما الراعي فقد مثل – عدا ما سبق – الإبل ترعى مجتمعة , وصور الحياة الراعية وكثيرا ً من عادات البدو في إكرام الضيف ونحر الإبل والشجاعة , وما إلى ذلك .
ومن أشعاره الدالة على الفتنة بالإبل فتنة تبدو كالغزل قوله :
وواضعة خدها للزمام فالخد منها له اصغر
ولا تعجل المرء قبل الركوب وهي بركبته أبصر
وهي إذا قام في غرزها كمثل السفينة أو أوقر
وجدت أصول لهذا الشعر القديم , لكنه صورها ذات بصر وأناة وخبرة تامة بما يتصل بطبيعة عملها , حتى بدت في أكمل عقل وارق طبع .
ومن طرائفه البدوية تمثيله لبيضة النعام وجمالها , وترك الظليم لها في الرمال المتلبدة بين الشمس المشرقة وتغريد المكاء .
وقد اتخذ هذه الصورة الجميلة تابعة للغزل غير مستقلة بنفسها كما صنع القدماء من قبل , ولعل هذه التبعية قد حالت بينه وبين الإفاضة في مثل هذه المعاني الدقيقة .
على أن الراعي لم يبرأ من العناية اللغوية . فكان بعض شعره موضع المذاكرة من اللغويين كما كان الشعراء المعاصرون يستفيدون من معانيه .
وهذا الراعي وأولئك الرجاز مهدوا الطريق لذي الرمة حامل اللواء في حركة الأحياء البدوية .







الباب الثالث
الفصل الأول
حاضنة الشعر في العصر الأموي

تعد البيئة التي يعيش فسها الشعر الحاضنة الأساس للشاعر، وقد بقيت الشاعرية في القبائل العربية التي كانت تهتم بهومن هنا ، فإن للأقاليم آثارها المختلفة في حياة أهلها ، فللحجاز حياة خاصة من نحو مادي ، ومن نحو اجتماع وسياسي أيضا ، وللعراق كذلك حياته الخاصة التي تختلف من هذه الأنحاء عن حياة الحجاز .. وإذا كان ذلك ، فمن الطبيعي أن يختلف الشعراء ، وهم الذين يخضعون لهذه المؤثرات المختلفة و يتمثلونها ، فيقل شعراء الحجاز من المدح والهجاء والفخر ويكثرون من الغزل على هذا النحو الذي يصور حياتهم حياة مبتهجة ..
ويقف بعض الشعراء في نجد وبادية العراق شعرهم على المدح والهجاء والفخر ، على حين يعنى بعضهم الأخر بلون خاص هو الشعر السياسي .
على أن هذه المؤثرات كانت على فنون الشعر ، و تتجاوزت ذلك إلى مادة الشعر في ألفاظه ومعانيه ، فذا وفق الشاعر أن يعيش عيشة نعيم كما وفق إلى ذلك شعراء المدن في الحجاز فستكون معانيه معاني مترفين ، وستكون ألفاظه ألفاظ المترفين .. وإذا ظل بدويا خشن العيش كما كانت الحال في نجد وبادية العراق فسيظل شعره بدوياً في ألفاظه ، وهكذا اختلف الشعر باختلاف الأقاليم لا في فنه فحسب ، بل في معانيه وألفاظه كذلك ، ولعل أرق الشعر كان في الحجاز ، و لعل أغلظه كان في نجد وبادية العراق ....
إن العرب في الأصل ينقسمون إلى عدنانية وقحطانية ، وإن الشعر كان عدنانياً مضريا ولم يكن قحطانياً ، وأنه لم يزدهر بعد الإسلام إلا حيث استطاعت المضرية تسود ، أو حيث استطاعت القبائل والمجموعات الأخرى إن تتصل بالمضرية وأن تتأثر بها ... ويتبين هذا و يوضحه أمر العراق بعد الفتح الإسلامي في إثناء القرن الأول للهجرة ، فإذا استقصينا فيه الشعراء النابهين وجدنا أنهم من عرب الشمال ، من المضريين ، و لا نكاد نجد فيهم شاعراً ينتسب إلى قحطان . ومع ذلك فقد استقرت جماعات ضخمة من العرب الجنوبيين في العراق ، واتصلت بالبيئات العدنانية ولكنها لم تأخذ عنها الشعر ، ولم تتعلمه إلا في عصر متأخر جداً .. وإنما يعود ذلك إلى أسباب أخرى ....
وهكذا يستقيم لنا إذا إن نلاحظ إن الكثرة المطلقة من العرب الذين كانوا يقيمون بالكوفة كانوا من عرب الجنوب ، فلم يفش فيهم الشعر في العصر الإسلامي ، وإن الكثرة المطلقة من عرب البصرة في حاضرتها وباديتها كانت من عرب الشمال ولذلك فشا فيهم الشعر ، وكثر فيهم الشعراء مثل جرير والفرزدق وذي الرمة ... وأن بلاد الشام لا تكاد تعرف شاعراً يعد في طبقات الشعراء المعروفين لأنها كانت مقطوعة أو كالمقطوعة عن عرب الشمال ، وموصولة أو كالموصولة ببيئات أجنبية غربية ...
وهنالك أشياء أخرى تتصل بهذه البيئات وتدعو إلى أن يأخذ الشعر في تطوره طريقا بعينها ، فيقال في هذا الموضوع أو ذاك ، ويشتهر بهذا الفن أو ذاك ، تبعاً للظروف التي تحيط به ، والتي تخضع للبيئة الجغرافية التي ينشا فيها الشعراء ..
إن ظروف الحجاز مثلا ً في جملتها أنشأت شعرا خاصاً هو شعر الغزل ، وهذه الظروف نفسها في اختلاف ما بينها فرقت بين غزل الحجاز الذي نشا في الحواضر وغزل الحجاز الذي نشا في البوادي ...
وظروف العراق التي أحاطت بالشعر دفعته في اتجاه آخر ، فخالفت بينه وبين شعر الحجاز ونجد ، ذلك أنه اتخذ وجهة المعارضة للحكم القائم ....
ولم يكن موقف البيئات الإسلامية واحداً من هذه المعارضة ولم يكن وجهة المعارضة كذلك واحدة .. وذلك إن بلاد المسلمين أو بلاد العرب الخلص في العهد الأموي كانت تنقسم في جملتها إلى ثلاثة أقسام :
1 ـ العرب الموالون لبني أمية ،
2 ـ والعرب المعارضون في صمت لبني أمية ،
3 ـ والعرب المعارضون في عمل ومقاومة ،
فأما الشام فكانت موالية لهم ، وأما الحجاز فقد كانت معارضة معارضة صامتة لأن أهل الحجاز خافوا إن ينالهم ما نا لهم مع الزبيريين من تقتيل وتدمير ، ولأن المال الذي انهال عليهم من بني أمية صرفهم عن هذه المعارضة ، واتسعت له المعارضة ، وكانت معارضته صاخبة لا صامتة ، و متكثرة لا مقتصدة ، ومتنوعة لا واحدة ... ذلك أن العراق كان موطن الخصومات السياسية بين السلطان الأموي ومعارضيه من الزبيريين والشيعة والخوارج ...
وقد بدت هذه المعارضة في وجهتين كبيرتين :
1 ـ معارضة السياسة العامة وهي تتناول أصل نظام الحكم ومسالة الخلافة ، وترى إن ينتقل هذا الحكم إلى قريش أو بني هاشم منها أو أن يكون شائعا بين المسلمين ....
2 ـ ومعارضة إقليمية كانت تقف للأمراء والولاة في طريقة حكمهم للأقاليم ، فتنكر منهم ما يكون من جور أو قسوة ، فهي لا تنفي السلطان الأموي في أساسة ولكنها تكره بعض الولاة كالحجاج مثلا أو تكره ما يكون منهم من حيف ..
الباب الثالث
الفصل الثاني
سمات الشعر في العصر الأموي
تتمثل سمات الشعر في هذا العصر على الأحكام العامة المختصة بالشعر في شكله وأهدافه وأساليبه وأغراضه وقد اتسم هذا الشعر بالسمات الآتية :
1 ـ الذاتية : ونعني بهذه السمة الأهواء والآراء الخاصة والمشاعر الذاتية التي تترجم الأفراح والأتراح التي عاشها الشاعر وقد بدا الشعر في هذا العصر معبرا عن ذات الفرد بسبب عودة النظام القبلي وبسبب القهر الذي عاشه الناس بعد انتقال السلطة إلى الأمويين ، فانكب كل شاعر يتحدث عن همومه الخاصة ومشاعره الذاتية كما عند جميل الذي يقول :
يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريد
لكل حديث بينهـن بشاشة وكل قتيل بينهـن شهيـد
ولم يخرج معظم الشعراء عن هذه الذاتية التي عبروا عنها بألفاظ جزلة أحيانا وغريبة أحيانا أخرى ، وفخمة من جهة ثالثة .
2- التعبير الجمالي : إذ بقي الشعر مهتما بالتعابير البليغة ومعتمدا على قوة الشاعرية ومترسما طريقة القدماء في تحكيك الشعر وتنقيحه والاعتناء به لفظا ومعنى على الطريقة الأوسية . كما عند كعب بن زهير والحطيئة والأخطل والفرزدق وجرير .
3-القوة والاتساع المكاني : وقد حافظ شعراء العصر الأموي على قوة النص الأدبي على الرغم من اتساع الرفعة المكانية له بحيث امتدت خارج الجزيرة العربية إلى الشام ومصر وخوزستان ولم يضعف الشعر كما يزعم المستشرقون والباحثون بل رقّ
4- الثنائية : التي تمثلت في شعر المدن والبادية ، وثنائية معارك شعراء الأمويين ثنائية الغزل الحسي والعذري ، وما يتميز من سمات في كل منهما ، وثنائية السهولة والغرابة كما في شعر جرير والفرزدق ، وثنائية استخدام القصيد من جهة والرجز من جهة .
ومن ثنائيات الغزل قول جميل بن معمر :
وما ذكرتك النفس يابثن مرة من الدهر إلا عادت النفس تتلف
تسوّف ديني وهي ذات يسارة فحتى متى ديني لديها يسوّف
بينما يقول عمر بن أبي ربيعة :
ليت هندا أنجزتنا ما تعد وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحدة إنما العاجز من لا يستبد
5- التعمق والتخصص : وقد جاءت هذه الخصيصة من اختلاف ثقافة الشاعر عما كانت عليه ومـن انتشار الأحزاب السياسية ، فكانت القصائد الهاشمية والأموية والخارجية ، كل ٌّ بحسب معتقده وفكره إضافة إلـى أن شعراء آخرين تخصصوا فـي موضوعات معينة كتخصص ابن ربيعة بالغـزل وذي الرمة بالوصف والخوارج بالسياسة الخاصة بالملك وكذلك جعـل الشعـر يستمر في نموه وارتقائه .





الباب الثالث
الفصل الثالث
أغراض الشعر في العصر الأموي
نظرا لتغيير القيم الاجتماعية والإنسانية في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي عمّا كانت عليه ونظرا لاستمرار قسم من هذه القيم فقد استمر الشعراء في الحديث عن أغراض متنوعة منها ما هو تقليدي ، ومنها ما هو مستحدث تبعا لمدى التأثر الذي طرأ على شخصية الشاعر وأهم الأغراض التي كتب بها الشعراء في هذا العصر :
1-الفخر والحماسة : نقصد بالحماسة التعبير عن عمق الشجاعة والجرأة لدى الشاعر ونقصد بالفخر ذكر الصفات التي يتمايز بها الناس ضمن أعراف معينة وقد اتجه الفخر عند شعراء العصر الأموي اتجاهين ، اتجاه تشرب بروح الإسلام وترك وراءه الولاء القبلي ولم يعد يفتخر بالعصبية القبلية بل ركز على معان جديدة للفخر تتمثل في :
1 ـ الحرص على نيل الشهادة .
2 ـ الفخر بانتصار المؤمنين.
بالإضافة إلى القيم التي أبقى عليها الإسلام والتي جاء الرسول عليه السلام متمما لها : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ). افتخر الشعراء بقيم الجاهلية مثل إكرام الضيف والعفة والشجاعة ... وغيرها ،
يقول بيهس بن صهيب مفتخرا باستقبال الضيوف :
ما ينبح الكلب حنيفي قد أُسبّ إذا ولا أقول لأهلي أطفئوا النارا
من خشية أن يراها جائع صرد إني أخاف عقاب الله و النارا
ويقول أبو الأسود الدؤلي مترفعا عن الجهل :
إني ليثنيني عن الجهل والحنا وعن شتم ذي القربى خلائق أربع
حياء وإسلام وبقيا وأنني كريم ومثلي قد يضرّ وينفع
وهناك اتجاه عاد إلى التفاخر بالآباء في الجاهلية بعد أن أعاد الأمويون نزعات القيسية واليمانية ، يقول الطّرمّاح بن حكيم مفتخرا بقومه الأسد واليمنية :
لنا من مجازي طيّء كلّ معقل عـزيـز إذا دار الأذلين حلـت
لنا نسوة لـم يجـر فيهن مقسم إذا ما العذارى بالرماح استحلت
إلى أن يمدح قومه قائلا:
بهم نصر الله النبي وأثبتت عرى عقد الإسلام حتى استمرت
وهذا أبو محجن الثقفي يفخر بكرم السيوف ، وإسباغ الدروع وبوقائع عشيرته في القادسية
لقد علمت ثقيف غير فخر بأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغات وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
أما الخوارج فقد تنكروا للعصبية القبلية وللتفاخر بالأنساب وأن لا شرف للمرء إلا بتقواه :
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا هتفـوا ببكـر أو تميـم
دعيّ القوم ينصر مُدّ عيه فيلحقه بذي النّسب الصميم
وما كرم ولو شرفت جدود ولكنّ التقيّ أخو الكريـــم

2 ـ المديح : جاء الإسلام لينفي وليبعد صفة التكسب عن الشعراء من خلال قول الرسول عليهالصلاة السلام ( احثوا في وجوه المادحين التراب ) . ولكن المدح عاد إلى ما كان عليه في العصر الأموي ، فقد اتجه هذا المدح إلى الخلفاء و الولاة والأمراء و أخفى الشعراء على ممدوحيهم صفات التقى و الورع و حماية المسلمين و الذوذ عن حرماتهم , و إن بقي المدح أحياناً يشرئب إلى صفات المدح عند الجاهليين , يقول الأخطل مادحاً بني أمية :
حشد على الحقّ عيافو الخنا , أنف إذا ألمت بهم مكروهة صبروا
أعطاهم الله جدّاً ينصرون بـــه لا جدّ إلاّ صغير بعـد مـحتقر
و تقول ليلة الأخيلية مادحة الحجاج :
إذا هبط الحجـــاج أرضاً مريضة تتبّع أقضى دائـها فشفاهــا
شفاها من الداء العضال الذي بهـا غلام إذا هزّ القناة سقاهـــا
و قد استنكر عمران بن حطّان المدح التكسبي قائلا:
أيهـا المادح العابـد ليعطى إن لله ما بأيـدي العباد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه و تسمّي البخيل باسم الجواد
3 ـ الهجـاء : غض الأمويون الطرف عن هجاء من خالف سياستهم بل شجعوا هذا الفن بصورته القبلية الذي فرّخ لنا فن النقائض والذي هو من أشبع صور الهجاء العربي ، فهذا هو يزيد بن معاوية يشجع الأخطل التغلبي على هجاء الأنصار وأمّنه من غضب والده معاوية :
خلو المكارم لستم من أهلها وخذوا مساحيكم من النجار
ذهبت قريش بالمكارم كلّها واللؤم تحت عمائم الأنصـار
وهكذا عادت العصبية القبلية ، وما تحمله من هجاء قبلي مثّله الطرماح بن الحكيم الطائي عندما هجا بني تميم قوم الفرزدق بعد أن خضعت هذه القبيلة ليزيد بن المهلب :
أقرّت تميم لابن دحمة حكمه وكانت إذا سبّت هوانا أمرّت
أفخـرا تميمـا إذا فتنة خبت ولؤما إذا ما المشرفية سلّت
ولـو خـرج الدجال ينشر دينه لزالت تميم حوله واحزألـــت
لعمري لقد سادت سجاح بقومها فلمــا أتت اليمامــة حلـّت
كما أن الهجاء بين الأحزاب السياسية استعرت ناره وتحول إلى نقاش سياسي .

4 ـ فـن النقائض : النقيضة قي الشعرهي قصيدة يقولها شاعر من الشعراء في هجاء شاعر آخر مع قومه ، فيزد الشاعر الثاني بنقيضة أخرى تظهر مخازي الأول وقومه تكون على الروي نفسه والقافية ذاتها ، وإن اختلفت بعض الحركات والقوافي أحيانا . وموضوعها الشتم والسباب والقذف وعدم مراعاة الحُرم والأعراف ، وقد كانت النقائض استمرارا لما حدث في العصر الجاهلي من مناقاضات ، كما حصل بين حسان والزبعرى ، عندما ذكر ابن الزبعرى أخت حسان بن ثابت ( عمرة ) وقـد نشأ هذا الفن وتطور في العصر الأموي بفعل عوامل اجتماعية وسياسية وعقلية .
1 ـ أما العوامل الاجتماعية فتنطلق مـن الفراغ الداخلي الذي أحدثه الأمويون فــي نفـوس الناس ، فمالوا إلى الفراغ .
2 ـ أما العوامل العقلية فتتمثل في نمـو العقل العربي ونمو الجدل والمناظرة في العقائد والتشريع وأحقية الخلافة .
3 ـ وأما العوامل السياسية فتمثل في محاولة الأمويين صرف الناس عن أمور الحكم واشغال بعضهم ببعض .
لقد كانت النقائض في العصر الأموي استمرار للهجاء القبلي في الجاهلية ، وكان يبعثها عادة خلاف بين قبيلتين أو أسرتين فينتصر شاعر لقومه أو أحلاف قومه ، فيرد عليه شاعر من هؤلاء ، فيعود الأول إلى الرد عليه ، ثم يلتحم الهجاء ويستطير . ولقد أذكى هذه النزعة في الشعراء قيام الأحزاب و تقرب هؤلاء الشعراء إلى الخلفاء والأمراء بهجاء خصومها تكسبا للمال .
ولقد دلت النقائض على إن الحمية الجاهلية ظلت ذات أثر في النفوس حتى بعد أن انتشر الإسلام .. إلا أن شعراء النقائض لم ينسوا ، في غمرة نزاعهم القبلي المحلي ، إن يشيدوا بعظمة العرب القومية وأن يشيروا إلى اتساع الفتوح الإسلامية ، وخصوصا في المشرق :
في فارس والهند والصين . ولعل مجموع الشعر الأموي يدلنا على إن البداوة ظلت غالبة على المجتمع الأموي . وأن الشعر الأموي مملوء بالمفاخر الجاهلية والبدوية كالفخر بالأنساب وبأيام العرب ( ومعاركهم الجاهلية ) وبالكلام على الثار.وظل شعراء المناقضات حتى أواخر العصر الأموي يعدون الحياة الحضرية في باب المعائب القومية ، فالأخطل قد هجا الأنصار لأنهم زراعون ، وجرير ظل إلى آخر حياته يهجو مجاشع لأنهم قيون ( حدادون ) ، ذلك لأن القيانة ( الحدادة ) وسائر الصناعات إنما كان يقوم بها العبيد فب العصر الجاهلي .
ولكن الشعر الأموي امتلأ أيضا بالألفاظ الإسلامية والآراء الإسلامية وذكر جرير والفرزدق وغيرهما للصلاة والحج واقتباسهم كلهم من القرآن الكريم ظاهر .
وللنقائض قيمة لغوية لاشك في ذلك ، فشعراء المناقضات قد حفظوا اللغة العربية صافية كما كانت في الجاهلية . فالألفاظ التي حفظت لنا ، في النقائض كانت كثيرة ، وكان أكثرها غريبا متصلا بالمعاني الجاهلية القديمة . بل لعل قسما من ألفاظ النقائض كانت أكثر غرابة من ألفاظ المعلقات .
وكانت النقائض تقليدا واضحا للمعلقات خاصة : تقليدا في شكل القصيدة وفي كثرة إغراضها وطول نفسها ، وفي كثير من خصائصها الأخرى كالفخر بالأنساب والهجاء القبلي والنسب في مطالع القصائد وكالغزل البدوي ، عفيفا وصريحاً.
ومع أننا لا نعجب بالنقائض من الناحية الخلقية والاجتماعية فإننا لا ننكر إن شعراءالمناقضات قد أضافوا إلى الشعر العربي فنا جديداً هو فن الشعر السياسي ، أو أنهم على الأصح قدوسعوا هذا الفن ، الذي ظهرت طلائعه منذ الجاهلية عند النابغة خاصة ، توسيعا جعله فنا جديداً.
والنقائض قد قامت على (( التكسب )) بخلاف أكثر الشعر الجاهلي . إن شعراء النقائض عموماً لم يميلوا إلى حزب دون حزب بدافع المبدأ والعقيدة ، بل مالوا إلى كل حزب كلن يفيض عليهم بالعطايا .
وقد كان السبب المباشر في ظهور هذه النقائض أن شاعرا يربوعيا هجا جريرا فانقض عليه جرير بالهجاء فاستغاث اليربوعي بالبعيث المجاشعي فأغاثه فهجا جريرا ، فانصب جرير على مجاشع وأفحش بذكر النساء فاستغاثت نساء مجاشع بالفرزدق فهجا جريرا وهكذا تكاملت حلقة المناظرة وأصبح هذا الفن الذي دام خمسين عاما من أقبح فنون الشعر العربي بحيث أبرز هذا الفن مدى التراجع الذي حلّ بالشعر العربي بعد مرور خمسين عاما على دعوة الرسول عليه السلام ، يقول الفرزدق مفتخرا بشرفه وأصله وعزة بيته :
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعــز وأطــول
بيتا بناه المليك وما بنــى حكـــم السماء فإنه لا ينقل
بيتا زراة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
وقد أجابه جريرا قائلاً :
أخزى الذي سمك السماء مجاشعا وبنى بناءك في الحضيض الأسفل
إنـي بنـى لـي فـي المكارم أولــي ونفخت كيرك في الزمان الأول
ومن المناقضات التي انتشرت في ذلك العصر ما قاله الفرزدق معتدا بعقول قومه الراجحة في أيام السلم وشجاعتهم في أيام الحرب :
أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جنا إذا ما نجهـل
وقد نقض جرير ذلك في قصيدة :
أبلغ بني وقبان أن حلومهم حفّت فما يزنون حبة خردل
وقد كان الفرزدق هجاء مقذعا يجاهر بما لا يحلّ من النساء فيذكر في هجائه مايعف عن ذكره كما حصل معه في المدينة المنورة من ذلك :
هما دلتاني مـن ثمانين قامة كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فردّ جرير متهكما وساخرا :
تدليت تزني من ثمانين قامة وقصرت عن باع العلا والمكارم
ويقال : إن الأخطل التغلبي قد حكم للفرزدق بالسبق على جرير بعد أن أغراه بشر بن مروان والي العراق بأن ينحاز إلى الفرزدق بعد أن حكم بالسبق لجرير ،
يقول الأخطل :
اخسأ إليك كليب إن مجاشعا وأبا الفوارس نهشلا أخوان
وإذا سمعت بدارم قد أقبلوا فاهرب إليك مخافة الطوفان
فيرد عليه جرير :
يا ذا الغباوة إن بشرا قد قضى ألا تجوز حكومة النشوان
تدعوا الحكومة لستم من أهلها إن الحكومة في بني شيبان
5- الرثاء : وهو فن استمر في العصر الأموي على ما كان معروفا عند الجاهليين ، فندبوا وأبنو وعزّوا أحياءهم وإن تغيرت مناقب التأبين وتبدلت شمائلها فأصبح المرثي يتصف بالتقوى والإيمان والخير والبر والرحمة والهداية والطهر
وقد يتناول الرثاء زوجة محببة لدى الشاعر تمنعه العادات أن يزور قبرها فيقول :
لولا الحياء لهاجني استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولهت قلبي إذ علتني كبرة وذوو التمائم من بنيك صغار
صلى الملائكة الذين تخيروا والصالحون عليك والأبرار
أما رثاء الخوارج فيصف مناقب العُباد من قيام الليل وصيام النهار ، يقول عمر بن الحصين راثيا عبد الله بن يحي وأبا حمزة الخارجي :
كم من أخ لك قد فجعت به قوّام ليلته إلــى الفجـــر
متأوه يتلــو قو ارع مــن آي القرآن مفرّع الصــدر


6- قصائد الانتصارات : نظرا لكثرة الغزوات والحروب الداخلية والخارجية التي خاضها العرب بعد الإسلام ، فقد كتب الشعراء الذين خاضوا تلك المعارك قصائد تمثل الانتصارات .

7- شعر الشكوى : عبر الشعراء في العصر الأموي عن التظلّم واليأس من سوء العلاقات الاجتماعية وتوزيع الأموال والمناصب السياسية فقـد أخذ بالتحول البطيء باتجاه التخلي عـن القيم الإيجابية التي كان الإسلام قـد بدأ بغرسها فـي نفوس الناس
وهذا هو الراعي النجدي يتوجه إلى الخليفة عبد الملك بن مروان منشدا إياه شكواه الشعرية من جباة الضرائب الذين جلدوا قومهم بالسياط لعجزهم عن دفع الضرائب :
أخليفة الرحمن إنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله فــي أموالنا حق الزكاة منزلا تنزيلا
إن السعاة عصوك يوم دعوتهم وأتوا دواهي لو علمت ونحولا
أخذوا العريف فقطعوا حيزومه بالأصبحية قائما مغلـــولا
إن الذين أمرتهم أن يعدلـوا لم يفعلـوا مما أمـرت فتيلا
وهذا الشاعر كعب الأشقري يستغيث بعمر بن عبد العزيز متظلما من عماله :
إن كنت تحفظ ما يليك فإنما عمال أرضك بالبلاد ذئاب
لن يستجيبوا للذي تدعو له حتى تجلّد بالسيوف رقاب
8 ـ الغـــزل : لا نصل إلى عصر بني أمية حتى تصبح المدينة ومكة مركزين هامين من مراكز الشعر ، وحتى تتحضرا تحضراً واسعاً ، وتغرقاً إلى آذانهما في الرفه والنعيم ، بتأثير ما صب فيهما من أموال الفتوح والرقيق الأجنبي ، وأخذ هذا الرقيق يسد حاجة الشباب المتعطل من اللهو بما كان يقدم له من غناء وموسيقا . وقد شاعت في هذا الجو المعطرة أنفاسه بالموسيقا موجة واسعة من المرح ، ورقيت الأذواق ودقت الأحاسيس وعاش الشعراء للحب والغزل فهو الموضوع الذي كان يطلبه المغنون والمغنيات ويستهوي الناس من رجال ونساء .وبذلك كادت تختفي من المدينتين الموضوعات الأخرى للشعر ، فقلما نجد فيهما مديحا أو هجاء ، إنما نجد الغزل يشيع على كل لسان . وأخذ يتطور بتأثير الغناء الذي عاصره تطورا واسعاً ، إذ أصبحت كثرته مقطوعات قصيرة ، وعدل الشعراء إلى الأوزان الخفيفة من مثل الرمل والسريع والخفيف والمتقارب والهزج والوافر . وليس ذلك فقط ما أثر به الغناء الأموي في الغزل الذي عاصره ، فقد دفع الشعراء إلى اصطناع الألفاظ العذبة السهلة ، حتى يرضوا أذواق المستمعين في هذا المجتمع المتحضر الذي يخاطبونه . وكانت هذه أول دفعة قوية نحو العربي ، وهو احتجاج بالكلمة والسلاح ، غير أنها تتخذ طابعا جماهيرياً واسعاً ومنظماً ليكتب لها النصر ، وهي مع ما حملته من أمل في تحرير الإنسان من الظلم لم تخل من مواقف سلبية تجلت في كره شعرائها للمجتمع وانعزالهم عنه ، وحقدهم على الناس . والتماسهم حلولاً غير مجدية في حل مشكلتهم الاجتماعية .تصفية الشعر العربي من ألفاظه البدوية الجافية .ولم يختلف هذا الغزل الجديد عن الغزل الجاهلي القديم في صورته الموسيقية والأسلوبية فحسب ، فقد أخذ يختلف أيضا في صورته المعنوية ، إذ لم يعد تشبيباً بالديار وبكاء على الإطلال ، كما كان الجاهليون يصنعون في جمهور غزلهم ، بل أصبح غالباً تصويرا لأحاسيس الحب التي سكبها المجتمع الجديد في نفوس الشعراء ، وهو مجتمع ظفرت فيه المرأة العربية بغير قليل من الحرية ، فكانت تلقي الرجال وتحادثهم ، وكانت ، شان المرأة في كل عصر ، تعجب بمن يصف جمالها وتعلق القلوب بها . وكان الناس رجالاً ونساء في مكة والمدينة يقبلون على شعر الغزل ، وأخذ الشعراء يخضعون ملكاتهم وعواطفهم له .. ومنهم من لا يتحفظ ، بل يصرح بحبه وزياراته لمحبوباته ، وهم الجمهور الأكثر ، وعلى رأسهم عمر بن أبي ربيعة والأحوص والعرجي ، فهم جميعا يطلبون المرأة ويلحون في الطلب ، وهم جميعا يلقون من حولها شباك الإغراء ، وبلغ من تيه عمر في ذلك أن رأيناه يصورها متهالكة عليه تتضرع إليه وتستعطفه .
أولا:أسباب ازدهار الغزل في العصر الأموي:
أ ـ الأثر الإسلامي :الذي أحدث تغييرا كبيرا في حياة الإنسابية بشكل عام والعرب بشكل خاص وذلك من خلال النصوص القرآنية التي تدعو إلى رفعة حياة المرأة، ودعوة الرجل أن يترفقبها:" وعاشروهن بالمعروف " . " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " .فقد أحكم الإسلام الرابطة بين الجل والمرأة عن طريق المودة والتعاطف، وكان اه اثره في الحياة الروحية والعاطفية من خلال عاطفة الحب الفطرية التي سما بةا وأسبغ عليها ثوبا من العفة ، مما دفع الكثير من الشعراء في نجد والحجاز على اخصاب معاني الغزل ودفع بعضهم على ترويض نفسة لاحتمال الصبر على كرب الحب حتى اعتبروا أن حبهم قدر من الله تعالى ليش لهم أن يقفوا في وجهه .
فقلت له فيما قضى الله ما ترى عليّ وهل فيما قضى الله من ردّ
ب ـ الغناء الذي انتشرفي الحواضر الإسلامية :بسبب تدفق الموالي والأرقاء على الحواضر وانتشر الكثير من المغنين الذين لا حاجة لذكر أسمائهم وهذا ما يفسر نزوع شعراء الغزل في هذه الحواضر إلى الغزل الماجن على نقيض شعراء البادية .
ج ـ الفراغ : الذي نشأ قيام الدولة الإسلامية بالقضاء على المنازعات القبلية وعصبياتها والفخر القبلي والهجاء القبلي ومنع شعراء نجد والحجاز من المشاركة بالأحداث السياسية
د ـ الثراء : الذي تدفق عن طريق الفتوح الإسلامية وما أفاءته على المسلمين من غنائم ، وما أغدقه بنو أمية من مال على أشراف مكة المكرمة والمدينة المنورة والقبائل النجدية والحجازية وكذلك المال الذي جاء عن طريق التجارة بين الشام واليمن، وهذا ما جعل الناس ينغمسون في اللهو .
هـ ـ تطور المجتمع الحجازي: بسبب اختلاط الأعاجم بالعرب وظهور نزعتين اجتماعيتين هما :
1 ـ نزعة زاهدة
2 ـ نزعة لاهية
حتى أن بعض الزهاد قالوا الغزل نازعين فيه إلى العفة .
و ـ محاكاة الشعراء بعضهم في قول الغزل مع خلوهم من تجارب عشق حقيقية حتى قيل إن كثير عزة كان مدعيا ولم يكن عاشقا وكما في تقليد الشعراء لمجنون ليلى في ادعاء الجنون في الحب .

ثانيا : أنواع الغزل في العصر الأموي :
شاع في العصر الأموي ثلاثة أنواع من الغزل ( العفيف العذري )ـ (الصريح العمري )ـ (التقليدي النسيب ).
أولا ـ الغزل العذري:
آ تعريف الغزل العذري: وينسب إلى قبيلة عذرة القضاعية اليمنية التي كانت تنزل وادي القرى شمال الحجاز والتي كان أبناؤها مشهورين بهذا النوع من الغزل وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه "الشعر والشعراء " . أن الجمال والعشق في عذرة كثير وهو امتزاج للظاهرة البدوية مع العفة الإسلامية بحيث جعلت هذه الظاهرة منزهة عن الدوافع الجسدية ، وهو يختلف عن الحب الأفلاطوني الذي يقوم على النظرة الفلسفية كما يختلف عن الحب الصوفي الذي يتجه فيه المحب إلى الذات الإلهية وقد رأى الباحثون أن هذا الحب تجسيد لعقدة المازوخية القائمة على التلذذ بالألم والعذاب وإن كان البعض يروي أو يرى أن في هذا الحب سموا من خلال سماته التي تتمثل بالعفة وتوقد العاطفة والديمومة والوحدانية والمعاناة والشكوى والخضوع المطلق لسلطان المحبوب وتعني ملازمته والحرص على رضاه والقناعة به والإعراض عن أقوال العذال فيه واكبار المرأة من خلال وصف محاسنها القيمية لا الجسدية غزل نقي طاهر ممعن في النقاء والطهارة ، وقد نسب إلى بني عذرة إحدى قبائل قضاعة التي كانت تنزل في وادي القرى شمالي الحجاز، لأن شعراءها أكثروا من التغني به ونظمه ، ويروى إن سائلا سال رجلا من هذه القبيلة : ممن أنت؟ قال : من قوم إذا عشقوا ماتوا ، ويروى أيضا إن سائلا سال عروة بن حزام العذري صاحب عفراء : أصحيح ما يروى عنكم من أنكم أرق الناس قلوباً ؟ فأجابه : نعم ، والله لقد تركت ثلاثين شاباً قد خامرهم الموت ومالهم داء إلا الحب .
ولم تقف موجة الغزل العذري لهذا العصر عند عذرة وحدها ، فقد شاع في بوادي نجد والحجاز ، وخاصة بين بني عامر ، حتى أصبح ظاهرة عامة تحتاج إلى تفسير ، ولاشك في إن تفسيرها يرجع إلى الإسلام الذي طهر النفوس وبراها من كل إثم . وكانت نفوسا ساذجة لم تعرف الحياة المتحضرة في مكة والمدينة ولا ما يطوى فيها من لهو وعبث ، وهي من اجل ذلك لم تعرف الحب الحضري المترف ولا الحب الذي تدفع إليه الغرائز ، فقد كانت تعصمها بداوتها وتدينها بالإسلام الحنيف ومثاليته السامية من مثل هذين اللونين من الحب، وإنما تعرف الحب العفيف السامي الذي يصبى المحب بناره ويستقر بين أحشائه ، حتى ليصبح كأنه محنة أو داء لا يستطيع التخلص منه ولا الانصراف عنه . وفي كتاب الأغاني من هذا الغزل مادة وفيرة نقرا فيها لوعة هؤلاء المحبين وظمأهم إلى رؤية معشوقاتهم ظمأ لا يقف عند حد ، ظمأ نحس فيه ضربا من التصوف ، فالشاعر لا يني بتغني بمعشوقته ، متذللا متضرعا متوسلاً ، فهي ملاكه السماوي ، وكأنها فعلاً وراء السحب ، وهو لا يزال يناجيها مناجاة شجية ، يصور فيها وجده الذي ليس بعده وجد وعذابه الذي لا يشبهه عذاب ، وتمضي الأعوام لا ينساها ، بل يذكرها في يقظته ويحلم بها في نومه ، وقد يصبح كهلا أو يصير إلى الشيخوخة ، و لكن حبها يظل شاباً في قلبه ، لا يؤثر فيه الزمن ولا يرقى إليه السلوان ، حتى ليظل يغشى عليه ، بل حتى ليجن أحيانا جنوناً ,إذا كان الشاعر الجاهلي يعيش متمثلا الفروسية والمرأة فإن الشاعر في العصر الأموي قد عايش مبدأ جديدا رفع من شأن المرأة وبوأها مكانة مرموقة لأسباب كثيرة ذلك أن الشعر الغزلي قد تطور في هذا العصر لأسباب عدّة :
يقول جميل بثينة :
لا والذي تسجد الجباه له مالي بما دون ثوبها خبـــر
ولا بفيها ولا هممت به ما كان إلا الحديث والنظر
ويقول كثير عزة :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لليلي بكل سبيل
ويقول جميل بثينة :
لقد فضلت حسنا على الناس مثلما على ألف شهر فضلت ليلة القدر
ويقول ابن حزام :
وإني لأهوى الحشر إذا قيل إنني وعفراء يوم الحشر ملتقياني
فيا ليت محيانا جميعا وليتنـــا إذا نحن متنا ضمّنا كفنان
ويقول جميل بثينة :
وماذا دها الواشون إلا كرامة عليّ وما زالت مودتها عندي

ب ـ سمات الغزل العذري :
إذ كان الغزل العذري صدى للخيبة والإخفاق في الوصول إلى المحب وصدى للمعاناة الصادقة في هذا الحب ، فإن الشعر قد تلون بالحزن واليأس الذي صفاه الشعور الديني ومازجه ضرب من الإذعان لقضاء الله تعالى فإنه اتسم بــ:
1 ـ العفة : التي تمنع الشاعر العذري أن يتحدث عن فتاة شائنة أو عن أمور تخدش الحياء أو تلوث الطهرالأنوثي . حسب الشاعر أن يكون قريبا ممن يحب يحدثه وينظر إليه فقط
يقول جميل بن معمر:
لا والذي تسجد الجباه له ما لي بدون ثوبها خبر
ولا بفيها ولا هممت به ما كان إلا الحديث والنظر
2 ـ توقد العاطقة : بسبب الهوى المشبوب المتوقد دون فتور على مر الأيام ،
يقول جميل بن معمر :
وهل هكذا يلقى المحبون مثلما لقيت بها أم لم يجد أحد مثلي
3 ـ الديمومة : لكون هذا الحب شعلة دائمة التوقد فهو لا يسلو حبيبته ولا يعرض عنها
يقول كثير عزة :
أريد لأنسى ذكرهل فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل
4 ـ الوحدانية في الحب : لأن الشاعر العذري يقف فؤاده على امرأة واحدة لا يحب سواها يقول قيس بن ذريح :
فتنكر عيني بعدها كل منظر ويكره سمعي بعدها كل منطق
5 ـ المعانة والشكوى المتصلة : إذ لا يتذوق الشاعر العذري طعم الراحة لما يعانيه من عذاب حبه اليائس فإذا هجره المحبوب ضاقت به الدنيا وتحولت حياته إلى جحيم مستعر ، يقول المجنون :
فوا كبدا من حب من لا يحبني ومن زفرات ما لهن فناء
6ـ الخضوع المطلق لسلطان المحبوب : بحيث يذعن الشاعر الغذري لهوى محبوبته دون تذمر فهي كالسحر لا يستطيع منه فكاكا،
يقول مجنون ليلى :
هي السحر إلا أن للسحر رقية وإني لا ألفي لاها الدهر راقيا
7ـ تمني ملازمة المحبوب: طيلة الدهر وحتى بعد الممات ، يقول ابن حزام :
وإني لأهوى الحشر إذ قيل إنني وعفراء يوم الحشر ملتقيان
فبا ليت محيانا جميعا وليتنا إذا نحن متنا ضمنا كفنان
8ـ القناعة في الحب : فهو لا يرجو من محبوبته سوى النظر والحديث والأماني والنظرة العابرة , يقول جميل :
وإني لأرضى من بثينة بالــذي لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا وبألا أستطيع وبالمنــــى وبالأمل المرجو خاب آملــه
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي أواخره ما نلتقي وأوائلـــه
9ـ الحرص على رضى المحبوب : فهو لا يرجو سوى رضى محبوبته بحيث يقدم في سبيل ذلك أي أمر يطلب منه ، يقول جميل :
ولو أرسلت يوما بثينة تبتغي يميني ولو عزت علي يميني
لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها وقلت لها بعد اليمين سليني
10ـ الإعراض عن قول العذال : فهو يسخر من عاذليه ومن أقوال الوشاة ولوم اللائمين ونصائحهم التي لا تزيده إلا تعلقا بمن يحب
وما زادها الواشون إلا كرامة علي وما زالت مودتها عندي
11ـ وصف محاسن المحب : بما يلائم الهوى العفيف من القدود والعيون
مفلجة الأنياب لو أن ريقها يداوى به الموتى لقاموا من القبر
12 ـ إكبار المرأة : لأن الشاعر العذري لا يرى في المرأة وسيلة لتحقيق المتع الحسية، فهي شطر من روحه لا يعيش دونها
13 ـ التأثر بالمعاني الإسلامية والقرآنية : في إثراء الجانب الفكري كجعل جميل فضل بثينة على النساء كفضل ليلة القدر على سائر الليالي
لقد فضلت حسنا على الناس مثلما على ألف شهر فضلت ليلة القدر
ج ـ الخصائص الفنية للشعر العذري :
1 ـ تشابه أساليب الشعراء
2ـ تشابه معاني الشعراء
3ـ عدم اتضاح شخصية فنية متميزة للشاعر
4ـ بروز الشعر العذري كتيار سائد في الحجاز
5ـ محاكاة كل شاعر لمن سبقوه قي هذا الفن
6ـ الإغارة على معاني الغير
7ـ الإغارة على أساليب الغير
8ـ جريان شعرهم على الطبع
9ـ إيثار السهولة والبساطة
10ـ لاتأنق ولا تنقيح للشعر
11ـ تصوير المواجد بأقرب لفظ وأيسر عبارة
12ـ مجانبة الألفاظ الغريبة المستكرهة
13ـ مراعاة الرقة والعذوبة
14ـ توفير القيم الموسيقية للشعر
15ـ الحرص على الصراحة
16ـ صدق التصوير
17ـ بروز الطابع البدوي في الشعر
18ـ سذاجة المعاني وعفويتها
19ـ التجديد في المعاني الغزلية
20ـ الوحدة العضوية للنص الغزلي
21ـ جاء بناء القصيدة أشد تماسكا وتلاحما
22ـ بروز صدى القرآن الكريم
ا ـ في معاني القصائد
ب ـ وتهذيب الألفاظ
ج ـ وإثراء الصور
د ـ وطرق الأداء
ثانيا- الغزل الصريح ((العمري ))
نظرا لاعتماد الأمويين سياسة صرف الناس عن الخلافة فقد أغدقوا على أبناء الحجاز الأموال وأعادوا خارطة العصبية القبلية إلى واقع الجزيرة فاتجه قسم كبير من أبناء الحجاز إلى اللهو والترف والتألق في المأكل والملبس والمسكن فانتشر الغناء وكثرت المغنيات وغلب علـى قسم كبير مـن شعراء مكة والمدينة الغزل الصـريـح الذي يتحسس جمال المرأة جسديا ، ولكنه على رأي الأدباء بقي أسير دوافع جمالية لا دوافع جنسية، إذ أن كثيرا من هؤلاء الشعراء يجدون متعة في مجالسة النساء والتحدث إليهن ، ولا يتعدون ذلك وإن كان ذلك محرما شرعا ، و قد اتسم هذا الغزل الصريح بسماتٍ متمثلة بالصراحة في وصف علاقة الشاعر بفتاته و تصوير محاسنها ، ووصف معاناته بعاطفة سطحية سريعة الانطفاء ، ذلك أن هؤلاء الشعراء تعلقوا بأكثر من امرأة واحدة ، إضافة إلى نزعة الاستعلاء التي تستحوذ على نفوسهم ، من ذلك قول عمر بن أبي ربيعة في محاسن محبوبته
غادة تفتر عن أشنبها حين تجلوه أقاح ٍوأوبر
و لها عينان في طرفيهما حورٌ منها و في الجيد غيد
و أيضاً قوله :
ثم قالت للتي معها لا تديمي نحــوه النظـرا
خاليسيه يا أخت في خفر فـوعيت القـــول إذ وقــرا
إنه يا أخت يصرمنا إن قضى من حاجة وطرا
وقد برز من شعراء هذا الاتجاه : عمر بن أبي ربيعة ، عبد الله بن عمرالعرجى ، الحارث بن خالد المخزومي ، أبو دهبل الجمحي ، عبد الله بن محمد الأنصاري

ماهيته : الغزل الصريح الذي كان يصدر عن شعراء الحواضر كعمر بن أبي ربيعة والأحوص والعرجي لا يمثل عاطفة الحب بدلالتها الدقيقة فالحب إنما هو رباط عاطفي بين شخصين يرغب كل منهما في ملازمة صاحبه ولا يبغي عنه بديلا أما التعلق بعديد من النساء في أن واحد فلا يصح أن يسمى حبا وكذلك تلك العاطفة الآنية السريعة الذبول والانطفاء ليست من الحب في شيء فالحب يبنى على التعلق بامرأة واحدة وعلى استمرار هذه العاطفة وصدقها نعم نحن لا نذهب إلى أن هذه العاطفة ينبغي أن تكون سرمدية لكي تستحق أن تسمى حبا ولكن الاستمرار سمة أساسية من سمات الحب الصادق والتقلب العاطفي ليس من آيات هذا الحب .
فغزل عمر وإضرابه لم يكن إذن صدى بالمعنى الذي حددناه وإنما كان صدى الغريزة الجنسية والشهوة والميل الفطري إلى الجنس الآخر وكان هؤلاء الشعراء ينشدون لدى المرأة المتعة العابرة واللهو ومن هنا كانت عواطفهم سرعان ما يدب إليها الملال والفتور بدافع الارتواء والإشباع فتنطفئ جذوتها فلا يلبثون أن يتحولوا إلى امرأة أخرى خليقة بان تعيد الحرارة إلى عواطفهم .
على أنه من الإنصاف أن نسجل هنا ملاحظتين :
الأولى ـــ أن هؤلاء الشعراء لم تكن دوافعهم جنسية محضا وإنما كان إلى جانبها دوافع جمالية تعلل سعيهم وراء النساء فالشاعر كان إذا وقعت عينه على نموذج للجمال الرائع فتن به كما يفتن كل ذي حس جمالي بتمثال أبدع النحات في تصويره أو بلوحة من روائع الفن ويؤكد هذا التعليق .
والثانية: أن ما ينشده هؤلاء الغزليون من النساء لم يكن دائما ً المتعة الجنسية , وإنما كانوا يجدون كذلك متعة كبيرة من مجالسة النساء والتحدث إليهن , ويقنعون في غالب الأحيان بمتعة الحديث لا يتوخون شيئا ً سواها , فإن كل ما يتصل بالمرأة كان يبعث فيهم اللذة والنشوة , وهم في هذا الجانب يقتربون من شعراء الغزل العذري الذين كانوا يجدون في مناجاة من أحبوا لذة أي لذة , ويصور هذه اللذة التي كان يجدها في مناجاة شعراء الغزل الصريح في محادثة النساء ما رواه أبو الفرج في الأغاني عن عمر فقد روى عنه قوله : لقيتني فتاتان مرة فقالت لي أحداهما : ادن مني يا بن أبي ربيعة اسر إليك شيئا ً فدنوت منها ودنت الأخرى فجعلت تعضني , فما شعرت بعض هذه من لذة تلك .
وقد بينا آنفا أننا لا ينبغي أن نضع حدودا صارمة بين غزل العذريين وغزل عمر وإضرابه , فما كان غزل الحضريين غزلا ً اباحيا فاحشا ً , على نحو ما نجد في الشعر العباسي , وما كانت البيئة الحجازية ولا العصر الذي وجدوا فيه ليسمح بظهور ذلك اللون من الغزل الاباحي . وقد يتصور بعضهم أن هؤلاء الشعراء كانوا يطلقون العنان لشهواتهم لا يحد من جماحها رادع من دين أو خلق أو رقابة اجتماعية , وهذا التصوير يباين الحقيقة ونحن نجد في أخبارهم ما ينبئ بأخذهم بأسباب الحيطة والتوقي لئلا يتهموا بتحدي مجتمعهم , كما كانت المبادئ الدينية والخلقية تفرض عليهم أحيانا كبح جماح شهواتهم على أنهم كانوا يحظون بقسط من الحرية في صلاتهم العاطفية أوفى من القسط الذي كان يحظى به شعراء البادية , ولكن هذه الحرية لها حدود تقف عندها , وهي تخضع لرقابة المجتمع الإسلامي في عصر قريب من عصر النبوة وفي بيئة كانت إلى حين قريب مهد الرسالة المحمدية . ونحن نجد الاحوص على ما عرف به من فساد الخلق – يصرح بأنه لا يتحرش ولا يعرض في غزله لجاراته ولا لنساء خلاته , رعاية لواجب الصداقة ولما أمره الله به :
ثنتان لا أدنو لوصلهما عرس الخليل وجارة الحنب
أما الخليل فلست فاجعه والجار أوصاني به ربي
وأوجه الاختلاف الأصيلة بين هذين الضربين من الغزل إنما تتجلى في السمات التي نجدها في كل منهما .
ب-سمات الغزل الصريح
1- الصراحة في وصف علاقة الشاعر بفتاته
لم يكن الشاعر الحضري يتحرج من وصف صلاته بالمرأة التي يهواها , ومن التصريح بما يعف الشاعر العذري عن ذكره , فقد كانت بيئته تتيح له من حرية القول ما لم تتيح مثله بيئة البادية للشاعر البدوي , على نحو ما نجد في قول عمر :
وناهدة الثديين قلت لها : اتكي على الرمل من جبانة لم توسد
فقالت : على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
فما زلت في ليل طويل مثلما لذيذ رضاب المسك كالمشهد
فلما دنا الإصباح قالت : فضحتني فقم غير مطرود وإن شئت فازدد
ومع ذلك فإننا لا نجد في هذا الغزل تهتكا وصورا ً فاحشة كالتي نجدها في شعر المجان في العصر العباسي , وكثير من هذا الغزل ينحو نحو غزل جبيل وأصحابه في جنوحه إلى العفة سواء في اللفظ أم في تصوير العواطف . فالصراحة التي تتحدث عنها صراحة نسبية بالقياس إلى تعفف أهل البادية .
وقد نحا عمر وأصحابه في تصوير صلاتهم بالنساء منحى قصصيا ً في كثير من قصائدهم , وهذا القصص يذكرنا بامرئ القيس في حديثه عن مغامراته وفي وصف تعرضه للنساء واتصاله بهن .
2- وصف محاسن المحبوب
كان الشاعر العذري ربما وصف محاسن فتاته ليقيم الدليل على انه محق في تعشقه لها , ولكن وصف المحاسن كان في شعر الحضريين غرضا ً أساسيا ً لا تخلو منه قصيدة من قصائدهم , وذلك لان تعلقهم إنما كان بهذه المفاتن , فقد كانت مظاهر الجمال الخارجية تجتذب انتباههم قبل جوانبه الداخلية , ومن هنا نجدهم وقفوا على وصفها الجانب الأكبر من شعرهم وهم يصورون المرأة في الصورة التي تجد ذوق أبناء ذلك العصر , والتي يجدون فيها المثل الأعلى لجمال الأنثى , كما نجدهم يعنون بوصف نواح من جسد المرأة ربما يعف عن وصفها الشعراء العذريون , على نحو ما نجد في قول عمر :
غادة تفتر عن اشنبها حين تجلوه أقاح أو برد
ولها عينان في طرفيهما حور منها وفي الجيد غيد
طفلة باردة القيظ إذا معمعان الصيف أضحى ينقد
سخنة المشتى لحاف للفتى تحت ليل حين يغشاه الصرد
3- وصف معاناة الشاعر :
يلتقي الغزل العمري بالغزل العذري في هذه السمة , فهي سمة عامة في الغزل الأموي , وهي التي تجعله يختلف عن الغزل الجاهلي الذي يدور حول الأوصاف المادية أكثر مما يدور حول وصف المواجد والأحاسيس . بيد أن الشاعر الحضري لم يكن دائما ً في تصوير مواجده , شأن الشاعر العذري . فتراه يذرف الدموع من شدة الوجد , ويصف ارقه وسهده وما لقيه من عناء في حبه , ونحو ذلك مما وجدناه لدى الشاعر العفيف . فإذا سمعنا الاحوص يقول مثلا ً :
وما زلت من ذكراك حتى كأنني أميم بافياء الديار سليب
أبثك ما ألقى وفي النفس حاجة لها بين جلدي والعظام دبيب
فلا تتركي نفسي شعاعا فإنها من الحزن قد كادت عليك تذوب
خيل إلينا انه محب صادق الصبابة يكاد العشق يودي به , ومثل هذا كثير في شعر عمر وأصحابه , وهو في شعرهم لون من الافتنان في التصرف بالمعاني الغزلية الشعرية , وربما نم أحيانا عن معاناة صادقة ولكنه في جله بادي التكلف لا يصدر عن عاطفة صادقة مشبوبة .
4- سطحية العاطفة وسرعة انطفائها
لم يعرف من شعراء الغزل الصريح في دلالته الحقيقية الصادقة التي وجدناها عند شعراء الغزل العفيف , وإنما عرفوه تعلقا بالمفاتن الجسدية الظاهرة وإرضاء لنزوات الجنس , ومن هنا كانت عاطفتهم إزاء من تغزلوا بهن تتسم بالسطحية والضحالة , ويعوزها الصدق والعمق , وهي تبدو متكلفة فاترة في جل ما تقراه من غزلهم , وإن وصف هؤلاء الشعراء معاناتهم في حبهم – على ما قدمنا – فإن هذا الوصف اقتضته الصناعة الشعرية أكثر مما اقتضته المعاناة الصادقة .
ومثل هذه العاطفة الفاترة القريبة الغور مآلها إلى الانطفاء السريع . هي أشبه بشهاب لا يكاد يسطع نوره حتى ينطفئ ويبتلعه الظلام , أو ماء ضحل لا يكاد يتعرض لوقد الهاجرة حتى يجف , ومن هنا كان الشاعر الحضري يبدو في غزله عابثا ً أكثر من هجادا ً , وهو يحاول أن يعوض عن نضوب العاطفة بوصف محاسن فتاته ومفاتنها الجسدية , أو بإطالة الحوار بينه وبين فتاته , ومن هنا أيضا كان تقلب الشاعر الحضري بين العديد من النساء , يحاول بهذا التنقل أن يشيع الحرارة في عواطفه وأن يبعد السأم عن نفسه الطرفة الملول .
5- التعلق بأكثر من امرأة واحدة
بسبب من سطحية العاطفة وسرعة انطفاء حب الشاعر الحضري الماجن نراه لا يتعلق بامرأة واحدة يقف عليها شعره – شأن الشاعر العذري – وإنما كان همه التنقل من امرأة إلى أخرى , لا يكاد يمل محبوبة حتى يسعى إلى أخرى , فالشاعر الحضري لم يعرف صورته المثالية التي عرفها الشاعر البدوي , ولهذا وجدنا عاطفته آنية سريعة الانطفاء فالشاعر العمري فراشة تقف على الزهرة فإذا ارتوت من رحيقها غادرتها إلى زهرة أخرى , إذا استهوته محاسن امرأة تعلق بها أول الأمر تعلقا خيل إليه انه سيلازمه طوال حياته , فلا يكاد يلقاها ويعاشرها حينا من الدهر حتى يدب إليه الملال فيسلوها ويمضي باحثا عن سواها .
فالمرأة في نظر عمر وأصحابه لا تعدو أن تكون وسيلة للاستمتاع واللهو , وليست جزءا من حياة الشاعر ووجوده لا يطيق له فراقا ً , شانها عند الشاعر العذري . والعاطفة المبنية على اللهو والاستمتاع من شانها أن تكون سريعة الانطفاء قصيرة العمر , وحسبنا أن نذكر أسماء طائفة من النساء اللاتي أحبهن عمر وتغزل بهن للتحقق من صحة ما ذكرناه , فمنهن : فاطمة بنت محمد بن الأشعث , وزينب بنت موسى , والثريا بنت علي , وهند بنت الحارث وليلى بنت الحارث , وكلثم بنت سعد , فهو كما يتحدث عن نفسه مولع بالحسن يتبعه أنى رآه , وكان ينتهز مناسبة الحج ليلقى النساء وقد جئن من مختلف بقاع الدولة الإسلامية يقضين فريضتهن , فلا تكاد عينه تقع على فتاة حسناء حتى يتعلق بها ’ ويدفعه هذا الإعجاب إلى التغزل بجمالها , حتى لقد تمنى لو أن الحج فريضة يؤديها المسلم كل يومين :
ليت ذا الدهر كان حتما علينا كل يومين حجة واعتمارا
وكان عمر عارفا ً باقتداره على مفارقة المرأة التي يتعلق بها , ويصور هذا الاقتدار قوله في بعض شعره :
وكم من خلة أعرضت عنها لغير قلي وكنت بها ضنيا
أردت بعادها فصددت عنها ولو جن الفؤاد بها جنونا
والنساء كذلك كن يعرفن في عمر هذه الخصلة وسرعة تحوله عن المرأة إذا قضى وطره منها , فكن يصطنعن ألوانا من الحيل ليبقين على صحبته , على نحو ما نجد في هذه الأبيات :
ثم قالت للتي معها : لا تديمي نحوه النظرا
خالسيه أخت في حفر فوعيت القول إذ وقرا
انه يا أخت يصرمنا إن قضى من حاجة أو وطرا ً
6- النزعة الاستعلائية في حين وجدنا الشاعر العذري ينقاد إلى سلطان محبوبه وتتوارى شخصيته وراء شخصية من يحب , ولا يجد غضاضة في إظهار التذلل له , نجد أن زعيم الشعراء الحضريين عمر بن أبي ربيعة وأصحابه كانوا يقفون من محبوبتهم وقفة المستعلي في كثير من الأحيان , وكان يدفعهم إلى هذا الاستعلاء أمور عديدة منها ما كان لهم من نسب عريق ومكانة اجتماعية رفيعة , ولا غرو فإن عمر وجل شعراء الغزل الصريح كانوا من كرام أبناء قريش والأنصار , فكان أبو عمر من سراة قريش البارزين , وكان يسمى ( العدل ) , لأنه – فيما ذكروا – كان يكسو الكعبة من ماله سنة وتكسوها قريش سنة . والعرجي كان يمت بنسبه إلى عثمان بن عفان , والحارث بن خالد كان من أشراف بني مخزوم .
ومن دواعي الاستعلاء كذلك وفرة النساء في المجتمع الحضري وكثرتهن من الإماء والقيان المجتلبات , فلم تكن المرأة عزيزة المنال في ذلك المجتمع شأنها في المجتمع البدوي , وعمر خاصة توافرت له إلى جانب ما ذكرنا دواع أخرى تحمله على أن يستعلي على النساء اللاتي اتصل بهن , فقد توافر له الشباب والجمال والثراء , فضلا عن نشأته المدللة المرفهة في حجور النساء , تلك النشأة التي ولدت فيه عقدة النرجسية ودفعته إلى الإعجاب المفرط بنفسه وجماله , فلا غرو أن نراه يصف تعلق النساء به أكثر مما يصف تعلقه بهن , وأن يصور لنا في شعره تحرش النساء به حتى في مواسم الحج :
قالت لها أختها تعابثها : لنفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له ليعرفنا ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها : قد غمزته فأبى ثم اسبطرت تسعى على اثري
ولا غرو أن يرى نفسه قمرا النساء بحسن طلعته :
بينما ينعتنني أبصرنني دون قيد الميل يعد و بي الأغر
قالت الكبرى : أتعرفن الفتى قالت الوسطى : نعم هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها : قد عرفناه وهل يخفى القمر
وربما وجدناه يصف وجد النساء به وما يلقين من عناء في حبه وكأنه هو المعشوق لا العاشق :
قلت : من أنت ؟ فقالت : أنا من شفه الوجد وأضناه الكمد
وليس ثمة أمر اشق على فتياته من فراقه لهن :
تقول إذ أيقنت مفارقها : يا ليتني مت قبل اليوم يا عمر
ولا حساسة برفعة منزلته كان لا يختار من النساء إلا الارستقراطيات وقل أن وجدناه يتغزل بفتاة من سواد الناس بل كان يتعمد أن يعرض لمن ياتين مكة في مواسم الحج من الشريفات السريات ليتغزل بهن .
ونحا الحارث بن خالد نحو عمر في التغزل بالنساء ذوات المنزلة الرفيعة فكان جل غزله في عائشة بنت طلحة وليلى بنت أبي مرة ولكنه لم يكن يستعلي على محبوباته استعلاء عمر فتلك الخصيصة تبرز خاصة في شعر أبي ربيعة .
ج-الخصائص الفنية للغزل الصريح :
أن جل الخصائص الفنية التي وجدناها في الغزل العذري هي خصائص مشتركة للغزل الإسلامي بقسميه ومن ذلك رقة الألفاظ وعذوبتها والعفوية في النظم ومجانبة التكلف والغرابة اللفظية ونحو ذلك ولكن النوعين يتباينان بعد ذلك في طائفة من الخصائص تتصل ببيئته كل منهما ففي الغزل العذري يتجلى الطابع البدوي من حيث اختيار الألفاظ وبساطة المعاني وسذاجتها ومن حيث الصور المنتزعة من البيئة البدوية أما في غزل عمر وأصحابه فالطابع الحضري واضح في هذه الجوانب ولكن الفوارق تبقى مع ذلك هينة لان البيئتين لم تكونا عصرئذ متباعدتين كل التباعد من حيث مشاهدهما ونمط الحياة فيهما .
ويتجلى الطابع الحضري خاصة في موضوع هذا الغزل وهو المرأة , فالمرأة في شعر جميل وأصحابه هي تلك المرأة البدوية التي تنهض مبكرة لتزاول الأعمال المنوطة بها , والبعيدة عن الترف والتأنق , وهي في شعر الحضريين امرأة منعمة مترفة تنهض من نومها مكسالا في الضحى ولا يناط بها ما يناط بالمرأة البدوية من أعمال خشنة مضنية تفسد جمالها . وإذا استقبلها فاحت منها شتى روائح العطور التي كانت تجتلب من بلاد الهند والروم , ووقعت عينك على ألوان من الحلي تزين جيدها وأذنيها ومعصميها واليك هذه الصورة التي ابرز فيها عمر فتاته :
والزعفران على ترائبها شرق به اللبات والنحر
وزبرجد ومن الجمان به سلس النظام كأنه جمر
وبدائد المرجان في قرن والدر والياقوت والشذر
ونلاحظ في هذا الغزل ما لاحظناه في الغزل العذري من نواحي التجديد بالقياس إلى ما كان عليه الغزل في العصر الجاهلي , ومنها وحدة الغرض في القصيدة وصيرورة الغزل غرضا رئيسيا ً من أغراض الشعر , حتى أننا لنرى شعراء يختصون بالغزل لا يكادون يجاوزونه إلى أغراض أخرى . فلم يؤثر عن عمر إلا مقطوعات قليلة في غير هذا الموضوع , وحين طلب إليه أن يقول شيئا ً في المديح كان جوابه انه لا يمدح الرجال وإنما يمدح النساء .
وهذا التفرغ لفن الغزل أتاح للشعراء الغزليين تجديد هذا الفن وتطويره وابتكار الجديد من المعاني فيه , ولا سيما عمر . وهذا التجديد يبيح لنا الزعم بأن فن الغزل عرف غاية ازدهاره وتألقه في العصر الأموي .
ومن المحقق أن النصيب الأوفى من هذا التجديد يحظى به عمر , فهو رائد الغزليين في جميع العصور , فقد فرغ لهذا الفن الذي عرفه الجاهليون في صورته الساذجة البسيطة ودفعه وضعته في مقدمة الفنون الشعرية المزدهرة , وعرف النقاد والشعراء لعمر هذا الفضل فقال الفرزدق حين سمع شيئا ً من نسيبه : هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فاخطاته وبكت الديار ووقع هذا عليه . بل أن جميلا زعيم العذريين اقر به بالتقدم في فن مخاطبة النساء ووصفهن , وفي الأغاني خبر مطول مروي عن مصعب بن عبد الله الزبيري يعدد فيه ما ابتكره عمر من المعاني الغزلية , وهو من النصوص النقدية النادرة في تقويم الشعر , وقد مثل أبو الفرج لكل معنى بأبيات من شعر عمر .
ومن مناحي تجديده التي ذكرها سهولة شعره وحسن الوصف ودقة المعنى , واستنطاق الربع وإنطاق القلب , واثبات الحجة , وطلاوة الاعتذار , وتبخيل المنازل
والى هذا كله نضيف ميزة عمر الأولى وهي تطويره القصص الغزلي الذي كان بدأه امرئ القيس في الجاهلية , حتى تحولت القصيدة عند عمر أحيانا إلى شبه مسرحية شعرية تتوافر فيها جل مقوماتها من حدث وعقدة وحل العقدة ونحوها , ويتجلى هذا خاصة في رائيته التي أولها :
امن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر
على أن الطابع الحواري في قصائده قد افقد أسلوبه أحيانا شيئا ً من جزالته ومتانة تراكيبه .
وحين نوازي بين شعراء الغزل العذري وشعراء الغزل الصريح في الخصائص الفنية نرى أن شعر الفئة الأولى كان اقرب إلى النفس وأنفذ إلى القلوب لما فيه من عفوية وصدق وبعد عن التكلف , في حين أن الصنعة الشعرية في شعر الفئة الثانية كانت أكثر اتقانا في المعاني الغزلية أوفى , وعلى أي حال فإن نهضة الغزل في العصر الأموي مدينة إليهما جميعا ً .

د-مقارنة بين الغزل العفيف والصريح
الغزل العذري غزل نقي طاهــر ممعن فـي النقاوة والطهارة وهـو يعود إلى بني عذرة إحدى قبائل قضاعة ولم تقتصر موجة الغزل العذري على قبيلة عذرة وحدها بل شاع في بوادي نجد والحجازحتى أصبح ظاهرة عامة ، ويرجع تفسير انتشار هذا الغزل يعود إلى ظهور الإسلام الذي طهّر النفوس وبرأها من كل إثم ، ومن أهم السمات التي تطبع هـذا الغزل لوعة المحبين وظمأهم إلـى رؤية معشوقاتهم ظمأ لا يقف عنـد حدّ ظمأ نحس فيه ضربا مـن التصوف وهـو دائم بدوام الحياة ومرافق للحياة حتى الممات كقول الشاعر قيس بن ذريح:
تعلّق روحي روحها قبل خلقنا ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا وليس إذا متنا بمنصرم العهد
ولكنه باقٍ علـى كلّ حادث وزائرنا فـي ظلمة القبر واللحد
على عكس الغزل الصريح الذي يتسم بالآنية والتجدد وعدم الصدق في العاطفة كقول عمربن أبي ربيعة :
ثم قالت للتي معهــا لا تديمي نحـوه النظـرا
إنه يا أخت يصر منا إن قضى من حاجة وطرا
أما الليل عند شعراء الغزل العذري فهو مصدر الهموم والآلام واللوعة والأحزان حتى أنهم يمضـون الليل كله يحلمـون بالأحبة ويتمنـون أن تتحـول الأحلام إلـى حقيقة فيقـول قيس بن ذريح:
وإني لأهوى النوم في غير حينه لعلّ لقــاء فــي المنام يكــون
تحدثنـي الأحـلام أنـي أراكم فيا ليت أحلام المنام يقين
أما عند الشعراء الصريحين فالليل ليل الفرح واللعب والعبث حتى أنهم تحنوا أن يطول أكثر لأن الحب عاش في هذه الليالي ونما في ظلامها كقول عمر بن أبي ربيعة :
سمون يقلن ألا ليتنا نرى ليلنا دائما أشهرا
أما الصفة الأساسية الفارقة بين الغزلين تتضـح مـن خلال إقبال الشعراء الصريحـين إلـى وصف المحـاسن الجسدية والتغني بها و بالتلذذ بمتعهـا فتطــرقوا إلــى وصف لباسهن وحديثهن وعطورهن وزينتهن كقول عمر بن أبي ربيعة :
وحسانا جـواريا خفـرات حافظات عند الهوى الأحسابا
سحرتني الزرقاء من مارون إنما السحر عنـد زرق العيون
وتضوع المسك الذكي وعنبر مـن جيبها قـد شابه كافـور
أما الشعراء العذريون فلم يهتموا بهذه الأمور بل اقتصروا على وصف مشاعرهم وعذابهم ولوعتهم في الحب لقول قيس بن ذريح :
لقد عذبتني ياحبّ ليلى فقع إما بموت أو حيــاة
فإن الموت أروح من حياة تدوم على التباعد والشتات
والحب عند العذريين مصدر الشقاء والحرمان والألم والحرارة كقول قيس بن ذريح :
إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى ومــن حُـرَقٍ تعتاد ني وزفيـر
ومن ألم للحب في باطن الحشا وليل طويل الحزن غير قصير
ولكنه لا يشكل أي ألم أو لوعة للشعراء الصريحيين بل إنه مصدر المتعة والترف والترويح عن النفس وبذلك يتحلى بعدم صدق العاطفة كما أنهم لا يكتفون بمحبوبة واحدة . من ذلك كله نخلص إلى القول إن الغزل الصريح غزل يعتمد الحب الذي يؤمن باللحظة ، ولا يفكر بالديمومة يؤمن باللهو والعبث ويكره الجد والمعاناة بعكس الغزل العذري الذي يتسم بالبقاء واللوعة والألم الغزير الذي يلحق بالمحبين وهو غزل عفيف لا يتطرق إلى المسائل المادية التي تطرق لها الغزل الصريح ، وبها يسمو العذري فوق الصريح ، ويعلو عليه ويكون تأثيره في النفوس أقوى وأوجع وأقرب إلى النفوس السامعة أو القارئة .
ثالثا ـ الغزل التقليدي :( النسيب ) الذي كان به الشعراء يصدرون به قصائدهم جريا على سنن القصيدة العربية الجاهلية والذي لا يمثل شعورا صادقا إزاء المرأة ، لأنه ضرب من الصناعة الشعرية
9 ـ الشعر السياسي : ليس لدى الجاهليين شعر سياسي بالمفهوم العصري لمعنى كلمة سياسة ، إذ أن القبيلة هي الدولة المصغرة التي ينتمي إليها الإنسان الجاهلي و دفاعه عنها دفاع عن حدود مناطق الرعي فيها ، و إذا كان هناك بعض الممالك قد بدأت تتبلور فإن الإسلام قد جاء و قطع الطريق عليها ، فأنشأ نظاماً جديداً للحياة السياسية المتمثلة بإيجاد خليفة واحد يدافع عن حمى الأرض التي فتحت ، و لكن خلاف المسلمين حول مفهوم الخلافة ، لمن تكون و كيف تكون؟ جعل المسلمين في العصر الأموي ينقسمون إلى أحزاب اتخذت طابعاً سياسياً تمثل في :
آ ـ الحزب الخارجي .
ب ـ الحزب الأموي .
ج ـ الحزب الزبيري .
د ـ الحزب الهاشمي .
و لو عدنا إلى بدايات الدعوة الإسلامية لوجدنا أن مسألة تبليغ الرسالة الدينية قد أخذت طابعاً سياسياً
شعر الخوارج السياسي : الخوارج هم شيعة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الذين خرجوا عن صفّه بعد أن قبل بمسألة التحكيم بينهم و بين معاوية ، ذلك أن معركة صفين قد أوشكت نهايتها على فوز جيش علي ممّا جعل معاوية و جماعته يرفعون المصاحف طلباً للتحكيم ، و قد زعم هؤلاء الخوارج الذين انشقوا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن مسألة التحكيم خدعة ، و لكنّ علي قَبِلَ به لأنها تطلب تحكيم القرآن الكريم في هذا الخلاف ، و ما كان لخليفة مثل علي رضي الله تعالى عنه أن يرفض التحكيم و قد شكلت هذه الفئة من المسلمين جيشاً عنيداً صلباً رأى بالجهاد ركناً أساسياً من أركان الإسلام و اعتقد أصحاب هذا الحزب الذين تسموا : " (الشُّراة ، المحكمة ، الخوارج ، الحَروريّة ") أنّه (لاحكم إلاّ لله )،وهي كلمة حق أريد بها باطلا ، و أنه لا يجوز تعيين خليفة للمسلمين و قد خرجوا إلى بلاد ما وراء النهر ، و قد انقسم الخوارج إلى طوائف متعددة منهم : (النجدات ، الأزارقة و الأباضية و الصفـرية ) وأشدهم تعنتا الأزارقة الذين يرون أن القعود عن الجهاد إثم كبير وأن الخلافة ليست بالضرورة أن تكون من القرشيين أو من العرب .و قد مثل هؤلاء من الخوارج حزبهم أكبر تمثيل ، فنبذوا كلّ تعصب يقوم على الأسرة أو الجنس ، فقد كانوا مجموعة أفراد ينتمون إلى فئات متعددة ، ومن أشهر وأهم شعراء الخوارج : "( قطري بن فجاءة ، الطّرمّاح بن حكيم الطائي ، عمران بن حطّان ، و عمرو بن الحصين ، يزيد بن حنباء ") . وقد جمع قطري بين رقة النفس والحماسة للعقيدة ، وعبر عن رؤية الخوارج في القتال فقال :
لعمرك إني في الحياة لزاهـد وفـي العيش مالم ألق أمّ حكيم
من الخفرات البيض لـم ير مثلها شفاء لذي بـثّ ولا لسقيـم
لعمرك إني يوم ألطم وجههــا على نائبات الدّهـــر جدّ لئيم
ولو شهدتني يوم دولاب أبصـرت طعان فتى فـي الحرب غير ذميم
ويقول عيسى بن فاتك الحبطي حينما هزم أربعون من الخوارج ، ألفين من جند عبيد بن زياد في معركة آسك :
أألفا مؤمن فيما زعمتم ويهزمهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة غير شكّ على الفئة الكثيرة ينصرونا
ويقول مصقلة بن عتبان يفتخر على بني أمية بأنصاره الخارجين كسويد والبطين وقعنب وشبيب وغزالة التي نذرت أن تدخل مسجد الكوفة وتصلي فيه ركعتين ووفت بوعدها وصلت والحجاج لا يجرؤ على الخروج إليها :
و أبلغ أمير المؤمنين رسالة و ذو النصح إن لم يربح منك قريب
فمنا سويد و البطين و قعنبٌ و منا أمير المؤمنين شبيــب
غزالة ذات النذر منا حميدةً لها في سهام المسلمين نصيبُ
10 ـ شعر الزهد: فلسف الإسلام النظرة إلى الحياة الدنيا من منطلق بسيط يدعو إلى أن يكتفي الإنسان بالقليل مـن متاعها وركزعلى النظر إلى ما بعــد الموت لأن فيه الحياة الأبدية و السرمدية :"( و اتبع فيمـا أتاك الله الدار الآخــرة ، و لا تنس نصيبك مـن الدنيا و أحسن كمـا أحسن الله إليك )" و قوله تعالى : "( ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور )" .
و من هذا المنطق تبنى عدد من الشعراء المسلمين في العصر الأموي هذه الفلسفة ودعوا إلى طرح الدنيا و الإقبال على الآخرة و التوكل على الله والثقة به و الإيمان بأنه متكفلٌ برزق العباد جميعا ، و من هؤلاء الشعراء الذين دعوا إلى ذلك:
"( أبو الأسود الدؤلي تلميذ الإمام علي رضي الله عنه،و مالك بن دينار ،و عروة بن أذينة ، وسابق البربري ") .
يقول عروة بن أذينة :
لقد علمت، و ما الإسراف من خلقي إن الذي هو رزقي سوف يأتني
أسعى إليه ما يعنيني تطّلبه و لو قعدت أتاني لايعنيني
ويقول أبو الأسود الدؤلي داعياً إلى السعي من أجل العيش القائم على الحياة الكريمة :
وما طلب المعيشة بالتمنــي ولكن ألق دلوك فــي الدلاء
ولا تقعد على كسل تمنـــى تحيل على المقادر والقضاء
وينتقد الشاعر سابق البربري انصراف الأغنياء إلى جمع المال :
فحتى متى تلهو بمنزل باطل كأنك فيه ثابت الأصل قاطن
وتجمع ما لا تأكل الدهر دائبا كأنك في الدنيا لغيرك خازن
كما وإن شعراء الزهد في هذا العصر قد أكثروا من ذكر الموت وتحدثوا عن هاجسه المفزع قائلين:
فويحي من الموت الذي هو واقع وللموت باب أنت لا بد داخله
وكيف يلذّ العيش مـن هـو عالم بأن إله الخلق لا بدّ سائله
وهذا هو الفرزدق يذكر الموت وعذاب الله في الآخرة في حوار مع الحسن البصري في يوم جنازة زوجه النوار :
أخاف وراء القبر إن لـم يعافني أشدّ مــن القبــر التهابا وأضيقا
إذا جاء فـي يـوم القيامة قائــد عنيف وسوّاق يســوق الفـرزدقا
لقد خاب من أولاد دارم من مشـى إلـى النار مغلول القلادة موثـــقا

11 – شعر الرجز : الرجز طريقة شعرية مختلفة عن طريقة القصيد ، اتخذها مجموعة من الشعراء مركبا ذلولا لنقل عواطفهم ومشاعرهم تجاه الحياة والمجتمع ، وهذا الشعر يقوم من حيث شكله على نقطتين : اتخاذ وزن بحر الرجز أساسا له والذي يتكون من ست تفعيلات في البت الشعري الواحد قائما على تكرار تفعيلة ( مستفعلن ) كما أنه يراعي التصريع ، وقد تكون قافية كل بيت مختلفة عن قافية البيت الذي يليه ، وقد تكون للأبيات قافية واحدة ، ويعد العجاج وابنه رؤبة أول من حوّل شعر الرجز من البيئة الشعبية إلى البيئة المثقفة بحيث أصبح رجزهما يحتج به في اللغة والأدب بعد أن كان هذاالرجز فنا شعبيا يتناوله العامة في مجالسهم و من ذلك ما قاله العجاج :
أقلّي اللوم عاذل والعتابن وقولي إن أصبت لقد أصابن
وقد كان الرجز في أصله ينظم ارتجالا ويعد الأغلب العجلي أول من أطاله وجعله كالقصيد ، كما أن شعراء الأراجيز تناولوا الأغراض الشعرية كالهجاء ، المديح ، الفخر ... ونهجوا أحيانا نهج القصائد العربية كالوقوف على الأطلال والرحلة إلى الممدوح ،
يقول أبو النجم العجلي يصف فهودا لعبد الملك بن مروان في موقعة صيد :
إنا نزلنا خير منزلات بين الحميرات المباركات
في لحم وحش وحباريات وإن أردنا الصيد واللذات
جاء مطيعا لمطاو عات عُلّمن أو قد كن عالمات
ومن الأراجيز التي كتبت للتندر والدعابة ما قاله أبو النجم العجلي موصيا ابنته عند زواجها واصفا الزوجة والحماة في موقف الحشر طالبا منها أن لا تتوانى في الخصام :
أوصيت مــن برّة قلبا مرّا بالكلب خيرا والحماة شرا
لا تسأمي ضربا لها وجرّا حتى ترى حلو الحياة مرّا
وإن كستك ذهبــا ودرّا والحي عميّهم بشر ّطرّا
وقد امتدح علي بن عبد العزيز الجرجاني في كتابه : ( الوساطة بين المتنبي وخصومه ) تعريب الرجّاز للكلمات الفارسية والحبشية كاستعمال كلمة ( البردجا) واستعمال (تسجا ) بمعنى التفّ . وقد أصبحت الأرجوزة في نهاية المطاف نصا أدبيا يعتمد عليه النحاة واللغويون في شواهدهم .
12- شعر الطبيعة : نظرا لنزوح العرب بين حياة الصحراء وحياة الحضارة الجديدة فقد بقي عالقا في أذهان الشعراء مجال الصحراء وما تحمله من ذكريات بما فيها من خيام ونوق وخيول وحيوانات ونجوم ، وبقي كثير من الشعراء يفضل حياة الصحراء على حياة المدن
ويعد الشاعر ذو الرمة من أكبر الشعراء الذين عشقوا الصحراء وأيامها وما فيها ورأى ما في الصحراء مسلاة في إطار ذكره لمية تلك المرأة التي أفلتت من يده فجعلته يذوب في رمال الصحراء ،
يقول ذو الرمة في وصف حيوان الصحراء بظبية وابنها عاكسا عواطف الإنسان عليهما :
إذا استودعت صفصفا أو صريحة تنحت ونصت جيدها بالمناظر
حذارا على وسنان يصرعه الكرى بكل مقيل عـن ضعاف فواتـر
وتهجره إلا اختلاسات نهارهــا وكم من محب رهبة العين هاجر

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الطبيعة كانت على الدوام ملهما بالغ التأثير في نفسية الشاعر العربي ، وقد مضى أسلافه في الجاهلية يصدرون عنها لا في أشعارهم ، فهم يصورون ، فلواتها بكثبانها ورمالها و غدرها وسيولها ، وخصبها وجدبها ، ونباتاتها وأشجارها ، وحيوانها وطيرها ، وزواحفها وهواجرها ، وما قد ينزل ببعض أطرافها من البرد وقوارصه . ومضى شعراء العصر الأموي ، على سنة آبائهم يستهلمون الصحراء مزواجين على شاكلتهم بين حب الطبيعة وحب المرأة ، إذ يفتتح الشاعر غالبا مطولاته بوصف أطلال الديار التي قضى فيها شبابه مع بعض صواحبه ، ويسترسل في الحديث عن بعض ذكريات حبه،ولا يلبث أن يتحدث عن رحلته في الصحراء وما قطع من مفاوز على ناقته ، يسهب في وصفها لمالها من جمال في نفسه ، كما يسهب في وصف فرسه ، وهو في ثنايا ذلك يحدثنا عن كل ما تقع عليه عينة في صحرائه ، أو يخلف أثرا في نفسه من طير وحيوان ونجوم وكواكب....وعلى الرغم من أن جمهور الشعراء في هذا العصر عاش في بيئات متحضرة ، فإن الصحراء لم تجف ينابيعها في نفوسهم ، بل قد ظلت ملهمهم الأول في أشعارهم على نحو ما نجد عند مبرزيهم من أمثال الفرزدق والأخطل وجرير ومن خير ما يصور ذلك أبيات للفرزدق فيها بين طبيعة الصحراء ونهر جيل وما يجري فيه من سفن ، موازنة يعلي فيها الطبيعة الأولى علوا كبيراً ،
يقول الفرزدق واصفاً السفينة:
لفلج وصحراواه لو سرت فيهما أحب ألينا من دجيل وأفضل
وراحلة قد عودوني ركوبــها وما كنت ركابا لها حين ترحل
قوائمها أيدي الرجال إذا انتحت وتحمل من فيها قعودا وتحمل
وواضح أنه يؤثر الطبيعة الصحراوية البدوية على طبيعة البيئات الجديدة وما فيها من أنهار وسفن ، وهو يعبر عن شعوره وشعور من حوله من الشعراء الذين فتنوا مثله بالصحراء ومناظرها الطبيعية أمثال ذي الرمة ...وليس معنى ذلك أن الشاعر الأموي لم يفسح مجالا لطبيعة البيئات الجديدة في شعره ، وإنما معناه إن الطبيعة الصحراوية كانت تستولي على ملكاته ، أما بعد ذلك فقد كانت تنفيذ طبيعة الأقاليم الجديدة إلى حواسه ، فيصور ما فيها من جبال وثلوج ، وقد صور الفرزدق في بعض رحلاته إلى دمشق ما كان ينزل عليه وعلى صحبه في طريقه شتاء من نثير الثلج ، يقول :
مستقبلين شمال الشام تضربهم بحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا يلقي وأرحلنا على زواحف نزجيها محاسير
وكان جرير على شاكلته لا يزال يبدئ ويعيد في وصف المناظر الصحراوية ومع ذلك تلقانا في ديوانه قطعة صور فيها نهيرات شقها هشام بن عبد الملك ، وما نبت على ضفافها من زرع وزيتون :
شققن من الفرات مباركات جواري قد بلغن كما تريد
بها الزيتون في غلل ومالت عناقيد الكروم فهن سود
فتمت في الهنيء جنان دنيا بساتينا يؤازرها الحصيد
ومن أزواج فاكهة ونــخل يكون لحملة طلع نضيد













الباب الثالث
الفصل الرابع
التحولات التي طرأت على الشعر
العصر الأموي
إذا كانت الحياة الجاهلية التي عاشها العرب في صحراء الجزيرة العربية وأطراف الشام والعراق حياة بسيطة غير معقدة ، قد نتج عنها أدب بسيط لا يحمل من الفكر إلا النزر اليسير ولا يبطن الفلسفة ولا العقائد الدينية باستثناء ما جاء على لسان الشعراء المتألهين كأمية بن أبي الصلت الذين ذكروا في شعرهم قضية التوحيد الإلهي بمفهومه البسيط ، فإن الحياة في العصر الإسلامي قد حملت معها رؤى جديدة وأشكالا مختلفة للقضايا السياسية والاجتماعية والفكرية ومن هنا بدأ التحول يأخذ مجراه في الأدب وخاصة في الشعر ، وقد أسهم في إبراز هذه التحولات سببان رئيسيان :
1ـ التجربة الذاتية : التي تعطي للعالم الداخلي عند الإنسان الأولوية من حيث : المشاعر.... وقد مثّل ذلك شعراء العذرية وحمل لنا شعرهم رغبات وانفعالات تعبر عن موقف يعقدعلى الكره والحب لمختلف هذه القضايا .
2 ـالتجربة الفكرية : القائمة على التوحيد في الفكر علــى اعتبار أن الشعر هــو أحد وسائل الفكر ، وقــد مثل ذلك شعراء الخوارج الذين حملوا لنا في شعــرهــــم الصراعات الفكرية حــول مفهومي العبــادة والسلطة . ومن هنا فإن تحولا جديدا قـد طرأ على مضمون الشعـــر تمثل فــي إحداث أغراض جـديدة كالشعر الديني الذي يتحدث عن عقائد الدين والمثل العليا التي ينطلق منها وكشعر الوعظ الذي يدعو إلى التقوى وينهى النفس عن الهوى ، بالإضافة إلى شعر الفتوحات الذي يتحدث عن انتصارات العرب المسلمين على الأقوام الأخرى كفارس وبيزنطة .... ومـن ثـم شعـر الشكوى الذي فضح ممارسات الولاة وشعر المذاهب السياسية الذي نشأ بفعل نشوء الأحزاب السياسية المتصارعة على السلطة ، والشعر العذري الذي يتناول المرأة مضمونا إنسانيا لا شكلا مـن أشكال الجمال فـي الحياة . أما مـن حيث الشكل فقـد بدأ الشعـــراء الإسلاميون يتحررون من المقدمة الطللية ومن الابتداء القائم على مخاطبة شخصين: ( قفا نبك ـ خليليّ) وبدأ هؤلاء الشعراء بكتابة مقدمات دينية كما في شعر عبد الله بن الأحمر الأسدي :
صحوت وودعت الصبا والقوافيا وقلت لأصحابي أجيبوا المناديا
وقولوا له إذ قام يدعو إلى الهدى وقبل الدعا : لبيك لبيك داعيا
ولو رجعنا إلى شعر عمر بن أبي ربيعة ، وجميل بن معمر ، وشعراء المذاهب السياسية لوجدنا مقدماتهم ليست بالمقدمات الطللية . فهاهو الكميت على تعلقه العاطفي بآل البيت وانصرافه إلى حبهم وتحمل الأذى من أجلهم ، نافيا التغزل يقول :
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب
ولم تلهني دارٌ ولا رسم منزلٍ ولم يتطربنـي بنان مخضب
ولكن إلـى أهـل الفضائل والنهــى وخير بني حواء والخير يطلب
وقد تأثر الشعراء بأسلوب الجدل الذي كان قائما على الإقناع وأكثر الشعراء في هذا العصر من استخدام تراكيب : ( ياراكبا إما عرضت فبلغن ـ أبلغ ) . وقد ساهم أسلوب القرآن في تصاعد الاعتماد على أسلوب المناقشات والإقناع الفكري ، وأسلوب الحوار القصصي المعتمد عند شعراء الخوارج على : ( قلت ، قالت ) ،
كقول عمر ابن ربيعة :
كلما قلت : متى ميعادنا ضحكت هند وقالت بعد غدِ
يضاف إلى ذلك استخدام صيغ وعبارات جديدة مستوحاة من المعاني الإسلامية مثل : ( الإيمان ، الكفر ، الزكاة ، الصلاة ، الوحي ، القيامة ، التقوى ، الجهاد ، الشهداء ، الحرام ، الحلال ... ) . يقول عمرو بن قريط العامري :
ثقلت صلاة المسلمين عليكم بني عامر والحق جدّ ثقيل
واتبعوهــا بالزكاة وقلتم ألا لا تقروا منهــا بفتيل
كقول جرير :
إن الذي حرم المكارم تلغبا جعل النبوة والخلافة فينا
وأخذت ألفاظ جديدة تكتسي معاني جديدة لم تكن تحملها سابقا ، كالحزم الذي أصبح بمعنى التقى : كقول مروة بن نوفل :
ولقد علمت وخير العلم أنفعه أن السعيد الذي ينجو من النار
ويقول الفرزدق متكئا على معاني القرآن في مخاطبة زوجته نوار:
وكانت جنتي فخرجت منها كآدم حين لجّ به الضرار
كما أن الصور الخيالية ازدادت خصوبة كقول الشاعر :
كأن القلب ليلة قيل يفدى بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح
لها فرخان قد تركا بوكر فعشهما تصفقه الرياح






الباب الرابع
رموز الشعر في العصر الأموي
ذو الرمة الأموي ( رجز – شعر )
ولد ذو الرمة في أواخر العقد الثامن من القرن الأول الهجري , ونشأ في البادية , لكن البادية لم تكن بمعزل عن الحضر في جميع العصور العربية , فما ظنك بها بعد الإسلام . وقد اخضع العرب جميعا لسلطان النبي , واقتضاهم زكاة يؤدونها في الحضر وفي البادية , وترك في كل جماعة رسلا يفقهونهم في الدين حيث لا يسهل الاتصال بصاحب الرسالة , واتى الخلفاء فازدادت هذه الصلة تمكنا باشتراك القبائل العربية جميعا ً في الفتوح الإسلامية , واخذ الجند بنصيب وافر من الغنائم الحرب , واطلاعهم على حضارة فارس والروم , ومشاهدة البلاد التي كانوا يسمعون بها ولا يرونها , وإذ كان العصر الأموي ثم انتقال كثير من أهل البادية إلى الحواضر الإسلامية في الحجاز والشام والعراق ومصر وغيرها , وتم اتصال البدو بالحضارة عن طريق رحلاتهم إليها وزيارة أقاربهم من سكان الحضر لهم , وقدوم طلاب اللغة عليهم واستقدامهم لهم .
نشأ ذو الرمة في عصر شاع فيه غزل واقعي في الحجاز , وغزل عف في البادية , ومدح من شعراء الأقاليم المختلفة في دمشق , ورجز يخدم اللغة ويؤدي الأغراض الأخرى حقها . أي لون من هذه الألوان يختار ؟ أو بعبارة أخرى أي منحى يسلك . يظهر أن الاختيار ليس يسيرا في هذه المسائل , وأن الظروف والملابسات توجه الناس أكثر مما يوجههم الاختيار , أو أن الاختيار لا يعدو هذه الحدود غالبا ً , إلا أن تكون عبقرية جامحة لا تتقيد بغير عالمها الفسيح .
انه ليس من أهل الحضر الحجازيين الذين يعنون بالغزل الواقعي العناية كلها , والرضا بالغزل البدوي ليس وسيلة لتحقيق الشهرة لشاعر يطمح فيها , كما أن الرجاز والراعي من الشعراء , قد وجهوا شعر البادية وجهة جديدة , وجهوه إلى وصف الحياة البدوية وخدمة اللغة .
اتجه ذو الرمة إلى الرجز كما يقول الرواة , لكنه انصرف عنه لما عجز في زعمهم عن مجاراة رؤبة وأبيه في هذا المضمار , ولعله قد وجد العجاج وابنه قد شارفا الغاية أو انتهيا إليها في هذا الفن فانصرف عنه إلى فن آخر أوسع مدى , ولعل صلته بالراعي وروايته عنه كانت من العوامل القوية في هذا الاتجاه .
لكن الراعي كان يسلك طريقا محدودا ً في شعره إذ يعنى بالإبل ووصفها وذو الرمة كان يقيم في الكوفة وبالبصرة , مع نشأته البدوية , ويتصل بذوق أهل الحضر ويلمس عناية العلماء باللغة وجمع غريبها وتدوين المعاجم , ووضع العلوم اللغوية وكل ما يقتضيه ذلك من العناية بألوان الشعر العربي وبخاصة القديمة , وقد رأى حظ الراعي من اتجاهه المحدود . فكر ذو الرمة في ذلك كله , أو دفعته الظروف المحيطة به , فادى لذلك العصر حاجاته جميعا ً , وبرز فيما هيئ للتبريز فيه , برز في كل ما يتصل بحياة البادية , من المعرفة اللغوية والغزل ووصف الطبيعة ولم يهمل المدح والاتصال بالحاكمين .
على انه لم يستمد ثقافته من الحاضر وحده , وإنما الم به وبالماضي من لدن امرئ القيس وامتثله امتثالا تظهر آثاره واضحة في شعره , حين يقلد امرئ القيس والمرقش ولبيدا ً وعنترة , وزهيرا ً وغيرهم من الجاهلين , وحين يقلد رؤبة والعجاج والراعي وغيرهم من المعاصرين .
وقد أصبح بهذا الامتثال بارعا كل البراعة في معرفة المقومات الشعرية للشعراء المعاصرين والجاهليين فإذا نسب احد إلى شاعر معاصر شعرا ليس له أنكر النسبة , ودل على القائل وإذا دعي احد وإن في منزلة حماد الراوية , شعرا جاهليا لنفسه عرف ذو الذمة الأمر ودل على جاهليته (( بما عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام )
وعرف الخلفاء والولاة له معرفته اللغوية الشاملة فاعتمدوا عليه في تقدير الشعراء المعاصرين , كما اعتمدوا على علماء اللغة . أما هؤلاء العلماء في هذا العصر والعصر الذي تلاه فكان تقديرهم له فوق كل تقدير , قال أبو عمرو بن العلاء : (( بدئ الشعر بامرئ القيس واختم بذي الرمة )) وقال غيره : (( الشعراء ثلاثة : جاهلي وإسلامي ومولد , فالجاهلي امرؤ القيس والإسلامي ذو الرمة والمولد ابن المعتز )) .
وقال حماد الراوية : ((قدم علينا ذو الرمة فلم نر أحسن ولا اعلم بغريب منه )) , وكان ذو الرمة يخطئ رؤبة في اللغة ويقبل رؤبة منه )) ولم يكن يحتفل بعلماء اللغة ويتملقهم شأن سائر الشعراء , وإنما كان يهددهم إذا انحرفوا عن الصواب في الحكم اللغوي , وهكذا اخذ من اللغة بحظ كبير , جعل علماؤها يبالغون في الحكم عليه ويكبرونه .
أما الشعراء فقيل : إن جريرا والفرزدق كانا يحسدانه على شعره , ولا ريب أن هذا الحسد كان من ناحية الأوصاف الطبيعية التي برع فيها , ويدل على هذا تمنيهم قصيدته : (( ما بال عينك منها الماء ينسكب )) . أما المدح والهجاء فكان ضعيفا فيهما , شأن أصحاب النزعات البدوية , بل كان يستعين بجرير في الهجاء . قال ابن سلام : (( لم يكن له حظ في الهجاء وكان مغلبا ً )) , وسأل ذو الرمة الفرزدق بعد أن انشده شعره في الإبل : (( كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس ؟ قال : ما أحسن ما تقول ! قال : فمالي لا اذكر مع الفحول ! قال : قعد بك عن غاياتهم بكاؤك في الدمن ووصفك الاغبار والعطن )
وكان لتفوقه في شعر الطبيعة يأخذ الشعراء عنه في هذا الباب وينسجون على منواله .
وهكذا استطاع ذو الرمة أن يقيم تفوقه على ناحيتين : لغوية تعجب العلماء , وشعرية بدوية ترضي الذوق العام .
وتتلخص مكانة ذي الرمة في انه اقبل على ألوان الطبيعة وصورها في الشعر العربي فامتثلها امتثالا ً ثم أداها في صدق وانفعال ظاهرين , فبدت جديدة ممتلئة حياة ونشاط , تملك على القارئ حسه , وتستولي على شعوره , لكنه إذ يأخذ في تحليلها بعد تأثره وإعجابه بها , لا يجد فيها إبداعا وأصالة يعدلان التأثر والإعجاب .
وتمثل فنه في الطبيعة قصيدته الأولى في ديوانه كما يمثله كثير غيرها , وقد بدأها بالتساؤل عن أسباب بكائه المر . فقال :
ما بال عينك منها الماء ينسكب كأنه منكلى مفرية سرب
وفراء غرفية أثأى خوارزها مشلشل ضيعته بينها الكتب
استحدث الركب عن أشياعهم خبرا أم راجع القلب من إطرابه طرب
من دمنة نسفت عنها الصبا سفعا ً كما تنشر بعد الطية الكتب
سيلا من الدعص أغشته معارفها نكباء تسجب أعلاه فينسحب
لا بل هو الشوق من دار تخونها مرا سحاب ومرا بارح ترب
يبدو لعينيك منها وهي مزمنة نؤى ومستوقد بال ومحتطب
إلى لوائح من أطلال احوية كأنها خلل موشية قشب
بجانب الزرق لم تطمس معالمها دوارج المور والأمطار والحقب
وهذا لا ريب , نظم فخم , قد أحاطه الشاعر بمظاهر الانفعال فمثل حالته النفسية التي عبر عنها بانسكاب الدمع الغزير , حين اخذ يسأل نفسه عن دواعي بكائه , ويفترض فرضا ثم يتركه إلى آخر , ويضرب عنهما إلى ثالث . وأي تمثيل للحزن أروع من أن الحزين يعجب من حاله , ولا يستطيع أن يتيين لها سببا إذ عز تفسيرها على كل سبب ؟
لكن التحليل يقلل من أمر هذا الإعجاب , ويضعف اثر الانفعال الذي برع في إثارته .
انه لم يصنع أكثر من التساؤل : لماذا ينسكب الدمع من عينيك غزيرا ً , كأنه ينصب من مزادة قطع أصل عروتها ؟ أأتاك من الركب خبر جديد ؟ أم عاود القلب طربه للدمن ؟ ليس هذا ولا ذاك وإنما هو الشوق إلى دار الحبيبة التي عبثت فيها الأمطار والرياح المتربة , وبقي من آثارها حاجز المطر والمستوقد والمحتطب , وآثار المنازل البادية كبطائن السيوف المنقوشة , تلك الآثار التي لم تستطع الحقب بأمطارها وترابها أن تعفى عليها , وهو في هذه المعاني والتفاصيل لم يأت بجديد , فالتساؤل قديم , وكذلك المزادة المنحرفة , والجزع لرحيل الأحبة وكشف الرياح عن الدمن , وصيرورتها كالكتاب المنشور , وحديث الأطلال على هذا النحو معاد . وكل عمل ذي الرمة انه اعتمد إلى الصور القديمة , عند امرئ القيس والمرقش ولبيد وزهير وغيرهم , فجلاها في براعة ونظم محكم .
والتأمل في تصويره , على جماله يكشف عن غرضه اللغوي فهو حين يتحدث عن المزادة يذكر جملة ما يتصل بها , وحين يذكر الأطلال يفرق بين الدمن والرسوم هذا التفريق اللغوي كأنه يشرح حقيقة كل منهما , وعهدنا بالشعراء لا يفرقون بينهما على هذا النحو وإنما تستوي الإثارة فيهما , بل تكون الأولى اشد وقعا لأنها , بخفائها , تبعث في النفس معاني اشد عمقا ً .
ثم يتحدث عن حبيبته ( مي أو مية )) مشبها بالظبية تقوم عند غروب الشمس بين الرمل يحفه النبات الصحراوي وواصفا خلقها وخلقها وذاكرا أن خيالها قد زاره حين نام بعد التعب بجانب ناقة ضامرة مغبرة بجنبها جراحات من الحزام .
وهذه الناقة هزيلة تشكو الجراح , وتئن كالمريض الكثير الأوجاع يشكو إلى عوادع , لكنها تسبق الإبل السريعة ولا يعتريها وهن ولا فتور , رغم احديداب ظهرها لكثرة ما عانت , بل يبدو راكبها , المهلهل الثياب النشيط الوفي القوي , كأن ريح الجنوب العاتية تهوى به , وهي إلى قوتها فطنة تميل عند الركوب , ولا يكاد الراكب يستقر فوقها حتى تثب .
ووثبها وثب حمار الوحش المعضض , كأنه ظالع أو مشتك جنبه , يحدو أتنا قوية رمادية ويصخب عليهن أثناء الرعي , فإذا أتى الصيف على الماء والكلأ ونفذ ما ادخرته في بطونها من بقية الماء والعلف , اجتمعت حوله طول النهار من الشروق فإذا ما غربت الشمس حداها في سرعة شديدة , مصوتا ً بها كمن يشكو آلامه , وعلا بها المرتفعات , فإذا تفرقت من حوله عدا كالمجنون أو الفار بالإبل من غارة , وكل همه أن يبلغ عين اثال , وقد بلغها في الصبح الأول . والليل لا يزال حيا ً .
وعين أثال مطحلبة طامية تصطخب الضفادع والحيتان فيها , وينتزعها جدول كالسيف منصلت بين النخل الصغير يعلوه الجريد .
عينا ً مطحلبة الأرجاء طامية فيها الضفادع والحيتان تصطخب
يستلها جدول كالسيف منصلت بين الاشاء تسامى حوله العشب
ثم يصف الصائد ومهارته في الرمي , وكيف انتظر حتى دنت من الماء فرماها لكنه اخطأ الرمي فتفرقت , ولم يبل الماء غلتها , ويذكر الصقر وذكر الحبارى في مقام التشبيه .
ويتساءل : أهذا الحمار الوحشي أم الثور القوي المنقط الذي لا يكل من الجري , ثم يندفع في الحديث عنه ذاكرا كيف أوى إلى النبات معتصما ً في الحر بظله , وكيف سار حتى بلغ وهيين واشتملت الظلام والمطر , فلجأ إلى أرطأة في كثيب من الرمل , ويشبه الكثيب , جامعا ً الارطى وما حولها من بقايا الشجر والبعر , ببيت العطار ’ ثم يصف معركة الصيد وصفا فاتنا ً وإن لم يكن جديدا ً . ثم يقول أهذا الثور أم الظليم ؟ , ويندفع في وصف الظليم , مشبها له بالزنجي والسوداني , وللباسه بلباس العربي , ويصف كيف تعترضه الإبل وتقاسمه النبات , ويربط بين الجمل والثور والظليم في الشكل العام , ويصف حياة الظليم والنعامة بين الصغار ورحلتهما .
وهذه القصيدة تبلغ مائة وواحدا ً وثلاثين بيتا ً , وأول ما يستوقف الباحث فيها طولها الذي لم تظفر العربية بمثله في شعر الطبيعة . فهذه الأوصاف لم يتهيأ لها حظ الاجتماع في قصيدة واحدة على هذا النحو , قبل ذي الرمة , وكان الشاعر من قبله يكتفي ببعض الألوان بعضها أما ذو الرمة فجمع الطبيعة الحية كما يتصورها الشاعر العربي , أو كما يحسن تصويرها في قصيدة واحدة , وقد جعل القصيدة كلها خالصة لوجه الطبيعة , لا يشوبها سوى غزل تتوثق صلته بالطبيعة , إذ يتخلله وصف للغزال .
وانفعاله ظاهر فيها , وقد عبر ذو الرمة عن هذا بقوله : انه قد جن جنونا بهذه القصيدة وحق له أن يحسد عليها , وأن يقول جرير فيها : (( ما أحببت أن ينسب إلي من شعر ذي الرمة إلا قوله : ما بال عينك منها الماء ينسكب , فإن شيطانه كان فيها ناصحا ً )) . والواقع أن الشاعر كان يتجه في شعره نحو الواقعية المفتعلة , ويريد أن يهيئ للتقليد عونا ً من الحقيقة , فهو مع عيشه بالبصرة والكوفة , واتصاله بالحكام بدمشق , وترفه الذي بلغ أن يلبس عباءة ثمنها مائتا دينار – مع ذلك كله كان يرحل إلى البادية التي نشأ فيها , وينساب إلى ( مية أو خرقاء ) على ظهر الناقة , ويزور ديارها بعد الرحيل ليرى بعينيه حقيقة الوقوف بالأطلال , كما كان يقف في الحضر بين الإبل حين ينشد شعره في وصفها .
وقد بلغ من فتنته بالطبيعة البدوية أن ينسى المدح للحكام وأن يجبرهم على مشاركتهم الهيام بها , واتى لهم مثل فتنته وهيامه, ولعل بعض الرواة المعاصرين كان يسخر من هذا الهيام البالغ حين روى أن بلال بن أبي بردة بعد أن استمع إلى قصيدة ذي الرمة :
أراح فريق جيرتك الجمالا كأنهم يريدون احتمالا
ورأى إسراف الشاعر في وصف ناقته : (( صيدح )) وإطرائها صاح بمن حوله إذا رأى العناية موجهة إلى الناقة : (( أعطوه حبل قت لصيدح !! ) أو لعل بلالا ً , إن صحت الرواية , كان يسخر من قوله :
رأيت الناس يتجمعون غيثا فقلت لصيدح انتجعى بلالا
لكن الراوي أو بلالا لو عرف مدى اندماج الشاعر في ناقته اندماج تخيله ثم خاله لعذره .
على أن هذا لا يعني البساطة وعدم الجهد في النظم فهذا الجهد له مظاهر كثيرة أهمها التقسيم العادل بين أبواب القصيدة واستيفاء كل قسم ما يتصل به وإحكام الربط بينها وتمام الإفادة من السابقين وشيوع الصور الدقيقة مثل هذا الجهد بقوله :
وشعر قد أرقت له غريب أجنبه المساند والمحالا
فبت أقوده وأقد منه قوافي لا اعد لها مثالا
غرائب قد عرفن بكل أفق من الآفاق تفتعل افتعالا
ونحن لا ننكر عليه الجهد في صناعة الشعر والتهذيب الشديد له ولكننا ننكر عليه ما يذهب إليه من انه يختلق شعر اختلاقا وترى قوله (لا اعد لها مثلا )مريبا يدل على حقيقة مضادة .
فهذه الصور الطبيعية الكثيرة في شعره قد سبقه امرؤ القيس باصولها وبكثير من تفاصيلها وأن التقليد لامرئ القيس لواضح كل الوضوح بالقصيدة السابقة في وصف ثور الوحش والصيد والكلاب والواقع انه فتن بأوصاف امرئ القيس وتشابيهه وأعلن عن هذه الفتنة حين اظهر إعجابه بوصفه للبرق وقد عرف القدماء له هذا فقالوا انه ثاني المشبهين بعد امرئ القيس وقد يتجاوز المعاني إلى الألفاظ في كثير من شعره
واستفاد كذلك ممن بعد امرئ القيس وبخاصة زهير وأن الألوان التي أوردها في قصيدته البائية لمن اليسير الحصول عليها متفرقة في شعر زهير على نحو مقارب .
ويكفي أن نقابل بين القصيدتين الأوليين في ديوان زهير وبين هذه القصيدة الأولى في ديوان ذي الرمة لنرى هذه الاستفادة .والقصيدة الثالثة من ديوان زهير :
عفا من آل فاطمة الجواء فيمن فالقوادم فالحساء
يعظم التشابه بين ما ورد عند ذي الرمة وما جاء فيها من الغزل وحديث الأطلال والناقة والظليم وحمار الوحش .
ويطول الحديث إذا تتبعنا أصول شعره عند القدماء وأن كان هذا التتبع يسيرا على انه لم ينج التأثر بالمعاصرين وبخاصة الراعي وسائر الرجاز .
والقصيدة البائية السابقة كثيرة النظائر في ديوانه الذي تنفرد فيه الأوصاف الطبيعية بالقصيدة أو تقوم في المقام الأول ويأتي ما عداها من الغزل أو المدح تابعا .
ويظهر تأثره بالرجاز المعاصرين في أوصافه الكثيرة للمفازة بما فيها من سراب يعبث بموجوداتها وماء اجن وظليم وذئب وثعلب يمر بذكرها مرا سريعا مع الإطناب في أوصاف الناقة وحيوان الوحش بل أن له أرجوزة تطابق أسلوب رؤية وأبيه كل المطابقة وهي التي بداها بقوله ,.
هل تعرف المنزل بالوحيد قفرا محاه ابد الابيد
والدهر يبلي جدة الجديد لم يبق غير مثل ركود
وهذا المطلع بما فيه من حديث عن الأبد والدهر من النغمات التي يغنيها العجاج كثيرا متبعا طريق الجاهلين ويبدو التناقص الناجم من التقليد في هذه الأرجوزة حين يختمها بحديث القضاء الإلهي والتسليم للمشيئة من مثل :
ما دون وقت الأجل المعدود موعود رب صادق الوعود
وهي تشترك مع أراجيز رؤية في الأوصاف المقتضية التي أوردها لمظاهر الصحراء وقد يتأثر بأسلوب الصعاليك فيذكر انه يسبق القطا التي تستقي لأفراخها فيشربن سؤره من الماء الاجن المتغير .
وكان إخلاص ذي الرمة للطبيعة البدوية في الشعر واضحا حين عنى بالناقة وأهمل الفرس فلم يرد إلا في مقام ثانوي .
ومن هذا الوقوف عند الطبيعة الحية وإيجازه في الطبيعة الصامتة رغم غناه بالمعاني البارعة ومن شعر الطبيعة الصامتة قوله .
وساحرة السراب من الموامى ترقص في عساقلها الاورم
تموت قطا الفلاة بها اواما ويهلك في جوانبها النسيم
بها غدر وليس بها بلال وأشباح تحول ولا تريم
لقد بدا الصحراء كائنا حيا مروعا له حركاته وإبهامه وعواديه وأي حياة أتم من أن هذه الصحراء يملؤها السراب وأن الجبال ترقص فيه وإنها تبطش بالقطا فتميته وبالنسيم فتهلكه وجعل النسيم ذا روح وقال أن بها غدرا تتراءى دون ماء يبل الصدى وأشباحا تهتز وهي ثابتة مكانها كأنما تنصب للناس حبائل وهذه المعاني يشترك بعضها بينه وبين الرجاز وبخاصة رؤية الذي تفتن في وصف الصحراء بسرابها ورهبتها وغامض أسرارها لكن هذا التفتن لم يكن في نظم رائق كنظم ذي الرمة البديعة المختارة .
وقد يقتضب ذكر الليل فيصفه بأنه حيران مترامى السواد كاللجة المظلمة كان نجومه عيون فاقدة البصر فيحييه ويحبطه بالإبهام والغموض كما صنع بالصحراء .
وقد يذكر بعض ما يراه في الطبيعة ليلا فيتناول معاني القدماء ويصبغها بصبغة شخصية موردا لها مرة على سبيل القصص لمشاهدته باصبهان حيث الثلوج مصطنعا البراعة النظمية في اختيار الكلمات وفي عرض الصور الجاهلية القديمة .
وقد يعرض للروض مع المطر في مثل قوله :
دعاها من الأصلاب أصلاب شنظب أخاديد عهد مستحيل المواقع
كسا الأرض بهمى غضة حبشية تؤاما ونقعان الظهور الافارع
وبالروض مكنان كان حديقة زرابي وشتها اكف الصوانع
فيقول : أن حمر الوحش قد دعاها من الأماكن التي نرعاها إلى هذا المكان أخاديد المطر كسا الأرض نبتا غضا اسود والمستنقعات والروض عشبا اصفر مزهرا كالبساط الموشى ويدل بهذا على أثار الجدة في البيئة وأن لم يعن بها .
وقد يعرض للروض مع البرق فيأتي بصور ومعان قديمة قدم امرئ القيس ويعرضها في قليل من التحوير وكثير من البراعة النظمية .
وقد يعرض للروض والشمس في مقام الغزل كما في قوله :
لها سنة كالشمس في يوم طلقة بدت من سحاب وهي جانحة العصر
فما روضة من حسر نجد تهللت عليها سماء ليلة والصبا تسري
بها ذرق غض النبات وحنوة تعاورها الأمطار كفرا على كفر
بأطيب منها نكهة بعد هجعة ونشرا ولا وعساء طيبة النشر
وهذا اللون من جعل الطبيعة خادمة للغزل والمدح قد أبرزه ذو الرمة فيما ابرز من ألوان الشعر الطبيعي القديم .
فذو الرمة في واقع الأمر قد احيا شعر الطبيعة من أقدم العصور إلى وقته حتى ليستطيع القارئ أن يستغني بشعره عما سبقه في الإحاطة بصورة الطبيعة كما مثلها الأدب العربي على انه لم يحيه على علائه وإنما انتخب أجمل ما فيه وجملة مزاياه وامتثل ذلك كله امتثالا وأداه أداء بارعا .
وإذا كان القارئ لم يستوعب الشعر القديم وتناسى اعتبار العصر وأراد أن يطالع الطبيعة العربية كما رسمها شاعر بدوي أو كما كمل رسمها في الشعر العربي فان شعر ذي الرمة يملك عليه قلبه وعقله ويعتقد انه صادر عن الإحساس الذاتي والمشاهدة وأن التقليد بعيد عنه كل البعد .
ولقد اصطنع ذو الرمة طريقة التصوير الجميل متبعا أمرا القيس وزهيرا وأضرا بهما وعنى بالنظم فلم يظهر الإغراب في لفظه مع القصد إلى الخدمة اللغوية وإنما ظهرت الجزالة والقوة وكانت ألوان الطباق والجناس خفيفة هينة كتلك التي تصدر عن الانفعال لا عن التكلف وجمع متانة الصلة بين الموضوعات الكثيرة للقصيدة مع حسن الانتقال وجمال العرض .
أما المعاني فقد توفر له أدقها واجتمع له من ثقافته أوفرها حتى عده الكميت الاسدي الشاعر ملهما واشتد عجبه من أن يعلم بدوي كذي الرمة دقائق الفطنة وذخائر العقل وابرز المعاني الإنسانية في الطبيعة الحية البدوية فرسم الحيوان بأفكاره وهواجسه وعقله وهواه وصور الصحراء كائنا رهيبا جبارا وكذلك الليل ولم يكن في كل ذلك مبتدعا وإنما كان مختار وإذا قدرنا ثقافته وفتنته بالشعر العربي والحياة البدوية وقصده إلى إحياء التراث الجاهلي وروح العصر التي أصبحت متعلقة بماضيها الوطني يلذها أدبه بعد أن انصرفت عنه أو كادت في فترة الدعوة الإسلامية والجهاد لعهد النبي والخلفاء الراشدين وما أجمل الأحياء الوطني عند الوطنيين إذا قدرنا كل ذلك وجدنا حركة الأحياء التي قام بها ذو الرمة طبيعة لها أسبابها ودواعيها .






1 ـ الفرزدق
همام بـن غالب بـن صعصعة التميمــي
أ ـ حياته و نشأته : ولـد الفرز دق أبو فراس ، همام بـن غالب بـن صعصعة التميمــي ، من مجاشع بن دارم من بني تميم ، ومجاشع فرع قوي من تميم ، سنة ولادة الأخطل (20هـ ـ 641م ) في كاظمة ، شرقي مدينة الكويت اليوم ونشا نشأة بدوية ، بين مدينة البصــرة والبادية فجــده صعصعة محيـي الموؤدات إذ كـان يفتديهن بالمال وقد عرضه والده على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأشار عليه أن يعلمه القرآن . ولقب بالفرز دق لغلظ فـي وجـهه ، والفـرز دق هـو العجين غيــر الخامـر . لــم يكن الفرزدق مناصرا للأمويين من أعماقه إلا أنه كان يتردد على عاصمتهم دمشق ثم ما يلبث أن يعود إلى البادية . صعصعة جد الفرزدق هو محيي الموؤودات لأنه كان يفدي كل فتاة يبلغ إليه ا ناهلها يريدون إن يئدوها في الجاهلية من فقر . واشتهر والد الفرزدق غالب بالكرم ، وكان ينزل جنوب البصرة ويملك إبلا وأنعاما كثيرة .
بدا الفرزدق نظم الشعر وعمره خمسة عشر عاما ، فحمله أبوه إلى الإمام علي كرم الله وجهه ، فلما سمع الإمام شعره نصحه بان يحفظ القرآن ، فقيد الفرزدق نفسه بقيد من حديد ولم ينزعه إلا بعد حفظ القران .
بدأت المهاجاة بين جرير والبعيث المجاشعي ، فأعان الفرزدق البعيث ، فانقلبت المهاجاة بين جين الفرزدق وجرير ، ودخل فيها الأخطل التغلبي معنيا الفرزدق ، فكان ديوان شعر النقائض الذي أسهم في بعث العصبيات القبلية .
اشعر الفحول في العصر الأموي ثلاثة : الفرزدق وجرير والأخطل . والفرزدق شاعر مقتدر ألفاظه جزلة فخمة كثيرة الغريب وتراكيبه متينة شديدة الأسر ، ومعانيه كثيرة متنوعة ، وكان في طبعه جفاء حمل إلى شعره شيئا من الخشونة والصلابة . برع الفرزدق كثيراً في فن الفخر ، وأجاد في المديح والهجاء ، وقصر في فني الغزل والرثاء . وديوان شعر مطبوع .
ب ـ شخصيته: طغت البداوة علـى شخصية الفرزدق ، فكان يحـمل نفسا خشنة تعتـــد بنشأتــها وبأصالة نسبها ، فقـد كان يتمسك بمآثر قـومه ، فيبيع إبله وينثر أموالها على الناس ، وقد يجير كما يصنع آباؤه مـن يطلب الإجارة علـى قبر أبيه ، تميز الفرزدق بأنـه فاحش النطـق خبيث الهجاء ، ضعيف الانتماء ، لأنه تقلب بانتمائه بين الأحزاب السياسية في العصر الأموي .
ج ـ شعره: تطرق الفرزدق بشعره إلى معظم الموضوعات والأغراض ولكنه لم يفلح إلا في فني المديح والهجاء .
المديح عند الفرزدق:
كان مواليا في أعماقه لبني هاشم وإن أبدى مسالمة لبني أمية ، ويظهر ذلك من مدحه لعلي بن الحسين زين ( زين العابدين ) حيث يقول :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هـذا ابن خير عباد الله كلهـم هذا التقي النقي الطاهر العلم
ما قال لا قط إلا فــي تشهده لولا التشهد كانت لاءه نعم
الفخرعندالفرزدق : نظرا لاعتداد الشاعر بمكانة آبائه وأجداده ، فقد برع في محاولة إابرازه والاتكاء عليهم في إثبات وجوده ،
يقول مفتخرا بقومه :
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
أحلامنا تـزن الجبال رزانة وتخالنا جنا إذا ما نجهل
الهجاءعند الفرز دق : إن كون الفرزدق أحد شعراء النقائض الذين دارت بينهم معارك في المهاجاة جعلته يهتم بهذا الفـن اهتماما كبيرا ويبرع فيه بحيث برز كشاعرهجــاء تبوأ المنزلة العالية يقــول الفرزدق مهاجيا جرير :
ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل
إن الزحام لغيركـم فتحينــوا ورد العشي إليه يصفــو المنهل
يابن المراغة : أين خالك إنني خالـي جيش ذو الفعال الأفضل
القصة الشعرية عند الفرزدق : كتب الفرزدق القصة الشعرية في محاورة جرت بينه وبين ذئب جائع جسد فيه هذا الشاعر شخص (جسد ) هذا الذئب وجعله محاورا محبب إلى القلب على الرغم من شراسته :
وأطلس عسال وما كان صاحبا دعوت بناري موهنا فأتاني
فلما دنا قلت : أدن دونك إنني وإياك في زادي لمشتركان
يتسم شعـر الفرزدق بمتانة الألفاظ وكثرة الغـريب فيه وشعـره موطـن إ جماع لعـلماء اللغة وديوانه سجل لأيام العرب ومناقبهم ومثالبهم ولولا شعر الفرزدق لذهب نصف أخبار الناس وقد قيل : (جرير يغرف من بحر ، والفرزدق ينحت في صخر).
فخر وهجاء
فخر العربي بالقوة والمكارم والشيم وهجا خصومه بالضعف ، والبعد عن الفضائل
قال الفرزدق يفخر بقومه ويهجو جريراً :
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه اعز وأطول
بيتا بناه لنا المليك ، ومابنى حكم السماء فانه لا ينقل
لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم أبدا إذا عد الفعال الأفضل
ضربت عليك العنكبوت بنسيجها وقضى عليك به الكتاب المنزل
إن الزحام لغيركم ، فتحينوا ورد العشي إليه يصفو المنهل
حلل الملوك لباسنا في أهلنا والسابغات إلى الوغى نتسربل
أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جنا إذا ما تجهل
فادفع بكفك – إن أردت بناءنا ثهلان ذا الهضبات ، هل يتحلحل ؟
خالي الذي غصب الملوك نفوسهم إ ليه كان حباء جفنة ينقل
وشغلت عن حسب الكرام وما بنوا إن اللئيم عن المكارم يشغل
إن التي فقئت بها إبصاركم وهي التي دمغت أباك : الفيصل
((ديوان الفرزدق))
شرح المفردات : سمك : رفع – حكم السماء الله – لايحتبي : لا يجتمع – الفعال : الفعل الحسن من الجود والكرم وغيرذلك – قضى عليك به الكتاب المنزل : إشارة إلى قول تعالى : ((وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ))
الورد : ورود الماء ، وتحينوا ورد العشي ،أي انتظروا انتهاء الناس من ورود الماء فيصفو لكم ، لكن الماء لا يكون صافيا بعد أن ترده الناس إذا بقي ماء أصلا – الحلل : مفردها حلة ، وهي ثوب من قطعتين له بطانة – السابغات : الدروع الطويلة – الوغى : الحرب – نتسربل : نلبس – الأحلام : العقول – ثهلان : جبل في جزيرة العرب – يتحلحل : ينزحزح – آل جفنة : الغساسنة ملوك الشام – وكان حبيش الضبي خال الفرزدق قد أسر عمرو بن الحارث الغساني فأطلقه واشترط عليه أن يبعث إليه في كل سنة بعطاء – دمغت : أصاب على الدماغ – الفيصل : الفاصل بين الحق والباطل .
قال الفرزدق يمدح عبد الملك بن مروان ويذكر تغلبه على ابن الزبير :
أما العراق فقد أعطتك طاعتها وعاد يعمر منها كل تخريب
فالأرض لله ولاها خليفته وصاحب الله فيها غير مغلوب
بعد الفساد الذي قد كان قام به كذاب مكة من مكر وتخريب
راموا الخلافة في غدر فأخطأهم منها صدور وفازوا بالعراقيب
كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت سلاءها في أديم غير مربوب
والناس في فتنة عمياء قد تركت أشرافهم بين مقتول ومحروب
دعوا ليستخلف الرحمن خيرهم والله يسمع دعوى كل مكروب
فانقض مثل عتيق الطير تتبعه مساعر الحرب من مرد ومن شيب
تغدو الجياد ويغدو وهو في قتم من وقع منعلة تزجى ومجنوب
قيدت له من قصور الشام ضمرها يطلبن شرقي أرض بعد تغريب
فقد رأى مصعب في ساطع سبط منها سوابق غارات أطانيب
يوم تركن لإبراهيم عافية من النسور وقوعا واليعاقيب
كأن طيرا من الرايات فوقهم في قاتم ليطها حمر الأنابيب
أشطان موت تراها كلما وردت حمرا إذا رفعت من بعد تصويب
فأصبح الله ولى الأمر خيرهم بعد اختلاف وصدع غير مشعوب
تراث عثمان كانوا الأولياء له سربال ملك عليهم غير مسلوب





قال يعلن توبته عن هجاء الناس ويذم إبليس ويعدد آثامه :
ألم ترني عاهدت ربي وإنني لبين رتاج قـائما ومـقـام
على قسم لا أشتم الدهر مسلما ولا خارجا من فيّ سوء كلام
أطعتك يا إبليس سبعين حجة فلما انتهى شيبي وتم تمامي
فررت إلى ربي وأيقنت أنني مـلاق لأيام الـمنون حمامي
ألا طالما قد بت يوضع ناقتي أبو الجن إبليس بغير خطام
يبشرني أن لن أموت وأنه سيخـلد في جنـة و سـلام
فقلت له : هلا أخيك أخرجت يمينك من خضر البحور طوامي
ألم تأت أهل الحجر والحجر أهله بأنعم عيش في بيوت رخام
فقلت اعقروا هذي اللقوح فإنها لـكم أو تنيخـوها لـقوح غرام
فلما أناخوها تبرأت منهم وكنت نكوصا عند كـل ذمام
وأ دم قد أخرجته وهو ساكن وزوجته من خير دار مقام
وأقسم تبا إبليس أنك ناصح لـه ولها أقسام غيـر آثام
فظلا يخيطان الوراق عليهما بأيديهما من أكل شـر طعـام
فـكم من قرون قد أطاعوك أصبحوا أحاديث كانوا في ظلال غمام
ما أنت يا إبليس بالمرء ابتغي رضـاه ولا يـقتادني بزمـام





2 ـ جريربن عطية الخطفى
أ ـ حباته ونشأته : هو جرير بن عطية الخطفى أحد بني يربوع ، بعض بني تميم ، فجرير يلتقي الفرزدق في جدهما الأعلى تميم .
ولد باليمامة سنة (30هـ )، ونشا فقيرا يرعى إبل قومه ، وكانت وفاته باليمامة سنة (114 أو 115 هـ )، بعد وفاة الفرزدق بستة أشهر .
ب ـ شخصيته : بدأ نظم الشعر في مطلع حياته رجزا في المهاجاة التي جرت إلى المناقضات بينه وبين الفرزدق والأخطل .
انحدر من اليمامة إلى البصرة مركز الحركة السياسية وميدان شعراء المناقضات ثم اتصل بالأمويين ومدحهم ، ونال حظوة عند الخليفة عبد الملك بن مروان .
ج ـ شعره : جرير شاعر وجداني مطبوع ، غزير الشعر ، وقد قيل : ( جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت من صخر )) يجمع جرير بين وضوح المعاني وفصاحة الألفاظ ومتانة التراكيب وعذوبة السبك . وشعره شديد العلوق بالذاكرة مطاوع للغناء . وقد امتاز جرير بالفنون الوجدانية كالغزل والرثاء والهجاء ، وله براعة في الوصف والمديح . وفاق الفرزدق والأخطل في الغزل والرثاء والهجاء ، وأخمل ذكر شعراء كثيرين ، وتغلب على جميع الشعراء الذين هاجوه ، ماعدا الأخطل والفرزدق لأنهما اجتمعا عليه .

أنا البازي
كان راعي الإبل النميري يميل إلى الفرزدق ، فهجا جريراً فرد عليه جرير بقصيدته (( الفاضحة )) فخزيت بنو نمير ، وانكسرت ، ومات الراعي في العام نفسه من شدة
تأثر .
فقال جرير يفخر بنفسه ويهجو الفرزدق وراعي الإبل :
لقد خزي الفرزدق في معد فأمسى جهد نصرته اغتيابا
فما هبت الفرزدق ، قد علمتم وما حق ابن بروع إن يهابا
أعد الله للشعراء مني صواعق يخضعون لها الرقابا
أنا البازي المدل على نمير أتحت من السماء له انصبابا
إذا علقت مخالبه بقرن أصاب القلب أو هتك الحجابا
فلا صلى الإله على نمير ولا سقيت قبورهم السحابا
ولو وزنت حلوم بني نمير على الميزان ما وزنت ذبابا
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
لعلك ، ياعبيد ،حسبت حربي تقلدك الآصرة و العلابا
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا
ألسنا أكثر الثقلين رجلا ببطن منى وأعظمه قبابا
(( ديوان جرير))
شرح المفردات :
معد : جد العرب ، وأراد قبائل العرب – الجهد : الوسع والطاقة – الاغتياب : الغيبة ابن بروع : راعي الإبل ، وبروع : أمة – قرنت : ربطت – عبد بني نمير : راعي الإبل – والقين : الحداد ، وأراد بالقينين : الفرزدق ومحمد بن عطارد التميمي الذي رشا الأخطل ليفضل الفرزدق على جرير – المدل : المحوم – نمير : قوم راعي الإبل – أتحت من السماء : هيئت وقدرت من السماء – وانصباب البازي : انقضاضه – القرن : البطل – الحجاب ، هنا : حجاب القلب – كعب وكلاب : قبائل عربية – تقلدك الآصرة : جعلها في عنقك ، والآصرة مفردها صرار ، وهو خيط يربط به ضرع الناقة لا يرضعها ولدها – والعلاب : مفردها علبة ، وهي وعاء من جلد أو خشب يحلب فيه الحليب – الثقلان : الإنس و الجن – الرجل : الرجال – منى : بلد قرب مكة المكرمة ينزله الحجاج ، وفيه تنحر الإبل – القباب : مفردها قبة ، وهي الخيمة العظيمة من الجلد .

التنديد بالظلم
قال جرير يهجو الأخطل وقومه بني تغلب ويفخر عليهم ببني تميم قومه :
قومي تميم هم القوم الذين هم ينفون تغلب عن بحبوحة الدار
النازلون الحمى لم يرع قبلهم والمانعون بلا حلف ولا جار
ما أوقد الناس من نيران مـكرمة إلا اصطلينا وكنـا موقدي النار
يا خزر تغلب إني قد وسمتكم على الأنوف وسوما ذات أحبار
لا تفخرن فإن الله أنزلكم ياخزر تغلب دار الذل والعار
ما فيكم حـكم ترضى حـكومته للمسلمين ولا مستشهد شاري
قوم إذا حاولوا حجا لبيعتهم صروا الفلوس وحجوا غير أبرار
نبئت أنك بالخابور ممتنع ثم انفرجت انفراجا بعد إقرار
قد كان دوني من النيران مقتبس أخزيت قومـك واستشعلت من ناري


الله أعطاك فاشكر فضل نعمته
قال جرير يمدح يزيد بن عبد الملك ويهجو آل المهلب حين ثاروا عليه:
الله أعطاك فاشكر فضل نعمته أعطاك ملك التي ما فوقها شرف
هذي البرية ترضى ما رضيت لها إن سرت ساروا و إن قلت اربعو وقفوا
هو الخليفة فارضوا ماقضى لكم بالحق يصدع مافي قوله جنف
يقضي القضاء الذي يشفى النفاق به فاستبشر الناس بالحق الذي عرفوا
أنت المبارك والميون سيرته لولا تقوم درء الناس لاختلفوا
تدعو فينصر أهل الشام أنهم قوم أطاعوا ولاة الحق وائتلفوا
ما في قلوبهم نكث ولا مرض إذا قذفت محلا خالعا قذفوا
آل المهلب جذ الله دابرهم أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف
ما نالت الأزد من دعوى مضلهم إلا المعاصم والأعناق تختطف
والأزد قد جعلوا المنتوف قائدهم فقتلتهم جنود الله و انتتفوا
تهوي بذي العقر أقحافا جماجمها كأنها الحنظل الخطبان ينتقف

إذا سعر الخليفة نار حرب

قال جرير يمدح الحجاج :
دعا الحجاج مثل دعاء نوح فاسمع ذا المعارج فاستجابا
صبرت النفس يابن أبي عقيل محافظة فكيف ترى الثوابا
ولو لم يرض ربك لم ينزل مع النصر الملائكة الغضابا
إذا سعر الخليفة نار حرب رأى الحجاج اثقبها شهابا
نرى نصر الإمام عليك حقا إذ لبسـوا بـدينهم ارتيابا
تشد فلا تـكذب يوم زحف إذا الغمرات زعزعت العقابا
عفاريت العراق شفيت منهم فأمسوا خاضعين لك الرقابا
وقالوا لن يجامعنا أمير أقام الحـد وانبع الـكتابا
إذا أخذوا وكيدهم ضعيف بباب يمـكرون فتحت بابا
وأشمط قد تردد في عماه جعلت لشيب لحيته خضابا
إذا علقت حبالك حبل عاص رأى العاصي من الأجل اقترابا
بأن السيف ليس له مرد إذا أفرى عن الرئة الحجابا
كأنك قد رأيت مقدمات بصينستان قد رفعوا القبابا
جلعت لكل محترس مخوف صفوفا دارعين به وغايا


ألستم خير من ركب المطايا؟

وقال يمدح عبد الملك بن مروان ويذكر إيقاعه بأعدائه :
أتصحوا بل فؤادك غير صاح عشية هم صحبـك بالـروح
يقول العاذلات علاك شيب أهذا الشيب يمنعنى مـراحى
يكلفني فؤادي من هواه ظعائن يجبرعن على رمـاح
ظعائن لـم يدنّ مع النصارى ولا يـدرين ما سمك القراح
فبعض الماء ماء رباب مزن وبعض الماء من سبخ مـلاح
سيكفيك العواذل أرحبـي هجان اللون كالفرد اللياح
يعز على الطريق ِ بمنـكبيـه كـما ابترك الخليع على القـداح
تعزت أم حزرة ثم قالت رأيت الموردين ذوي لقـاح
تعلل وهي ساغبة بنيها بأنفاس اللوم وانتظري امتياحي
ثقي بالله ليس لـه شريك ومن عـند الخليفة بالنجاح
أغثني يا فداك أبي وأمي بسيب منك إنك ذو ارتياح
فإني قد رأيت علي حقا زيارتي الخليفة وامتداحي
سأشكر إن رددت علي ريشي وأ نبت القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا وأنذى العالمين بطون راح
وقوم قد سموت لهم فدانوا بدهـم في ململمة رداح
أبحت حمى تهامة بعد نجد وما شيء حميت بمستباح
لكـم شم الجبال من الرواسي وأعظم سـيل معتـلج البطاح
دعوت الملـحدين أبا خبيب جماحا هل شفيت من الجماح
فقد وجدوا الخليفة هبـرزيـا ألف العيص ليـس من النواحي
فما شجرات عيصك في قريش بعشات الفروع ولا ضواحي
رأى الناس البصيرة فاستقاموا وبينت المراض من الصحاح






نال الخلافة إذ كانت له قدرا


وقال يمدح عمر بن العزيز :
إنا لنرجوا إذا ما الغيث أخلفنا من الخليفة ما نرجو من المطر
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت أم قد كفاني الذي بلغت من خبري
مازلت بعدك في دار تعرقني قد طال بعدك إصعادي ومنحدري
كم بالمواسم من شعثاء أرملة ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
يدعوك دعوة ملهوف كأن به خبلا من الجن أو مسا من النشر
ممن يعدك تـكفي فقد والده كالفرخ في العش لم يدرج ولم يطر
أنت المبارك والمهدي سيرته تعصي الهوى وتقوم الليل بالسور
أصبحت للمنبر المعمور مجلسه زينا وزين قباب الملك و الحجر
نال الخلافة إذ كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر
فلن تزال لهذا الدين ما عمروا منكم عمارة ملك واضح الغرر
فما وجدت لكم ندا يعادلـكم وما وجدت لكم في الناس من خطر
إني سأشكر ما أوليت من حسن وخير من نلت معروفا ذو والشكر




أتفخر تيم بالضلال

قال يهجو قبيلة التيم رهط عمر بن لجا الشاعر :
أتفخر تيم بالضلال ولم يكن لهم حسب زا ك ولا عدد مثري
فما فخرت تيم بيوم عظيمة ولا قبضوا إلا بخالفة صفر
ولو تستعف التيم أو تحسن القرى ولكن تيما لا تعف ولا تقري
ولو يدفن اليتمي ثم دعوته إلى فضل زاد جاء يسعى من القبر
وقد يحسن التيمي عقد نجافه ولم يحسنوا عقد القلادة بالمهر
ولا يحتبي التيمى قدام بيته ولا يستر التيمي إلا على القدر
وقد عمرت تيم زمانا وما يرى لنسوة تيم من حفاف ولا خدر
وآية لؤم التيم أن لو عددتم أصابع تيمي نقصن عن العشر
فما أوقدوا نارا ولا دل ساريا على حي تيم من صهيل ولاهدر
ونبئت تيما قد هجوني ليذكروا فهذا الذي لا يشتهون من الذكر



أنا البازي المطل على نمير


وقال يهجوني نمير وشاعرهم الراعي :
أعـد الله للـشعراء مني صواعق يخضعون لها الرقابا
قرنت العبد عبد بني نمير مع القينين إذ غلبا وخـابا
أتاني عن عرادة قول سوء فلا وأبي عرادة ما أصابا
أتلتمس السباب بنو نمير فـقد وأبيهم لا قـوا سبـابا
أنا البازي المطل على نمير أتحت من السـماء لهـا انصبابا
فلا صلى الإله على نمير ولا سقيت قـبورهم السحـابا
وخضراء المغابن من نمير يـشين سـواد محجـرها النقابا
وقد جلـت نساء بني نمير وما عرفت أناملها الخضابا
ولو وزنت حلوم بني نمير على الميزان ماوزنت ذبابا
فصبرا يا تيوس بني نمير فإن الحرب موقدة شهابا
فغض الطرف إنك من نمير فلا كـعبا بلغت ولا كلابا
لعلك ياعبيد حسبت حربي تقـلدك الآصرة و الـعلابا
إذا غضبت عليك بنو تميم حسب الناس كلـهم غضابا
ألسنا أكثر الثقلين رجلا ببطن منى وأعظمه قبابا
تنح فإن بحري خندفي ترى في مـوج جريته حـبابا
تركت مجاشعا وبني نمير كـدار السوء أسرعت الخرابا







رأيتك لا توفي بجار أجرته

لقد ولدت أم الفرزدق فاجرا وجاءت بوزواز قصير القوائم
وما كان جار للفرزدق مسلم لـيأمن قـردا ليـلة غير نـائم
يوصل حبليه إذا جن ليلة ليرقى إلى جاراته بالـسلالم
أتيت حدود الله مذ أنت يافع وشبت فما ينهاك شيب اللهازم
تتبع في الماخور كل مربية ولست بأهل المحصنات الكـرائم
رأيتك لا توفي بجار أجرته ولا مستعفـا عن لئـام الـمطاعم
هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروا مداخل رجس بالخبيثات عالم
لقد كان إخراج الفرزدق عنكم طهورا لما بين المصلى وواقم
تدليت تزني من ثمانين قامة وقصرت عن باع العلا والمـكارم
وإنك يابن القين لست بنافخ بكيرك إلا قاعدا غير قائم
فما وجد الجيران حبل مجاشع وفيا ولا ذامرة في العزائم
ولامت قريش في الزبير مجاشعا ولم يعذروا من كان أهل الملاوم
فغيرك أدى للخليفة عـهده وغيرك جلـى عن وجوه الأهاتم
فإن وكيعا حين خارت مجاشع كفى شعب صدع الفتنة المتفاقم
وقلبك ماأخزى الأخيطل قومه وأسلمهم للمأزق المتلاحم
رويد كم مسح الصليب إذا دنا هلال الجزى واستعجلوا بالدراهم
إذا حدبت قيس علي وخندف أخذت بفضل الأكثرين الأكارم







أنسيت يومـك بالجزيرة

وقال يهجو الأخطل وقومه بني تغلب ويعيرهم هزائمهم أمام قيس عيلان :
قبح الإله وجوه تغلب إنها هانت علي مراسنا وسبالا
قبح الإله وجوه تغلب كـلما شبح الحجيج وكبروا إهلالا
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد وبجبـرئيل و كـذبوا ميكالا
المعرسين إذا انتشوا ببناتهم والـدائبين إجارة وسؤالا
والتغلبي إذا تنحنح للقرى حـك استـه وتمثل الأمثالا
أنسيت يومـك بالجزيرة بعدما كانت عواقبه عليك وبالا
حملت عليك حماة قيس خيلها شعثا عوابس تحمل الأبطالا
مازلت تحسب كل شيء بعدهم خيـلا تـشد عليـكم ورجالا
زفر الرئيس أبو الهذيل أبادكم فسبى النساء وأحرز الأموالا
قال الأخيطل إذ رأى راياتهم يا مار سرجس لا نريد قتالا
قيس وخندف إن عددت فعالهم خير وأكرم من أبيك فعلا
ولو إن تغلب جمعت أحسابها يوم التفاضل لم تزن مثقالا
لا تطلبن خؤولة في تغلب فـالزنج أكرم منهم أخوالا
لولا الجزى قسم السواد وتغلب في المسلمين فكنتم أنفالا






ألا لا تخافا نبوتي في ملمة

قال يفخر بنفسه ويعاتب قومه :
وإني لعف الفقر مشترك الغنى سريع إذا لم أرض داري انتقاليا
جريء الجنان لا أهال من الردى إذا ما جعلت السيف من عن شماليا
ألم أك نارا يصطليها عدوكم وحرزا لما ألجأتم من ورائيا
وباسط خير فيكم بيمينه وقابض شـر عنـكم بـشماليا
إذا سركم أن تمسحوا وجه سابق جواد فمدوا وابسطوا من عنانيا
ألا لا تخافا نبوتي في ملمة وخافا المنايا إن تفوتكمابيا
أنا ابن صريحي خندف غير دعوة يكون مـكان القلب منها مكانيا
وليس لسيفي في العظام بقية وللسيف أشوى وقعه من لسانا




أنا الذائد الحامي

وقال يفاخر برهطه بني يربوع :
أنا الذائد الحامي إذا ما تخمطت عرانين يربوع وصالت قرومها
فما ناصفتنا في الحفاظ مجاشع ولا قايست بالمجد إلا نضيمها
ويوم عبيد الله خضنا براية وزافرة تـمت إلينا تميمهـا
لنا ذادة عند الحفاظ وسادة مقاديم لم يذهب شعاعا عزيمها
إذار كبوا لم ترهب الروع خيلهم ولكن تلاقي البأس أنى نسيمها
عن المنبر الشرقي ذادت رماحنا وعن حرمة الأركان يرمى حطيمها






تلقى السيوف بأيدينا يعاذ بها
وقال يفخر بقومه :
بنى لي المجد في عيطاء مشرفة أبناء حنظلة الصيد المباجيل
المطعمون إذا هبت شآمية والجابرون وعظم الرأس مهزول
تلقى فوارسنا يحمون قاصينا وفي أسنتنا للناس تنكيـل
كم من رئيس عليه التاج معتصب قد غادرته جيادي وهو مقتول
أسد إذا الحقوا بالخيل لم يقفوا نعم الفوارس لا عزل ولا ميل
تلقى السيوف بأيدينا يعاذ بها عند الوغى حين لا تخفى الخلاخيل
فمن يرم مجدنا العادي ثم يقس قوم بقومي يرجع وهو مفضول
حـكام فصل وتلفى في مجالسنا أحلام عاد إذا ما أهذر القيل





ولهت قلبي إذ علتني كبرة


قال يرثي زوجه خالدة بنت سعد
لولا الحياء لهاجني استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولقد نظرت وما تمتع نظرة في اللحد حيث تمكن المحفار
ولهت قلبي إذ علتني كبرة وذوو التمائم من بنيك صغار
عمرت مكرمة المساك وفارقت مامسها صلف ولا إقتار
فسقى صدى جدث ببرقة ضاحك هزم أجش وديمة مدرار
كانت مـكرمة العشيرة ولم يكن يخشى غوائل أم حزرة جار
ولقد أراك كسيت أجمل منظر ومع الجمال سكينة ووقار
والريح طيبة إذا استقبلتها والعرض لا دنس ولا خوار
وإذا سريت رأيت نارك نورت وجها أغر يزينه الإسفار
صلى الملائكة الذين تخيروا والصالحون عليك والأبرار
وعليك من صلوات ربك كـلما شبح الحجيج ملبدين وغاروا
لا تكثرن إذا جعلت تلومني لا يذهبن بحـلمك الإكثار
كان الخليط هم الخليط فأصبحوا متبدلين وبالـديار ديار
لا يـلبث الـقرناء أن يتفرقوا ليل يـكر عليهم و نهار













وأظلمت البلاد عليه حزنا

وقال يرثي عبد العزيز بن عبد الملك :
نعوا عبد العزيز فقلت هذا جليل الرزء والحدث الكبير
فبتنا لا نـقر بـطعم نـوم ولا ليل نكابده قصير
فهد الأرض مصرعه فمادت رواسيها ونضبت البحور
وأظلمت البلاد عليه حزنا وقلت أفارق القمر المنير
وكل بنى الوليد اسر حزنا وكل القوم متحـسب صبور
وكيف الصبر إذ نظروا إليه يرد على سقائفه الحفير
تزور بناته جدثا مقيما بنفسي ذلك الجدث المزور
بكى أهل العراق وأهل نجد على عبد العزيز ومن يغور
وأهل الشام قد وجدوا عليه وأحزنهم وزلزلت القصور






بان الخليط

وقال يتغزل
بان الخليط ولو طووعت مابانا وقطعوا من حبال الوصل أفرانا
حي المنازل إذ لا نبتغي بدلا بالدار دارا ولا الجيران جيرانا
قد كنت في أثر الأظعان ذا طرب مروعا من حذار البين محزانا
لو تعلمين الذي نلقي أويت لنا أو تسمعين إلى ذي العرش شكوانا
ي ليت ذا القلب لاقى من يعلله أو ساقيا فسقاه اليوم سلوانا
ما كنت أول مشتاق أخي طرب هاجت اه غدوات البين أحزانا
يا أم عمرو جزاك الله مغفرة ردي علي فؤادي كالذي كانا
ألست أحسن من يمشي علي قدم يا أملح الناس كل الناس إنسانا
لقد كنمت الهوى حتى تهيمني لا أستطيع لهذا الحب كتمانا
لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت أسباب دنياك من أسباب دنيانا
يا أم عثمان إن الحب عن عرض يصبي الحليم ويبكي العين أحيانا
أبدل الليل لا تسري كواكبه أم طال حتى حسبت النجم حيرانا
إن العيون التي في طرفها حور قـتلننا ثـم لـم يحيـن قتـلانا
يصر عن ذا اللب حتى لا حراك به وهن اضعف خلق الله أركانا
طار الفؤاد مع الخود التي طرقت في النـوم طيبة الأعطاف مبدانا
مثلوجة الريق بعد النون واضعة عن ذي مثان تمج المسك والبانا
ياحبذا جبل الريان من جبل و حبذا ساكن الريان من كانا
وحـبذ ا نفحـات من يمانية تأتيك من قبل الريان أحيانا
هبت شمالا فذكرى ما ذكرتكم عن الصفاة التي شرقي حورانا
هل يرجعن و ليس الدهر مرتجعا عيش بها طالما احلولى و مالانا
ازمان يدعونني الشيطان من غزلي وكـن يهوينني اذ كنت شيطانا







من حكمة
تروعنـا الـجنائز مقبـلات فنهلو حين تذهب مدبرات
كوعة هجمه لمغار سبع فلما غاب عادت راتعات





3 ـ الأخطـل الكبير
أ ـ نشأته وحياته : الأخطل لغة هو السفيه ، وهو لقب أطلقه عليه الشاعر كعب بن جعيل لكثرة هجائه ، وهو ولد الأخطل الكبير غياث بن عوف التغلبي في البادية الحيرة أو قرب الرصافة حيث مضارب عشيرته ، وماتت أمه ليلى وهو طفل فتربى في كنف زوج أبيه ، وكانت تقسو عليه
(201هـ ـ 640 م )وتربى في أحضان زوجة أبيه بعد أن فقـد أمه صغيرا ، فأساءت معاملته وقــد كانت نشأته فــي أرض الجزيرة السورية حيث يقطن التغالبة ، وظهـر الشعــر مبكرا عنـده فهــاجى مجموعة من الشعراء منهم كعب بن جعيل ، ودافع عن السيدة رملة بنت معاوية حين تعـرض لهـا عبـد الـرحمن بن حسان بن ثابت فـي شعـره فهجا الأخطل بطلب من يزيد بن معاوية الأنصار قائلا :
ذهبت قريش بالمكارم والعلا واللؤم تحت عمائم الأنصار
نظم الشعر صغيراً ، ورشحه كعب بن جعيل شاعر تغلب ليهجو الأنصار ، فهجاهم وتعززت صلته ببني أمية بعد ذلك ، فقربه يزيد ، وجعله عبد الملك بن مروان شاعر البلاط الرسمي ، ينافح عن دولة بني أمية ، ويهاجم خصومها
أقحم نفسه في المهاجاة بين جرير والفرزدق حين فضل الفرزدق على جرير ، وامتد الهجاء بينه وبين جرير طوال حياته .. وقد جمع أبو تمام الشاعر نقائض جرير و الأخطل .
شعره :لشعر الأخطل قيمه تاريخية عظيمة لأنه يصور في نقائضه مع جرير حوادث عاصرها أو يشير إلى حوادث تاريخية لم تذكرها المصادر .وقد برع الأخطل في المدح والهجاء ووصف الخمرة ، ويتهمه النقاد بالإغارة على معاني من سبقه من الشعراء ، والخشونة والالتواء في الشعر والتكلف أحيانا وهو في نظرهم شاعر غير مطبوع كجرير ، لكنه واسع الثقافة اللغوية ، تمثل التراث الأدبي وأحسن استغلاله ...
له ديوان شعر مطبوع ..
وقد تميز الأخطل بأنه شاعر الخليفة عبد الملك بن مروان وأنه كان أحد الشعراء الثلاثة الذين شكلـوا فـن النقائض توفي غياث بن غوث فـي خلافة الوليد بن عبـد الملك سنة( 92هـ ـ 710م) .
ب ـ شخصيته : علـى الرغم من صلة الأخطل بملوك بني أمية فقد بقيت نظرته إلـى الحياة نظرة البدوي الذي يهوى التنقل ، ويرفض الإقامة في دمشق . وقد أثر في شخصيته عاملان :
الأول : الانتساب إلى قبيلة تغلب وقد كان ذاك مدعاة للأنفة والتعالي عندهم .
والثاني : سوء المعاملة التي لقيها من زوج أبيه ، وقد دفعه ذلك إلى الهجاء منذ الصغر .
ج ـ جوانب شعره : كتب الأخطل في الأغراض الهامة ، فمدح وافتخر وهجا ووصف .
مديحه: اتجه مديح الأخطل إلى الأمويين أصحاب السلطة والمكانة وزعماء العرب ودافع عن حقيقتهم في الخلافة وأشار إلـى مكانتهم وإلـى عظمة خلفائهم وهـو أحـد أعلام شعراء الحزب الأموي الذين كانوا دعاة لسياسة الأمويين يقول الأخطل مادحا الأمويين :
حشد على الحق ، عيافو الخنا أنف إذا ألمت بهـم مكروهة صبروا
أعطاهـم الله جدّا ينصـرون به لا جدّ إلا صغـير بعـد محتقـر
شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلــاما إذا قدروا
وهذه الصفات التي أضفاها الشاعر على الأمويين هي صفات المدح عند الجاهليين ، مما يدل علـى أن القيم فـي الدين الجديد لم تخترق نفس الشاعر بعـد مرور ثلاثة أرباع قرن من الزمن علـى انتشار الإسلام ، فهـم يستحقون الخلافة لا لأنهم عادلـون ، منصفـون ، يقيمـون شعـائر الدين ، بل لأنهم ينتسبون إلى جدّ كان زعيما من زعماء العرب .
فخــــره : نظرا لاعتداد الشاعـر بانتسابه إلـى قبيلة تغلب فقـد افتخـر الشاعـر بشجاعة أبناء قبيلته الذين انتصروا على قبيلة تميم في منطقة الكلاب قرب البصرة وفي ذلك يفتخر الأخطل رادا على جرير :
ردت تميم بالكلاب لو أنــــها باعـت هناك زمانــها بزمان
والخيل تردي بالكماة كأنـــها يوم الكلاب ، كواسر العقبان
برجال تغلب كالأسودومعشر قتلوا طريفا فـي بنـي شيبان
وليس لفخر الشاعر أي مزية جديدة ، تدل على تأثره بالواقع التراثي الجديد .
هجاؤه : توجه شاعرنا الأخطل بهجائه إلـى جرير غالبا وإلـى عشيرته كليب ، فإذا ما هجا تحير هجاؤه بالفحش والإقذاع ، كقوله :
أما كليب بن يربوع فليس لهم عند التفارط إيراد ولا صدر
قوم أنابت إليهم كل مخزية وكل فاحشة سبت بها مصرو
ومن هجائه لقوم جرير قوله :
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي علـى النار

ميزات شعر الأخطل : تميز شعره بجزالة الألفاظ وصعوبتها ووضوح المعاني ، وقد اعتبره النقاد تلميذا نجيبا للنابغة الذبياني ، فقد طبع هذا الشاعر وقال شعره دون تكلف .



مدح بني أمية
تعد قصيدة الأخطل في مدح بني أمية درة من درر المديح ، وهو يحاول إن يحسن حكمهم في نظر الناس ، ويجعل سلطتهم مستمدة من أرادة الله ، بأسلوب عاطفي لا يخلو من مبالغه :
الخائض الغمرة ، الميمون طائره خليفة الله يستسقى به المطر
وما الفرات إذا جاشت حوالبه في حافتيه وفي أوساطه العشر
يوما بأجود منه حين تسأله ولا بأجهر منه حين يجتهر
في نبعة من قريش يعصبون بها ما إن يوازي بأعلى نبتها الشجر
حشد على الحق ، عيافو الخنا ، انف إذا ألمت بهم مكروهة صبروا
عطاهم الله جداً ينصرون به لا جد إلا صغير ، بعد محتقر
شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
هم الذين يبادرون الرياح إذا قل الطعام على العافين أو قتروا
بني أمية نعماكم مجللة تمت فلا منة فيها ولا كدر

شرح المفردات :
الحوالب : جمع حالب : الأمواج – العشر : جمع عشرة : نوع من الشجر – الغمرة : الشدة – الميمون : المبارك ، وميمون الطائر : مبارك الطلعة – يستسقي به المطر : إذا دعا الناس الله به انزل المطر ليمنه وبركته – اجتهره : نظر إليه وعظم في عينه وراعه جماله وهيئته – النبع : شجر صلب تتخذ منه القسي ، شبه به فروع قريش لرفعتها وشرفها – حشد على الحق : يعين بعضهم بعضا في نصرة الحق – عيافو الخنا : يكرهون الفحش – انف : جمع أنوف : الأبي – ألمت : نزلت – الجد : الحظ – لا جد إلا صغير : كل حظ غير حظهم في الغلبة صغير محتقر- شمس العداوة : شديدة العداوة ، ومفرد شمس : شموس – يستقاد لهم : يطاع أمرهم – مجللة : عامة







حشد على الحق

قال الأخطل يمدح بني أمية ويفضلهم على مناوئيهم :
حشد على الحق عيافو الخنى انف إذا ألمت بهم مـكروهة صبروا
وان تدجت على الأفاق مظلمة كان لهم مخرج منها ومعتصر
أعطاهم الله جدا ينصرون به لأجد إلا صغير بعد محتقر
لم يأشروا فيه إذ كانوا موالية ولو يكون لقوم غيرهم اشروا
شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
لا يستقل ذوو الإضغان حربهم ولا يبين في عيدانهم خـور
هم الذين يبارون الرياح إذا قل الطعام على العافين أو قتروا
بني أمية نعماكم مجللة تـمت فلامنة فـيها ولا كـدر
بني أمية قد ناضلت دونكم أبناء قوم هم أو واوهم نصروا
أفحمت عنكم بني النجار قد علمت عليا معد و كانوا طالما هدروا
حتى استكانوا وهم مني على مضض و القول ينـفـذ مالا تـنفذ الإبر





والمسلمون بخير ما بقيت لهم




وقال يمدح عبد الملك وبني أمية ويفضلهم على منافسيهم ويشيد بالمواقع التي انتصروا فيها :
تمت جدودهم والله فضلهم وجد قوم سواهم خامل نكد
هم الذين أجاب الله دعوتهم لما تلاقت نواصي الخيل فاجتلدوا
ليست تنال أكف الناس بسطتهم وليس ينقض مـكر النـاس ما عقدوا
قوم إذا أنعموا كانت فواضلهم سيبا من الله لا من و لا حسد
ويوم شرطة قيس اذ منيت لهم حـنت مثاكيل من إيقاعـكم نكد
ويوم صفين ولأبصار خاشعة أمـدهم إذ دعوا من ربهـم مـدد
على الالى قتلوا عثمان مظلمة لـم ينههم نشد عنه و قـد نشدوا
فثم قرت عيون الثأثرين به وأدركوا كل تبل عنده قود
فلم تزل فيلق خضراء تحطمهم تنعي ابن عفان حتى أفرخ الصيد
أيديكم فوق ايدي الناس فاضلة فلن يوازنكم شيب و لا مرد
وإن سألت قريشا عن ذوائبها فهم أفاضلها الأعلون والسند
والمسلمون بخير ما بقيت لهم وليس بعدك خير حين تفتقد





4 ـ الراعي النميري
عبيد بن حصين الراعي
أ ـ حياته ونشأته :
أبو جندل عبيد بن حصين الراعي من بني نمير ، الملقب براعي الإبل . لكثرة وصفه الإبل ورعيها .
ينتسب إلى بيت شرف ورئاسة في الجاهلية والإسلام ، وكان وجيها في قومه .
عرف بتقلبه السياسي ، وميله إلى التكسب بالشعر . توفي سنة 90 هـ .
ب ـ شخصيته:






ج ـ شعره :
جعله ابن سلام في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين ، وكان شعره سائرا على الألسنة ، برع في الهجاء والمديح ووصف الإبل ، وله في الفخر والحماسة والوصف الوجداني ، أما غزله فقليل .
نصر الفرزدق على جرير بعد أن تهاجيا ، فاستكفه جرير فلم يكف ، فهجاه وأسقط منزلته ، وكان قد هجا قبل جرير عدة شعراء منهم الحطيئة ، لكنه لم ينهزم إلا أمام جرير .
وهو مولع بالبديع في شعره ، بدوي النزعة في الوصف .


رسالة تظلم
قسا جباه عبد الملك بن مروان على قوم الشاعر في جمع الصدقات،وارتكبوا مظالم منكرة،فكتب إلى الخليفة يشكوهم :
أخليفة الرحمن أنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله في أموالنا حق الزكاة منزلا تنزيلا
إن السعاة عصوك يوم دعوتهم واتوا دواهي ، لو علمت ، وغولا
اخذوا العريف فقطعوا حيزومه بالأصبحية قائما مغلولا
يدعو أمير المؤمنين ودونه خرق تجر به الرياح ذيولا
أخليفة الرحمن إن عشيرتي أمسى سوامهم عزين فلولا
قطعوا اليمامة يطردون كأنهم قوام أصابوا ، ظالمين ، قتيلا
فارفع مظالم عيلت أبناءنا عنا ، وأنقذ شلونا المأكولا
إن الذين إمرتهم إن يعدلوا لم يفعلوا مما أمرت فتيلا
اخذوا الكرام من العشار ظلامة منا ، ويكتب للأمير أفيلا
شرح المفردات :
السعاة : جباة الصدقات ، مفرده : ساع – عصوك : لم يتقيدوا بنصحك في الرفق بجمع الصدقات – دعوتهم : اخترتهم – أتوا دواهي : ارتكبوا أمورا عظيمة من الظلم – الغول : الأمر المنكر – العريف : رئيس القوم – الحيزوم : وسط الإنسان – الاصبحي : السوط – يدعو : يستجير – الخرق : الفلاة القفر الواسعة – تجربة الرياح ذيولا : تعصف به الرياح – السوام : الأنعام السائمة – عزين : فرقا – فلولا : مهزومة متفرقة – عليك أبناءنا : أثقلتهم وأفقرتهم – الشلو : ما يبقى من أعضاء الإنسان إذا افترسه السبع – جمعه أشلاء – فتيل : قليل – العشار من الكرام : أفضل الأنعام – وزكاة الأنعام عادة تؤخذ من أوساطها لامنا فضلها ولا أسوئها ، يريد : إن الجباه كانوا يختارون في الزكاة أفضل الأنعام ثم يسجلون أنهم اخذوا أفيلا : أي ابن مخاض صغير السن .
العدالة الاجتماعية :





5 ـ مروة بن محكان
أ ـ حياته ونشأته :
مرة بن محكان ، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم ، شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية ، عاصر جريرا والفرزدق فأخملا ذكره لنباهتهما في الشعر .
ب ـ شخصيته : كان مروة سيد قومه من بني ربيع ، وكان أبو البكراء يوائمه في الشرف ، وهما معا من بني الربيع ، فانهب مرة ماله الناس ، فحبسه عبيد الله بن زياد ، فلما أطلقه ذبح أبو البكراء مئة شاة ، فنحر مرة بن محكان مئة بعير ، وقد نهى الإسلام عن الإسراف والتبذير ، لكن هذه الوقائع تدل على رسوخ بعض العادات الجاهلية واستحكامها لدى سكان البوادي ، ومنها الإسراف في الكرم والتباهي به واتخاذه سبيلا للظهور الاجتماعي ...
ج ـ شعره : تداول المغنون شعر مرة ، ولاسيما قصيدته البائية ومنها الأبيات المختارة ، ومن الذين غنوا شعره من المغنين : ابن سريج ، ومعبده ، والغريض ..
وفي شعر مرة نزعة بدوية واضحة ، ونسج جاهلي محكم .



حق وواجب

قرى الضيف حق وواجب ، والضيوف أبناء لرب البيت وزوجته ، يرعيانهما كما يرعيان أولادهما ، ولا تجمعهما بهم إلا رابطة الإنسانية ، هذا ما يقوله الشاعر بأسلوب يذكرنا بالشعر الجاهلي ..
أقول ، والضيف مخشي ذمامته على الكريم ، وحق الضيف قد وجبا
ياربة البيت قومي غير صاغرة ضمي إليك رحال القوم والقربا
في ليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة حتى يلف على خيشومه الذنبا
ماذا ترين ؟ أندنيهم لأرحلنا في جانب البيت ؟ أم نبني لهم قببا
نصبت قدري لهم والأرض قد لبست من الصقيع ملاء جدة قشبا
وقلت لما غدوا أوصي قعيدتنا غدي بنيك ، فلن تلقيهم حقبا
أنا ابن محكان ، أخوالي بنو مطر انمي إليهم ، وكانوا معشراً نجبا
شرح المفردات :
الذمامة : بكر الذال وفتحها : الذم - يريد : الكريم يخشى إن يذمه الاضياف لتقصير بدر منه - غير صاغرة : غير ذليلة ، القرب : مفرده : قراب - ما يغمد به السيف ، وكان العرب إذا حل بهم الضيف في الجاهلية ضموا إليهم رحله - وبقي معه سلاحه لا يؤخذ منه خوف الغدر به - يريد : خذي رحال ضيوفي وسلاحهم فأنهم عندي في مأمن من الغارة أو الغدر - الأندية : مفرده : ندي : مجلس القوم - وليالي الشتاء تطول مجالسها - الطنب : حبال الخيمة - يريد إن الكلب على شدة بصره لا يرى حبال الخيمة لسواد الظلام – غير واحدة : لا ينبح إلا مرة لشدة البرد – يلف على خيشومه الذنبا : يتقي بردة خيشومه بذنبه – ماذا ترين : يشاور امرأته ويسألها إن تتعرف أحوال ضيوفها فان كانت إقامتهم طويلة بنى لهم قبابا في جوار بيته – وان كانوا سير تحلون سريعا خلطهم بأهل بيته – القشب : الجديد – الملاء : مفرده :ملاءة : الثوب والستر ....
مفردات للشرح : انمي إليهم – نجب

رؤية في نص الشاعر

الأبيات تصوير لموقف من مواقف الكرم التي ألفنا وصفها في الشعر الجاهلي ، وكأنها تقليد حي لمثل هذه المواقف في القصيدة الجاهلية ، من حيث البيئة البدوية وعاداتها وقيمها ، وإ ن دل ذلك على شيء فإنما يدل على قوة أثر التقليد في الشعر العربي ، وتواصل القيم العربية عبر التاريخ ، واتخاذ البادية مثلا أعلى يحتذي ..
يستهل الشاعر قصيدته بتصوير محاورة جرت بينه وبين امرأته اثر قدوم أضياف إليه في ليلة ظلماء باردة ، لا يبصر فيها الكلب ، على قوة بصره ، حبال الخيمة ، ولا يستطيع إن ينبح من البرد إلا مرة واحدة ، ثم يواري خيشومه بذنبه اتقاء الصقيع ، فيقول لها ملتمسا لا آمرا :
احملي رحال أضيافنا ، وخذي سلاحهم ، فهم عندنا في مأمن من الغارة لها والغدر ، والتمسي للضيوف بيتا مريحا ، فإن تبين لك أنهم راحلون قريبا فاجعلي مبيتهم بيننا ، وإن كانت إقامتهم طويلة فانصبي لهم خياما مجاورة يستريحون بها .. وينهض الشاعر إلى أفضل نوقه فيجزرها ، وينصب قدره فوق ارض كساها الصقيع ستارا ناصع البياض ، ثم يوصي زوجته إن تكرم أبناءها ، والضيف عنده بمنزلته الابن ، لأنهم ذاهبون وقد لا تراهم بعد سنين ، والشاعر يختم أبياته بالفخر بنسبه فقد ورث الكرم عن آبائه ، وأخواله بني مطر وهم من بني شيبان ومنهم كرماء ماجدون كمعن بن زائدة ، وحسبه ذلك فخرا ً ..
الأفكار :
يتكئ الشاعر على معاني شعراء الجاهلية فقد شاع في الشعر الجاهلي محاورة الشعراء لنسائهم ، وقد مر بك قول عروة :
اقلي عليك اللوم يابنة مالك ونامي وان لم تشتهي النوم فاسهري
على إن الشاعر هنا يحترس من إن يأمر زوجته ، فهو يخاطبها بتهذيب ويظهر لنا أنها كريمة مثله ، الفت إكرام الضيف وحسن وفادته ، تستقبل ضيوفها بالبشاشة ، وتشيعهم بالإكرام ، وفي ذلك إعلاء لشان المرأة ، وتعبير عن حسن الوفاق والانسجام بينها وبين زوجها ..
والجديد في معاني الكرم عند الشاعر انه يجسد علاقته بالاضياف فيجعلهم أبناء لزوجته ولو لم تكن تعرفهم أو ترتبط بهم بنسب لان رابطة الإنسانية تعلو على كل رابطة ...
أما حديثه عن برودة الليلة وظلامها ، ووصفه القدر ، فهو حديث مطروق في الشعر الجاهلي ، كذلك اعتزازه بآبائه وأخواله ، وفي هذه المعاني لا يتجاوز الشاعر ما قاله القدامى ..
وعاطفة الشاعر إنسانية نبيلة تحس من خلالها غنى نفسه ، واتساع شعوره الإنساني اتساعا يوحد فيه بين أبنائه والضيوف وكان الإنسانية كلها أسرته ، وهو مسؤول عن سعادتها وراحتها ..
وصوره مستمدة من بيئته البدوية القائمة على حياة الرعي والتنقل ، فالليلة باردة باردة يتقى الكلب فيها برودة خيشومه بذنبه ، مظلمة لا يبصر فيها الكلب أطناب البيت .
وصوغ الأبيات محكم النسيج ، فيها الكثير من خصائص القصيدة الجاهلية ، ولا عجب إن يتبع مرة سنن الأقدمين ويحاكيهم في الألفاظ والتركيب وأساليب التعبير ، فقد عاش في عصر تم فيه جمع التراث الأدبي من أفواه الرواة ، وهو عصر الصحوة العربية إذ تمكنت اللغة العربية من إن تصبح أداة للثقافة والفكر ، وواجهت الثقافات الأخرى للأمم المغلوبة فاحتوتها ، واقبل الناس على بعث الماضي المجيد ، والاعتزاز بقيمه وتقاليده ...






6 ـ الكميت بنزيدٍ الأسدي
أ ـ حياته ونشأته :
ولد في الكوفة سنة 60هـ ونشأ في وسطها الثقافي المتطور ، فاجتمع له علم واسع بلغه العرب وأشعرها وأنسابها ، نظم الشعر صغيراً ولم يتخذه وسيلة إلى التكسب...
تشيع لأهل البيت متأثرا بجو الكوفة السياسي ، فنظم الهاشميات وهي مجموعة قصائد يمدح فيها أهل البيت ويؤيد حقهم في الخلافة ، ويندد بالحكم الأموي ، وكان يرفض هبات بني هاشم مظهراً عزة نفسه وإخلاصه لمبدئه ...
جره الصراع السياسي إلى مهاجمة اليمانية من أنصار لبني أمية ، فغضب عليه والي العراق لهشام بن عبد الملك ، وكان يمانيا ، لكنه استطاع إن يفر من السجن ، ويلتمس العفو عنه من الخليفة ، فأمنه الخليفة بعد إن مدحه واظهر التوبة عن التشيع ، لكنه لم يتورع عن رثاء زيد بن علي حين قتله والي العراق ، وإعلان سخطه على بني أمية ، فظل والي العراق يتحين الفرصة الملائمة للإيقاع به ، حتى إذا وفد عليه مادحا ً يريد إن يستل ضغنه دس إليه من قتله غيلة سنة 126هـ
ب ـ شخصيته :



ج ـ شعره :
تمتاز هاشمياته بصدق العاطفة ، وبراعة الجدل والحجاج ، وتأييد حق الهاشميين بالخلافة ، وحجاجه المنطقي جعل النقاد القدامى يعدون شعره أشبه بالنثر ويرون فيه خطيبا لا شاعراً ..





خباء المكرمات
مدح خالص لبني هاشم ، منزه عن كل غابة ، ودفاع عن حقهم في الخلافة يقوم على الحجة
والمنطق و البراهين العقلية ... وهذه القصيدة من هاشمياته الكميت بن زيد:
طربت وما شوقا إلى البيض اطرب ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب
ولم يلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطر بني بنان مخضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهي وخير بني حواء والخير يطلب
إلى النفر البيض الذين بحبهم إلى الله فيما نابني أتقرب
بني هاشم رهط النبي فأنني بهم ولهم ارضي مرارا واغضب
فقل للذي في ظل عمياء جونة ترى الحور عدلا أين تذهب
بأي كتـاب أم بأية سنـة ترى جهم عارا علي وتحـسب
فمالي إلا آل احمد شيعة ومالي إلا مشعب الحق مشعب
إليكم ذوي آل النبي تطلعت نوازع من قلبي ظماء وألبب
يشيرون بالأيدي إلي وقولهم ألا خاب هذا والمشيرون أخيب
فطائفة قد كـفرتني بحبكم وطائفة قالـوا مـسيء ومذنـب
فما ساءني تـكفير هاتيـك منهم ولا عيب هاتيك التي هي أعيب
يعيبونني من خبهم وضلالـهم على حبـكم بل يسخرون وأعجب
وقـالوا تـرابي هـواه ورأيه بذلك ادعـى فـيهم و ألقت
على ذاك اجر ياي فيكم ضريبتي ولو جمعوا طرا علي واجلبوا
بخاتمكم غضبا تجوز أمورهم فلم أر غصـبا مثله يتـغصب
وقـالوا ورثـناها أبانا وأمنا ومـا ورثتهم ذاك أم ولا أب
يرون لهـم حقـا على الناس واجبا سفاها وحـق الهاشميين اوجب
يقولون لم يورث ولو لا تراثه لقد شركـت فيه بـكيل وأرحب
وعك ولخم والسـكون وحـمير وكنـدة والحيـان بـكر وتغلب
فان هي لم تصـلح لقوم سواهم فان ذوي القربى أحق واقرب
فيا موقـدا نارا لغيرك ضـوءها وياحاطبا في غيـر حبـلك تحطب
ألـم تـرني مـن حب آل محمد أروح وأغدو خائـفا أترقب
على أي جرم أم بأية سيرة اعـنف في تـقريظهم وأؤنب
أناس بهم عـزت قريش فأصبحت وفيـهم خباء المكرمات المطنب
خفضت لهم مني جناع مروة إلى كتف عطغاة أمر ومرخب
شرح المفردات :
البيض : ج بيضاء : الحسان – وذو الشيب يلعب : وذو السن قد يهزه العشق – البيض : ج ابيض : الرجل التقي – الشريف النبيل – بهم ولهم أرضى واغضب : اغضب لغضبهم وأرضى لرضاهم – خفضت لهم جناح مودة : خضعت في محبتهم خضوعاً كاملاً – الكنف : الستر – عطفاه : جانباه – جان : مجرم – الخباء: الخيمة – وقد كنى عن مكارم قريش بالخيمة التي حوت كل المكرمات ...





كلام النبيين الهداة كلامنا
ومن هاشمياته أيضا :
ألا هـل عـم في رأيه متأمل وهل مـدبر بعد الإساءة مقبل
وهل أمـة مستيقظون لـرشدهم فيكـشف عنه النعـسة المتزمـل
لقد طـال هذا النوم واستخرج الكرى مساوئهم لـو كـان ذا الميـل يعدل
وعطلت الأحكام حتـى كأننا على مـلة غـير الـتي نتنحـل
كـلام الـنبيين الهداة كـلامـنا وأفعال أهل الـجاهلية نـفعل
فيا ساسة هاتوا لنا من حديثكم ففيكم لعمري ذو أفانين مـقول
أ أهل كتـاب نحن فيـه وانتم على الحـق نقضي بالكتاب ونعدل
فكيف ومن أنى وإذ نحن خلفة فريقان شتـى تسـمنون ونـهزل
فتـلك مـلوك السـوء قد طال مللكم فـحتام حـتام الـعناء الـمطول
تحـل دمـاء المسلـمين لديـهم ويحـرم طلع النخلة المتهدل
وليس لنـا في الفيء حـظ لديهم وليس لنا في رحلة علـيك المعول
فيارب هل إلا بك النـصر يرتجي عليهم وهل إلا عـليك المعول
ومن عجب لم أقضه أن خيلـهم لأجوافها تحت العجاجة أزمل
يحلئن عن مـاء الفرات وظله حسينا ولـم يشهر عليهن منصل
كان حسـينا والبهاليل حـوله لأسيافهم مـا يـختلي المـتبقل
إذا شـرعت فيه الأسنة كـبرت غواتـهم من كـل أوب وهللوا
ألا يفزع الأقوام ممـا أظلم ولمـا تصبهم ذات ودقين ضئبل
إلى الهاشميين البهاليل أنهم لخائفنا الراجي مـلاذ ومـوئل
إلى أي عدل ا ملاية سيرة سواهم يؤم الظاعن المتـرحل
وفيهم نجوم الناس والمهتدي بهم إذا الليل أمسى وهو بالناس أليل
فـيارب عـجل ما يـؤمل فيهم ليدفأ مقرور ويشبع مـرمـل
لهم من هواي الصفو ماعشت خالصا ومن شعري المخزون والمـتنخل



7 ـ عبيد الله بن قيس الرقيات
أ ـ حياته ونشأته :
قرشي من بني عامر ، لقب بالرقيات لأنه شبب بثلاث فتيات سمين جميعا رقية ..
تحول من الكوفة إلى المدينة ، وأقام بها زمنا ينظم مقطوعات في الغزل يترنم بها المغنون ثم ارتحل إلى الجزيرة السورية في إثناء حكم يزيد ، ثم ارتحل عنها إلى العراق والتحق بمصعب بن الزبير ، وكان حانقا على بني أمية بسبب مصرع ابني أخيه على يد جيش يزيد بن معاوية في موقعه الحرة ، وأصبح مدافعا عن حق عبد الله بن الزبير في الخلافة ، مشيدا بشجاعة أخيه مصعب وكرمه ، مندداً ببني أمية ..
طلبه عبد الملك بن مروان بعد قتل مصعب بشدة ، ولكنه توسط لدى الخليفة ليعفو عنه ، فأمنه و لم يلبث أن مدحه ومدح أخاه بشراً ...
ب ـ شخصيته:




ج ـ شعره :
برز في المديح ، وكان يستهل قصائده بالغزل التقليدي ، وهو يعد في الطليعة من شعراء الغزل المكيين ...
يمتاز شعره بالنقاء والعذوبة والصفاء بسبب ملازمته للمغنين ، وهو أكثر شعراء الحجاز ملازمة للأوزان المجزوءة والقصيرة ، وفي شعره حلاوة النغم وخفه الإيقاع ...
أما شعره السياسي ففيه افتخار بقريش ورجالاتها وأعمالها في الجاهلية والإسلام وفيه تنديد ببني أمية وأعمالهم ، ودعوة إلى حصر الخلافة في قريش ، وتأييد الحق عبد الله بن الزبير بها ...

حبذا العيش

يأسى الشاعر من الفرقة والانقسام اللذين حلا بقومه قريش ، ويمدح مصعب بن الزبير ،
ويمجد حكم الزبيريين في الحجاز ..ويهجو بني أمية من قصيدة :
حبذا العيش حين قومي جميع لـم تـفرق أمورها الأهواء
قبل إن تطمع القبائل في ملك قـريـش و تشـمت الأعداء
أيـها المـشهي فناء قـريـش بيـد الله عمـرهـا و الـفناء
إن تودع من البلاد قريـش لا يـكن بـعدهم لحي بقـاء
لو تقفي وتترك الناس كانوا غنم الذئب غاب عنها الرعاء
لم نزل آمنين يحسدنا النا س تـميتن غـيرك الأدواء
لو بـكت هذه السماء على قو م كـرام بـكت علينا السماء
نحن منا النبي الأمي والصديق مـنا الــتقي و الـخلفاء
وقـتيل الأحزاب حـمزة مـنا أسد الله و الـسناء سنـاء
وعلي وجعفر ذو الجناحين هـناك الـوصي والشــهداء
والزبير الذي أجاب رسول الله في الكـرب والبـلاء بـلاء
والذي نغض ابن دومة مـاتو حي الشياطين والسـيوف ظماء
فأباح العراق يضربهم بالسيف صلـتا وفي الـضراب غلاء
إنما مصعب شهاب من الله تـجلت عن وجـهه الـظلماء
ملكة ملك رحمة ليـس فيه جـبروت و لا بـه كـبرياء
يتقي الله في الأمور وقـد افلح مـن كـان همـه الاتـقاء
عين فابكي على قريش وهل يرجع ما فـات إن بـكيت الـبكاء
معشر حتفهم سيوف بني العلا ت يخشون إن يضيع اللـواء
تـرك الرأس كالـثغامة مني نـكبات تـسري بـها الأنباء
لـيس لله حـرمة مثل بيت نحن حجابه عليه الملاء
خصه الله بالكرامة فالـبا دون والـعاكفون فيـه سـواء
حرقته رجـال لـخم وعك وجـذام و حـمير و صـداء
فبنيناه بـعدما حـرقـوه فاستوى السـمك و استقل البناء
كيف نومي على الفراش ولما يشـمل الشـأم غـارة شعواء
تـذهل الشـيخ عن بنيه وتبدي عن بـراها العقيلة العذراء
أنا عـنكم بني أمية مزور وانتم في نـفسي الأعداء
إن قتلى بالطف قـد أوجعتني كان منـكم لـئن قتـلتم شـفاء


شرح المفردات :
الأهواء : مفرده : هوى : الميل من نوازع النفس – تودع : تذهب ويفنى ملكها – مصعب : هو مصعب بن الزبير : اخو عبد الله – الشهاب : الكوكب – تجلت : تكشف – الجبروت : الكبر والتجبر .


رجال هم الأقتال من يوم راهط

وقال ابن الرقيات يذكر موقعه الحرة ويمدح مصعبا :
تذكرني قتلى بـحره وأقم أصيبت وأرحاما قطعن شوابكا
وقد كان قومي قبل ذاك وقومها قداو روابها عودا من المجد تامكا
هم يرتقون الفتق بعد انخراقه بحلم ويهدون الحجيج المناسكا
فقطع أرحام وفضت جماعة وعادت روايا الحلم بعد ركائكا
فهل من طيب بالعراق لعله يداوي كريما هالكا متهالكا
فلولا جيوش الشأم كان شفاؤه قريبا ولكني أخاف النيازكا
أخاف الردى من دونها أن أرومها وارهب كلبا دونها والسكاسا
رجال هم الأقتال من يوم راهط أجاز والغوار بيننا والتسافـكا
فـلا سـلم إلا أن نقود إليهم عناجيج يتبعن القلاص الرواتكا
إذا حثها الفرسان ركضا رايتها مصا ليت بالذحل القديم مداركا
تدارك أخرانا ونمضي أمامنا ونتبع ميمون النقيبة ناسكا
إذا فرعت أظفاره من قبيلة أمال على أخرى السيوف البواتكا
على بيعة الإسلام بايعن مصعبا كراديس من خيل وجمعا ضباركا
نفيت بنصر الله عنهم عدوهم فأصبحت تحمي حوضهم برماحكا
تداركت منهم عثرة نهكت بهم عـدوهـم والله أولاك ذالكـا





8 ـقطري بن الفجاء
أ ـ حياته ونشأته :
أبو نعامة ، قطري بن الفجاءة المازني التميمي ، رئيس من رؤساء الأزارقة ، وهم فرقة من الخوارج ، وشاعرهم وخطيبهم .
خرج في زمن مصعب بن الزبير لما ولي العراق عن أخيه عبد الله بن الزبير وظل قطري عشرين سنة يقاتل في سبيل معتقده،إلى إن عثرت به فرسه فاندقت فخذه فمات سنة 691 م كان قطري ثائراً يؤمن بالثورة المسلحة ، ويرى إن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لانتصار المبدأ ، وكان يلوم القعدة من الخوارج ، الذين كانوا يؤثرون نشر دعوتهم بالأساليب السلمية دون القتال في سبيلها .
ب شخصيته :




ج ـ شعره :
شعر قطري يصدر عن التزام بعقيدته السياسية ، يتسم بالحرارة والصدق والصراحة ، ويعتمد على معاني القرآن الكريم وأسلوبه ، فيكثر فيه من التضمين والاقتباس ، وتشيع فيه الحكمة .



أقول لها


نفس قوية جبارة تستهين بالموت في سبيل المعتقد ، يرفدها إيمان لا يتزعزع ، وشجاعة وتصميم لا نجدها إلا عنه أصحاب المبادئ الذين نذروا حياتهم للأعمال الجليلة .

أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال ويحك لن تراعي
فانك لو سالت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاعى
فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود .... بمستطاع
وماطول الحياة بثوب مجد فيطوى عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كل حي وداعيه لأهل الأرض داع
ومن لايعتبط يسام ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير من حياة إذا ما عد من سقط المتاع

شرح المفردات :
أقولها : أقول لنفسي – طارت شعاعاً : تمزقت خوفاً وهلعاً – لن تراعي : لن يصيبك

يوم دولاب

قطري بن الفجاءة :
قال في يوم دولاب :
لعمرك أني في الحياة لزاهد وفي العيش مالم الق أم حكيم
لعمرك أني يوم الطم وجهها على نائبات الدهر جد لئيم
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت طعان فتى في الحرب غير ذميم
غداة طفت علماء بكر بن وائل وعجنا صدور الخيل نحو تميم
فلم أر يوما كان أكثر مقعصا يمج دمـا من فـائـظ وكـليم
رأت فتية باعوا الإله نفوسهم بجنات عدن عنده ونعيم


ولا بد من بعث الألى في ا لمقابر


وقال قطري سبرة بن الجعد الخارجي على اللحاق بأصحابه ومفارقه الحجاج
أبا الجعد أين العلم والحلم والنهى وميراث آباء كرام العناصر
ألم تر أن الموت لا شك نازل ولا بد من بعث الألى في لمقابر
فراجع أبا جعدولا تك مغضيا على ظلمة أعشت جميع النواظر






9 ـ أبو النشناش النهشلي

ثورة على البؤس
حياة تشرد ومغامرة ، وثورة على المجتمع الذي لا يحقق العدالة بين أبنائه ، ولكنها ثورة فردية لا تبذل من الواقع المؤلم شيئا
إذا المرء لم يسرح سواما ولم يرح سواما ، ولم تعطف عليه أقاربه
فللموت خير للفتى من حياته فقيرا ومن مولى تدب عقاربه
ولم أر مثل الفقر ضاجعه الفتى ولا كسواد الليل اخفق طالبه
فعش معذراً أو مت كريما فأنني أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه
ولو كان شيء ناجيا من منية لكان أثير يوم جاءت كتائبه
وسائله : أين الرحيل ؟ وسائل ومن يسال الصعلوك أين مذاهبه ؟
مذاهبه أن الفجاج عريضة إذا ضن عنه بالنوال أقاربه
وداوية يهماء يخشى بها الردى سرت بابي النشناش فيها ركائبه
ليدرك ثارا أو ليدرك مغنما جزيلا ، وهذا الدهر جم عجائب
(( من أشعار اللصوص ج1 )) للملوحي
شرح المفردات :
يسرح : يرسل ماشيته إلى المرعي – السيوام : المواشي – لم يرح : لم يعد مواشيه إلى مراحها – المولى : ابن العم والصديق – تدب عقاربه : يلقاك بالأذى والسوء – فعش معذراً : اطلب الرزق فان لم تنجح فقد قدمت عذرك – هاربه : هارب من الموت – أثير : طبيب من الكوفة دعي لعلاج علي بن أبي طالب يوم طعنه ابن ملجم, واليه تنسب صحراء أثير بالكوفة – يوم جاءت كتائبه : شبه علم الطبيب ودواءه بالكتائب تحمي من الموت – الدواية : المفازة البعيدة الأطراف لا يهتدي لطرقها ، وقد تخفف ياؤها – اليهماء : الفلاة لا ماء فيها – وهذا الدهر جم عجائبه : ما أكثر عجائب هذا الدهر إذ يقذفني من مكان إلى آخر .
مفردات للشرح : الفجاج – ركائب




10 ـ الأحيمر السعدي


*من صعاليك العرب في عصر مروان بن الحكم ، كان يعترض القوافل بين الحجاز والشام فيسلبها ، ظفر به عمال الخليفة فحبسوه وقيدوه ، لكنه تمكن من الفرار ، يكاد مذهبه في التشرد وشعره يشبهان إلى حد بعيد مذهب الصعاليك في الجاهلية وشعرهم .
قال الأحيمر السعدي وهو من الشعراء الصعاليك في عهد بني أمية :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ ( عوى ) وصوت إنسان فكدت ( أطير )
يرى الله أني للأنس لكاره وتبغضهم لي مقلة وضمير
فلليل ، إن واراني الليل ، حكمه وللشمس ، أن غابت علي ، نذور
واني لاستحيي من الله أن أرى اجرر حبلا ليس فيه بعير
وان أسأل المرء اللئيم بعيره وبعران ربي في البلاد كثير
لئن طال ليلي بالعراق لربما أتى لي ليل بالشآم قصير

شرح المفردات :
صوت : نطق – الأنيس : هنا : الإنسان المؤانس – لليل حكمه : لليل قضاؤه الذي لا اعترض عليه لأنه يحجب عني رؤية الناس – للشمس نذور : حين تغيب الشمس افرح لغيابها كأنه يفي لها نذراً قطعة على نفسه ويريد في البيت : انه يفرح لقدوم الليل وغياب الشمس لأنه يحتجب في بيته فلا يرى الناس – اجرر حبلا ليس فيه بعير : كناية عن فقره .





11 ـ أبو خراش الهذلي
وإني لأثوي الجوع حتى يملني فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي
واغتبق الماء القراح فأنتهي إذ الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
أرد شجاع البطن قد تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطعم
مخافة أن أحيا برغم وذلة وللموت خير من حياة على رغم
( المزلج : البخيل )
( شجاع البطن : حية البطن )





12 ـ عمر بن أبي ربيعة
الغزل الصريح
أ ـ حياته ونشأته : فـي أجواء مكة المكرمة وفـــي بيئة كثر فيهــا الجواري الفارسيات والروميات وانتشر فيهـــا الغناء وتدفقت أموال الفتوحات ، ولـد الشاعر عمـر بن أبي ربيعة المخزومي سنة 23هـ مـن أسرة ثرية وتوفي أبوه قبل أن يتجاوز عمره( 12) فتربى في كنف أمه تربية دلال ونعيم فـي المأكل والملبس وشابا أنيقا جميلا تدفق ينبوع الشعرعلى لسانه، ابتعد عـن الأحزاب السياسية فـي عصره ، وتجول فـي الحجاز واليمـن والعراق والشام ، وأصبـح هـذا الشاعـــر شخصية خيالية واضطربت أخباره كاضطـراب شخصية عنترة . وقــد انقطع فــي أواخـر حياته عــن اللهو والطيش وحلف ألا يقول بيت شعر إلا أعتق رقبة .
توفي عمر بن أبي ربيعة سنة 93هـ له ديوان شعر يشتمل على بضعة آلاف بيت أغلبها فـي الغزل .
ب ـ شخصيته :





ج ـ شعره :


د ـ الأغراض الشعرية عنده: علـى اعتبار أن الشاعر عمر بن أبـي ربيعة قـد انصرف عن السياسة واتجه إلـى حياة اللهـو والترف فإن شعره قـد انصب علـى المرأة وما يتعلق بها مـن محاسن ومجالس أنس ووقوف على الأطلال .
1ـ الوقوف على الأطلال : لم يحاول الشاعر في معظم قصائده أن يلتزم نهج القصيدة الجاهلية ، وإن حرص أحيانا في أن يكون مقلدا في وقوفه على الأطلال ، فهـو فـي بعض قصائده يطيل الوقوف علـى هــذه الأطلال وفي بعضها الآخر يهمل تلك الوقفة وقد يقف على الأطلال في نهاية القصيدة :
أعرفت يوم لوى سويقة دارا هاجت عليك رسومها استعبارا
وذكرت هندا فاشتكت صبابة لولا تكفكف دمــع عينيك مارا
ويقول أيضا منهيا بعض قصائده بالوقوف على الأطلال :
يا ليتني مت ومات الهــوى ومات قبل الملتقى واصل
يا دار أمست دارسا رسمها وحشا قفارا ما بها آهـــل
قــد جرّت الريح بـها ذيلها واستنّ في أطلالها وابـل
وأطلال الشاعر عمر بن أبي ربيعة تذكره بحكاياته مع صاحباته فتتسم هذه الأطلال بالفرح والسرور على عكس أطلال الشاعر الذي تظهر رائحة الحزن من وقوفه على الأطلال ، كما أن أطلال الشاعر من رموز دارسة إلى أماكن حية تتحول مرتبطة بمشاعر ومناسك الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة ، يقول عمر بن أبي ربيعة :
فوالله ما أدري وإن كنت داريا سبـع رمين الجمـر أم بثمان
ألم ترْبع على الطلل المريب عفا بينالمحصّب فالطلـــوب
حيّ المنازل قد تركن خرابا بين الجرير وبين ركن كسابا
فالمحصّب والطلوب وجرير وكساب أمكنة واقعية زارها عمر بين مكة والمدينة .
2ـ وصف المحاسن : أكثر الشاعر عمر بن ربيعة من وصف محاسن النساء ، قل أن تمرّ قصيدة دون أن يتعرض فيها الشاعر إلى وصف محاسن النساء :
تنكل ّعــن واضح الأنياب متسق عذب المقبّل ، مصقول له أشر
كالمسك شيب بذوب النحل يخلطه بلج بصهباء ممـا عتقت جـدر
ويقول أيضا في وصف العيون :
سحرتني الزرقاء من مارون إنما السحر عند زرق العيون
ويقول أيضا في وصف مجموعة نساء:
وحسانا جـواريا خفـــــرات حافظات عند الهوى الأحسابا
ويقول أيضا في وصف عطور بعض النساء :
وتضوع المسك الذكي وعنبر من جيبها قد شابه كافـــــور
يفوح القرنفـل مـن جيبها وريـح اليلنجـج والعنبـــر
والشيء المميز أنه أجـرى علــى لسان النسوة وصف حسنه وجماله وشبابه وهــذا ما يسمــى بالنرجسية :
وأنها حلـفت بـالله جـاهـدة وما أهلّ به الحجاج واعتمروا
ما وافق النفس في شيء تسربه وأعجب العين إلا فوقه عمـــر
و لا ندري مبلغ الصدق الذي يكتنف قصائد عمر ، والأوصاف التي وصفها في شعره .
3ـ وصف حكاياته : اتخــذ الشاعـر عمـر بن أبي ربيعة لشعـره مـوضـوعات اعتمــدت علــى القص والحكاية ، وما يظهر خلال ذلك مـن مفاجآت ومغامـرات مـرتبطة بالـزمان والمكان ، والمتصفح لديوان عمر بن أبي ربيعة يجد أن هناك قصصا وحكايات بعضهـــا استمدها الشاعـــر مـن الواقـــع والبعض الآخر نسجه مـن بنات خياله وأضفى عليه عنصر التشويق ، يقول عمـر في وصف بعض حكاياته :
فبت ّ رقيبا للــرفاق علـى شفاً أحاذر منهـم مـن يطوف وأنظـر
أليهم متى يستمكن النوم منهـم ولي مجلس ـ لولا اللبانة ـ أوعر
فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت مصابيـــح شبت بالعشاء وأنؤر
فحيين إذ ما فاجأتها فتولهت وكادت لمخصوص التحية تجهر
4ـ الفخــر : لم يكن عمر بن أبي ربيعة في موضوع الفخر قصائد كثيرة ولكنه تعرض لوصف قومه إذأنه ينتسب إلــى قبيلة مخزوم ، وهــي قبيلة تتزعم الكثير مـن القبائل ، ولها مكانتها المرموقة في مكة المكرمة ، وعند قبائل العـرب ذلك أنهــا ذات عز ومنعة ونفوذ وفعــال كريمة وخصـال حميدة نشرت الأمن والطمأنينة والنعم والفضل والأعطيات :
فهـــلا تسألـــي أفناء سعــد وقـــد تبدو التجارب للبيب
سبقنــا بالمكـارم واستبحنـــا قرىً ما بين مأرب فالدروب
نقيـم علــى الحفاظ فلن ترانا نشل نخاف عاقبة الخطـوب
ويمنع سربنا في الحرب شمٌّ مصاليت مساعر للحــروب
لغة عمر بن أبي ربيعة الشعرية : على اعتبار عمر يكتب لعامة الناس فإنه يستخدم لغة الحياة اليومية المعتمدة علـى السهولة والرقة واللين والألفاظ التي يتبادلها المحبون مبتعـداعن النفور والغلظة والثقل ، ساعده علـى ذلك انتشار الغناء فـي حواضر الحجاز وسعــي المغنين لغنــاء أبياته التي كان يقولها في صواحبه ، كقوله :
ليت هنـداً أنجـزتنا ما تعـد وشفـت أنفسنا ممـا تجـد
واستبـدت مـرة واحـــدة إنما العاجز مـن لا يستبد
وأيضا :
ثم قالوا : تحبها ؟ قلت: بهراً عـدد الرمل ، والحصى ،والتـراب
ومن ذلك نجد أن لغة عمر هي اللغة التي ما زالت تعيش إلى يومنا هذا وكأن القصائد قد قيلت في عصرنا الحاضر .


14 ـ النابغة الجعدي:
اسمه حيان بن قيس أو عبد الله بن قيس أو قيس بن عدس من بني ربيعة بن جعدة , وعمر النابغة طويلا ً وكان لطول اجله اثر في ظهور توافقات زمنية مستبعدة الحدوث أدت إلى القول انه عاش مائتي سنة , وقد حدد احد المؤرخين ولادة النابغة في زمن النعمان بن المنذر الثاني مستندا إلى قصيدة ذكرت فيها مفاخر قبيلة جعدة ( الديوان ) طبعة نللينو رقم 11 , ويقول ابن سلام أن النابغة الجعدي اكبر من النابغة الذبياني , ومن اللغو الوقوف عند هذه الأوهام , ويمكننا تحديده ولادة الشاعر, على وجه التقريب في السنين الأولى من القرن السابع الميلادي وكان الجعدي في بداية أمره شاعر قبائل , وتعكس أهاجيه لأفراد قبيلته بني قشير أصداء وقائع حقيقية , ووفد الجعدي وجماعة من قومه , على الرسول عليه الصلاة والسلام , في المدينة سنة 90 هـ / 630 م , فكان اسمه يومئذ معقولا , ولكن النوادر المروية في البصرة عن هذا الحدث , والتي تعاورها المحدثين فيما بعد مدعاة للريبة وملوثة بالخاصية القبلية , والظاهر أن مكث النابغة في البصرة زمن أبي موسى الأشعري وحضوره معركة صفين مع علي بن أبي طالب يؤكدان مواقف سياسية ليست بعيدة التوافق مع مبادهة نصرة الأمويين التي ظهرت زمن معاوية بن أبي سفيان حوالي سنة 41 هـ / 661 م , في الكوفة , أن مجيء الجعدي إلى مكة معروف وكان ذلك قبل القضاء على ثورة عبد اله بن الزبير في الحجاز قبل سنة 73 هـ / 692 م , فأن مهاجاة الجعدي للشعراء وبخاصة الأخطل والشاعرة ذات الشخصية الملغزة ليلى الاخيلية , لأشياء حقيقية , بالرغم من أن التفصيلات والتوابع تنم عن حوادث مجردة عن التاريخية . وثمة بعض الدلائل الحاملة على الاعتقاد بأنه الجعدي استقر في مدينة اصبهان وفيها مات , وكان الفرزدق يتكلم عن الجعدي وكأنه يعني رجلا من السلف الماضي .
كان النابغة الجعدي ’ في نظر علماء العراق , من المع الشخصيات التي صادفوها , وثمة روايتان محققتان لديوانه تثبتان سيرورة شعره تؤيد ذلك شواهد عديدة أوردها جماعوا المختارات , وكان يعجبهم في النابغة وصفه الفرس , ثم ورود أبياته في المعاجم بوصفها شواهد على الكلم النادر أما اليوم فان آثاره في متناول أيدينا في ديوان جمع حديثا يغلب عليه الطابع والأمانة العلميين , ويبلغ عدد أبيات الديوان حوالي 700 بيت , ويجدر التخلي عن أي وهم من حيث سلطة تلك النصوص , فمنه قصائد ذات طول معين أعيد تركيبها , فان أكثر قصائد الديوان طولا ً ( رقم 2 طبعة نللينو ) أكثرها إثارة للقلق , فقد وردت في أربع روايات مختلفة ترتيبا وعدد أبيات , فهي في 120 بيتا ً في مخطوطة القاهرة يقابلها 75 بيتا في الجمهرة ثم أن تتابع عناصر الموضوعات في القصيدة على غاية من الافتعال , كما أن مديح الرسول عليه الصلاة والسلام يتفجر بأسلوبه على مجموع الديوان مبرزا ً إضافات ملموسة في حين أن الفخر يدور حول أقوال مكرورة .
إن هذه القصائد والمقطوعات , غير متجانسة إجمالا سواء في المعنى أو المبنى وهكذا فإن القصيدة رقم 3 في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام , والقصيدة رقم 8 كلها , ذات أسلوب ضعيف يذكر بأشعار الوعاظ في حكايات العبر والحث على التقوى , والتي تتباين في أسلوبها المشدود التقليدي مع سواها من الآثار الشعرية ويبدو أن الشاعر كثير الاستعمال للقصيدة في إطارها التقليدي , ولكن حالة النصوص تجيز , استثنائيا ً العثور على المخطط التقليدي المذكور , علما بأن القصيدة رقم 1 تقدم مخططا غير مستعمل .
إن التأثيرات الإسلامية في شعر النابغة الجعدي , واضحة للعيان ولكنها مدعاة للشك من ناحية الأسلوب ( راجع قصيدة رقم 3 في مدح الرسول , والقصيدة رقم 6 البيت الخامس وما بعده , والقصيدة رقم 8 ) أما الاستحياء اللفظي فنشعر به في وصف الصحراء أو المشاهد الحيوانية ( راجع القصائد ذات الرقم 1- 3 – 5 -10 , والمقطوعة رقم 1 ص 30 ) أما الفخر فتقليدي , شكلا ً وموضوعا ( راجع : القصائد 1 – 4 ورقم 11 البيت 9 وما بعده ) ويؤلف الفخر كما هي الحال دائما ً تضادا ً في قصائد الهجاء المصوبة , أحيانا إلى اليمنيين , ( راجع القصيدة رقم 3 البيت 90 وما بعده ) أو إلى القشريين في اغلب الأحيان ( راجع القصيدتان 7 و 12 ) .
وتتميز شاعرية النابغة الجعدي في ذكر المثالب التي لم يشعر الناس بأبعادها في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي إلا بذكر الوقائع التي تتناقلها الأوساط البدوية , وثمة مثال على ذلك في قصيدة مشهورة للجعدي عنوانها ( الفاضحة ) راجع الأغاني ( 4/14) وهكذا فانه يمكننا بالرغم من عوادي الزمن , استعمال بقايا هذا الأثر الشعري في وصف تأثير الصراع القبلي على شعر بعض الشعراء .
والشعراء المحيطين بالأمير المذكور وقد ناصر سراقة الفرزدق في مهاجاته جريرا مما حمل على هجائه وإسكاته .
أن ما تبقى من شعر سراقة لا يضيء لنا جزءا من أهميته الأدبية ووصل إلينا باسمه ديوان لطيف يحتوي على ثلاث عشرة مقطوعة وثلاث قصائد قصيرة وخمس قصائد مطولة فيكون المجموع 338بيتا ويسود الهجاء الديوان وأحسن مثال على ذلك 6 و8 في هجاء جرير وفي القصيدة 7 التي افتتحها صراقة بالنسيب منتقلا إلى مدح بشر بن مروان فهجاء جرير ومن أجمل شعره رثاؤه قتلى الحروب (الديوان رقم 10 )وقصيدته في محمد بن مخنف (الديوان رقم (15، 19 ) وإبراهيم بن الاشتر المنوفي سنة 71ه /690 )الديوان رقم 16 , 17 )ومدح سراقة في القصيدة 21 المؤلفة من 57 بيتا قبائل اليمنين في عدائهم للنزاريين (راجع القصيدة رقم 11 المؤلفة من 79 بيتا ) ويعاود سراقة في القصيدة رقم 11 بعد مقدمة غزلية الفخر بيمنيته مهاجما بني تميم ومختتما القصيدة بفخر ذاتي البيت 57 وما بعده وأخيرا فان القصيدة رقم 20 المؤلفة من 55بيتا التي بدأها سراقة بمقدمة عن زوال الشباب موقوفة كلها تقريبا على وصف الفرس حيث يظهر فيها اثر الوضاعين المهرة .
أن ما تبقى من شعر هذا الشاعر لذو فائدة خاصة لأنه يؤيد الاتجاهات الكبرى للشعراء المعاصرين .
أما اللغة والأسلوب فينمان عن لمسات قام بها جامعو المختارات الشعرية .
سويد بن كراع العكلي :
من بني عكل وهم بطن من رباب وكان سويد معاصرا لجرير ودافع بوصفه شاعر قبائل عن جماعته وأهدر والي المدينة سعيد بن عثمان بن عفان (المتوفي زمن معاوية )دمه لهجائه الناس فتوارى سويد زمنا طويلا ولا نعلم عن آخرته شيئا وكان له أخ شاعر ولسويد بعض المقطوعات وبخاصة قصيدة استرحامية عليها طابع العصر أن هذه الآثار الهزلية مفعول استحضاري للحياة الشعرية في الصحراء حوالي آخر القرن الأول التاسع الميلادي .
عمر بن لجا :
من قبيلة تسيم وينتسب إلى الرباب في اليمامة كان عمر شاعر قبائل أقام بصورة متقطعة في البصرة ولا شك في انه لقي الفرزدق فيها فكانت بينهما ألفة على أن عمر احتفظ بشيء من الشهرة لمخاصمته جريرا وثمة خبر اقرب إلى النادرة منه إلى التاريخ يظهر عمر وجريرا موقوفين للناس بسوق المدينة لما تهاجيا وتقاذفا وقد أمر بهما عمر بن عبد العزيز والي المدينة فقرنا وأقيما وكان عمر شابا كأنه حصان وجرير شيخ قد أسن وضعف وكان عمر قد هجا الازد في بعض قصائده بما استتبع موقفا مناوئا لليمين والمهلبين ويقول ابن قتيبة أن عمر بن لجا مات في خوزستان بالأهواز ولكننا نجهل تاريخ وفاته ولم يعر أرباب المختارات الشعرية هذا الشاعر سوى انتباه سطحي أو معدوم ولم نعلم أن شعره جمع في ديوان مع أن مقامه بين معاصريه جدير بالتنويه ويمكننا التساؤل عما إذا كان ضياع شعره ناشئا إلى حد كبير عن خمول بني الرباب في وقت مبكر أن بعض الأبيات التي وردت منظومة سواء على بحر الرجز أو على البحور التقليدية , وكان الجاحظ قد أشار إلى ذلك في البيان . إن الاستيحاء اللفاظي غير سائد في مقطوعات ابن لجأ , وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن أصل هذا الاتجاه .
الراعي انميري :
اسمه عبيد بن حصين من نمير وهم بطن من عامر بن صعصعة في أواسط الجزيرة العربية . كان الراعي سيدا في قومه , أقام مرارا في البصرة , وقد شاءت المصادفات أن يعترض بين جرير والفرزدق فال إلى الثاني , فهجاه جرير وفضحه بقصيدة لم يستطع الراعي ولا بنو نمير محو عارها .
والراعي قصيدة استرحامية وجهها إلى عبد الملك بن مروان في إحدى سني القحط يشكو فيها من سعاة السلطان وجامعي الزكاة , والمراعي أيضا مقطوعة مدح بها سعيد بن عبد الرحمن بن عتاب , وثمة نادرة تظهر مع الأخطل في البصرة في حضرة بشر بن مروان ( المتوفي سنة 75 هـ / 694 ) ومات الراعي سنة 590 / 709 م , وحفظت باسمه ست مقطوعات قصيرة جدا ً , وقصيدة ينم مطلعها النسيبي المتكلف عن اثر أرباب المختارات الشعرية , في حين أن بقية شعره تعكس مشاغل البدو الجياع الساعين وراء القوت , ولا ريب في أن الانحطاط الذي مني به النميريون خلال القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي يفسر ضياع شعر كان غزيرا ً في زمنه غطى عليه شعر الثلاثي الفرزدق وجرير والأخطل . إن تلك المقطوعات في حالتها الحاضرة والقصيدة المذكورة تميز , على نحو جيد جميع أثارات الحياة الصحراوية تحت طلاء إسلامي رقيق .
مرة بن قحطان :
سيد بني سعد من تميم . مكث في العراق زمن زياد بن أبيه . وكان مرة شاعرا ً مقلا ً وكان معاصرا لجرير فاخملا ذكره .
الشمردل بن شريك :
من قبيلة يربوع من تميم , كان معاصرا لجرير والفرزدق , خرج الشمردل في بعث إلى فارس بصحبة إخوته الثلاثة الذين استشهدوا فرثاهم بقصيدة ذكرها أبو عبيدة وللشمردل (( وكان صاحب قنص وصيد بالجوارح )) قصائد في الطرديات على بحر الرجز ذكرها أبو عبيدة , ولكن ابن قتيبة لم يعلم بها .
البعيث :
هو خداش بن بشير ينتسب كالفرزدق إلى بني مجاشع من تميم , وكانت حياته مقسمة بين الصحراء والبصرة , وتقتصر المعلومات الضئيلة التي وصلتنا عنه على أخبار تذكر صلته بجماعته والشاعر جرير , ويظهر أن البعيث لم يكن كما تدل المعلومات التي في حوزتنا , شخصا مغمورا في زمنه وكان في أول أمره اللسان الناطق باسم قبيلته , وكانت شهرته الخطابية في البصرة لا تزال حية حتى القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي , إلا أن مهاجاته غير الموفقة لجرير حملت بني مجاشع قومه على التنصل من هذا الهجاء . ومن الغريب أن يهجو الفرزدق البعيث . أننا نجهل مكان وتاريخ وفاة البعيث , ولم يعر أرباب المختارات الشعرية هذا الشاعر سوى التفاتة بسيطة , فلم يذكر له صاحب الأغاني أي خبر , أن بعض المقطوعات التي حفظت باسمه تصنفه في مدرسة تميم الشعرية , ولا يسعنا مع ذلك إغفال ذكره , فلعل خمول ذكره مرده إلى مصادفات سياسية أكثر منها إلى نقص في الموهبة الشعرية .
المرار بن منقذ العدوي :
هو من حنظلة اكبر قبيلة في تميم . كان خصما لجرير ومخلصا للخليفة سليمان ابن عبد الملك ولم يبق لنا شيء من شعره السياسي , وللمرار قصيدة في الفخر البدوي بالكرم نظمها على الطريقة التقليدية .
غسان بن ذهيل السليطي:
هو من يربوع وهو من قوم جرير , وشاءت المصادفات أن يلتقي غسان بالبعيث فنشبت بينه وبين جرير حرب هجائية لم تخمد نارها على مر السنين .
الأشهب بن رميلة :
من بني نهشل بن دارم . وكان نسيبا للفرزدق ومع ذلك فقد هجاه وللأشهب بعض الأبيات في مدح احد السادة .
النابغة الشيباني :
اسمه عبد الله بن مخارق من قبيلة ذهل وهي رهط من شيبان من قيس ربيعة ولد حوالي سنة 60 هـ / 680 م , وعاش بين قومه في سهوب الفرات , ولم يفد إلى الشام إلا بصورة متقطعة , وظل شأن العديد من رجال قبيلته على دين النصرانية , فترة من حياته , وفي قصيدة مدح بها الخليفة عبد الملك بن مروان يحلف النابغة برب الإنجيل , وعلى كل حال فان الديوان الذي يحمل اسم النابغة كما يقول بروكلمان , يدل في مواضع عديدة على اعتناق النابغة الإسلام وتحمسه له . ولما وفد النابغة مع قومه إلى دمشق مدح الخليفة عبد الملك بن مروان بقصيدة وصلتنا وفي سنة 102 /720 م أي بعد القضاء في العراق على تمرد يزيد بن المهلب , هنأ النابغة الخليفة الوليد بن عبد الملك بقصائد عديدة ضاع أكثرها اليوم , وإذا لم يكتب للنابغة الفوز بحظوة الخليفة هشام بن عبد الملك , فقد كان من المقربين لدى الأمير الوليد بن يزيد قبل توليه السلطة وبعده , وقد فقدنا بعد سنة 127 / 744 م كل اثر الشاعر . ونجد في المختارات الشعرية قليلا من الاستشهادات بشعر النابغة الذي لم يتوسع كتاب الأغاني لذكره ’ وثمة مقطوعة خمرية أشير إليها في الكتاب المذكور على أنها لحنت موسيقيا ( الأغاني 7/105, 112 , 113 , وطبع باسم النابغة ديوان على شيء من الاتساع , ففيه مدائح في قالب القصيدة التقليدية موجهة إلى الخلفاء الأمويين بدمشق , ومقطوعات خمرية , وقصائد غزلية , ويبدو التأثير الإسلامي واضحا جدا في الديوان , دالا على حماسة دينية جديرة بالملاحظة .
ويتصف أسلوب القصائد ببساطة المفردات تارة وبالتكلف تارة أخرى . إن هذا الديوان مهم لما تضمنه من المؤشرات إلى حالة الشعر في الأوساط التبعية العراقية في النصف الأول من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي .
يزيد بن الطثرية :
اسمه يزيد بن المنتصر من بني سلامة رهط قشير في أواسط شبه الجزيرة العربية . كان يزيد شاعر قبائل , قتل في غزوة بني حنيفة سنة 126 / 743 م كما روى البلاذري , وليست شخصية يزيد على كل حال , شخصية الشاعر الذي ارتسمت صورته في الأذهان , بل كان ( صاحب غزل ومحادثة للنساء )) صبغت مغامراته الغرامية مع نساء القبائل المتحالفة بصباغ العاطفية العذرية , ووجد للديوان مخطوطتين , ولا يعرف الآن باسم يزيد بن الطثرية سوى مقطوعات نادرة وموجزة ليست جديرة بإعطائنا فكرة عما كان عليه اثر شعري معروف في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي , ويجوز الظن بأن الأثر المذكور اختلطت فيه حينئذ بكثرة , قصائد رثائية .
القحيف بن حمير :
أصله من خفاجة ( بطن من قبيلة عقيل ) في أواسط الجزيرة العربية , والظاهر انه ولد حوالي أواخر القرن الأول الهجري / السادس الميلادي , كان القحيف شاعر قبائل اشترك مع يزيد بن الطثرية بمعركة فلج اليمامة , وعاش في بلاط الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ورثاه بقصيدة سنة 127 / 743 م , ويحدد موت القحيف بعد التاريخ المذكور , ووصلت إلينا باسم القحيف 24 مقطوعة شعرية قصيرة جدا بصورة عامة , وقصيدة واحدة , فبلغ مجموع 120 بيتا . إن شعره ذو استلهام بدوي مصحوب بانفجار قبلي متواتر ,وبخاصة في القصائد التي هجا بها حنيفة في اليمامة ( راجع الديوان طبعة كرنكو القصائد 7 – 16 – 19 ) , ويظل الطابع الغنائي الغالب على قصائد عديدة , ولعل هذه كانت في الأصل مطالع قصائد , مرتبطا بحياة الصحراء ( الديوان : القصائد 5-6-12-20-21) .
وتدل البقايا هذا إذا كانت القصائد من نتاج العصر على استمرار التقاليد الجاهلية في أواسط شبه الجزيرة العربية في الربع الأول من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي.
آثار شعرية مؤيدة للشيعة والخوارج
أبو الأسود الدؤلي :
هو ظالم بن عمرو , أصله من فرع من كنانة في منطقة مكة ويقال انه ولد حوالي سنة 606 م وأقام في بني قشير في أواسط شبه الجزيرة العربية , ونحن نجهل القسم الأوفى من حياته , وعندما ولي علي بن أبي طالب الخلافة لزم جانبه بحماسة فعينه قاضيا ثم حاكما على البصرة عام 36 / 656 م , ثم ساءت أحوال أبي الأسود فجأة بعد وفاة سيده سنة 41 / 661 م بيد أن أبا الأسود لم يكابد على كل حال , اضطهادات الأمويين بل التمس عطف الحاكم زياد بن أبيه وذلك أمر لم يستدع التخلي عن تشيعه , وحدد تاريخ وفاته سنة 69 هـ / 688 م , وقد نما في البصرة حول شخصية أبا الأسود الدؤلي أدب نوادري ظهر فيه أحيانا تحت ملامح غريبة , ورأى نحويو البصرة من ناحية أخرى في أبي الأسود , وكانوا في ذلك متمسكين بتقليد شعبي غير ذي قيمة تاريخية ولكنه متواتر عبر العصور . , أقول : رأوا في أبي الأسود واضع علم النحو , فمنذ القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي جمعت القصائد المنسوبة لأبي الأسود مرتين , وليس لدينا الآن سوى ديوان جمعه ابن جني حوالي سنة 380 / 990 م مؤلف من 66 قطعة وأبيات منعزلة , بلغ المجموع 450 بيتا تقريبا ً ونجد في الديوان بعض القصائد التي تقترب من إطار القصيدة التقليدية ( الأغاني 3/312 , والديوان ( طبعة آل ياسين بغداد 1373 هـ ) ص 11 وما بعدها ) ونجد إلى جانب المقطوعة المدحية مقطوعات هجائية وقدحية ( الديوان 16-17-21-22-40 ) ومقطوعة حكمية ( الديوان : 14-15 ) وأخرى في الفخر بشاعريته ( الديوان 26 ) وفي الديوان أبيات في التشيع ولكن اقل عددا مما كنا نظن ( الديوان 32-33-, الأغاني 33 – 34 ) وقدحا بعد موت الحسين ( الديوان 34 ) ونداء لبني قشيرة لنصرة علي بن أبي طالب , وتطرح تلك الأشعار قضايا شائكة فإن القصيدة التي يخاطب بها زوجه ( الديوان 11-12 ) تدل على مقدار الجهد الذي بذله المقلدون في صنع موضوعات بدوية نعجب لصدورها عن رجل حضري كابي الأسود , ومن نحو آخر فأي قيمة لأشعار مناسبات كالتي نجدها في نوادر الأغاني ؟ أليست عناصر موضوعة لدعم النادرة وشد أزرها ؟ والظاهر على كل حال , انه ليس من الحذر في شيء استعمال هذه البقايا الشعرية دون تحفظ , بوصفها شواهد على الشعر في البصرة في منتصف القرن الأول الهجري / السابع الميلادي .
ابن مفرغ :
اسمه يزيد بن ربيعة من بني يحصب اليمنيين ومنه لقب اليماني الذي غلب عليه , ولعل ابن مفرغ من أصل وضيع كما يقول ابن قتيبة , والظاهر انه ولد في البصرة وفيها أقام مندمجا في عشيرة قرشية الأصل , وثمة نادرة توحي بأنه كان يعرف الفارسية , وليس لدينا من أخباره سوى نزاعه مع أمير سجستان عبيد الله بن زياد وأخيه , وقد لوحق ابن مفرغ وحبس بنذالة , وهو مدين بسلامته إلى رأفة الخليفة معاوية بن أبي سفيان , إن كل شيء يحملنا على الاعتقاد بان سبب متاعبه نزعته المؤيدة للشيعة , وكان ابن مفرغ حوالي سنة 69 / 688 , وقد رأى فيه المؤرخون شاعرا هجاء , غرضا لتأليف النوادر أما اليوم فمن المستحيل تقريبا تصور ما كان عليه أثره الذاتي , وثمة علائم تتيح الاعتقاد بأن الهجاء لم يكن الفن الوحيد الذي عني به , ولم يحجم على الأخص عن لفت أنظار بعض الكبراء كسعيد بن عثمان بقصائد مدحية , والمهم على كل حال إلا نترك هذه الشخصية الغريبة في زوايا النسيان , تلك الشخصية التي اختلطت دون ريب , بالحياة السياسية ممثلة تمثيلا ً قويا ً الشعراء المأجورين في المراكز العراقية في القرن الأول الهجري / السابع الميلادي .
شبيل بن عذرا :
من أسرة من ضبع من قبيلة ربيعة أقامت في البصرة , كان في أول أمره شيعيا ثم أصبح خارجيا , واختلف إلى حلقات النحاة في مسقط رأسه حيث مات بعد سنة 133 هـ / 750 م ’ وقد رأى الناس في شبيل فقهيا من فقهاء الخوارج وخطيبا وعالما بالأنساب , وبوصفه عالما ذكر له الجاحظ قصيدة حفظية عن الغريب في اللغة العربية , وليس لدينا شيء من أثار شبيل بصفته مدافعا عن عقيدة الخوارج وداعية لها , وذلك أمر يعلل بيسر , بيد انه من المهم الإشارة إلى تلك الفجوة في عملية التوثيق , إلى جانب فجوات أخرى ظلت مجهولة .
العديل بن الفرخ :
من بني عجل ( بطن من قبيلة بني بكر في الفرات الأسفل ) والظاهر انه شارك في غزو ثار , ولا يخلو الشيء القليل اذي نعرفه عنه من الخيال , ويبدو انه كان مدحا , فبعد أن مدح يزيد بن المهلب استطاع أن الفوز بحظوة الحجاج حاكم العراق فمدحه بقصائد عديدة , وخلد الفرزدق ذكرى العديل بمرثية , ولدينا م نشعر العديل بضع مقطوعات , بعضها بقايا قصائد , وتنسب إليه أيضا قصيدة مدح بها بني بكر وبني تغلب , ويميز شعر العديل تمييزا جيدا ً الفخر الذي ما تزال تقدره الأوساط البدوية . أما بقية القطع فتمثل تمثيلا ً غاية في الجودة , في الحد الذي تحمل طابع العصر , شعر المديح الحكومي في عصر الأمويين . إن شعر العديل لا يخلو من قوة , ومن العسير علينا معرفة السبب الذي حدا بأرباب المختارات الشعرية عدم قبوله في مختاراتهم قبولا أحسن.
كعب بن معدان الاشقري :
أصله من عشيرة الازد الضاربة في العراق , اتصل بالقائد المهلب بن أبي صفرة وتبعه في غزواته في فارس ومدحه , ولدينا من شعر كعب , باستثناء بعض المقطوعات المبعثرة قصيدة طويلة ذات مظهر ملخمي مجد فيها مآثر المهلبين , إن كعبا يستحضر جيدا ً ما كانت عليه مجموعة المداحين المنضوين تحت لواء حماة الأدب العربي خارج بلادهم الأصلية .
المغيرة بن حبناء :
أحيانا ( ابن حبناء ) لعله ولد في أسفل العراق من أسرة منحدرة من حنظلة من تميم , كان أبوه وأخواه شعراء أيضا , وصحب في شبابه أهله إلى نجران ولكنه اضطر إلى العودة بعد ذلك إلى العراق وفارس حيث تبدأ سيرته الشعرية بوصفه مداحا , فكان أولا في خدمة الحاكم طلحة الطلحات ( المتوفي سنة 65 / 685 م ) ثم انتهى به الحال إلى الاتصال بالمهلب بن أبي صفرة فصحبه في حملاته على الخوارج وفي شرقي فارس , ودب الخلاف في بلاط المهلب حامي الأدباء , بين المغيرة ومنافسه زياد الأعجم , وبعد موت المهلب سنة 82 أو 83 / 701- 702 ظل يمدح ابنه يزيد المتوفي ( 102 / 720 م ) ملازما إياه على وجه التخمين , طوال سيرته اللامعة المضطربة , ولم يهتم علماء العراق , باستثناء أبي عمرو بخراسان يوم ( نسف ) في الصغد , ولم يهتم علماء العراق , باستثناء أبي عمرو الشيباني , إلا قليلا بهذا الشاعر , وقد حفظت لنا باسم المغيرة بعض قصائد هجا بها أحد إخوته , وبعض مقطوعات مطولة مدح بها حماته من الحكام , وتتصف تلك القطع المدحية ببساطة أسلوبها , إن المغيرة وما تبقى من شعره لذو أهمية لأنهما يحددان بدقة دور المهلبين بوصفهم حماة الأدب .
خالد بن صفوان القناص :
تمييزا له من خالد بن صفوان الخطيب البصري . إنا لا نعرف عنه شيئا سوى انه كان صديقا ليزيد بن المهلب وانه مات سنة 90 هـ / 709 م , ولدينا من شعره قصيدة عنوانها ( قصيدة العروس ) .
زياد بن سلمى :
أو سليمان الملقب بالأعجم , ولد في فارس باصبهان على وجه الترجيح ولعله سيق في جملة السبايا إلى ضواحي البصرة وبقي في ولاء بني عبد القيس , ووقف الأعجم شعره على الدفاع عن القبيلة المذكورة . وفي سنة 23 / 643 , اشترك في الاستيلاء على اصطخر وأقام فيها , ولما استلحقه المهلب وبنوه شارك في غزوات شرقي إيران , وفي مرثية نظمها مدح بها المغيرة أحد أولاد المهلب , وثمة علائم تحمل على الاعتقاد بان الشاعر أقام في البصرة وصادف هناك جرير والفرزدق , ولئن امتنع عن الدخول في نزاع معهما فهو بالمقابل هجا , كما يظهر شعراء اقل قيمة منهما مثل قتادة اليشكري ومات الأعجم سنة 100 هـ - 718 م .
وقد حفظت باسم الأعجم مقطوعات هجائية ذات صياغة جميلة , وبعض القطع المدحية , وللأعجم مرثية مشهورة جدا ً يستشهد بها أحيانا , ويظل شعره بالنسبة إلينا , صعب المنال , إن بعض المعطيات الباقية عن حياته تجعل منه على العكس , إحدى الشخصيات الأكثر إثارة للاهتمام , وفي الحق فإن زيادا من أوائل الشعراء الذين اوجدوا , بقليل من الوضوح في الشعر , الصلة بين العالمين العربي و الفارسي في أواخر القرن الأول الهجري / السابع الميلادي .
عمران بن حطان :
أصله من سدوس وهي بطن من شيبان في الفرات الأوسط , قيل انه ولد في البصرة مع الجيل الإسلامي الثاني وعاش في الكوفة أو في منطقتها , كان عمران فقهيا شديد التمسك بشعائر الدين , ولما اعتنق المذهب الخارجي أصبح مناضلا حماسيا ً , من فرقة الصفرية ( بعد سنة 76 هـ / 696 م ) واختفى عمران بعد موت زعيم الخوارج شبيب سنة 77 / 697 م , وثمة نوادر تظهره في الشام وعمان والجزيرة , ومات بالقرب من الكوفة حوالي سنة 89 هـ / 707 م وقد ذكر هذا الخارجي في الأدب السني , بكل احترام بوصفه رجلا تقيا متعمقا في علم الكلام , وخطيبا ً بقدر ما هو شاعر مجيد , بيد أن عمران لا يشغل في كتب المختارات الشعرية سوى مكان ضيق , ولم يرد باسمه سوى أبيات حكمية وبعض مقطوعات من شعر المناسبة موجهة إلى مضيفيه في الخفاء , وملخص من قصيدة مدح بها عبد الرحمن بن ملجم قاتل الخليفة علي بن أبي طالب , ويجدر بنا القول : انه يستحيل علينا اليوم إطلاقا أن نعين , لشاعر من شعراء الخوارج الأكثر تمثيلا لزمانه مكانه الحقيقي .
الأعشى الشيباني :
اسمه عبد الله بن خارجة ولد في الكوفة وتاريخ ولادته مجهول , وهو من أسرة أبي ربيعة ( وليس من بني ربيعة كما ورد أحيانا ) وهي بطن من شيبان بن بكر , ولعل الأعشى انساق في بادئ الأمر شانه شأن الكثيرين من مواطنيه مع التيار الذي حرض العراقيين على الشام والخلفاء الأمويين وفي الحق فإن الأعشى أشاد في مرثية مفقودة بالمطالب بالعرش عبد الله بن الجارود الذي قضى عليه الحجاج سنة 75 / 694 م , وقد اخلص الأعشى عندما انحاز إلى الأمويين إخلاصا عميقا لعبد الملك بن مروان جاعلا من نفسه مناوئا ً لعبد الله بن الزبير والعلويين , ولزم الموقف ذاته زمن سليمان بن عبد الملك ( 96 هـ / 714 م )ولا نعلم بعد هذا التاريخ عنه شيئا ً , إن ما تبقى من شعر الأعشى عديم القيمة , فهو اقل من مائة بيت , وثمة مقطوعة ( الديوان : طبعة رقم 5 ) لقيت رواجا كبيرا , وقصيدة دينية مطولة إلى حد ما , وقطعة مقلدة غير موفقة على شاكلة تلك التي ينظمها الوعاظ , أننا نستخرج بكل بساطة من هذه البقايا الهزيلة , المشكوك بها انطباعا هو أن هذا الشاعر كان مداحا تافها تمتع بشهرة غير مستديمة .
سابق البربري :
ابن علي , يظل هذا الشاعر في نظرنا محاطا ً بالأسرار والظاهر انه عين قاضيا على الرقة زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز ( 99 /717 – 101 720 م ) ويؤكدون انه نظم إشعارا في الزهد بقي بعضها وهي تمثل في الحد الذي تكون فيه هذه البقايا الشعرية مقبولة , تمتمات شعر وعظي مطبوع بطابع إسلامي .
عوف بن عبد الله الأحمر : ينتسب إلى أسرة في الازد فهو يمني أقام على الأرجح في الكوفة وشهد مع علي بن أبي طالب صفين وإذا صح أن قصيدته التي رثى بها أحفاد علي الذين سقطوا في كربلاء سنة 61 / 680 هي من نظمه فتكون وفاته إذا بعد هذا التاريخ , وعرفت باسمه قصيدة رثاء مطولة جدا ً لم يبق منها سوى بضعة أبيات تستحضر في شكلها البسيط جدا القصائد ( المخصصة للعامة ) التي روجها الدعاوة الشيعية سرا في أواخر القرن الأول الهجري / السابع الميلادي , وأوائل العصر التالي .
الاقيشر :
اسمه المغيرة بن عبد الله ( أو عبد الله بن الأسود ) من رهط بني ناعج من أسد المقيمين في الكوفة , اشترك الاقيشر في ثورة مصعب ابن الزبير ورثاه بقصيدة سنة 691 م , ولما انحاز فيما بعد إلى الأمويين صار في عداد جماعة الحلقة أشعرية التي شكلها الأمير بشر بن مروان حاكم الكوفة ( من سنة 72 هـ / 691 م – 74 ه / 694 م ) وكان أهل قبيلته بنو أسد يعتبرونه ممثلهم الأصيل وقيل انه وفد مرارا إلى دمشق على الخليفة عبد الملك بن مروان . ومات الاقشير بعد أن عمر ولكننا نجهل تاريخ وفاته , ولعله في أواخر خلافة الخليفة المذكور ( أي بعد سنة 86 هـ / 705 م ) .
عرف الاقشير من خلال النوادر التي تصوره ماجنا سكيرا ً , طفيليا ووقحا ً , وقد بقي م نشعره بعض المقطوعات المدحية وأبيات هجائية مرتجلة وبخاصة قطع خمرية قصيرة جدا ً لحنت وغنيت , وبقيت أخيرا قصيدة طويلة إلى حد ما , وصف بها الشاعر بتهكم وبساطة, فراره من إحدى الغزوات ونسيان واجباته في سبيل الخمرة ومصاحبة إحدى البغايا . ومهما تكن أثار الاقشير من الضآلة فهي ثمينة , لأنها تشهد مع سواها على جهود آفاق للخلاص من الضغوط الدينية والشعرية .
أعشى همدان :
اسمه عبد الرحمن بن عبد الله , أصله من جشم وهي بطن من همدان اليمنية ولد في الكوفة سنة 30 هـ وهو صهر المحدث الشعبي ( المتوفي سنة 103 هـ , ) أولع في بداية أمره بدراسة القرآن وبخاصة القراءات , ولم يقف نفسه على الشعر إلا بعد بلوغه سن الرجولة , ولعل هذا التحول مطابق لتشيعه المدعم بنزعة يمنية سابقة , وقد جعلت مواهبه الخطابية والشعرية منه داعية مسموع الكلمة , ولا نعلم إلا القليل عن حياته العاطفية من خلال بعض القصائد المرتبطة بحكايات نوادرية فان طلاقه لزوجه الملحاح , وزواجه ثانية من شابة ذات قلب خلي أوحيا إليه بقصيدتي شكوى مؤثرتين , وتجدر الإشارة إلى صداقته , في الكوفة مع المغني المؤلف احمد النصبي , الذي كان يلحن له , بانتظام قصائده الغنائية , ومن الصعب علينا تتبع مراحل حياته بوصفه جنديا وزجلا حربيا ً ومداحا ً , ويجدر فسح مجال واسع , في مواقفه السياسية , لعواطفه المؤيدة لليمنيين , تلك العواطف التي أملت عليه اختيار حماته , إن بعض مواقفه أملتها أيضا الانتهازية , ولم تصل حماسته المؤيدة لأحفاد علي إلى حد مساندة حركة متطرف مثل المختار الثقفي ( الديوان : القصيدة رقم 31 والحيوان للجاحظ 2/99 ) ولكنه بالمقابل لم يتردد عن متابعة حركتين ثوريتين هدفهما قلب حكم الأمويين في دمشق , ففي المرة الأولى سنة 63 / 682 , احتضن قضية عبد الله بن الزبير المطالب بعرش الخلافة , وتبع إلى حمص الحاكم النعمان بن بشير الذي انضم أيضا إلى الزبيريين ثم اضطر الأعشى على اثر موت النعمان المفجع في أوائل سنة 65 / 684 م , إلى العودة إلى الكوفة وخدمة مصعب بن الزبير إلى حين هزيمة الأخير سنة 72/691 م ونظم الأعشى في هذا التاريخ قصيدة ( الديوان رقم 4 ) تنم عن حقده على كل من لم يكن يمناويا إعجابه بمصعب الذي قضى عليه عدو مجرد من الرأفة وكان الأعشى نظم قصائد آخر اظهر فيها , ولاءه للزبيريين ( الديوان رقم 31 ) وعلى كل حال , فان الأعشى تقرب بغية إسدال النسيان على تحمسه للزبيريين من السلطات الأموية , فصار في عداد القائد المني الزبير بن خزيمة الخشعمي أثناء حملته على الخرج ( بين سنة 72 – 74 / 691 – 692 ) فأوحت إليه هزيمة جيش الحكوميين في جلولاء بقصيدة لا نملك منها سوى مقطوعة من خمسة أبيات (الأغاني :6 /55 ـ56)ولم يلبث الأعشى بعد ذلك أن ارتبط بالقائد الكوفي خالد بن عتاب (المتوفي سنة 77 / 696 )والخروج معه إلى اصبهان ولما بلغ الأعشى الخمسين من عمره كان في عداد البعث المرسل إلى مكران على حدود فارس الشرقية وفي قصيدة يصف فيها آلامه في هذه المقاطعة العادية (الأغاني 6/38)والديوان 326 ـ329 رقم 20) وفي سنة 80 /699 اشترك الشاعر مع ذلك المرة الثانية بحركة هدفها قلب نظام الأمويين وكان الأعشى يومئذ بصحبة احمد النصبي في سجستان في جيش اليمني عبد الرحمن بن الأشعث فمدح هذا بقصائد عديدة (الأغاني 45 ـ 46 ـ47 49 والديوان : 324 ـ 326 رقم 16 )ورافق الأعشى مسيرة الجيش في العراق فحضر كارثة دير الجماجم حيث انهزم عبد الرحمن بن الأشعث واتي بالأعشى أسيرا أمام القائد الحاكم الحجاج الذي هجاه الأعشى بعنف وقد حاول هذا عبثا استرقاق قلب الحجاج وذلك بإنكار أقواله وآرائه (الأغاني 6/ 60 والديوان 320ـ 321 رقم 10) فضربت عنقه سنة 82 /701 )وبالرغم من أن الأعشى تمتع بشهرة لا تنكر بين أوساط العلماء العراقيين فان هؤلاء كما يبدو لنا لم يدرسوا قط شعره الذي لم يصل إلينا علم بوجود ديوان يجمعه أن جامعي المختارات الشعرية لم يوردوا سوى قليل من الاستشهادات تتجاوز تلك الذي أدرجت لحسن الحظ بوفرة في كتاب الأغاني أن الديوان الذي صنعه ر جير يسد لحسن الطالع هذه الفجوة فقد بلغ عدد القصائد فضلا عن المقطوعات القليلة الإيحاء خمس عشرة قصيدة مطولة ذات أهمية عظمى وفي الحق فان القضية المطروحة من جراء حالة بعض النصوص لدقيقة فان المقصود غالبا عملية إعادة بناء ففي القصيدة ذات الرقم 5 والأبيات 35 ـ40 تحريف في النص وباستثناء هذا فان كل شيء يشير إلى تجانس الأسلوب والمفردات أن إطار القصيدة ذات التقسيم الثلاثي ممثل بالقصائد ذات الأرقام 32،16،8،5،4 أما القصيدة ذات الرقم 4 ففيها مقاطع متتابعة بارزة جدا : نسيب ـثلب العديين (غير اليمنيين )الذين تخلوا عن مصعب ابن الزبير ـ مديح اليمنيين الذين بالعكس دعموه ـ مآثر مصعب وموته البيت 20 وما بعده ونجد فيه القصيدة رقم 5 المقطع المتتابع الآتي نسيب + مديح النقي الحسين بن علي +كما نرى مرئيتان بقدر ما هما قصيدتان سياسيتان وثمة على كل حال مرئية ذات طابع تقليدي في القصيدة رقم 26 وبعض القصائد الغنائية أو الرثائية جديرة بالتنويه أمثال القصائد رقم 20 التي نظمت أثناء حملة مكران ورقم 39 التي نظمها لزوجه وقد فسر كها )ورقم 41 استعطاف زوجة قاسية أن القصائد الأكثر تواتر هي ذات الموضوعات المديحية والوصفية كما أن الفخر الذاتي والقبلي كمديح اليمنيين المناقض لقصائد الثلب المعادية للمضربين ممثلان أيضا تمثيلا جيدا مثال على ذلك القصيدة رقم 4 البيت الخامس وما بعده ورقم عشرين البت العاشر وما بعده ورقم 37 المؤيدة للكوفيين والمعادية للبصريين ورقم 45 ضد بني تميم ورقم 47 ضد ثقيف والحجاج وهي من بحر الرجز بغية انتشار واسع أن لغة الأعشى ورواسمه لهي بالبداهة تقليد فليس ثمة أي اثر للتحذلق اللفاظي بل نحن بالعكس تجاه قصائد أو مقطوعات سهلة التناول للجميع أن شعر الأعشى المعروف قليلا يستحضر جيدا وجود أسرة شعراء فان فن الشعراء عند الأعشى لا يسف إلى حد نظم قصائد فخفخة بل هو وسيلة آلى تعبير مباشر عن الحماسة السياسية والتجارب الذاتية من خلال تضارب الحوادث ويجدر بنا البحث عن أجمل نموذج للقصيدة الحربية التي عبر بها العشى عن انفعاله تجاه الخطر والموت الأغاني 6 ـ39 والديوان 20 ولذلك فلا يسعنا إذا فسح مجال واسع لهذا الفنان الذي عانى شعره من اثر النزاعات الحربية وظروف الذوق السائد .
حمزة بن بيض:
كان منقطعا إلى المهلبين وبخاصة المهلب بن أبي صفرة وبلال ابن أبي بردة المتوفي 120 /738 أن أخلاق حمزة ووقاحته ودعابته مصدر أدب نوادري يعكس في ظاهره نوع الحياة التي كان يحياها شعراء مهرجون في ظلال الارستقراطية العراقية في القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي .
الأغلب بن عمود العجلي :
من بني عجل بن جشيم من قبيلة بكر بن وائل في اليمامة ولد في الجاهلية وأدرك الإسلام واشترك في فقه العراق واستشهد في وقعة نهاوند سنة 21/ 641 ولم يبقى شيء من شعره وقد اعتبر مؤرخو الأدب الأغلب أول من شبه الرجز بالقصيد فإذا كان هذا الصنع صحيحا فهو يدل على وجوب تحديد ظهور بدعة تجديدية في منتصف القرن الأول الهجري السابع الميلادي بعد أن كانوا يتجهون إلى تحديد ظهورها في الجيل التالي .
أبو النجم الراجز :
هو الفضل أو المضل من بني عجل أيضا قيل انه ولد حوالي سنة 35 /655 وبقي على صلة وثيقة بقبيلته مع استمرار قدومه أحيانا إلى البصرة وأحيانا أخرى إلى دمشق والرصافة مقام الخليفة هشام الصيفي وبما أن أبا النجم شاعر بني عجل وربيعة فقد دب النزاع بينه وبين العجاج التميمي وولده رؤبة وجعل أبو النجم من نفسه مداحا للأمويين مشدا بذكر عبد المللك بن مروان والحاكم الحجاج وأخيرا الخليفة هشام بن عبد الملك .
والظاهر أن أبا النجم مات بعد سنة 105 / 723 ـ724 بعد أن عمر طويلا وقيل انه يبلغ سبعين عاما .
وقد اعتبر علماء البصرة وبدرجة اقل علماء الكوفة أبا النجم أحد أسياد الرجز أن أشعاره التي تناقلها الرواة حتى أبي عمر الشيابي جمعت في أواخر القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي وبقي جزء قليل منها وثمة مقتطفات من قصيدة تدل على أن النجم نظم على البحور التقليدية ولكنه التزم الرجز على وجه التخصيص ويبدو انه وفق في الأنواع المدحية والوصفية وكان على أسلوبه وطريقته أن يذكر أنا بامانة بأسلوب معاصريه وطريقتهم ندرة النصوص المحفوظة لا تتيح لنا الجزم بذلك .
الزفيان الراجز :
اسمه عطاء بن أسيد ( أو أسيد ) من قبيلة سعد بن تميم , قيل انه ولد في منتصف القرن الأول الهجري / السابع الميلادي , وبقي الزفيان على صلة مع قبيلته فمدحهم بغية الإساءة إلى اليمنيين , وله قصيدة يصف فيها انتصار الجيش بقيادة عمر بن عبيد الله بن معمر على الخارجي أبي فديك في معركة البحرين سنة 73 / 693 م , ( راجع الديوان : قصيدة رقم 8 ) ويستنتج من ذلك أن الزفيان مات بعد هذا التاريخ . ولم يعر أرباب المختارات الشعرية والعلماء الزفيان أي التفات , ولدينا من شعره عشر قصائد أكثرها مؤلف من 20 إلى 35 بيتا ً , وبلغ المجموع 265 بيتا نظمت على بحر الرجز , أما الأنواع التي نظم فيها فهي : المديح ( قصيدة رقم 6 ) والفخر ( قصيدة رقم 1 في بني تميم و9 في الازد ) ووصف الإبل , إن لغة شعر الزفيان ومفرداته بسيطة على الغالب كما في الأرقام 1-4-5- , ولكن الاستيحاء اللفاظي هو الصفة الغالبة . إن شعر الزفيان صادر عن قريحة شعرية شبيهة بقريحة
دكين الراجز :
ابن رجاء من بني فقيم وهم بطن من قبيلة تميم , وقد خلط المؤرخون بينه وبين تميمي آخر هو دكين بن سعيد , وعرف دكين بأرجوزة مدح بها مصعب بن الزبير ( المتوفي سنة 72 / 691 م) وبقصيدة وصف بها فرسه للخليفة الوليد ( من سنة 86 – 96 / 705 – 715 ) كما اشتهر بقصيدة امتدح بها عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة ( أي قبل سنة 93 / 711 -712 ) . إن جمع قصائد دكين من بحر الرجز وهي طويلة إلى حد ما , فلغتها سهلة وتكاد أن تكون مأنوسة , إن أشعاره تدل في الحدود التي تكون فيها مطبوعة بطابع العصر , على أن الرجاز لم يستسلموا جميعا ً للاستيحاء اللفاظي وأن شعرهم نال حظوة لدى الكبراء .
العجاج :
لقب عرف به عبد الله بن رؤبة من بني مالك بن سعد بن زيد مناة من تميم . يقول بعضهم انه وقبل سنة 612 م أو على وجه التصديق بين سنة 23-35 / 644 – 656 م وثمة خبر يجعل العجاج في حضرة الورع أبي هريرة ( المتوفي سنة 56-657م ) في المدينة على الأرجح , وظل العجاج في القبائل بصورة عادية ولكنه رحل مرارا للإقامة في البصرة وكذلك في الشام . إن مدائحه في مصعب بن الزبير وبشر بن مروان والحجاج وكذلك في الخليفين يزيد بن معاوية وسليمان بن عبد الملك , تشكل صوى تعين مراحل سيرته الشعرية , والظاهر أن العجاج مات بعد أن عمر طويلا ً , ليس في خلافة الوليد بل بعد خلافة سليمان بن عبد الملك , أي بعد سنة 599 / 717 م, تاركا ً ولدين احدهما رؤبة الذي غطى على شهرة أبيه .
إن الآثار الشعرية الموضوعة باسم العجاج مدينة ببقائها مرة أخرى , لحب الاستطلاع عند علماء اللفاظة ونحويي البصرة , وينبغي على كل حال التنويه بأن ذلك الاهتمام لا يفصل بين العجاج وابنه رؤبة , فقد حدث بالتالي منذئذ لبس بين الشاعرين فإن حالة النصوص تؤكد ذلك جزئيا ً ( مثال على ذلك قصيدة رؤبة ذات الرقم 4 في طبعة اهاوارد نسبت إلى العجاج وثمة بينة مماثلة توحي بها القصيدة ذات الرقم 25 ) وقد ثبت ارتيابنا تجاه كمية الأشعار الهائلة نسبيا , باسم العجاج وتجاه الطول غير المعهود في بعض القصائد ( مثل القصيدة رقم 5 ( 147 بيتا ) ورقم 11 ( 229 بيتا ) ورقم 12 ( 117 بيتا ورقم 15 ( 171 بيتا ) ورقم 29 ( 157 بيتا ) ورقم 35 ( 171 بيتا ) ورقم 40 ( 199 بيتا ) . إن مثل هذا الاتساع يستدعي سواء تدوينا كتابيا بعيد التصديق في ذلك العصر أو تعديلات وإضافات وأخيرا فإن قصائد عديدة متباينة جدا في الأسلوب والمفردات ( مثال على ذلك القصائد ذات الأرقام , 3-11-31 فهي تصف ببساطة أو بالأحرى بتفاهة تختلف عن مجموع بقية القصائد وتجدر الإشارة في القصيدتين 29-35 إلى وجود طريقة بسيطة مع تفخيم لفاظي ) بحكم البداهة , تجاه اثر شعري مركب يسود فيه الاستيحاء اللفاظي . إن الأنواع الشعرية التي نظمها العجاج ذات صفات تقليدية ففيها مدائح ( القصائد ذات الأرقام 1-8-11-12-19( 29 وهي قصيدة غير متوازنة ) 31-32-36 ) وليس في القصائد المذكورة هجاء ولا رثاء أما الفخر فهو متواتر بطبيعة الحال , حتى انه يؤلف الموضوع الأساسي في القصيدتين 2و7 وتجدر الإشارة في القصائد ذات الأرقام 5-9-12-15 -22-25 إلى وجود مطولة تتكشف فيها في كل لحظة تأبهات قرآنية ( مثال على ذلك القصيدتان 3-35 , البيت 39 وما بعده ) . إن أوصاف الصحراء كثيرة وواسعة وذات مظاهر متعددة , فهي امتداد للتقاليد البدوية . إن جل ما نعرفه عن الأثر الشعري المنسوب إلى العجاج منظوم على بحر الرجز وذو قافية وحيدة , مما يدل على قدرة فائقة , وإذا ما استثنينا القصائد ذات الأسلوب البسيط فإن الانطباع الذي نخرج به انطباع عن حدوث بحث خارق ومثير عن المفردات , فكأن الشاعر يلتهي في تكديس الألفاظ المستعارة من عالم البداوة , وفي جمع كلمات فريدة استعملها , أول مرة , العلماء اللفاظيون العراقيون في القرنين الثاني والثالث للهجرة / الثامن والتاسع للميلاد . إن الوصول إلى القمة في هذا الاتجاه تحقق في القصيدة ذات الرقم 40 , ولكن من اللائق الإشارة أيضا ً إلى تلهي فنان بارع يشعوذ بالقوافي كما هي الحال في القصيدتين 36-39 ( القافيتان أم واني في كل من القصيدتين ) أننا نقدر على كل حال درجة الحذر التي يجب الاحتفاظ بها عند اعتبار هذه الآثار الشعرية شهودا عدولا ً على شعر الرجز في أواخر القرن الأول الهجري / أوائل القرن الثامن الميلادي .
إن هذه الآثار في حالتها الراهنة , انعكاس لنزعة جديدة خجلى , وسيكون لتلك الآثار وزن راجح في إيجاد المدرسة التقليدية ( الكلاسيكية ) في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي .
رؤبة بن العجاج :
ولد حوالي سنة 80 / 699 م , وأمضى طفولته ويفاعته في كنف أبيه سواء في بني تميم في الصحراء أو في البصرة . ووفد صحبة أبيه على الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك سواء في الشام أو مكة أثناء حج الخليفة المذكور حوالي سنة 97 / 716 م ومنذ ذلك التاريخ وضحت سيرته الشعرية بوصفه مداحا , وكان صعوده متدرجا فبدأ بامتداح الكبراء أو أعضاء الأسرة المالكة أمثال عنبسة ابن سعيد ( الديوان : القصيدة 35 ) والحكم بن عبد الملك بن بشر ( رقم 43 ) والمسير مسلمة بن عبد الملك في قصائد عديدة رقم ( 10 / 54 ) وعلى وجه الخصوص عند انتصاره على يزيد بن المهلب سنة 102 / 720 م , ومدح رؤبة حامي الأدباء في البصرة بلال بن أبي بردة ( المتوفي بعد سنة 120 / 738 م ) ( القصائد 30-42-57 ) وحاكم العراق خالد القسري المتوفي سنة 120/738 م ) القصيدة رقم 18 , والقواد عبد الملك بن قيس الذئبي ( القصيدة 26 ) ونصر بن سيار ( المتوفي سنة 131 / 748 م) القصيدة رقم 19 ) , ولدينا أخيرا من شعره قصائد فخفخة مدح بها الخليفتين هشاما والوليد ( القصيدتان 2-39 ) وكذلك مدح آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد ( القصيدة 45 ) على أن رؤبة استطاع , شأنه في ذلك شأن معاصريه , استغلال قصائده التراجعية والتسلل إلى حظوة العباسيين المنتصرين , ولعله تمكن بعملية انتقالية ماهرة , من مداراة حظه وذلك بمدحه الرجل المتحمس للسلطة الجديدة أبا مسلم الخراساني , وسليمان بن علي حاكم البصرة من 133 هـ / 751 م إلى 37 هـ / 756 م القصيدتان 45-47 , وأعلن رؤبة في قصيدة طويلة ذكرت مقتطفات منها رقم 55 ) ولاءه للخليفة الجديد السفاح ( حوالي سنة 132 هـ /750 م ) ولعل حظوته توطدت في عهد المنصور خلف السفاح وذلك بفضل قصائد تراجعية كالقصيدة 14 التي أهان بها دون خجل الأمويين الذين دالت دولتهم , وظهر رؤبة في البصرة , في عهد يصعب تحديده , ولعله قبل تولي العباسيين بمظهر الأستاذية بين بقية الشعراء , وثمة أدب نوادري موسع جدا يظهر فيه شعره غرضا لتقاليد أو انتحال ذي الرمة ( انظر فيما بعد ) أو من قبل أحد أفراد قبيلته الأصغر سنا منه أبي نخيلة ( انظر فيما بعد ) وليس بعيدا عن التصديق أن يلجأ إليه شعراء حضريون أمثال الكميت ( انظر ص 84 ) والطرماح ( انظر ص 98 ) إلى التقاط كلماته الفريدة ليرصعوا بها أشعارهم , ولكن الشيء المؤكد على كل حال , أن لغويين ومؤرخين عديدين في البصرة ومن هم ليسوا اقل قدرا منهم أمثال يونس بن حبيب النحوي , والأصمعي وأبي عبيدة , استعملوا رؤبة بوصفه مخبرا أو حكما على سلامة استعمال الألفاظ . وكان لتأثير رؤبة في أوساط النحويين بعد استقراره في البصرة , أكثر حسما بعد كل ما يتراءى لنا عن جمع الشعر الجاهلي , ومات رؤبة سنة 145هـ / 792 م , تاركا ولدا اسمه عقبة , وهو شاعر أيضا لم يلق نجاحا .
وإذا كان المؤرخون اهتموا قليلا بسيرة رؤبة , وإذا كانوا اتجهوا إلى اعتبار سيرته الشعرية امتدادا لسيرة العجاج فإنهم , بالمقابل , أقاموا وزنا لنتاجه الشعري المرفوع من قبلهم فوق نتاج نظراته من الشعراء , إن تفسير هذه الظاهرة مرده إلى اتساع نتاج الشاعر المذكور وتملكه زمام المفردات المأخوذة عن الإعراب الذين لم تنقطع صلاته بهم , وإذا كان ثمة انتقادات مصوغة فهي تتناول بعض النقاط الثانوية , ويظل رؤبة في نظر المؤرخين حجة كما تبرهن على ذلك الاستشهادات العديدة بشعره في المعاجم , وقد ركز الباحثون في كل العهود , على لغة الشاعر وغرابتها المثيرة أحيانا , وبديء منذ منتصف القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي بجمع القصائد والمقطوعات الموضوعة باسم رؤبة , وانتهى هذا الجمع على يدي السكري فحق لنا منذئذ الاعتقاد بأن رؤبة الشاعر التميمي قد اختلط مع سميته من باهلة في منطقة البصرة , وهو من نحو آخر , اقل شهرة منه , ويجدر إلا نبعد الفكرة القائلة بإمكانية انزلاق منظومات العجاج إلى منظومات ابنه رؤبة وبالعكس , ومهما تكن أهمية عقبة بن رؤبة في جمع أثار أبيه فإننا لا نستطيع إغفالها , وبين أيدينا اليوم ديوان وأبيات مبعثرة يؤلف مجموعها أضخم كمية من الشعر العربي قاطبة , أن الديوان الذي طبعه المستشرق الألماني اهلوارد , يحتوي على 7369 بيتا ً , فإن الذي يلفت النظر أول وهلة , اتساع القصائد , فمن النادر أن تتضمن القصيدة اقل من ثلاثين بيتا , فإن كلا من القصائد ذوات الأرقام : 3-5-6-8-13-14-16-18-25-27-40-46-49-54-57-تحتوي على 100 أو 200 بيت تقريبا ً وتحتوي كل من القصائد ذات الرقم : 2-21-22-23-41-45على 213 بيتا ً إلى 271 بيتا ً . وأخيرا فإن القصيدة ذات الرقم 55 تمتد إلى 399 بيتا ً والمظنون أنها غير تامة . أن اتساع القصائد المشار إليها يطرح قضايا تستدعي الانتباه إليها ترابط غير مألوف في موضوعات بعض القصائد , فإذا بدت هذه , في الواقع في شكلها الثلاثي الأجزاء ( نسيب ووصف ثم مديح ) فإن المقطع المتتابع ينقلب أحيانا كثيرة مثقلا باعادات , وهكذا فلدينا في القصيدة رقم 22 العناصر الآتية : مقدمة غنائية وفخر بدوي ( البيت 103 وما بعده ) وفخر الشاعر ومديح ( تجدر مقابلته مع القصيدتين 21و45 ) , ثم أن الترابط في القصيدة 41 أكثر تعقيدا كما أشار إليه المستشرق نللينو , ونجد في القصيدة 55 ( مديح السفاح ) بعض الارتدادات غير المنتظرة قط فيكون الحاصل : نسيب , ووصف الإبل , ومديح الخليفة السفاح , ونهاية الصراع على الملك , وثلب شاعر ضعيف , واستعطاف الخليفة , والإشادة بسخائه ومن الندرة أن تتميز القصائد بتوازن أجزائها , فإن للموضوعات الوصفية , من وجهة عامة , الرجحان على غيرها , فهل يكون عدم التوازن هذا ناشئا عن تبديلات لاحقة ذات استيحاء لفاظي ؟ هذا ما نعتقده .
وتتخذ الغنائية الذاتية في شعر رؤبة أشكالا مختلفة , فإن المقدمة أو النسيب يستعيد , بصورة عامة الموضوعات البدوية عن المنازل المهجورة , ورحيل النساء في الهوادج , والوحشة في الليل ( القصيدتان 30 – 34 ) وقد يلجأ الشاعر أحيانا إلى ابتهالات تقوية ( القصيدتان 30-34 ) أو يستسلم إلى بوح عاطفي ذاتي ( القصيدة 20 يخاطب بها ولده , والقصيدتان 9-58 يخاطب بهما نفسه ذاكرا تصرم الشباب ) ويحتل النوع الوصفي في الديوان مكانا فائق الحد , وقلائل هم الشعراء الذين خصصوا لموضوع الصحراء, والقيظ الذي يرهق فيها الأرض والمخلوقات وموضوع الحيوانات التي تجوس خلالها , أو السارحة على غير هدى أقول : قلائل هم الذين خصصوا مخططات تكون فيها الكلمات الغريبة غاية بحث الفنان ( مثال على ذلك القصائد : 1-34-40 الخ ) كما أن الشاعر يعالج فن المديح بحدة لا يعد لها فقط إلا نقص الطرافة فيها , ذلك أن امتداح حماة الشاعر يرتكز على تفاهات تقليدية ( القصيدة 13 ) ثم أن الفخر ينضوي على نفج ساذج ( القصيدة 2 الأبيات 134-142 ) ولكن الفخر تافه على الغالب ( القصيدة 16 الأبيات 25-28- و 39 الأبيات 16-20 ) إن الفخر القبلي ممثل في الديوان بصورة كافة حيث بسط رؤبة ذلاقة لسانه في مدح أهل قبيلته بني تميم ( القصيدة رقم 16 البيت 73 وما بعده والقصائد : 17-29-31-33 ) إن هذا الفخر القبلي مرتبط غالبا ً بثلب المعادية ( القصيدتان 3و49 البيت 25 وما بعده ) وفي هذه الحالة فإن مواقف الشاعر التميمي المعادي لليمنيين لا تلبث أن تثبت وجودها بعنف ( قصيدة 27 ضد المهلب وبالتالي ضد الازد ( اليمنيين ) إن ما نسميه بالفخر الشعري لكثير الورود أيضا في الديوان , مثال على ذلك القصيدة 22 البيت 135وما عبده , والقصيدة 45 البيت 15 وما بعده ,. والقصيدة 37 في هجاء أبيه الذي كان يطالبه الشاعر الاعتراف بشاعريته البيت 11 وما عبده والقصيدة 41 البيت 15 وما بعده , القصيدة 55 البيت 244 وما بعده . إن شعر رؤبة كله كشعر أبيه منظوم على بحر الرجز , وهذا ما يعلل طول القصائد وينبغي على كل حال التذكير بان السهولة التي يوفرها استعمال البحر المذكور يعد لها تكلف في الألفاظ , وتحسن الملاحظة بأن الجهد المبذول ابعد من أن يكون ثابتا فإن الشاعر في الواقع , يزهد أحيانا كثيرة بالكلمات الغريبة , ( القصائد 8-14-50 ) وقد يستعمل رؤبة في بعض الأحيان في قصيدة واحدة مفردة سهلة حينا ومتكلفة حينا آخر ( القصائد : 10-45-55 ) .
إن عدم التجانس هذا تعلله نوعية الموضوعات المعالجة , ويمكننا القول من وجهة عامة أن الموضوعات الوصفية تفرض , بحكم ارتباطها بحياة الصحراء , انتخاب اللفظ البدوي والكلمات الفريدة المستعملة أول مرة . إن هذا التكلف في بعض القصائد يشكل صفة غالبة ( القصيدتان 54-58 ) وقد يصل التكلف إلى الأوج في القصيدة 13 وبخاصة القصيدة 25 المؤلفة من 157 بيتا ً على قافية أسى وإسى .
الطرماح بن حكيم :
ينتمي إلى أسرة مشهورة في ثعل وهي من قبيلة طيء . إن اسمه الغريب ( الطرماح ) ومعناه الطويل القامة أطلق على شخص آخر من طيء . لم يعرف تاريخ ولادة الطرماح ( ولعله حوالي سنة 45 / 660م) في الشام وليس في السواد العراقي كما ذهب بعضهم , ولا ريب في انه وفد , وهو شاب , على الكوفة مع من وردها من جيوش أهل الشام فتأثر بدعوة الخوارج ثم اعتقد على الأرجح بعد سنة 65/684 م , مذهب الشراة الازارفة المتطرف .
إن موهبة الطرماح الخطابية ومواهبه الشعرية التي امتدحها الجاحظ جعلت منه فيما بعد داعية مسموع الكلمة , ومن الجائر أن يكون الطرماح اشترك في وقت من أوقات حماسته ببعض الحركات الثورية في جنوبي فارس ( الديوان : القصيدة رقم 35 ) وفي قصيدة ( الديوان : القصيدة 14 ) عبر الطرماح عن اشتياقه لزوجه وولده اللذين بقيا في العراق حين كان يعاني شظف العيش في كرمان , ويقول الجاحظ إن الطرماح كان مؤدبا ً في الري شمالي فارس وانه تميز بسلطته على الصبيان , ومن البديهي أن يقدر بحكم جوهرها بالذات , لحقبة طويلة من حياة هذا الخارجي البقاء خارج ميدان كتاب التراجم , ومن المؤكد أن الطرماح تعقل مع تقدم السن , وجحد مذهب الازارفة الذين يأبون التقية , وقد حلا للمؤرخين التركيز على محبته الكاملة للشاعر الشيعي الكميت الذي كان , إجمالا ً , خصما له , وغدا الطرماح بعد سنة 81/700م وبعد سنين طوال كشاعر يزيد ابن المهلب قاهر الخوارج , فثمة بعض القصائد المبتورة تثبت هذا التراجع, ( الديوان القصيدة 17 والحاشية الأصلية ) ويمكن تعليل ذلك التراجع بعامل عنصري , فقد أبدى الطرماح في وقت مبكر عداء ً حادا ً عرف عهدئذ بين اليمنيين والقيسيين مما حمل الطرماح بحكم أصله الطائي وبالتالي اليمني , على التقرب من المهلبين الذين تجمعهم به أرومة واحدة , وفي هذا العهد صار الطرماح الناطق بلسان اليمنيين مما قاده إلى مخاصمة القبائل القيسية بعنف وبخاصة بني تميم ( الديوان : 8 ) وفي سنة 96/714 م ندد الطرماح عند مصرع القائد قتيبة على يد القواد القيسيين في شرقي فارس , بمدبري المؤامرة , بخلاف اليمنيين الذين ظلوا أمناء ( الديوان : القصيدة 25 ) وبقي الطرماح سنين طوالا ً مقتفيا اثر المهلبين وبخاصة يزيد ثم ولده مخلد ( الأغاني 12/37 ) وبعد فقدان أسرة المهلب الحظوة لدى الخلافة سنة 102 / 720 م بحث الطرماح , بطبيعة الحال عن حام يمني آخر فوجده في شخص حاكم العراق خالد القسري ( بين سنة 105/724 و 120 / 738 م ) .
إن امتداحه خالدا ً هذا عدو الخوارج اللدود يدل جيدا على موقف الشاعر النهائي ( الديوان : القصيدة 8البيت 17 وما بعده ومن المرجح أن يكون الطرماح قد عقد , أثناء القسم الأخير من سيرته الشعرية , علاقات مع شعراء معاصرين كرؤبة على وجه الخصوص , ويقول رؤبة أن الطرماح نهج نهج الإعراب مما أسبغ على شعره طابع التكلف الذي عرف به .
إننا لا نعلم شيئا عن الأعوام الأخيرة من حياته , ولا تاريخ وفاته . كان الطرماح في نظر العلماء العراقيين وجميع النقاد الذين تبعوهم , شاعرا تميزت طريقته فقط بالموضوعات البدوية الملبسة بالغريب , وكان لغويو البصرة كالأصمعي يضعون ألفاظ الطرماح الفريدة المستعملة أول مرة , موضع ريبة كما يقول المرزباني . أما مدرسة الكوفة فكان أحسن استقبالا له , فقد عمد الطوسي ومن بعده ثعلب في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي إلى جمع شعر الطرماح , أما ابن قتيبة والحق يقال فقد اعتبر الطرماح مقلدا لشعراء سابقين , ولكن الطبري كان يشرح في الفسطاط بمصر أشعار الطرماح المحفوفة بالصعاب , وليس في الديوان الموجود سوى قسم ضئيل من شعر الطرماح أي 800 بيت تقريبا , وفي هذه الكتلة أشعار كثيرة منعزلة ومقطوعات قصيرة جدا , وكما هو متوقع فإن كل ما يحمله هذا الشعر من طابع الكفاحية الخارجية قد اختفى , وإذا ما كتب البقاء لقصيدة طويلة كذات الرقم 5 في طبعة كرنكو فإنما هي مدينة بذلك إلى شكلها المبين الذي تكاد تظهر عليه صبغة الحزبية , ثم أن نصوص القصائد المطولة لا تخلو من مشاكل فقد يخيل إلينا , في بعض الحالات أننا أمام أعضاء مفككة ( وهكذا فإن القصيدة ذات الرقم 14 كانت في الأصل جزءا من القصيدة رقم 1 ) .
إن اتساع القصائد يوحي بفرضية تدوين مبكر , وبالتالي نظم مكتوب وليس شفهيا ً .
إن القصائد المذكورة تصلح لدراسة الأطر عند الطرماح , فالقصيدة المستهلة بالنسيب لا تظهر إطلاقا بين تلك القصائد ( انظر القصيدة رقم 46 ) ومن المستحيل إزاء حالة النصوص الحاضرة القول ما إذا كان هذا الإطار المتصلب مقبولا ً , قليلا عند هذا الفنان , ولعل تزمت الطرماح حوله عن تفاهة النسيب التقليدي ( وهكذا فإن مقدمة القصيدة 2 تعالج موضوع التوبة ) .
إن الأنواع الشعرية في الديوان من موضوعات العصر وهي : الرثاء ( القصيدة 6 ) والمديح ( القصائد 29-41-46 ) والهجاء في شكل قبلي ( القصائد 12-19-20-25-31 , بالإضافة امتداح اليمنيين مع الهزء من القيسيين ) أما الفخر طبعا ً , فكثير التواتر فهو تارة ذو طابع بدوي ( القصيدتان : 7-8 ) أو مشذب عليه سمة السمو الأخلاقي واحتقار العامة ( القصيدة : 2- البيت 28 , وما بعده , والقصيدة : 40 الأبيات 1-8 ) ثم أن الوصف وافرا جدا يعالج موضوعات تقليدية كالديار المهجورة والنساء الراحلات , وحيوانات الصحراء ( القصيدتان 47-49 ) إن الاستيحاء السياسي في هذه الأشعار يختلط بالمديح والثلب القبلي , وليس لموضوع نضال الخوارج ضد الملوك أي اثر , ولا ريب في انه حذف , وعلى هذا فإن البيت القائل :
بهم نصر الله النبي وأثبتت عرى الحق في الإسلام حتى استمرت
ليستحضر الجرأة التي أجازها الشاعر لنفسه , ونكاد لا نسمع أحيانا صرخة تمرد تعبر عن تمني الشاعر الموت في سبيل قضيته , أو تنبئ عن التشبث القاطع عند الحزبي :
والنار لم ينج من روعاتها أحد إلا المنيب بقلب المخلص الشاري
إن بقايا شعر الطرماح , كما نرى لأبعد من أن تثبت التشاكل المحزن الذي أراد علماء العراق وجوده في الشعر المذكور , وكذلك نجد عدم التجانس في الأسلوب واللغة , فإن ألفاظ الطرماح كما اشر إلى ذلك المستشرق كرنكو , ابعد من تحمل دوما طابع الاستيحاء اللفاظي , فإن اللغة في غزلية ليلى ( القصيدة : 6 ) وقصائد الثلب القبلية مصحوبة بالنسب أو غير مصحوبة به ( القصائد 6-8-13 ) تقليدية ولكن دون تكلف الغريب . أن المطلع في القصيدة رقم 5 ذات الاستيحاء الوعظي غير متصنع ولا متكلف في حين أنه ابتداء من البيت الثامن عشر يتغير شكل القصيدة فتميل إلى اللفاظية حتى تصبح هجينة في لغتها ( القصيدة رقم 34 ) وأخيرا فإن عددا من القصائد يتناسب والفكرة التي عمل العلماء على تفضيلها , وهي قصائد متكلفة صعبة , لا تكثر فيها الألفاظ النادرة فحسب بل الألفاظ الفريدة التي قيلت أول مرة والتي تلذذ بها علماء اللفاظة ( القصائد 1-2 شواهد وكلمات فريدة في الأبيات 10-14-3-4-17-18 ) .
إن وضع الطرماح في مكانه الحقيقي بين شعراء زمانه لأمر محفوف بالمخاطر ولعل معاصريه كانوا على حق عندما اعتبروه ممثلا للجاهلية المتبدية مع كل ما تحتمله هذه من تصنع ومهارة خرقاء , فإذا وقع هذا الشاعر الحضري في شراك لعبته , فهو لا يبدو اليوم في نظر النقد , إلا في ملامح مقلد مجتهد وليس بوصفه شاعرا حقيقيا ً ومع ذلك فإن الواقع كان مغايرا جدا ً , وتنكشف بعض بقايا شعره المستوحاة من مذهب التقليد القبلي , ولا ريب في انه لو كنا نملك قصائد نظمت في عهد الفعالية النضالية لمثل الطرماح أمامنا تحت ضوء مختلف جدا جاعلا منه شاعرا ً من أوائل كبار الغزليين في الشعر العربي .
ذو الرمة :
اسمه غيلان بن عقبة وهو من بني عدي بن عبد مناة في أواسط شبه الجزيرة العربية يقال انه ولد حوالي سنة 77 / 696 وكان لذي الرمة أخوة ثلاثة كلهم شعراء وكان راوية للراعي وجاء في خبر بصري أن ذا الرمة كان يعرف القراءة والكتابة ولكنه كان يكتم ذلك وظل ذو الرمة طوال سيرته الشعرية على صلة وثيقة مع قبيلته إلا انه وفد في تلك الأثناء سواء على الكوفة أو البصرة واتصل بالمهاجر بن عبد الله الكلابي والي اليمامة وبلال بن أبي بردة قاضي البصرة وواليها المتوفي سنة 120 / 738 ولقي ذو الرمة في البصرة قراء ونحويين أمثال أبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب وعيسى بن عمر النحوي أن خلافات ذو الرمة مع شعراء أمثال رؤية وهشام المرئي التميمي غطت على أخبار الناس وكذلك السهام النقدية الذي كان يوجهها إليه جرير الذي فضل عليه الفرزدق الأغاني 8 /55 ـ58 ويبدو أن حبه الفاشل لمية بنت طلبة بن قيس وللمدعوة الخرقاء يتناسب ووقائع حقيقية حولها فيما بعد نزوع العراقيين إلى الخيال والظاهر أن ذا الرمة مات شابا حوالي 117 735 ـ736 وظلت ذكراه عالقة بعض الوقت في أذهان البدو في شرقي شبه الجزيرة العربية وقد وجد علماء العراق في ذي الرمة خبيرا أريبا في الشعر الجاهلي فان شهرة ذي الرمة بصرف النظر عن بعض التحفظات كانت واسعة وبخاصة عند نحويي البصرة الذين كانوا يحلوا لهم الاستشهاد بوصفه للحيوان وكانوا في أوساط المغنين وهواة الفن يعجبون بقصائده لمية التي أصبحت وذا الرمة بطلة روائية في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي أن كميات الكلمات النادرة التي نجدها في شعره أهاجت فضول المجبين فقد تكون ديوان ذي الرمة تدريجيا انطلاقا من رواية شفهية ليؤول فيما بعد إلى نسختين الأولى لثعلب والثانية وهي أكثر اكتمالا للسكري نهاية القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي ويحتوي الديوان في طبعة مكارتني على 87 قصيدة أي 3335 بيتا بالإضافة إلى 200 بيت منعزلة وتحتوي كل قصيدة من القصائد عموما على أربعين بيتا ولكن بعضها أكثر اتساعا من بعض وهكذا فان القصيدة رقم 1 مؤلفة من 131 بيتا والقصيدة 57 من 100بيت والقصيدة 68 من 92 بيتا الخ وتجدر الإشارة إلى قصائد عشر نظمت على بحر الرجز القصيدتان22 من 83 بيتا و63 من 77بيتا أن بعضا من القصائد ذات الشكل التقليدي الثلاثي الأجزاء مدائح قيلت في حماة الشعراء وأن أكثرها على كل حال قصائد غزل تغزل فيها الشاعر بمية وهي مستهلة بوصف الديار البلاقع يتبع ذلك وصف المحبوبة على أن تنتهي بوصف ناقة الشاعر وتنقلاته في الصحراء أن الأثر الشعري الموضوع باسم ذي الرمة قصائد مؤلفة أحيانا من عناصر متجاورة مثال على ذلك القصيدتان 68 75 أن كثير من تلك القصائد ذات استيحاء لفاظي لبى كما يظهر التماسات بعض العلماء البصريين والكوفيين أن تدين الشاعر تافه وهو قليل الظهور في أشعاره وثمة العديد من القصائد التي تغزل بها بمية مدينة في أدراجها في الديوان للاسم المذكور ومهما يكن من شيء فان الديوان الموضوع باسم هذا الشاعر يمثل بأمانة تلك اللحظة في الشعر العربي الذي صبغ فيها مع محافظته على التقاليد الجاهلية بصباغ شديد من التكلف اللفاظي وبميل مفرط إلى وصف أشياء الصحراء تلك هي نزعة خاصة بشعراء مثل ذي الرمة أو رؤبة كانا على صلة بلغويي العراق ونحوييه .
الحزين الكناني :
واسمه عمر بن عبيد من بني عجل من قبيلة حجازية في كنانة كان معاصرا لكثير عزة ويبدو انه قضى حياته كلها في مكة والمدينة ولما كان الناس يخشون فلتات لسانه فقد زاول ابتزاز الأموال من بعض أفراد الطبقة الارستقراطية كابن أبي العتيق وكان إدمانه للخمرة مثارا للفضائح حفظت له .
أبو صخر الهذلي :
هو عبد الله بن سليم السهمي من هذيل ولد في الربع الأول من القرن الهجري السابع الميلادي حبسه عدو الخليفة عبد الله بن الزبير ثم أطلقه بعد سنة ويقال انه فر إلى البصرة فمدح عاملها أمية من سنة 71 73 / 690 693 عاد إلى الحجاز وحضر هزيمة عبد الله بن الزبير ولا ريب في انه اتصل بدمشق بدءا من هذا العهد بالخليفة عبد الملك وأخيه عبد العزيز أننا نجهل تاريخ وفاة أبي صخر ولم تجمع أشعاره في ديوان مستقل ويحتوي شعره على عشرين قصيدة ذات طول معين وهي أما مديح في قالب قصيدة تقليدية أو قصائد غزلية أما الأولى فعلى الطريقة التقليدية وأما الثانية فتطرح قضية لأننا نتبين فيها شعرا عذريا مما يجعلها تنسب إلى مجنون ليلى ولذا ينبغي نتيجة ذلك التردد في اعتبارها نماذج أصلية للقصيدة الغزلية في العصر الذي نحن بصدده .
ارطاة بن سهية :
هو من بني مرة من ذبيان من أواسط شبه الجزيرة العربية اتصل بصورة متقطعة بالخلفاء الأمويين معاوية ومروان وعبد الملك فمدحهم وربط ارطاة في وقت ما مصيره بالزبير في الحجاز ولدينا من شعره بالإضافة إلى مقطوعات من نوع المديح قصائد ساخرة قالها في خصم له يدعى شبيب بن البرصاء ولارطاة شعر غزلي يلحقه بغزلي الحجاز .
أمية بن أبي عائذ :
عاش في النصف الثاني من القرن الأول الهجري / السابع الميلادي اتصل بالخليفة عبد الملك بن مروان وولده عبد العزيز المتوفي سنة 85 /704 وتبعه إلى مصر ولدينا من شعر أمية مدائح في ممدوحية في قالب القصيدة التقليدية ولم نتبين أي اثر عميق للإسلام فيها ,
السائب بن فروخ :
أمضى حياته كلها في مكة وكان متعصبا لخلفاء بني أمية وهجا خصمهم عبد الله بن الزبير .


جبها أو جبيها :
واسمه يزيد بن عبيد من بني أشجع في أواسط شبه الجزيرة عاش في أواخر القرن الأول الهجري السابع الميلادي وأوائل القرن التالي ومكث في قبيلته ولكنه أقام عرضيا في المدينة ويقال انه لقي الفرزدق أثناء مرور هذا بها أن المقطوعات النادرة التي تحمل اسم جبها جديرة بالاهتمام في الحدود التي تستحضر ديمومة الشعر القبلي عندما يكون غير مصاب بتأثيرات جديدة .
الفضل بن العباس بن عتبة :
هو أحد أحفاد أبي لهب عم الرسول عليه الصلاة والسلام اتصل بالأمويين وثمة نوادر تبرز خلافة مع عمر بن أبي ربيعة والفرزدق مات الفضل سنة 100 ه /718 م .
أبو دهبل :
هو وهب بن زمعة ( أبو ربيعة ) من بني جمع بطن من قريش من ناحية أبيه وهديل من ناحية أمه ولد في مكة حوالي سنة 20 ه /640 م )ويبدو انه قضى الجزء الأوفى من حياته في المدينة المذكورة أن حوادث عشقه امرأة مكية تدعى عمرة التي كان لها صالون أدبي والأميرة عاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان معروفة لدينا من خلال نوادر ومقطوعات شعرية لا تخلو من هوى أصيل وتعتبر قصته مع السيدة الشامية التي حبسته في قصرها وزواجه منها من الأدب الشعبي الفولكلور ولها مثيل في كتاب ألف ليلى وليلة وبطل القصة الخليفة المأمون هل كان أبو دهبل شيعيا قد كأنه إذا كانت قصيدة رثاء الحسين بن علي من نظمه ولم تمر حياة أبي الأزرق حاكم اليمن الذي عزله عبد الله بن الزبير نقاط استدلال لا جدال فيها ولما كان أبو دهبل شهد ثورة الزبير فقد صار شاعر أحد قادتها والظاهر انه انظم إلى صفوف حكومة الشام بعد انتصارها على الزبير بين وهناك خبر يتعذر التحقق منه مفاده أن أبا دهبل خرج إلى مصر , ويقال أن الخليفة سليمان بن عبد الملك اقطعه عندما حج قطيعة بجاذان باليمن . أننا نجهل تاريخ وفاة أبي دهبل .
كان أبو دهبل في زمنه مشهورا على الأخص بوصفه شاعرا غزليا ولحن المغنون المدنيون والمكيون أبياتا له , ولعل هذا الرواج قد غطى على المداح الذي كأنه , أما اليوم فإن شعره معروف لدينا باحتوائه على 46 مقطوعة وقصيدة ذات طول محدود ويبلغ مجموع شعره 270 بيت وهو نوعان : قطع تقليدية وبخاصة مدحية موجه أكثرها إلى ابن الأزرق ( الديوان : القصائد 13-16-19-الأغاني 7/13-134 ) وله قصيدة رثى بها المذكور ( الأغاني 7/144-145 ) وقصيدة مدح بها الخليفة سليمان بن عبد الملك ( انظر مقتطفات منها في الأغاني 7/134 ) وله قطع غزلية في عمرة ( الأغاني 7/116-120 ثلاث قطع ) وعاتكة بنت معاوية ( الأغاني 7/121-124 ) أما القصائد والمقطوعات التقليدية فتوسع موضوع الفخر ( الديوان 31-32, الأغاني 7/114 ومن بعدها ) أو الفخر الابلي ( الديوان : 2 , الأغاني 3/111-112, /140-141 ) وتذكرنا نغمة المقاطع المدحية بنغمة معاصرين آخرين . إن اللغة والأسلوب بعيدان عن التكلف اللفاظي .
والخلاصة فهي نماذج جيدة مطبوعة بطابع العصر , أما القطع الغزلية فهي في استعمالها أكثر إحراجا بسبب تغايرها في المبنى والأسلوب , إن القصيدة السادسة والعشرين نوع من الأنشودة قد تكون متأخرة ولعلها عراقية , والقصيدة السابعة والعشرين على درجة من العذرية , بحيث تصح نسبتها إلى مجنون ليلى , وكذلك القصيدة العاشرة ( وفي الأخبار أنها قيلت في عمرة ) على العموم فهي شبه عذرية , وفي مقابل ذلك فان القصيدتين الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين , جميلتان , في الغزل العشقي على طريقة الحجازيين . وينبغي لنا إلا نكبر أو نقلل من قيمة أبي دهبل ( التمثيلية ) ويبدو لنا أن هذا الشاعر على البعد كان نموذجا للازدواجيين : المداحين والغزليين في أن واحد , فإن شعره الغنائي يستحضر جمهورا ً وجهودا ً مبذولة لتملق أذواق هؤلاء كما انه يكشف في نصوصنا عن مدى تموج حدود الغزل الجنسي والشعر العذري .
نصيب بن رباح :
لم يعرف تاريخ مولده في ودان وهي واحة صغيرة بين مكة والمدينة وكان نصيب من أصل وضيع وكان على الأرجح عبدا ً اسودا ً قضى طفولته في هذا الوسط المشرب بالتأثيرات البدوية والحضرية , إن ما نعرفه من سيرته الشعرية مستخلص من معطيات التي اختلطت فيها عناصر ذات قيمة تاريخية محتملة , وحكايات مصبوغة بالخيال المروي , وكان نصيب في صباه يرعى الإبل ثم لم يلبث أن شعر في سن مبكرة بالنفحة الشعرية ففاتح بذلك أشياخه أثناء مكثه في المدينة , ولعله سلك مسلك مدرسة جميل العذري مفضلا إياه على كثير عزة ( الأغاني 8/97 ) وثمة خبر مشكوك فيه قليلا ً , يظهر نصيب مجيدا ً للقراءة والكتابة , يفرض نفسه على الناس ( بفصاحته وتخلصه إلى جيد الكلام ) وافتخر نصيب مرات عديدة في شعره بأصله ولونه , ولعله موقف شعوبي حلا للمقلدين التنبيه إليه , وفي حياة نصيب حادثة حاسمة وهي انه كان لبعض العرب م نبني كنانة بودان , فاشتراه عبد العزيز بن مروان فاعتقه , والظاهر انه مكث عنده , بصورة متقطعة تقريبا في بلاط حلوان بمصر , فمدحه , وفي سنة 85 / 704 م رثاه بقصيدة عبر بها عن تعلقه واعترافه بالجميل , وكان نصيب بالرغم من مكثه عادة في المدينة يقصد دمشق أحيانا ًحيث غدا من مداحي الخليفة عبد الملك بن مروان ومن بعده سليمان بن عبد الملك , وعمر بن عبد العزيز وهو الذي مدحه من قبل في المدينة عندما كان واليها , ولقي نصيب أيضا حظوة عند يزيد بن عبد الملك وحسن مقامه بفضل إبراهيم بن هشام والي المدينة من قبل هشام بن عبد الملك ومدحه في مصيفه الشامي بالرصافة , وعقد نصيب صلات مع ممثلي الحكومة المركزية , كما انه عاشر في الوقت ذاته بعض ارستقراطيي المدينة أمثال ابن أبي العتيق , وعبد الله بن جعفر ( الأغاني 1/364-343 ) . وتظهر أخبار ذات طابع نوادري , نصيبا عاشقا في صباه وكهولته , فإن أشعاره في زينب وفي امرأة من خزاعة شاهد مريب على حوادثه الغرامية ( الأغاني 6/123 ) واستولى المؤرخون فيما بعد على هذه الأخبار وبالغوا في نواحيها الخيالية , وفي الأغاني 1/356 , وما بعدها خبر للمزربان يشهر هذا النوع من الأدب , وقد عد الوشاء نصيبا من الشعراء العشاق , وطرأ على شخصية نصيب , كما حدث لكثير عزة , تغيير لم يغط , مع ذلك , على المكان الحقيقي .
وجاء في بعض الأخبار المبعثرة أن الشاعر كان على صلات وقتية أو طارئة مع نظرائه من الشعراء , ومن المستغرب أن نرى نصيبا ً يتبادل والفرزدق وجريرا والكثيرين من الشعراء الآخرين في وسط شبه الجزيرة العربية , أحاديث خطيرة , إن لقاءاته مع عمر بن أبي ربيعة معقولة بالرغم من أنها قدمت لنا في شكل أدبي جدا , فإن تلك المعطيات لا توضح لنا في الأصل إلا القليل من هذه الناحية من حياة نصيب , ومضت السنون الأخيرة من حياته في مزيج من النور والعتمة , ثم أن تاريخ وفاته غير مؤكد , ويقول الأنطاكي , استنادا إلى مصدر أكثر قدما ً , إن نصيبا مات على الأرجح في المدينة حوالي سنة 111/729 أو 113 / 731 م , تاركا صبيا وبنتا كانت مصدرا لمعلومات عن أبيها لا تخلو من بعض التخييل .
والظاهر أن نصيبا في زمنه أقام دعائم شهرته على موهبته في المديح ومن الجائز أن يكون مع ذلك , قد تمتع ببعض السيرورة في مجتمع المغنين والشعراء الغزليين والجماليين , ففي هذا الوسط رسمت الخطوط الأولى لمفهوم خيالي عن الشخص ( الامالي اللقالي : 2/206-207 ) ونصوص مختارة من شعر أبي محجن ونصيب بن رباح الشاعر الأموي : 28 رقم 55 المستشرق في مجلة الدراسات الشرقية روما 1947 , ويجوز فرضيا ً الاعتقاد بأن أسلاف الشاعر أشاعوا أبياته دون أن تشكل على كل حال ديوانا يضم شعره , وفي القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي , ألف المؤرخون دراستين أحاديتين استطاعتا تخفيف نقص ديوان محقق تحقيقا منتظما ً , واهتم جامعو المختارات الشعرية عرضيا وقتئذ بهذا الشاعر الذي اكتشف فيه العلماء على الأخص , شخصية غريبة صالحة جدا للإشادة بصفات الملونين , ولحن المغنون العراقيون بدورهم كإسحاق الموصلي أبيات نصيب من اجل جمهور رأى فيه أكثر فأكثر , إن الشروط السيئة التي تم فيها نقل أشعار نصيب وتدوينها كتابيا تفسر ضآلة ما حفظ لنا من شعره واللبس الذي هو مع ذلك طبيعي جدا ً في نسبة الأبيات ( راجع الأغاني : 11/32 , 3/50 ) وكان شعر نصيب مجددا غرضا لجمع علمي وواف قام به المستشرق اومبرتو رزيتانو ولا يخطئنا أن نتبين الشكل المتباين للنصوص , فإن بعضه يتكشف عن أثارات بدوية ( راجع طبعة رزيتانو 24 قصيدة 5 ) وعن قصائد منتحلة غير موفقة ( المصدر ذاته 28 رقم 52 ) ونتعرف أحيانا على اثر ركبته يد فنان رقيق الأمانة مثال ذلك المقطوعة التي أوردها أبو تمام في الحماسة 2/109 , انظر : مجموعة رزيتانو 26 القصيدة 37 ) وهناك نص يثير شكوكنا بروحه العذرية المخلوط بتقليد بدوي غامض ( المصدر السابق 25 رقم القصيدة 6 ) ويبدو لنا نصيب من خلال النصوص الموضوعة باسمه في مظهرين اثنين : الأول أن نصيبا قبل كل شيء مداح للخلفاء والأمراء الأمويين , يؤيد ذلك النوادر التي تشهر حياة الشخص , فإن كل شيء في هذا الجزء من شعره وفي الحد الذي يتاح لنا فيه الحكم شعر اصطلاحي لا جدة فيه , أما باقي القصائد والمرائي في عبد العزيز بن مروان فهي مثال إيحائي عن تلك التفاهة ( انظر الأغاني : 1/352 – 360-361 ) وينبغي إلى جانب هذا النتاج الذي يقرن نصيبا بكثرة عزة , فسح مجال لشعر غنائي يصعب تقييمه , ولسنا نملك منه في الواقع سوى جزء ضئيل وما تبقى منه لأبعد من أن يستحضر شعرا غزليا من طبقة رفيعة , ولا نرى مثلا ً نغمة جديدة تضيفها مقطوعة مثل هذه :
قفا اخوي إن الدار ليست كما كانت بعهد كما تكون
ليالي تعلمان وآل ليلى قطين الدار فاحتمل القطين
فعوجا فانظرا أتبين عما سألناها به أم لا تبين
إن نصيبا مدين إجمالا بشهرته الغزلية إلى جامعي المختارات الشعرية بالإضافة إلى تحول خيالي مروي طرأ على شخصيته , أكثر منه إلى فحص موضوعي للوقائع والنصوص , ويقرن هذا الشاعر في حالة التوثيق الحاضرة في الحقيقة بحجازيين آخرين ككثير مثلا , ويجدر أن يصنف في عداد الازدواجيين الغزليين الصرف , وشعراء البلاط , وثمة مؤشرات عديدة تحملنا على الاعتقاد بان نصيبا ً في سيرته الشعرية , كان في الأصل شاعرا مداحا ً .
عبيد الله بن قيس الرقيات :
لقب بقيس الرقيات لأنه شبب بثلاث نسوة سمين جميعا رقية ( راجع : الديوان طبعة نجم , القصائد ذات الرقم 15-20-25-33-52-73 ) أصله من بطن مغمور من قريش وهم ربيعة بن أهيب من عبد شمس . ولد عبيد الله في مكة حوالي سنة 625 أو 630 م ؟ وقضى شبابه في مسقط رأسه في المدينة , وذهب في تاريخ غير معروف ولعله حوالي سنة 37/657 م إلى الشام واتصل بالوليد بن عقبة , الذي صار فيما بعد واليا على الرقة , ولما شبت الاضطرابات التي رافقت تولي الخليفة مروان بن عبد الملك تحول عبيد الله نهائيا عن الحجاز , ودفعته إلى البحث عن حماية الكبراء في مكان آخر , فجا عندئذ إلى الشام ( الديوان : القصائد 42-46 , وبعد سنتين وجدناه في حاشية حاكم سجستان طلحة الطلحات ( المتوفي سنة 65/685 ) ورثاه بقصيدة ( الديوان قصيدة 5 , وفي السنة التالية انضم صراحة إلى حزب مصعب بن الزبير أخي المطالب بالخلافة عبد الله بن الزبير , إن القصائد التي نظمها ابن الرقيات في مدح ابن الزبير تفيض حماسة ولكن القضاء على الثورة الزبيرية في العراق سنة 72/691م , حمل الشاعر على الاختفاء في منطقة الكوفة , إلا أن شفاعة عبد الله بن جعفر جعلت الخليفة عبد الملك بن مروان يعفو عنه فأصبح منذئذ شاعر الأمويين الأمين , ولكنه فضل ملازمة عبد العزيز بن مروان أخي عبد الملك ووالي مصر العام , ولحق به في مقامه في حلوان مرتبطا به شخصيا , ويبدو أن قيس الرقيات مات في مصر بعد أن قارب التسعين عاما من العمر .
ولا بد أن اثر ابن الرقيات الشعري كان ضخما , إذ لم يبق منه سوى ألف بيت , فقد كان هذا الشاعر في نظر المؤرخين العراقيين , قبل كل شيء شاعرا ً غزلا ً ناعما ولطيفا ً , ويجدر في الواقع عده أيضا من المداحين , أن القضايا التي يثيرها هذا المظهر المزدوج في أثره , ذات صعوبة غير متعادلة حسبما يكون المقصود قصائد غنائية أم مدحية , فالأولى عادة ذات طول محدود , وكثير منها لحن مما سهل انتقالها , وساعد على تقليدها ( راجع : الأغاني 5/73-90 ) ويبدو أن القصائد المدحية لم تكن معرضة لمثل تلك الإخطار ولكن المهداة إليه تدل حسب مشيئة الحوادث ( الديوان : القصيدتان 47-48 ) وفي الإمكان , في هذا الأثر الشعري أن نضع جانبا قصائد ( المناسبات ) شأن القصائد التي اوحاها إليه فراره إلى الشام ( الديوان : القصيدتان 44/45 ) والعزاء الذي وجده بالقرب من امرأة كوفية ( القصيدتان 14-41 ) والأمل الذي أثارته فيه نساء يمنيات حمينه ( القصيدة 9 ) ويسترسل الشاعر في تلك القصائد مع أفكار دون إدراجها في اطر ضيقة ويمكننا تكوين فكرة عن أهمية المديح في شعر ابن قيس الرقيات إذا تذكرنا أن الديوان يضم قصيدتين في طلحة الطلحات ( الديوان 4-5 ) وخمس قصائد في مديح مصعب بن الزبير بالإضافة إلى مرثية ( القصائد 39-48-50-51-62 , وفي طبقات فحول الشعراء لابن سلام : 137 – 138 ) وقصيدتين في مديح عبد الله بن جعفر ( القصيدتان 12-37 ) وخمس قصائد في مديح الخليفة عبد الملك بن مروان وأسرة المروانيين ( القصائد 1-2-21-32-47) وقصيدتين في مديح عبد العزيز بن مروان وأبهته ( القصيدتان 61-63 ) وجاءت هذه المدائح في شكل قصائد تقليدية وكان بعضها حرفيا ً , قصائد فخفخة مخصصة للإلقاء الاحتفالي , فإن الشاعر ينتقل طبعا ًمن مديح كبير الدولة أو الملك إلى مديح قبيلته أو أسرته , وقد مد ابن قيس الرقيات مديحه إلى قريش جميعا مما أتاح له تعظيم نفسه , وهذا ما دعا الزبير بن بكار فيما بعد أن يقول : (( إن قيس الرقيات كان شاعر قبيلة قريش )) وكان قيس في شعر النسيب تقليديا أعمى تارة ( القصيدة 39 ومحمولا على إدخال تلميحات بالواقع تارة أخرى ( القصيدتان 38-48) ثم يعود ابن قيس الرقيات هنا وهناك إلى طريقة أسلافه في شبه الجزيرة , وثمة قصائد يظهر فيها الفخر البدوي ساذجا سواء في الصيغة أو الموضوعات الوصفية أو المدحية ( القصيدة 14 الأبيات 1-11-15 وما بعدها , والقصائد 15 – 36-46 ) , ويصادف هذا التنوع في قصائده الغزلية مستعيدا حينا ً الرواسم القديمة عن رحيل العشيرة ورحيل الحسناوات في الهوادج والحزن الذي يثيره في نفسه الفراق , وعندئذ فهو لا يجدد شيئا ً ( القصائد 23-52-55-69-71-74 ) فهو تارة يلتفت للدعابة كما فعل مع أختين متساويتين في الجمال ( القصيدة 13 ) ويستحضر الشاعر مذكرا أو واصفا – وهذا ذو أهمية أدبية كبيرة – حوادث من حياته العاطفية ومصادفاته وتبادل الرسائل وخيانات زوجية , بل وملاحظات عن الخلق النسائي , ( القصائد : 8-9-11-17-20-25-26 ) ولا يبدو ترداد تصويره لحزن ( الشيخ الجميل الذي تزدريه النساء ) مجرد كلام مبتذل , فإن ابيقورية ضاحكة تختلط أحيانا بحسراته ( القصيدة 23 ) وتعتبر هذه القصائد والمقطوعات من نوع شعر المدرسة الحجازية ( بخاصة القصائد : 19-22-29 ) ولا عجب من وجود فخر فيها لان المآثر هي المقصودة هنا أيضا .
وتبدو الأداة الشعرية عند ابن قيس الرقيات زائغة , فليست البحور التي استعملها وهي ذاتها التي عرفت برجحانها عند شعراء زمنه ففي الديوان قصائد من المنسرح والخفيف أو بحور طويلة ولكنها موجزة كالكامل , ولعله ينبغي اعتبار هذه الظاهرة تأثيرا حجازيا ً ويجدر إلا نبعد كوارث انتقال الرواية , وقد استطاع تدخل المغنين المحمولين على تفضيل هذه البحور أن يمثلوا على مقياس مختلف , دورا في جميع القصائد الغزلية .
إن للغة هذا الشاعر خصائصها , فهي بسيطة ومجردة من كل تكلف لفاظي , تسبغ على العبارة بالرغم من الرواسم المحتومة واقعية هي عدوة التشدق , إن مكان ابن قيس الرقيات بين معاصريه لأهم مما كان يشيعه أرباب المختارات الشعرية ولا جرم في أن شعره المدحي لا يستحق انتباها خاصا , ولكن مقطوعاته وقصائده الغزلية تحدد, بالمقابل انفصاما , فإن هذا الشاعر بتحرره من القسم الأكبر من الشعر الابلي يبدو أمامنا كممثل أصيل للاتجاهات المدنية فترى من خلاله أنها لم تكن محصورة في إطار الحجاز بل أخذت تلامس مراكز عراقية وترسم ملامح صورة بشار خلف نصيب .
كثير :
هو كثير بن عبد الرحمن ( ويكنى أبا صخر ) من قبيلة خزاعة فهو يمني نسبا ً ويظهر أن الانتهازية السياسية في لحظة من لحظات سيرته الشعرية حملته على التبرؤ من أصله اليمني والانضمام إلى فرع من كنانة فربط بهذا الانحراف نسبه من بعيد بقريش في مكة أي بالأمويين . ولم يعرف تاريخ ولادته ولعله عام 43او 45 / 663 /665 م , في ضواحي بيسان بين المدينة وخيبر , وثمة شهادات عدة تصفه بأنه كان قصيرا ً هزيلا ً , ضخم الرأس , احمر الوجه , وقد حرمت عليه بشاعة خلقته الظهور بمظهر الفتان ولكنها أثارت فيه آلاما عدة , فإن مزاجه الشكس وحساسيته كونا كما يقال أرضية خلقه , وبما أن كثيرا كان يقطن قريبا من منازل عذرة فمن المرجح كثيرا انه صادف جميل بن معمر العذري وانضم إلى مدرسته الشعرية , فكان روايته , وثمة أخبار رواها الزبير بن بكار تدفعنا إلى الظن بأن المريد سطا ’ دون حياء على شعر أستاذه ( راجع الأغاني : 8/91 وما بعدها و 96 وبعدها , الموشح للمزرباني 148 , 154 ) وقد حدد , فيما بعد في العراق التدرج الشعري كما يلي : كثير وكان رواية جميل , وجميل رواية هدبة بن خشرم , وهدبة رواية الحطيئة , والحطيئة رواية زهير بن أبي سلمى ( الأغاني : 8/91 ) والمعتقد فرضيا , أن كثيرا ً ترك قبيلته الأصلية ليستقر في المدينة , وظل في معزل عن ثورة الزبيريين سنة 62/682 م , لأنه كان يومئذ قد انضم إلى العلويين . ذلك أن سلطان محمد بن الحنفية ( المتوفي سنة 81/700, 701 م ) الروحي فرض عليه بعد معركة كربلاء بإيحاء أحد المتحمسين الذين اعتنقوا مذهب الكيسانية في الكوفة , والظاهر أن كثيرا لم يلبث أن أعلن معتقده شعرا ً , ولم يبق من هذا الشعر إلا بضع مقطوعات مشبوهة جدا ً ومتناقضة في بعض النقاط ( راجع : الديوان : 76 / 82 ) طبعة بيريز وقد شاء الناس فيما بعد اعتبار كثير كيسانيا متحمسا ً ( الأغاني 9/4 , 17-19 ) والأغاني : 12/174-177 ) وفي الواقع فإن الشاعر لم يشعر سواء بدافع من انتهازية أو طموح أو حذر وذلك أسوة بموقف محمد بن الحنفية المتحفظ , أقول : لم يشعر بأي وازع يحول دون لجوئه إلى ( التقية ) ودخل كثير بعد القضاء على عبد الله بن الزبير سنة 73 / 692 م في خدمة خلفاء بني أمية في دمشق , وشارك بحياة المجتمعات التي عمت الحجاز كله , (( وكرست )) وضعه بوصفه شاعرا ً شبه رسمي ( راجع الديوان ’ القصائد 102-111 ) ويبدو أن كثيرا سافر كثيرا في الوقت ذاته إلى مصر ملتحقا بالأمير الحاكم عبد العزيز بن مروان ( المصدر السابق القصائد 112-123) ولم نعلم عن نشاطه بصفته شاعرا في زمن الوليد بن يزيد وسليمان بن عبد الملك . إلا أننا نشهد في زمن عمر بن عبد العزيز محاولة غير موفقة لاستعادة مكانته عند الخليفة ( المصدر السابق , القصيدة 124-125 ) وحاول كثير بعد أن شاخ وأصبح هزأة , في زمن يزيد بن عبد الملك ( 101هـ-105 / 720-724 م ) أن يحمل نفسه على مدح الخليفة المذكور ( المصدر السابق القصيدة 126-129 ) وليس في النوادر التي تستحضر مكان كثير في أوساط العبث والانحلال في المدينة , إلا القليل من اللمحات التاريخية الجديرة بالحفظ , وأن علاقات الشاعر مع ابن أبي عتيق راعي الأدباء والفنانين , مؤكدة كما أن هجاء الحزين الديلي كثيرا وإذلاله , معقول , أما دوره بالقرب من أستاذه جميل حسب رواية ابن سلام فيبدو خياليا جدا , ومما لا ريب فيه أن كثيرا تهاجى مع الاحوص ( الأغاني 9/12-13 ) ونجد مقابل ذلك أن الخبر الذي رواه الزبير بن بكار عن لقاء كثير نصيبا ً وعمر بن عبد العزيز والاحوص , يغلب عليه الطابع الأدبي , وليست تلك المعطيات مثيرة للاهتمام إلا في الحدود التي تسوغ التشويه الذي أصاب شخصية الشاعر بتأثير نوع من النزعة الخيالية . ولا يسعنا دون ريب في الحال الحاضرة , الكلام عن تحول شخص حقيقي إلى بطل غرامي , مع أننا نستشعر بدلالة بعض المؤشرات , بسير المخطط الأولي , فقد كانت الدعوة عزة , وهي امرأة من بيوتات دمشق النازلة في الجنوب الشرقي من آيلة , نقطة الانطلاق , وكان أبوها أحد رواة الحديث ( الأغاني 90/24 في أسفل الصفحة ) وقد عبر كثير في العديد من مطالع قصائده الغزلية عن حبه لتلك المرأة , وشك ابن سلام وأبو عبيدة بإخلاص كثير في هواه ( الأغاني 90/32 ) ولكن اسم كثير بالرغم من ذلك قرن باسم عزة الضمرية لتصريحه بحبه وتشبيبه بها ( الأغاني 9/24 ) وطعم هذا الموضوع ببعض التضحيات الخيالية عن لقاء الشاعر حبيبته استقاها ابن الكلبي في الكوفة , والزبير بن بكار في مكة من رجل مجهول ومن رواية كثير ( الأغاني 9/224 ) وأورد المؤرخ الأخير خبرا جعل فيه عزة في حاشية سكينة بنت الحسين المشهورة ( الأغاني 9/31-32 ) وثمة خبر ذكره ابن الكلبي وعمر بن شبة عن لقاء القبيح كثير مع المدعوة أم الحويرث التي استطاع ترقيق قلبها , ولكنه عندما عاد إليها محملا بالهدايا , وجد أنها متزوجة , إن هذا الخبر يستعيد حكاية العاشق الفقير الذي طرده الزوج الثري , ولا ريب في أن المغامرة جرت في وسط بدوي ولكنها رويت بأسلوب يشعر بالقصة الشعبية المختصرة لترضي رجلا مثقفا مثل إبراهيم بن المهدي ( الأغاني : 9/34-35 ) وضم كثير نهائيا منذ أواخر القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي إلى جمهرة العشاق الشعراء من قبل الوشاء منظر الحب العذري . ومات كثير في المدينة حوالي سنة 405 / 723 م تاركا ولدا ماهرا ً في فرض الشعر مات سنة 141/758 م وحفيدا شاعرا عمل على جمع أثار جده ( الأغاني 9/4 ) وكان لكثير راو يدعى السائب الكناني روى العديد من مغامرات سيده .
ذاق كثير طعم المجد في حياته , وكان مجده في نظر الجمهور مرتبطا ً سواء بشخصيه المداح أو الشاعر الغزلي , ويظهر أن بعض الأدباء في العراق قدروا فيه شاعر خلفاء بني أمية , حتى أنهم ذهبوا أحيانا إلى تفضيله على جرير والفرزدق ( الأغاني 9/5 ) أما في المدينة فقد أعجب القوم على العكس بالشاعر الغزلي وروي أن راعيا كان ينشد أبياتا له , وأن النسوة ازدحمن في جنازة كثير ( الأغاني 9/37-38 ) بيد أن كثير عشيق عزة عرف , على كل حال بين المغنين والملحنين في المدينة سيرورة أكثر دواما ( الأغاني 12/188-189 ) وفي حوزتنا قصائد عديدة له ملحنة ( الأغاني 9/33 ) وكتب أحد معاصري كثير لإسحق الموصلي انه يحفظ ثلاثين قصيدة غزلية لكثير يخجل بها المجنون . وقد بدأ تدوين شعر ابن كثير جزئيا بفضل حماسة حفيده , وتم الجمع نهائيا حوالي الربع الثاني من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي , ونجد خبرا لأحد أولاد أبي عبيدة يملي فيه أبياتا لكثير لقاء ثلاثين دينارا ً كما نجد ذكر ديوان جمعه ابن السكيت , ومحمد بن حبيب , ويظهر أن أبا علي القالي النحوي اطلع , جزئيا في أوائل القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي على ديوان يضم شعر كثير . أما اليوم فإن هذا الشاعر في متناول أيدينا بفضل طبعة علمية كاملة للديوان قام بها هنري بيريس . الذي جمع اقل من ألف بيت , ومن البديهي أن تكون وصلتنا فقط بعض بقايا اثر شعري كان فيما مضى ضخما , ويكاد يكون من المفيد الإصرار على حالة أكثر النصوص , فإن غالبيتها باستثناء عدد قليل من القصائد , مجموعات أعيد تركيبها أو مقتطفات , وهكذا فإن قصيدة مديح محمد بن الحنفية مبتورة ( الديوان 280 ) طبعه بيريس ( وكذلك شأن القصائد 104-119-128 ) حيث ابقي على نسيب قصيدة اقتصر المديح فيها على بيت أو بيتين .
وندرك تجاه هذه الآثار , مقدار صعوبة الكلام عن الأطر عند كثير, ولا ريب في أن القصيدة الثلاثية الأجزاء هي السائدة في قصائد الفخفخة تبرهن على ذلك , القصائد ذات الأرقام : 104-106-107-112-118-124-127-128 , ونجد رثاء في مواضع عدة من الديوان : ( 53-121-122 ) وتجدر الإشارة إلى أن مدح الميت في القصيدة ذات الرقم 121 مسبوق بالنسيب , وأن الهجاء كثير الورود أيضا ( الديوان 86-101 ) والجدير بالذكر أن القصيدة رقم 89 مفتتحة بنسيب قصير .
ويتضمن نوع المديح في النصوص التي في حوزتنا الموضوعات المألوفة : الكرم والشجاعة ونبل الأصل , ولا ريب في أن الحالة السياسية طبعت بعض الموضوعات بطابعها ( القصيدة 103-104 عن انتصار مرج راهط ) وكان الشاعر يحاول عند الاقتضاء الخروج من نطاق الاحترام الولائي المألوف وذلك بالتنويه ببعض الفضائل الأكثر اتصافا بالإسلام كما فعل في مديح عمر بن عبد العزيز ( الديوان : 124 البيت 6 وما بعده ) بيد أن المديح حتى في القصائد التي مدح بها الإمام الشيعي محمد بن الحنفية , يظل مطبوعا بالروح الدنيوية , وغلبت هذه أيضا على القصيدة التي مدح بها خندف الكسساني ( الديوان : القصيدة 30 .
ونجد هذه الأشكال المغرقة بالتقاليد البدوية أكثر بروزا في العديد من القصائد الوصفية , فإن الشاعر يظل مرتبطا بالرواسم عن المنازل الخالية والقوافل الموغلة في الأماكن السحيقة , والموضوعات ( الابلية ) وبقر الوحش المطارد ( الديوان : القصائد : 30-69-71-73-118 ) إن القصائد والموضوعات الغزلية متغايرة جدا في الرواسم واللغة فإن بعضها ذو طابع بدوي واضح كالقصائد : 20-21-25 , إلا أن الشاعر هنا يستطيب على كل حال تحديد الأبيات بذكر أمكنة معروفة في الحجاز , وثمة قصائد مدرجة في الحركة ( الحجازية ) سواء لاحتفاظها ببقايا التأثيرات البدوية ( القصيدتان 30-44 ) أم لأنها بالعكس , تشير إلى تحول نحو الروح الشعرية ( العذرية ) الديوان القصيدة 37 وبخاصة القصيدة 106 حيث التركيز على الحب المتبادل ) , وتتصف قصائد أخرى أخيرا , بدرجات متفاوتة , بالروح العذرية كالقصيدة 3 التي يغلب عليها الاعتدال في حين أن القصائد 5-18-51 , موضوعة تحت شعار الحب المنزه عن العيوب , وساد أدب المجاملة في القصيدة وتدل مرثية عزة ( 53 ) بشكل متكلف على محاكاة متأخرة . هل نستطيع في حالة كثير , الكلام , حقيقة عن شاعر أفسح في شعره مجالا للفكر الديني ؟ لا يظهر ذلك قط فليس في بعض النصوص الشعرية الشيعية , التي حفظت , أي شيء نستشف من خلاله تطلعا نحو الفكر الإلهي , فإن كل شيء باق في حدود موقف سياسي وتصريحات عن الولاء للعلويين , واستحضار فاجعة كربلاء ,والخلاصة فإننا نظل ضمن التقاليد الجاهلية المعدلة ببساطة بالأحوال السياسية الدينية . وفي الأبيات نغمة عن ذلك , قال كثير :
ببياض الدماث من بطن ريم فبخفض الشجون من الجام
لعن الله من يسب عليا ً وبينه من سوقة وأمام
أيسب المطهرون أصولا والكرام الأخوال والأعمام
يأمن الطير والحمام ولا يأمن من آل الرسول عند المقام
رحمة الله والسلام عليهم كلما قام قائم الإسلام
أننا نلحظ التباين ذاته في لغة القصائد المعنية وأسلوبها كما نلحظه أيضا في الأنواع فالمفردات والرواسم في النسيب الذي تفتتح به المدائح والمقاطع الوصفية , تقليدية في غالبيتها , إلا أننا نشير إلى نقص الألفاظ الفريدة المستعملة أول مرة , وعدم الانصياع للاستلهام اللفاظي , ثم أن وفرة أسماء المواقع شديدة البروز ( الديوان 2-34 ) وقد نعثر على هذه النزعة البدوية في القصائد الغزلية التي تستجيب أحيانا لتأثير قد يكون تأثير الحجازيين , وتنتمي الرواسم والمفردات إلى عالم مختلف قليلا , فالأسلوب يتميز ببساطته , ويحتل الحوار بين العاشقين مكانا مرموقا ً , ثم أن الانتقال من البداوة إلى الروح العذرية يعسر تحديده وينبغي لنا أن نحسب حسابا لسلطان التقاليد على المقلد أو الشاعر , وقد يبرز التمرين ( المدرسي ) بكل تأكيد كما ظهر في القصيدة 60 حيث نجد وصفا للرعد يدخله الروسم الآتي لكشير :
سقى أم كلثوم على نأي دارها
يتبعه وصف السيل الذي تحمل أمواجه جثث الأسود الغرقى ( الديوان : البيتان 19-20 ) ولكن يجدر التفكير بأن الشاعر لم يكن , على الأرجح مدركا بأن ثمة فرقا بين غنائية قصيدة غزلية وأخرى موجودة في نسيب قصيدة وهكذا فإن الاستهلال الغرامي في رأس القصائد المدحية مستوحى , على وجه الدقة من الشعر العذري ( الديوان : القصيدتان : 104 – 106 ) وتعين القصائد والمقطوعات التي حللناها ( الزمرة ) التي ينتسب الشاعر إليها , إن كثيرا ً الذي كان موضع تغيير لم يصل إلى حد تبديل الملامح , يظل في نظرنا نموذجا هجينا ً للشاعر الحجازي الذي يحتل ببضع قصائد مناسبات ومدائح ومراث , مكانا محترما ً بين الشعراء اللذين دعموا ودافعوا عن سياسة خلفاء بني أمية في الأسرة المروانية , ولم تحوله معتقدات الشيعة عن هذه الطريق الوحيدة التي وفرت له الثراء , وتقف إلى جانب ذلك , دون حرج , شخصية الشاعر الغزلي وليست حساسية هذا ونزعاته سهلة الظهور من بين التحريف الذي طرأ عليهما من جراء الروح ( العذرية ) التي ظهرت في العصر التالي , فثمة روابط عديدة تبقي الشاعر وفيا للعالم البدوي وتقليده الغزلي , ذلك أن الوسط البدوي الذي نشأ فيه كان من القرب إلى حد يستحيل عليه فيه الخلاص منه , فهو وسيظل حجازيا ً مع تشبعه , في الوقت ذاته , بالروح التي كانت سائدة في المدينة . أما معلوماتنا عن علاقاته مع نصيب والاحوص فهي من نسيج الخيال , تفصيلا ً وتوابع , ولكنه مقبول فيما له علاقة باستحضار الوسط . إن شعر كثير الغزلي على وجه التحقيق , حسن التمثيل للمدرسة الحجازية كتمثيلية مدرسة العرجي مثلا ً , هذا فيما إذا استعمل بحذر تفرضه بعض القصائد المطبوعة بوضوح بالروح العذرية .
إسماعيل بن يسار :
ولد على الأرجح في مكة حوالي منصف القرن الأول الهجري / السابع الميلادي من أسرة أذربيجانية الأصل , ثم نفي بكونه من سبي فارس , ويبدو انه لم يكابد حالا وضيعة بل عاش بوصفه مولى بني تميم بن مرة تميم قريش , واستطاع كالعديد من الأطفال ذوي المنشأ الحقير أن يكتسب في هذا الوسط قدرة عجيبة على امتلاك ناصية اللغة العربية , وكان أخواه محمد وإبراهيم شاعرين أيضا . إن ما نعرفه عن يسار ضئيل جدا ً , ويبدو أن بدايته في المدينة حيث أمضى طفولته ويفاعته كانت صعبة ولعله كان مجبرا على مزاولة التهريج والشعوذة ( الأغاني 4/408 السطر 7 ) فهل نمل فيه مركب الحرمان من جراء هذا الواقع ؟ إن أفكارنا العصرية تدفعنا إلى اعتقاد ذلك , وينبغي على كل حال , أن ننسب إلى الإحساس المذكور موقف التمرد الدائم الذي تعكسه أشعاره , وعبر عن الموقف المذكور أيضا ارتباطه بالزبيريين الذين رأى فيهم أعداء الأمر الواقع , فان إخلاصه للورع عروة بن الزبير ( المتوفي في المدينة حوالي 91هـ أو 99 هـ / 709-717 ) كان عميقا ً . وظل إسماعيل بعد مضي سنين من القضاء على ثورة الحجاز يجل هشام بن عروة ( المتوفي سنة 146/763 م ) ( الأغاني 4/425 ) وكانت هذه العاطفة في أثناء ذلك أصلا لشعوبيته وتعصبه للعجم اللذين نجد أثارهما , أحيانا كثيرة في شعره بيد أن عدة مقطوعات من قصائد موجهة إلى الأمويين , سواء إلى السفياني أو إلى المرواني , تثبت أن إسماعيل قام في أن واحد بعملية ارتدادية ضرورية فأنام بذلك موقفه المعادي للعروبة , فثمة مدائح في الخليفة عبد الملك بن مروان , وزيارات قام بها الشاعر لخلفه الوليد بن يزيد بصحبة عروة بن الزبير , وعلاقاته الوثيقة مع الأمير الغمر بن يزيد وأخيه , والأمير الوليد بن يزيد تشهد على ذلك ( الأغاني 4/421 وما بعدها , 409 وما بعدها , 413 ) وتعلل النقطة الأخيرة إخفاق الشاعر لدى الخليفة هشام بن عبد الملك الذي كان يحترس من ولدي عمه , هشام والوليد , ( الأغاني 4/422 ) , وفي خلافة الوليد بن يزيد التي لم تدم طويلا , ثار إسماعيل لنفسه بعد أن كبر وشاخ فأشخصه الوليد إليه وسرحه إلى المدينة مثقلا بالعطايا ( الأغاني 4/416 , 424 ) وفقدنا منذئذ كل اثر لإسماعيل الذي حدد تاريخ وفاته فرضيا , حوالي سنة 132/750م تاركا ولدا ملئت أشعاره أيضا بشعوبية عنيفة .
وينبغي اعتبار نتاج إسماعيل الشعري شبيها بنتاج نوع من الندوات الأدبية تلاقى فيها الموالي الأذربيجانيين , مع النظر بعين الاعتبار أيضا إلى التحريفات والتضخيمات التي طرأت عليه وذلك بحكم وجود أعضاء آخرين في الأسرة بدءا من ولده , ومن الجائز أن يكون إسماعيل لقي في حياته رواجا حقيقيا ً في المدينة . إن هذا الرواج مدين ببقائه إلى افتتان المغنين الملحنين وهم ذواتهم غير عرب والظاهر أن الرواج المشار إليه تأصل عن هذا الطريق , في العراق حيث كان يروي إسماعيل الموصلي عن إسماعيل نوادر معجبة ( الأغاني : 4/416 -418 ) وحيث أعلن ابن سلام أستاذية إسماعيل في الشعر , وجدير بالملاحظة , أن ما من ديوان شعر يتضمن قصائد إسماعيل إلا كان معروفا في العصر الوسيط ثم أن أصحاب المختارات الشعرية من جهتهم جهلوا هذا الشاعر الذي حفل به المؤرخون فحسب .
وقد حفظ لنا لحسن الحظ , بفضل كتاب الأغاني , عدد واف من المقطعات التي تتيح لنا طرح القضايا التي آثارها إسماعيل ونجد من نحو آخر قصائد غزلية لحن أكثرها في المدينة والعراق ( 4/414-414 وما بعدها ) , أما شكلها فأنيق لا تكلف فيها , وحفظت لنا منها قصيدة مؤلفة من ستة عشر بيتا ً وصفت بها مغامرة غرامية تذكرنا بقصائد عمر بن أبي ربيعة ( المصدر السابق : 416-417 ) وثمة قصائد أخرى هي مراث ذات حساسية غريبة ( المصدر السابق : 420-425 ) وقصائد مستهلة بالنسيب ( المصدر السابق : 421-11 بيتا 424,14 بيتا ً ) إن هذه القصائد لا تجدد في الواقع العنصر الموضوعي , ولكنها جديرة بالتنويه لرفض الشاعر فيها الانصياع للتكلف اللفظي , وتنبغي الإشارة على حدة إلى قصائد تنفجر فيها شعوبية إسماعيل العنيفة حتى في حضرة الخليفة هشام بن عبد الملك ( المصدر السابق 410 وما بعدها 15 بيتا ً , 422 وما بعدها 11 بيتا ً ) وما هذه القصائد إلا تحويل للفخر البدوي تغنى بها إسماعيل بمجد فارس وأبهتها وتطرح تلك القصائد قضايا لم نتفحصها في الحقيقة أحد , فهي مدرجة في حكايات ذات تأريخية أكثر من جديرة بالمناقشة , ولا ندري مثلا كيف أن مداحا معوزا ارتكب رعونة إنشاد الخليفة أبياتا خليقة بأن تسبب طرده , كما أننا لا ندرك ما عسى أن تكون إمكانية هذه الشعوبية في التعبير , جهارا عن نفسها في وسط المدينة العربي ويمكن بالعكس , الافتراض بأن أبياتا من هذا النوع من الشعر قد أثارت حماسة الفرس المسلمين المقيمين في البصرة والكوفة , ولعله من الجائر لنا اعتبار الأبيات المذكورة من نظم إبراهيم بن إسماعيل وضعها باسم أبيه لغاية نفعية جدا وهي تبرئة أسرته في ظل الخلفاء العباسيين الأوائل من مدح بعض خلفاء بني أمية , ومهما يكن من شيء فمن اللائق ألا نهمل هذا الفخر الأعجمي الذي نما في ذلك الزمن , في شبه سرية عند أناس صار إسماعيل بن يسار فيما بعد ممثلهم الأكثر تميزا ً .
موسى بن يسار :
الملقب بموسى شهوات , كان كأخيه إسماعيل من موالي قريش في مكة قضى أيامه على الأخص في المدينة ووفد عرضا إلى دمشق , ولزم موسى جانب الزبيريين فمدح حمزة بن عبد الله بن الزبير حين كان واليا على البصرة من قبل أبيه عبد الله , وكان سبب علاقته الطيبة مع القرشي سعيد بن أبي سفيان , أبياتا مدحهم بها , ويجسد موسى نموذج المتسول اللجوج ( الأغاني 357-358 ) وتحدد وفاته حوالي نهاية الربع الأول من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي , والظاهر أن ليس هناك ديوان يضم نتاج هذا الشاعر , فإن شعره معروف لدينا من خلال مقطعات مدحية وقصائد ساخرة , ومن البدهي استحالة تكوين فكرة موضوعية عما كانت عليه أفكار هذا الشخص , وينبغي الإشارة فقط , إلى عدم عثورنا على أي اثر للشعوبية في مقطعات تنم قط عن شاعر تافه مأجور , ولا ريب في أن هذه الاثارات النادرة من شعره مدينة ببقائها إلى تلحينها الذي روجها إلى حد ما بين أوساط الملحنين المغنين في المدينة والعراق .
محمد بن يسار :
اخو إسماعيل وموسى , عاش في المدينة ومات فيها على ما نظن , ولا نعرف عنه شيئا ً ويقال انه كانت له أشعار كثيرة ونذكر له قصيدتان مرتجلتان في الغزل كان يغنى بهما .
إبراهيم بن إسماعيل بن يسار :
يظل هذا الشاعر خفيا بالنسبة إلينا وليس ما يستدعي القول انه ترك المدينة أو سكنها ولدينا قصيدة مطولة مجد فيها العجم كره صاحب الأغاني ذكرها ماعدا بيتين اثنين .
جران العود :
لقب شاعر من تمير من قبيلة عامر بن صعسعة ولا يعلم اسمه ولولا نادرة قصيرة هجا بها زوجه الشرسة لما علمنا عنه شيئا وربما ورد في شعر منسوب إليه ذكر لمكة والمدينة فأصبح من الثابت ربط هذا الشخص بحلقة حجازيي منتصف القرن الأول الهجري / السابع الميلادي وقد جهل أصحاب المختارات الشعرية أحيانا كثيرة اثر جران العود الشعري عرف شيئا من الرواج عند الذين اهتموا بالشعر العذري .
وحفظ باسم جران العود ديوان لطيف يحتوي على 274 بيتا أن جميع المقطوعات ذات أسلوب حجازي بالإضافة إلى نزعة بدوية شديدة البروز الديوان :30 وثمة قصيدة من أكثر قصائد الديوان طولا تحتوي على 72 بيتا تعد صفحة من صفحات المختارات الشعرية لها ذاتها الديوان : 13 ـ 24 أن ملامح القصيدة المدرسية أكثر ظهورا منها في بقية القصائد الديوان : 24 ـ 28 ـ 34 ـ42 ـ54 ـ 60 وينبغي تجاه أمثال النصوص لزوم الحذر أثناء استعمالها .
الرحال :
واسمه عروة بن عتبة صديق جران العود تذكر له قصيدة من 48 بيتا هجا بها زوجه .
أبو قطيفة :
هو عروة بن الوليد بن عقبة المتوفي سنة 61 / 680 المشهور بشراسته ومجونه ينتسب إلى اكبر نفوذا في مكة والشديدة الولاء للأمويين وليس ثم ما يدل على ولعه بالحياة السياسية في انه لم يحمل على ترك الحجاز إلى الشام ودمشق أثناء ثورة عبد الله بن الزبير إلا بفعل مصادفات الظروف وقد خيب آماله سوء استقبال الخليفة عبد الملك بن مروان له فشعر بألم الحنين لبعده عن مسقط رأسه ولما سمح له بالعودة مات في الطريق وذلك قبل سنة 73 / 693 ولدينا باسمه مقطوعات غزلية عبر بها في الشام عن حنينه إلى الحجاز ويبدو أن هذه الأبيات لحنت في المدينة ذاتها ولا تسمح تلك الاثارات من شعره لتحديد مكان أبي قطيفة في زمنه ولا ريب في انه يجدر عدم المبالغة بأهميتها من الجائز لنا أن نجد فيها أفكار رجل ارستقراطي وضع في معزل عن الأمور فوجد في الشعر تعويضا عن آماله الخائبة .
النميري :
واسمه محمد بن عبد الله من قبيلة جشم بن قسي وقسي هو ثقيف ولد في الطائف ولعله ينتمي إلى مجتمع ترف لأنه عن حام من حماة الأدب والفن بل وقف موهبته على التغني بمغامراته الغرامية فان أشعاره في زينب أخت رجل الدولة الرهيب الحجاج بن يوسف أحزنت هذا برهة مما دعا الشاعر إلى الفرار إلى اليمن والاختباء هناك بيد أن الإخوة الثقفية التي تجمع بينهما وتدخل أولي الأمر العالي استطاعا على كل حال تهدئة الحجاج حضر النميري نهاية عبد الله ابن الزبير سنة 73 / 692 أننا لا نعلم تاريخ وفاة النميري فان أصحاب المختارات الشعرية لم يعيروا هذا الشاعر انتباها ما عدا صاحب الأغاني وقد عبر الشاعر في قصيدة مناسبات الأغاني 6 / 198 بطريقة مؤثرة عن فراره المذعور من تهديد الحجاج واستطاع النميري بأشعار قالها متغزلا بزينب اللحاق بمدرسة الحجازيين ولحن الكثير من قصائده في المدينة وبخاصة تلك التي مطلعها :
تضوع مسكا بطن نعمان إذ مشت
به زينب في نسوة عطرات
ونلحظ أيضا هنا دور الملحنين في حفظ قصائد ومقطوعات فان كان لها مكانة زمنه .
عبيد الله المخزومي :
( في البيان والتبين للجاحظ : المسعودي ) وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ينتسب إلى بني مخزوم من هديل وهم غير بني مخزوم من فهر في قريش ويقال أن هذه العشيرة اتحدت مع بني زهرة في قريش وكان جد عبيد الله شقيق الصحابي عبد الله بن مسعود وخادمه وقام عبيد الله واحد إخوته إلى حد ما بدور سياسي ولد عبيد الله على الأرجح في المدينة وتاريخ ولادته مجهول ولعله حوالي سنة 30 / 650 وربي في وسط المحدثين المدنيين حتى آل به الأمر إلى اكتساب سلطة كبرى بوصفه راوية للحديث أن صلة القرابة وتحفظه في سلوكه وإصابته بالعمى كل هذا اوجب الاحترام الذي أحيط به ومن تلاميذه محمد بن مسلم عبيد الله بن شهاب الزهري المتوفي سنة 124 / 741 ونلحظ من خلال بعض المؤشرات أن عبيد الله زهد بالتقشف المفرط الخشن وعقد صلات مفيدة مع شخصيات محلية وبخاصة عمر بن عبد العزيز فكان معلم ولديه وعشيره طوال ولايته على المدينة من 87 / 706 إلى 93 /711 ـ 712 وثمة خبر منعزل يروي لقاءه مع الخليفة يزيد بن الوليد العقد الفريد ولم يزدر عبيد الله صحبة الشعراء الغاني 9/ 146 وما بعدها وكان يزاول قرض الشعر حتى إذا ما عجب الناس لذلك أجاب جوابا يظهر فيه خضوعه لنداء الموهبة واعترف في شعره بابيقوريته الغاني 9 / 147 أو ترنم بخوالج قلبه نحو امرأته المطلقة ولم تتحول حياة المخزومي غير المجردة من المفارقات إلى مأساة عند من عاشها بل انتهت بالرضا سنة 97 / 717 في المدينة .
ولم يكن اثر عبيد الله المخزومي الشعري ضخما ولعله كان شعرها ولم يوفر أي ديوان حفظ هذا الشعر أن قسما منه مدين بسيرورته الملحنين المغنين الذين عنوا به ونظم عبيد الله من خلال مقطعات قصيرة وقليلة العدد نعرفها قصائد مناسبات البيان والتبين : 1 / 357 وقطعا غزلية يغلب عليها طابع ذاتي ينبيء بحساسية نادرة ومن العسير اعتمادا على أثارات على غاية من الهشاشة عرض تقييم ذي قيمة ما بل يجدر بالعكس الإصرار في هذا الوسط وهذا الزمن على الصفة التمثيلية لشخص عرف جيدا التوفيق بين الديني والغنائية الدنيوية .
محمد بن بشير :
أصله من بني خارجة وهم بطن من عدوان من قيس كان ينزل الروحاء وهي عين في فرع بين مكة والمدينة ومكث طويلا في المدينة وكان يفد إلى البصرة ومدح أعيان الحجاز كالسائب المخزومي وسليمان بن الحصين وزيد ابن الحسن ووالي المدينة إبراهيم بن هشام وثمة نوادر تظهره رجلا غريب الأطوار يبادر إلى عرض الزواج على كل حسناء يصادفها وتحدد وفاته حوالي سنة 100 / 718 والظاهر أن هذا الشاعر لم يثر اهتمام أصحاب المختارات الشعرية وقد وصل إلينا من شعره مقطوعات رثائية ومديحية ذات أسلوب عفوي واكتسب محمد بن بشير بفضل قصائد مناسبات وقصائد غزلية شيئا من الشهرة في زمانه .
أن قصائده المشار إليها ذات شكل حجازي واضح وصيغة بدوية ويحتل محمد بن بشير طبعا إلى جانب كثير عزة مكانا وسط لوحة جدارية جامعة .
الحارث بن خالد :
أصله من بني مغيرة أقوى اسر بني مخزوم في مكة ويجب لن تكون ولادته قبل سنة 50 / 670 هذا إذا صح قول صاحب الأغاني : أن شباب الحارث وافق السنين الأخيرة من حياة عمر بن أبي ربيعة وكان أحد أخوة الحارث شاعرا أيضا وكان بنو مخزوم كلهم زبير بين إلا الحارث فانه كان مروانيا انحاز إلى خلفاء بني أمية في ثورة الزبيريين في الحجاز وبعد القضاء عليها سنة 73 / 692 ولاه عبد الملك بن مروان مكة ثم عزله بعد سنة على اثر فضيحة عشقه لعائشة بنت طلحة المشهورة بجمالها المتوفاة حوالي سنة 110 / 728 ويبدو أنها لم تبال بعاشق غير فاتن كالحارث مفضلة عليه الفرومي مصعب بن الزبير واشتهر الحارث في مكة بوصفه أحد القراء الأغاني 3 / 312 ولكن هذا لم يحل دون ولعه بالغناء ومنح غريض المغني هباته وثقته وثمة نادرة ولكنها مع الأسف مريبة تدفعنا إلى الاعتقاد بان الحارث كان لا يزال في عنفوان شبابه زمن خلافة سليمان بن عبد الملك من سنة 96 / 715 إلى 99 / 717 ـ718 .
ولم يحظ شعر الحارث بأي جمع فان انتشار ما بقي من قصائده وحفظها مردهما الملحنين المغنين في المدينة مثل غريض أو في بغداد يعني أن النصوص المحفوظة تمثل بصورة ضئيلة وسيئة ما كان عليه شعره الأصلي وأن التحريفات العراقية مؤكدة الأغاني 3 / 319 باستثناء قصيدة من 14 بيتا وليس لدينا اليوم من شعره سوى مقطوعات قصيرة نظم أكثرها في عائشة بنت طلحة وتعتبر صدى لآماله وخيباته التي أثارتها هذه الحسناء القاسية القلب وتعبر إحدى القطع الغزلية بوضوح عن حب أفلاطوني ومن الممكن أن تكون بعض منظوماته اكتسب في الأصل شكل قصيدة مع استهلالها بالنسيب البدوي الغاني 236 /338 14 بيتا و 343 حيث بترت القصيدة ومهما تكن أثارات هذا الشعر هزيلة تؤكد رأي أصحاب المختارات الشعرية العراقيين وبخاصة ابن سلام في أن الحارث بن خالد المخزومي مكمل لعمر ابن أبي ربيعة .
سعيد بن عبد الرحمن :
حفيد حسان بن ثابت أمضى حياته بين الحجاز ولعله في مكة حيث ولد , وبلاط يزيد بن عبد الملك ( من 101هـ /720 م إلى 105/724 ) وبلاط ولده الوليد بن يزيد قبل توليه الخلافة سنة 125 هـ 743 م , وكان سعيد في مكة هندما حج الوليد , ولا نعرف عنه بعد هذا التاريخ شيئا ًوالظاهران هذا الشاعر لقي رواجا بين الملحنين المغنين في الحجاز , ونجد من خلال بعض المقطوعات التي بقيت من شعره والملحنة أيضا , أشعارا استعطافية أو أشعار مناسبات , متصلة بحياته العابثة . ( الأغاني 8/272 ) ولكنه تميز على الأخص , بشعره الغزلي ومنه قصيدتان تعطينا فكرة عنه ( الأغاني 269 وما بعدها ) وهناك قصيدة ثالثة غزلية عن الحب والآم الفراق رائعة جدا بطريقة نظمها , وطابعها الخيالي العفيف , أننا هنا شديدو القرب من المثل الأعلى الشعري ( العذري ) وفي الإمكان التساؤل عما إذا لم تكن القطعة المذكورة جرى تنسيقها من قبل العتبي صاحب المختارات الشعرية .
عروة بن اذينة :
عروة بن أذينة الكناني : وهو شاعر منشعراء الغزل العفيف في حواضر الحجاز
كان يجمع بين صفة الشاعر الغزل وبين صفة الفقيه المحدث وكان احد فقهاء المدينة في العصر الأموي وقد روى عنه مالك بن انس ولم يكن يجد ضيرا في الجمع بين هاتين الصفتين المتناقضتين إذ كان غزله عفيفا لا يجنح إلى مجون شعراء الحضر وشعره يمثل الغزل الحضري العفيف لتأثره بالمبادئ الإسلامية والروح الدينية والنقاد يشهدون له بصدق الصبابة ويتسم غزله بالرقة والحلاوة وأكثره مما غنى به المغنون ومن مشهور غزله قوله :
أن التي زعمت فؤادك ملها جعلت هواك كما جعلت هوى لها
فبك الذي زعمت بها وكلاكما يبدي لصاحبه الصبابة كلها
ويبيت بين جوانحي حب لها لو كلن تحت فراشها لاقلها
ولعمرها لو كان حبك فوقها يوما وقد ضحيت إذا لأظلها
منعت تحيتها فقلت لصاحبي : ما كان أكثرها لنا واقلها
فدنا فقال : لعلها معذورة من اجل رقبتها فقلت : لعلها
والجمالي المنزه عن الغاية الجنسية ما رواه الفرج في أخبار عمر بن أبي ربيعة فقد ذكر أن عمر كان يساير ذات مرة عروة بن الزبير ويحادثه فقال له : وأين زين المواكب يعني ابنه محمد بن عروة وكان يسمى بذلك لجماله فقال له عروة : هو أمامك فركض يطلبه فقال له عروة : يا أبا الخطاب اولسنا أكفاء كراما لمحادثتك ومسايرتك ؟ فقال : بلى بابي أنت وأمي ولكني مغري بهذا الجمال اتبعه حيث كان . ثم قال :
إني امرؤ مولع بالحس اتبعه لا حظ لي منه إلا لذة النظر

من بني كنانة في الحجاز , أمضى حياته في المدينة مخالطا المجتمعات وكان اذينة معدودا في الفقهاء والمحدثين , وخرج إلى الخليفة هشام بن عبد الملك في الشام , ولم يبق من أثار عروة سوى بضعة مقطعات قصيرة جدا ً جديرة بالاهتمام لشكلها الغزلي العذري , والحكمي , ومهما بلغ من اصطباغ عروة وقصائده بالغرابة فهما يستحضران الوسط المديني وحياة مجتمعاته المتموجة , في أواخر القرن الأول / السابع الميلادي . الاحوص : واسمه عبد الله بن محمد بن بني ضبيعة من قبيلة الأوس في المدينة وكان لأسرته المقام الأعلى بين بيوتات الحجاز ولد حوالي سنة 35/655 .
أننا لا نعلم شيئا ً عن طفولته ويفاعته , ويمكننا مع ذلك دون ارتكاب خطأ الاعتقاد بأنه تلقى في مسقط رأسه تربية تأتلف وذلك المحيط وحياة المجتمعات فيه , وأدى تعصب الاحوص للمدينة , في كثير من الأحيان إلى معارضة القرشيين في مكة , وعلى الخصوص , أسرة علي بن أبي طالب ( الأغاني 4/240 السطر 8 ) . وثمة نوادر نقلت عنه تظهره في شخصية رجل ارستقراطي منحل الأخلاق , مولع بالدسائس , حريص على امتيازاته , وقد سببت له فضائحه الأخلاقية , في كثير من الأحيان معاقبة من أولي الأمر , ومن المرجح انه نظم الشعر في سن مبكرة سواء للتغزل , أو طلبا لرفد الخلفاء , وشغل الموقف الثاني مكانا في خطط الشاعر أكثر مما كنا نظن عادة , وافتخر نفسه في أحد أبياته بأنه مدين بالقسم الأكبر من ثروته إلى موهبته المدحية ( الأغاني 9/8 ) ومع ذلك فإن كل شيء غامض في هذا الجانب من سيرته الشعرية , ولا يسعنا الاعتماد على خبر مروي ( له شكل روائي ) جعل من الاحوص مداحا ليزيد بن عبد الملك , ثم أن صاحب الأغاني يشير إلى صفة الوضع في الرواية ( الأغاني 9/133-135 ) وحفظت باسم الاحوص بضع مقطوعات مدحية , وقد ثبت تماما على وجه الخصوص , أن الاحوص لقي حظوة عند الخليفة الوليد بن عبد الملك , ولعل الشاعر خرج إلى دمشق بدعوة من الملك الذي ما لبث أن نفاه إلى المدينة على اثر فضيحة أخلاقية , وللاحوص أيضا قصيدة فخفخة لحنت جزئيا , وهي مهداة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز ( الأغاني 18/195 ) ولقيت محاولات الاحوص للجلوس بين جوقة مداحي الملوك نجاحات متنوعة , ويفسر إخفاقه عادة في إصراره على التماس التعويض عن فشله , في حياة المجتمعات المدنية , والظاهر انه كان على صلة بالسيدة سكينة حفيدة علي بن أبي طالب , وكذلك بالارستقراطيين مثل ابن أبي عتيق وأبي بكر بن عبد العزيز بن مروان , وكان يحلو للاحوص على الأخص معاشرة المغنين الملحنين كابن سريج , وثمة أخبار مرواة ( على شكل روائي ) تظهره فيما بعد عاشقا للمغنية سلامة ( الأغاني 9/134 ) وصادق الاحوص , أو كان على صلة كما هو متوقع , بنظرائه الحجازيين , ولدينا نوادر تشهر هذا الجانب من حياته , أما علاقته بكثير عزة ونصيب فلم تكن ودية جدا ً , أما علاقته بعمر بن أبي ربيعة فكانت أكثر دماثة , وفضل الاحوص الفرزدق على جرير أثناء مرورهما بالمدينة ( الأغاني 1/295,8/12-65 ) إن الجانب الذي شغله الموسيقيون والمغنيات في حياة هذا الشاعر السئم حاسم جدا ً , فإن كثيرا من أشعار الاحوص مدينة في حفظها إلى رواجها في عالم عرف بانحلال الأخلاق , ولا يقل أهمية عن ذلك في سيرة الاحوص حبه المتتابع العنيف كما يبدو لسلامة المغنية , والأميرة أم جعفر وعبدة التي أحبها حبا ً عنيفا متبادلا ً , وخالط قصص غرامه فيما بعد , عبير مروى ولعله ينبغي التفكير بفسح مجال لغرام لم يبح به .
وختمت السنون الأخيرة من حياة الاحوص بمأساة ففي خلافة سليمان ابن عبد الملك حملت حسب الظاهر فضائح الاحوص ومهاجمته للسلطة , الخليفة على إنزال العقاب به , فسجنه وجلده وأوقفه على البلس , في سوق المدينة ثم نفاه إلى دهلك وهي جزيرة في البحر الأحمر , فبقي في المنفى طوال خمس سنين بالرغم من الشفاعات في دمشق , ولم يطرأ في خلافة عمر بن عبد العزيز أي تعديل على سلوكه , ثم أن الخبر الذي رواه ابن قتيبة عن استقدام الخليفة له ذو حبكة روائية بالتأكيد وكانت خلافة يزيد بن عبد الملك سنة 101هـ /717 , بالعكس , سببا في عودة حظوة الشاعر , وفي رحلة إلى دمشق لقي حفاوة كبرى عند الخليفة . وظهر الاحوص , في قصيدة هجا بها المهلبين في موقف المدافع عن السياسة الحكومية , وفي هذا الجو الملطف مات الشاعر الكلف بالحياة , في المدينة على الأرجح سنة 110 هـ / 728 . وقد عرف شعر الاحوص بالتأكيد , رواجا مرموقا لدى معاصريه , وبخاصة المغنين في المدينة , ولدينا مقطوعة لحنها ابن سريج للخليفة الوليد بن عبد الملك ( الأغاني 1/297-298 ) وحفظ شعر الاحوص على وجه الخصوص , عن طريق الرواية الشفهية , وهناك بعض النوادر ذات تأريخية مشكوك فيها , تقرر بأن الشاعر لم يكن ليتردد قط بأن يدخل في شعره أبياتا لنظرائه القدامى ( الأغاني 9/133 ) ولم يبلغنا حصول جمع لشعر الاحوص في العصر الوسيط , فإن جميع مصادرنا المتعلقة بالشعر المذكور محدودة بشواهد وافرة تضمنها كتاب الأغاني , وتجدر الملاحظة بأن الاصبهاني مؤلف الكتاب المذكور لم يخدع في كثير من الأحيان , بقيمة نسبة الأبيات إلى أصحابها ( الأغاني 9/132-133-135 ) فمن الخطر في هذه الظروف التعبير عن تقييم مقبول لشعر الاحوص , ومكانه في الحلقة الحجازية وظل الاحوص , في نظر الأجيال القادمة شاعرا غزليا ً صرفا , مع أن الحقيقة غير ذلك فقد وقف كزميله كثير جزءا من موهبته على المديح والهجاء فإننا نتلقط هنا وهناك قطعا وقصائد هجائية مرتجلة شديدة الأسر تلامس الجرأة ( الأغاني 4/233 -235-238-239-240-241-245 ) ولدينا من شعره قصائد مدحية ذات شكل مبتذل جدا ً وقد ينساق هذا الرجل الارستقراطي , بالإضافة إلى ذلك بحماسته وكبريائه في نظم قطع فخرية منظومة ضمن تقاليد الصحراء الصرف ( الأغاني 4/240 السطر 2-4 ) . ويبرز تلك النغمة البيت الآتي :
إني إذا خفي اللئام رأيتني كالشمس لا تخفى بكل مكان
إن شهرة الاحوص بوصفه شاعرا غزلا ً متأتية في أن واحد من قصائد غنائية لدينا مقطعان منها ومن تحول في شخصية الشاعر , ذلك لان الاحوص يبدو لنا في أخبار مرواة في ملامح مؤملة قليلا للعاشق الشاعر ( راجع الوشاء 54 ) وقد كان صاحب الأغاني على حق حين فضله على جميع الشعراء الغزليين الحجازيين , ومن العسير علينا في حالة معلوماتنا الموافقة على التقييم السابق ما دام لم يعمل بطريقة منهجية جمع واف لاثارات نقلت باسم الاحوص وجل ما نقوله هو أن المقطوعات التي في حوزتنا تتجه نحو نزعات غالبة عند معاصرين آخرين .
العرجي عبد الله بن عمر بن عمرو حفيد عثمان بن عفان
لقب بالعرجي لأنه كان له عرج الطائف والمفروض انه ولد حوالي سنة 75 / 694 واشترك سنة 98 / 716 بغزوة الروم بقيادة مسلمة بن عبد الملك وكان له فيها بلاء حسن لا ندري السبب الذي حمله على الزهد بمهنة الجندية وعكف كغيره من شبان الطبقة الارستقراطية الحجازية على حياة الترف معينا بذلك شهواته العنيفة وحبه للنساء والصيد والظاهر أن العرجي المرتبط بحكم وضعه وأذواقه بشعراء ارستقراطيين آخرين قد اجبر بعد أن أقصته الحكومة على استعداد الجزء الأوفى من شعره من المغامرات الغرامية حيث ترك فيها مزقا من قلبه أن استعطافه كلابه وهي مولاة لثقيف مشهورة بجمالها وظرفها انظر الديوان :القصيدة 1 وليلى الديوان :القصائد 10 ـ 11 ـ 44 47ـ 50 ـ 69 كان من نوع هذا الاستلهام وكان العرجي من المشاكسة والكبرياء ما لم يحل دون وضع مواهبه في خدمة أحقاده وضغائنه وكان منشأ خلافة مع والي مكة محمد بن هشام بضع قصائد هجائية وقصائد أخرى لمح فيها العرجي بسوء سلوك جيداء المخزومية أم محمد بن هشام فاتخذ هذا من حادثة قتل كان أمر به الشاعر سببا للقبض عليه وجلده وتشهيره ثم حبسه ويقال أن العرجي مات بعد أن مكث في السجن طويلا قبل 120 / 738 ويبدو أن المؤرخين في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي اهتموا بالناحية النوادرية من حياة العرجي أكثر من اهتمامهم بأثره الشعري ذاته فلم يكن حينئذ ما يشعر بوجود أي جمع للديوان فقد استشهد الجاحظ بالعرجي قليلا ولم يستشهد به أكثر من البحتري في حماسته وألف ابن المرزبان المتوفي سنة 309 / 921 مجموعة من أخبار العرجي ومنتخبات من أشعاره ضاعت فيما يظهر ولم تجمع القصائد المنتشرة باسم العرجي في ديوان إلا في آخر العصر التالي أن هذه الوقائع مقلقة إلى حد أن المغنين الحجازيين والعراقيين كانوا يتذوقون القصائد المنسوبة إلى هذا الشاعر المعروف أيضا من عامة الشعب انظر الأغاني 1 / 385 , 390 , 394 , 405 , 409 , 413 , 417 ) واخذ الناس في زمن مبكر يؤلفون أبياتا على طريقة الحجازيين عامة وينسبونها إلى العرجي أو إلى عمر بن أبي ربيعة فنجم عن ذلك مصادفات لا تمكن مراقبتها وهكذا ففي الطبقة الأخيرة من الديوان ثماني عشرة قصيدة تتأرجح نسبتها بين هذين الشاعرين انظر المقدمة ص 35 وفي طبعة بغداد بالإضافة إلى المقطوعات التي عثر عليها سبعون قصيدة متفاوتة الطول بلغ مجموع الأبيات كلها 1200 بيت ويطرح بعض من هذه الأبيات قضايا وهكذا فان القصيدة ذات الرقم 13 مؤلفة من قطعتين متلاصقتين كما أن القصيدتين 46 و 60 وهما من بحر وقافية مشتركين متطابقين في المضمون ولعل أحداها رد على الأخرى أما قصيدة العرجي ذات الرقم 49 وهي موجودة في ديوان عمر بن أبي ربيعة فقد أعيد تركيبها بدءا من عناصر مبعثرة أن التلميحات التي اكتشفها المؤرخون في بعض القصائد في القصيدة 4 تلميح عن جيداء هي في اغلب الأحيان حصيلة مخيلة بلغ من قوتها أن استحال كونها نقطة ارتكاز لتحديد مكان وقائع القصيدة أو نسبتها إلى صاحبها وخلاصة القول فان ما تبقى من شعر العرجي نتيجة عملية صنع المختارات الشعرية والمصادفات , وهذان العاملان لا يسمحان إطلاقا بتقييم المجموع بثقة . وقد أبرزت الحكاية النوادرية أحيانا الشاعر الغزلي في شخصية العرجي , ولا بد من أن العرجي الهجاء كان مقذعا ولكننا لم نعرفه إلا من خلال مقطوعة هجاء من أربعة أبيات ( انظر الأغاني 10/406والديوان : القصيدة ذات الرقم 83 ) وكان من المحتمل أن يظل الشاعر الغنائي مجهولا ً لدينا لولا ثلاث قصائد استعطافية اوحاها إليه في سجنه هجر أصدقائه أو عجزهم عن مد يد العون إليه , وترديه في هاوية البؤس والقذارة .
إن الشعر الغزلي جدير بعناية خاصة , ذلك أن الأطر هنا يصعب تبنيها لأننا نجد أنفسنا في اغلب الأحيان تجاه المقطوعات , وقد يكون المقصود في بعض الحالات مجموعات جيدة البناء مثال ذلك القصيدة 50 التي تنتقل بفضل مقطع متتابع من موضوع غزلي إلى فخر ذاتي , وكذلك الأمر في القصائد : 33 -35 والقصيدة 70 , وهي مستهلة بنسيب القصائد التقليدية الحقيقي , ونلحظ في مكان آخر وفي كل مكان تقريبا انتصار الحياة والواقع فنحصل عندئذ على قصائد موجزة ذات ملامح خفية تذكرنا , بموعد غرامي , أو نقص مقامرة غرامية , أو تعبر أيضا عن القلق الإنساني الأبدي ( انظر القصائد : 15-18-رسالة لطيفة – 19-21-22-61 الخ ) .
أننا نتبين بسرعة الصفة الغالبة على هذا الشعر , فاولها وأكثرها وضوحا ( البدوية ) أو بكلمة أدق أوساط الحجاز ومنطقة مكة التي ذكرت أماكنها المقدسة بألفاظ اقرب إلى الوثنية منها إلى الإسلام ( القصائد : 13-البيت 3 , 19 , 32 البيت 10 , 67 البيت 12 , 68 البيت 4 ) ويضاف إلى استحضار الليالي أو الظهائر في البرد والهجير ( القصيدتان 6 البيت 14 وما بعده , 62 البيت 11 وما بعده ) طائفة من اللمحات المتعلقة بنوع الحياة كالفراق الذي تفرضه النجعة , أو الحج إلى مكة , أو لقاء عابر للعشاق في ثنايا الكثبان المنعزلة ( القصيدة 13 البيت 15 , 23 ) ويلجأ الشاعر في اغلب الأحيان في تعبيره عن انفعالاته وخيباته إلى رواسم البدو كالبكاء على المنازل الدوارس , أو استيقاف رفاق الطريق , أو السهر في الليالي المثقوبة بالنجوم . ويدل الفخر الذاتي المائل في كل مكان عن عروبية الشعر ( القصائد 1-23-47-62 البيت 10 وما بعده ) حتى أن الفكر الديني التافه , يدل بالشكل الذي يعبر فيه عن نفسه , على منشئه ( القصيدة 23 البيت 12 ) ونلقى تقاليد شعراء البدو في موضوعات كنا نتوقع فيها شيئا من التجديد , مثال على ذلك قانون جمال المرأة الجسدي ( القصائد 5 البيت 11 , 6 الأبيات 23-26-15البيت 4-19-21-26 البيت 8-16-21 ) وتجدر إلى جانب الصفات البدوية الغالبة , الإشارة إلى مظهر آخر في شعر العرجي , ففي هذا العشر تسري في الواقع روح خاصة , ولعلها جديدة , يصعب وصفها نسميها لعدم توافر الأفضل , روحا شبه عذرية , ولا تمكننا تقليديا تلك الروح من عزلها , فنحن نشعر بها أكثر من استطاعتنا تعريفها , فهي مرتبطة تقليديا ً بالطريقة البدوية . إن قانون جمال المرأة الجسدي مثلا هو ما نجده في شعر البدو مثال ذلك القصيدة 6 الأبيات 28-36 والقصيدة 16-الأبيات 16-21 ) . ولسنا واجدين على كل حال وهذا أمر يجدر تدوينه , في أي مكان استحضارا لمشاهد شهوانية في قصائد كنا نتوقع وجودها بكثرة , وقد نلحظ هنا وهناك على العكس , اقترابا من أدب الكياسة ( القصيدة 67 البيت 18 وهو شديد التميز ) في حين يمثل أمامنا بالجملة : الواقع وذكرى الرسائل المتبادلة بين الحبيبين سرا ً ( القصيدتان : 3-10 الخ , والحاجة إلى المسارة عن الأيام السعيدة ( القصيدة 33 ) واللقاءات المنتظرة في مواسم الحج القصيرة ( القصيدة 13 ) إ، الوصف الابلي بالرغم من الصفات البدوية الغالبة غير موجود تقريبا في هذا الديوان ( انظر على كل حال القصيدة 6 البيت 17 وما بعده ) والقصيدة 15 وما بعدها . بيد أننا نجد بالمقابل مرارا عديدة في محله وصفا للفرس ( القصيدة 1 البيت 34 وما بعدها والقصيدة 3 البيت 23 وما بعده ) ولكن هذا لم يحدث في مجال التوسيعات اللفاظية , هذا بالرغم من وجود بعض القصائد ذات الشكل المتكلف جدا ( راجع القصيدتين 33 , 37 مثلا ) وتغلب على مجموع الديوان طابع البساطة المجردة من التفاهة تقرنه بشعر عمر بن أبي ربيعة , كما أن الرواسم التقليدية وافرة حتى أننا نشعر أحيانا بان المراد منظومات مستعجلة عفوية أكثر منها مفتعلة , ثم أن البحور المستعملة تقليدية ولكن استعمال المديد والخفيف كثير التواتر .
إن ديوان العرجي , سواء أكان المقصود عملا شعريا يحمل طابع العصر , أو مقلدات على الطريقة الحجازية , ذو أهمية أدبية قصوى فهو ينير بحجمه اتجاهات تلك المدرسة ويعني ببعض الخاصيات , اتجاها نحو تطور يبشر بالمدرسة العراقية .
الوليد الثاني :
هو ابن الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان , ولد في الشام سنة 90/708-709 , وتربى تربية تليق في مثل مقامه ونسبه , وورث عن أبيه متعية ( حب الاستماع , وخفة في الطباع تحولتا إلى ميل عنيف للتمتع بملذات الدنيا , فإذا كانت التقاليد العراقية , بتأثير من العباسيين سودت هذا الشخص فجعلت منه مستبدا ً فظيعا ومجنونا فهي بالتأكيد لم تخترع كل الأخبار التي نقلتها عنه .
وتولى هشام بن عبد الملك الخلافة سنة 105 هـ / كانون الثاني 724 م فظل ابن عمه الوليد وكان عمره يومئذ ست عشرة سنة , طوال عشرين سنة بعيدا عن الملك فتولد فيه مركب الحرمان من الحق ,مثيرا فيه في أن واحد تمردا على الأمر الواقع , وحاجة إلى اللهو , ولم يلبث هذا الهوى المعاكس أن اخل بتوازن هذا المزاج الجموح القهار , فطلب الأمير ملجأ فوجده في الملذات والحب الرخيص والخمرة ووجده أيضا في الرياضة العنيفة , وأعادت وراثة متأصلة في الأسرة للوليد نزعة البدوية , فهجر , بدءا من تاريخ يصعب تحديده بدقة ولعله حوالي سنة 116 / 734 م , بلاط الرصافة ليستقر في السهوب الصحراوية في الشام حيث اخذ يتنقل من مقام ملوكي إلى آخر , يعيش حياة سيد بدوي كبير , فتشكل حوله بلاط فيه شعراء مثل ابن ميادة ومغنين وملحنين مثل عمر الوادي ومهرجين وكان الخليفة العجوز هشام بن عبد الملك قد ساءته أعمال ابن أخيه الجنونية , فما كان من الوليد إلا أن رد بقصيدة هجاء حتى اخذ التوتر بين الرجلين شكل نزاع , وكان الوليد في ماء الاعذف عندما بلغه موت هشام ( ربيع الثاني 125/743م ) فركب بسرعة إلى دمشق حيث بويع بالخلافة , وعندها بدأ عهد الشطط المفرط , ولما عاد الخليفة المساخر إلى الصحراء استدعى جميع الذين لم يرهم من قبل من مغنين وشعراء الحجاز أو العراق فزاره حماد مرات عديدة في الشام , وأبدى الوليد إعجابه بالشاعرين بشار بن برد والمطيع بن إياس ممثلي الجيل الجديد , وهكذا تتابع طوال سنين تحدى الوليد للرأي العام والفضائح , وقتل الوليد على اثر هجوم عسكري مفاجئ في مصيفه في البخراء في صحراء الشام في أواخر جمادى الثانية سنة 126/744م . وكان من الممكن أن يكون هذا الأمير رجلا مستبدا نزويا فحسب , كما صوره المؤرخون العراقيون , وكان أيضا شاعرا ذا موهبة ممتازة سلكت به نهجا جديدا , ونقلت إلينا باسم الوليد مقاطع وقطعتان شعريتان طويلتان إلى حد ما . إن هذه الأثارات لم تكن في وضع يحول دون طرح عدة قضايا : أننا نجد هنا وهناك في ديوان أبي نواس أبياتا منسوبة أيضا إلى الوليد , إن عملية التقليد ممكنة , ولكننا لا ندري جيدا لم اعتبر أبو نواس , إجباريا صاحب هذه الأبيات ولعل المقطوعات في العديد من الحالات الموضوعية باسم الوليد مؤلفات لا أكثر , مطبوعة باتجاهات تنسبها إلى شعراء نحيس بأن شعرهم الغزلي صفة غالبة على شعرهم , ولم يقم أحد بأي جمع لديوان الوليد في العصر الوسيط , ولم يدم ذكر هذا الأمير الشاعر في الأذهان إلا بفضل شواهد أصحاب المختارات الشعرية , ثم أن لتدخل المغنين الملحنين الحجازيين أثرا كبيرا في توزيع أشعاره أو حفظها , أما اليوم فقد تم بفضل حمية ف . غبريللي , جمع شعره في ديوان ضم مائتي واثنتي مقطوعة , ولا تضم كل واحدة أكثر من بضعة أبيات باستثناء قصيدتين مطولتين , وليس لدينا أي قصيدة كاملة بحيث انه لا يسعنا معرفة الأطر المستعملة , ويتيح مجموع أشعار الوليد , بالرغم من قلتها تمييز ثلاثة مظاهر : إن بعض القطع سياسية ذات صلة بالوقائع الراهنة وهي مقطوعات أشاد فيها الأمير بأسرته هاجيا عمه هشام , إن شكلها غير جدير بالاهتمام , أما البقية فمقطوعات غزلية نظمت على الطريقة التقليدية وقد لجأ الوليد , مثل الكثيرين من الشعراء الحجازيين إلى صيغ أو رواسم مرتبطة بحياة الصحراء وثمة أخيرا مقطوعات أكثر جدارة بالعناية في التاريخ الأدبي وهي تكشف عن فنان متحرر من الزخارف التقليدية وقادر على التعبير عن ( الأنا ) في أشكال متجددة , أنها على كل حال , قطع أو مقطوعات لا نستطيع النكران بأنها تنبئ عن تأثيرات عراقية , ونضرب مثالا على ذلك الأبيات الآتية , قال الوليد :
خبروني أن سلمى خرجت يوم المصلى
فإذا طير مليح فوق غصن يتفلى
قلت من يعرف سلمى قال هاثم تعلى
قلت يا طير إذن مني قال هاثم تدلى
قلت هل أبصرت سلمى قال لا ثم تولى
فنكا في القلب كلما ً باطنا ثم تعلى
أننا نشعر بكل ما جلبه هذا الأمير الشاعر من أشياء غير مصوغة , في التيار الذي اندمج فيه في نواح عديدة , ضمن تقاليد الصحراء كما عدلها الحجازيون بيد انه في مستوى آخر , ينفخ في هذا الشعر روحا مجهولة , تلك الروح التي فرضت نفسها في العراق . ولقد رسمت بفضل الوليد خطوط غنائية جديدة , أكثر ذاتية وأكثر عفوية في تعبيرها , وعلى الأرجح أكثر صدقا ً . ولا ريب في أننا لا نستطيع هنا الكلام عن أحداث تأثير عميق , ذلك أن شعر هذا الشاعر الهاوي , كما رأينا لم يثر ردود فعل عند العلماء موجدي الرواج الأدبي في العراق , ويبدو لنا أن شعر الوليد شهادة على زمنه , ولكنها شهادة تكتسب في نظرنا أهمية تفوق أهمية شخص كان له دور عظيم بوصفه حاميا للأدب والفن نظرا للوسائل القوية التي كانت تحت تصرفه . إن مثول الوليد في هذه اللحظة من الشعر العربي يعني منعطفا في الأفكار , ونهاية للثورة ( الحجازية ) وتأكيدا لما تميز به الشعراء الغزليون العراقيون .
قيس بن ذريح :
أصله من قبيلة ليث من كنانة , في ضواحي المدينة , وإذا صح انه كان رضيع الحسين بن علي تكن ولادته حوالي السنة الرابعة أو الخامسة الهجرية أي 626-627 ميلادية , وثمة علائم هزيلة تدفعنا إلى الاعتقاد انه عاش حياة مجون في ظل السلطة الحاكمة , وقد يكون عشقه المدعوة لبنى حادثا واقعيا , وثمة لمع نوادرية تظهره على قيد الحياة زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان , ويمكننا فرضيا تحديد وفاته حوالي سنة 68/687م . وقد فقد ابن ذريح في وقت مبكر تأريخيته ليصبح بطلا مروي ( ذا شكل روائي ) , وقد ذاق قيس الذي تزوج لبنى طعم حب سعيد يفوق الوصف , , ولكن الزوجين لم يرزقا ولدا مما حمل أبا قيس على إرغام ولده على طلاق من أحبها وأحبته , فبدأت منذئذ حياة الأم انتهت بموت الحبيبين ( حسب إحدى الروايات ) أو بزواجهما ثانية ( حسب رواية أخرى ) وكانت رواية قيس ولبنى قد الفت في خطوطها الكبرى في منتصف القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي , انطلاقا من عناصر شفهية كانت رائجة في المدينة والكوفة والبصرة , ولعلها أيضا في بغداد . وقد جمع كتاب الأغاني هذه الأخبار في ترجمة معدة لجمهور مثقف , فظهرت , بعد ربع قرن تجاوبا ً مع أصداء حكايات أكثر روائية , مؤلفات ذات استيحاء عذري تضمنت أخبارا تؤمل قيسا ولبنى . وظل قيس بن ذريح , في نظر المؤرخين العرب المسلمين شاعرا غزلا ً على غاية من الامتياز , ولم يتساءل هؤلاء المؤرخون إلا قليلا عن صحة الأبيات المنسوبة إلى قيس , ونلحظ عندهم مع ذلك , صمتا غريبا ً فالجاحظ مثلا ً لم يذكر قيسا ً في البيان والتبين , ويكاد ابن قتيبة يهمل ذكره فإن الشكوك التي تثيرها هذه الوقائع تكبر عندما نفحص الاثارات الشعرية المجموعة باسم قيس .
وتمثل تلك النصوص في ثلاثين قصيدة ومقطوعة مدرجة ضمن حكايات تكون فيها جزءا ً مكملا , ونجد هنا وهناك بعض القصائد المطولة كالتي ذكرها القالي في الامالي وهي غزلية ذات طول استثنائي , وبلغ مجموع أشعار قيس حوالي ثلاثمائة بيت , إن الحظوة التي نعمت بها هذه القطع عند الهواة المدنيين كابن أبي العتيق لكبيرة . ويحملنا العدد الأكبر من الأبيات أو المقطوعات الملحنة في الحجاز أو العراق فيما بعد , على الاعتقاد بأنه قد نسب لقيس بن ذريح , أو نظم باسمه في بعض أوساط الحياة الغزلية طائفة من القطع الخفيفة اللطيفة تضمنت تأوهات قيس ونداءاته للبنى , ويتكشف هذا النتاج كله , بنغمته ولطافة لمحاته الفتانة , وبساطة اللغة والمفعول , عن تأثيرات وملامح عذرية تحدد ظهوره على اقرب زمن في أواخر القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي . وتعد القصيدة الغنائية التي ذكرها القالي في أماليه عن الفراق نموذجا كاملا لهذا الاتجاه وتتناقض تناقضا غريبا مع مقطوعة , منعزلة , نظمت على الطريقة البدوية الصرف ( راجع الأغاني 2/1-9/180 ) . ومهما يكن من شيء فانه لا يسعنا استعمال هذه النصوص بوصفها للشعر الغزلي في الحجاز في العصر الذي نحن بصدده .
ابن الدمينة :
واسمه عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر بن تميم الله ( من قبيلة خشعم في شمالي اليمن ) لم يورد المؤرخون عنه معلومات زمنية مقبولة , والظاهر انه عاش بخلاف ما قاله جرجي زيدان في القرن الأول الهجري / السابع الميلادي , إن الحادث الزوجي المؤلم والانتقام المزدوج الذي ترتب عليه أدى إلى سلسلة اغتيالات رواها الزبير بن بكار , جرى كل هذا في محيط قبلي , ولا ريب في أن ابن الدمينة تحول فيما بعد إلى شخصية مرواة ( ذات شكل روائي ) إن أكثر القصائد والمقطوعات الموضوعة باسمه ذات استيحاء غزلي تثبت في المعنى والمبنى تأثير الروح العذرية ويجدر استعمالها بتحفظ واسع .
وضاح بن إسماعيل :
المشهور باسم وضاح اليمن , وهو لقب غلب عليه لجماله وبهائه , إن وضاحا ً شخصية تاريخية , وأما أصله فقد يكون من قبيلة في اليمن وهم آل خولان , أو من أولاد الفرس الذين قدموا اليمن زمن وهرز , زمن الاحتلال الفارسي , أننا نجهل كل شيء عن طفولته ويفاعته , ولعله قضى هذه في مكة أو المدينة , وليس ثمة أي خبر ينبئ عن صلته بشعراء هاتين المدينتين بل على العكس فان وجوده في دمشق في سن الرجولة , تثبت مدائح قالها في الخليفة الأموي الوليد ابن عبد الملك بن مروان ( من سنة 86 إلى سنة 96 / 705 – 715 م ) .
وكان الوليد أمر بقتل الوضاح لشكه في عشقه زوجة الأميرة أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان , وقد نما منذ القرن الثالث الهجري – التاسع الميلادي , بدءا من هذه الوقائع المرتبطة بالحكايات المنتشرة في زمن معين , أدب مروي تقريبا يتناول موضوعين : عشق الشاعر للأميرة أم البنين , وحبه دون أمل لروضة الكندية التي أصيبت بالجذام . ولعل الموضوع الثاني مستمد على الأخص , من عناصر خيالية ذلك لان صاحب كتاب الأغاني أبى على نفسه استعمال القصة المغفلة التي يعرضها الموضوع المذكور ( الأغاني 6/213 ) وثمة على كل حال , إلى جانب حكايات الحب والموت , حكايات آخر تجعل من وضاح ليس سيلادون آخر , بل هاوي حوادث غرامية , وهكذا فإن لسيرة وضاح الشعرية كما تبدو من خلال أخبار المؤرخين , مظهرين في أن واحد : شكل حياة مرواة ورواية عذرية , وتتصف القصائد أو المقطوعات الثلاثون الموضوعة باسم هذا الشاعر بتغايرها , ففيها عناصر من الفخر البدوي ( الأغاني 6/211 ) وتصريح عن قطيعة موجه إلى الحجاج ( ديوان الحماسة لأبي تمام 2/211 ) ومرثية في أبيه وأخيه ( الأغاني 6/228 ) وقطعة صغيرة من شعر المناسبات ( الأغاني 6/234 ) وله أخيرا قصائد مديح على الطريقة التقليدية مهداة إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك ( الأغاني 6/22-24 ) . ونجد على كل حال إلى جانب هذه الآثار التقليدية عددا كبيرا من الغزليات مختلفة من جميع الوجوه , فبعضها قصائد شهوانية غزلية محالة إلى أشخاص ووقائع حقيقية كالشعر الذي قيل في حبابة جارية يزيد بن عبد الملك قبل أن يشتريها وتصير إليه ( الأغاني 6/230 ) أو حكاية مغامرة عشقية لم يؤسف فيها لغياب الزوج ( الأغاني 6/236 ) وأخيرا قطعة في الفخر بتذليل العقبات للوصول إلى المحبوبة ( الأغاني 337-338 ) أما البقية فهي على العكس , أثار شبه عذرية حيث يرتفع فيها الغنائية كما في البيت الآتي :
مالك وضاح دائم الغزل الست تخشى تقارب الأجل
إن التأثيرات العذرية في قصيدة المختارات الشعرية التي استشهد بها , جزئيا ً ابن قتيبة والاصبهاني , تتأكد أيضا أكثر فأكثر , فهي شديدة الوضوح في القصائد التي يذكر فيها اسم روضة ( الأغاني 6/213 -216-231 , وما بعدها ولا ريب في أن القصائد المذكورة التي تحتل مكانا نادرا بين الشعر الموضوع باسم وضاح , قد الفت من اجل ملحنين عراقيين في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي , أو من قبلهم . ويؤكد هذا الانطباع البحور المستعملة ( البحور القصيرة مثل مجزوء الكامل والسريع والمنسرح ) والأسلوب المجرد من كل تكلف لفاظي , ولعل المقصود في بعض الحالات , أثار تخص مدرسة بشار بن برد كالقصيدة الفائية المذكورة في الأغاني ص 235 .
وينبغي بناء على ذلك استعمال النصوص المنسوبة إلى وضاح اليمن بتحفظ يقارب الريبة الأكثر تشددا ً فإن القصائد التقليدية قليلة الأهمية , أما القصائد الشهوانية الغزلية فهي نوع من قصائد المدرسة الحجازية ولكنها لا خاصية لها أما القصائد الشبيهة بالعذرية فتعود إلى عهد أكثر تأخرا .
جميل بن معمر :
شخصية تاريخية وهو من بني عذرة من قبيلة جذام , والظاهر انه ولد حوالي سنة 40/660 م وانه مضى حياته كلها تقريبا في قبيلته , ولكن بعض الظروف قادته أحيانا إلى المدينة وهكذا زار زمن ولاية سعيد بن العاص , هدبة بن خشرم المتوفي سنة 54/674 م في سجنه . وثمة نوادر مريبة تظهر جميلا في مكة حيث لقي فيها عمر بن أبي ربيعة وكان هذا يومئذ يافعا وحفظ لنا المؤرخون أخبارا كانت متداولة على وجه الخصوص , بين البدو العذريين نجد فيها جميلا وقد هدده قوم المدعوة بثينة بالموت لتشبيبه بها .
وتروي تلك المعطيات مساجلة شعرية ومناقضة هجائية جرتا مع أحد حماة الحسناء , فرفعت بهذه المناسبة شكوى إلى والي المدينة أو نائبه في وادي القرى , فلما انذر جميل بالموت هرب إلى الشام أو فلسطين , وجرت هذه الوقائع , على وجه الدقة , زمن الخليفة عبد الملك بن مروان بين سنة 65/685 م وسنة 86/705م , وهناك قصة مرواة جدا ذكرها عمر بن شبة تحملنا على الاعتقاد بأن الشاعر عاد إلى أم القرى لرؤية بثينة ومن هناك فر إلى مصر , ولعل جميلا ً جذب إليها لما سمعه عن بذخ واليها عبد العزيز الذي مدحه جميل بقصيدة اطلع عليها ابن رشيق جزئيا ً , ومات في مصر حوالي سنة 82/701م حسب فرضية مقبولة عموما .
كان لجميل حسب قول صاحب الأغاني راوية هو الشاعر كثير الذي صنف ضمن التقاليد الشعرية في وسط شبه الجزيرة العربية بوصفه راوية للشاعر العذري هدبة بن خشرم , إن رواج جميل بوصفه شاعرا غزلا أمر ثابت , منذ أواخر القرن الأول / أوائل القرن السابع , عند بعض الهواة الحجازيين وعند الملحنين المؤلفين في المدينة في أن واحد , وكذلك في الوسط النسائي , ومن هنا سرى هذا الرواج إلى الكوفة والبصرة حيث اتجه حب الاستطلاع عند المؤرخين , موازيا ً لاتجاه الزبير بن بكار المكي , إلى دعمه بأخبار نقلت من البدو العذريين . وهكذا خلق بواسطة لعبة معقدة قوامها طرف متباينة , تيار جعل من جميل أحد الأبطال ( العذريين ) منافسا في الشهرة العديد من الشعراء ولا جدال في أن مفهوم العذرية في الحب حيث صهرت فيه عناصر أفلاطونية وشهوانية مكبوتة قد انتشر على شاكلة هذا الشخص , فتألفت منذ أوائل القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي , رواية جميل وبثينة , ويبدو أنها بدت على كل حال في شكل ملامح شبه مرواة أو شبه سيرة تارة , أو في شكل قصة تتجاوب فصولها بسذاجتها , وأذواق جمهور متعلق بالعاطفية التافهة تارة أخرى ( الأغاني 8/108 , 145 ) . ولا ريب في أن تشابه المواقف أحيانا قد احدث العدوى برواية المجنون وليلى ( الأغاني 8/125 السطر 10 والديوان ( طبعة غبريللي القصيدة 71 حيث تتلاصق أبيات موجهة إلى ليلى وأخرى إلى بثينة ) وقد يمتنع المشهد في بعض الأحيان , عن أن يكون عذريا ليتخذ في التفصيل شكلا ً مغرقا في الشهوانية ( الأغاني 8/115 ) .
ووقف جامعو المختارات الشعرية في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي في موقف ارتياب تجاه الأشعار المنتشرة في أيامهم باسم جميل , ولعلهم شعروا بان تلك الأشعار كانت من صنع الملحنين المؤلفين الذين روجوها بين الجمهور لا أكثر وكان مثل هذا الموقف طبعا غير معقول في مفهوم منظري أدب الكياسة أو عند هواة مؤلفي الروايات الغرامية بيد أن جزءا كبيرا من القصائد والمقطوعات المنسوبة إلى جميل قد حفظ بواسطة هؤلاء وهناك أمر جدير بالتنويه هو انه لا يبدو أبدا بان ثمة ديوانا يجمع أعمالا شعرية باسم جميل بن معمر قد جمع في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي أما اليوم فلدينا لحسن الحظ جدا بفضل حمية المستشرف ف. غبريللي وحسن نصار كتلة من النصوص تتيح لنا إعادة وضع هذا الشاعر ضمن منظور كثر دقة .
أن زهاء الألف بيت التي في حوزتنا تشكل 198 قطعة ومقطوعة تغلب فيها الأبيات المنفردة أن قيمة هذه الأبيات التمثيلية قابلة للمناقشة وأن بعضا من القطع ذات الطول المعين قصائد هي نتيجة إعادة تركيب حاذق (الديوان :طبعة غبريللي القصيدة 124 وبخاصة القصيدة 145 ويستخلص من هذا الفحص أن هذه النصوص مصدقة بشواهد تمتد طوال ثلاثة قرون وكانت قصائد الغزل بصرف النظر عن قضية نسبة الأبيات غرضا لعدوى وإعادة سبك عن طريق تشابه الوزن والقافية ولاريب في أن الملحنين والمؤلفين قد مثلوا دورا كبيرا راجع الأغاني 8 / 139 وما بعدها 144 الديوان طبعة غبريللي القصيدة 101 أن اللا تميزية مثلة على أنها من عمل الشعراء أنفسهم كما يتضح ذلك في النادرة التي جمعت بين جميل وعمر بن أبي ربيعة (الأغاني 8 / 144 ) وقد سبق النظامون والمقلدون الذين نحن مدينون لهم بالمقاطع الشعرية .ا

عمر بن أبي ربيعة:

أهم الطوابع الشعرية في الغزل العمري :
1 ـ الآنية والتجدد: إذ أن كلّ قصيدة من قصائد الشاعر هي حبّ جديد يغطي الحبّ السابق وينزل منزلته ، فهـو في قصيدة يتعرف وجها جديدا يفتن بجماله،عاطفته ثم لا تلبث أن تهدأ وهكذا.. . وهذه الصفة تعاكس صفة الديمومة والعمق التي يتصف بها الشعراء العذريون :
ثم قالت للتي معـها لا تديمي نحوه النظرا
إنه يا أخت يصر منا إن قضى من حاجة وطرا
2 ـ الاستعلاء والفخر : وقــد جاءت هــذه الصفة للشاعر مـن كونه ينتسب إلى بيت سيادة وتجتمع فيه الثروة والترف والشباب والجمــال والفراغ وكل ذلك قــد يؤدي بالإنسان أن ينحـو به نحـــو النرجسيـة فيبدو مستعليا على الآخرين مفتخرا بما لديه من صفات :
قالت لها أختها تعابثها لنفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له ليعرفنا ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها: قد غمزته فأبى ثم اسبطرّت تسعى على أثري
3 ـ إيثار الليل : نظر عمر إلى الليل على أنه مصدر السعادة والسرور بعكس المحبين الذين كانوا يرون فيه مصدر الهموم والآلام والأحزان، فليله كما يقول مرح وعبث ولقاء يتمنى أن يطول :
سمون يقلن ألا ليتنا نرى ليلنا دائما أشهرا
4 ـ الحضريــة: وتبدو هــذه الصفة ، صفة التحضر والمدنية والابتعاد عــن البداوة مــن خلال وصف الشاعر للباس وحديث وعطـور وزينة صواحبه، يقــول عمــر فـي وصف رسالة كتبهــا إليــه إحدى صواحبه :
أتاني كتاب لم ير الناس مثله أحدّ بكافور ٍومسكٍ وعنبرُ
5 ـ التفاؤل : يبدو عمر بعكس الشعراء الذين كانوا يبكون ويتألمون بسبب البعد والحرمان فهـــو محب متفاءل إذ أنه قد يترك واحدة لينتقل إلى أخرى ، والنساء وافرة في المجتمع الحضري .



وهل يخفي القمر ؟
عم الرخاء والترف الحجاز في عصر بني أمية، فانصرف الشباب إلى اللهو والغزل بالنساء الجميلات
هيج القلب مغان وصير دراسات قد علاهن الشجر
طلت فيه ذات يوم واقفا أسأل المنزل هل فيه خبر
قلتي قالت لأتراب لها قطف ، فيهن انس وخفر
إذ تمشين بجو مؤنق نير النبت تغشاه الزهر :
قد خلونا فتمنين بنا إذ خلونا اليوم نبدي ما نسر
قلن يسترضينها : منيتنا لو أتانا اليوم في سر عمر
بينما ينعتنني أبصرنني دون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى : أتعرفن الفتى قالت الوسطى : نعم هذا عمر
قالت الصغرى ، وقد تيمتها : قد عرفناه ، وهل يخفى القمر !
ذا حبيب لم يعرج دوننا ساقه الحين إلينا والقدر
فأتانا حين ألقى بركة جمل الليل عليه واسبطر
قد أتانا ما تنمنا غيب الإبرام عنا والقدر
شرح المفردات :
المغاني : مساكن البشر المعمورة – الصير : مفردها صير ، وهي الحظيرة للغنم والبقر – دراسات : ذهبت معالمها – الأتراب : المتقاربات في السن – قطف : مفردها قطوف ، وهي المرأة التي تسير بخطى قصيرة – الإنس : التسلية والمتعة – الجو : الأرض المنخفضة – مؤنق : جميل معجب – تغشاه الزهر : غطاه الزهر – ينعتنني : يذكرن صفاتي – القيد : المقدار – الميل : مسافة ، يعدو بي – الأعز : اركب حصانا له غرة بيضاء وأنا مسرع – لم يعرج دوننا : لم ينزل في مكان آخر من قبل – ساقه الحين إلينا والقدر : جاء اتفاقا ( من غير موعد) وفي هذا الحين – البرك : الصدر ، والقي جمل الليل بركة ، أي : بدا الليل ينزل – اسبطر : امتد – غيب عنا – الإبرام : الملل والسام القدر : التضييق وحجز الحرية .




13 ـ قيس بن الملوح
الغزل العفيف

أ ـ حياته ونشأته : هو قيس بن الملوح بن مزاحم من بني عامر بن صعصعه ، كان من شعراء الغزل العفيف المشهورين في العصر الأموي .
أحب ليلى بنت مهدي من بني عامر بن صعصعة ، واشتهر بمجنون ليلى أو مجنون بني عامر .
كان قيس وليلى في صغر هما يرعيان الغنم لأهلهما عند جبل يقال له (( التوباد)) فنشأت بينهما ناشئة حب استحكمت مع الأيام . ولما اشتهر حب قيس وليلى كره أبوها أن يزوجها له وحملها على القبول بالزواج من رجل آخر فتزوجته كارهة . واشتد هيام قيس بليلى حتى خولط في عقله ثم زال عقله جملة ، ولكنه ظل يذكر ليلى في شعره وهذيانه ، و يحاول زيارتها فأهدر الوالي دمه إن هو حاول الاتصال بليلى .
كانت وفاته سنة 65 هـ أو 68 هـ ، وذلك بعد أهدار دمه بقليل .
لليلى العامرية أشعار قليلة في المجنون ، منها :
باح مجنون عامر بهواه وكتمت الهوى فمت بوجدي
فإذا كان في القيامة نودي من قتيل الهوى ؟ تقدمت وحدي
تركت قصة قيس وليلى أثرا عظيما في الأدبين الفارسي والتركي .
قيس بن الملوح شاعر ورقيق ، حلو الألفاظ ، رائق الأسلوب ، متأجج العاطفة ، وقد نحله الرواة شعراً كثيراً من جنس شعره . جمعت أشعاره في ديوان مطبوع .
ب ـ شخصيته :


ج ـ شعره :




تذكرت ليلى
14 ـ قيس بن الملوح
عرفت بوادي العرب عدداً من العشاق الذي تيمهم الحبالعذري العفيف ، واستولى على قلوبهم وعقولهم ، حتى خرج بهم إلى الجنون ، ومجنون ليلى أشهر هؤلاء العشاق،
وهذه الأبيات من قصيدته المشهورة (( المؤنسة ))
تذكرت ليلى والسنين الخواليا وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا
فليت ركاب القوم لم تقطع الغضا وليت الغضا ماشى الركاب لياليا
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن : أن لا تلاقيا
لحي الله أقواما يقولون : إننا وجدنا طوال الدهر للحب شافيا
خليلي : لا والله لا املك الذي قضى الله في ليلى ، ولا ما قضى ليا
قضايا لغيري ، وابتلاني بحبها فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
فيا رب ، سو الحب بيني وبينها يكون كفافا ، لا علي ولا ليا
فاشهد عند الله أني أحبها فهذا لها عندي ، فما عندها ليا ؟
أحب من الأسماء ما وافق اسمها أو أشبهه ، أو كان منه مدانيا
واني لأستغشي ، وما بي نعسة لعل خيالا ً منك يلقي خياليا
(( ديوان قيس بن الملوح ))
شرح المفردات :
الغضا : نوع من الشجر ، وهو من نبات البادية ، وسكان نجدهم أهل الغضا – لحي الله : فبح ولعن واهلك – الكفاف : ما كان مقدار الحاجة من غير زيادة ولا نقصان – أستغشي : أتغطى ، والغشاء : الغطاء .
مفردات للشرح : الشتيتان – قضى الله – الجوى – المداني .







كثير عزة
ربع عزة
منذ وجد الإنسان على الأرض وجد الحب ، ونهل الناس من مورده العذب ، واكتووا بناره القاسية ، وتناقل الناس قصص العشق وأشعار العشاق.
قال *كثير عزة يشبب بعزة :
خليلي ، هذا ربع عزة فاعقلا قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
ومسا ترابا كان قد مس جلدها وبيتاً وظلا حيث باتت وظلت
وما كنت ادري قبل عزة ما البكا ولا موجعات القلب حتى تولت
هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت
فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ولا شامت إن نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون أن صبابتي بعزة كانت غمرة فتجلت
فو الله ثم الله ، ما حل قبلها ولا بعدها من خلة حيث حلت
واني وتهيامي بعزة بعدما تخليت مما بيننا وتخلت
لكا لمر تجي ظل الغمامة ، كلما ( تبوأ ) منها للمقيل استقلت
شرح المفردات :
أعقلا : اربطا – القلوص : الناقة الفتية – حلت : نزلت وسكنت – بات : قضى الليل – ظل : قضى النهار – تولت : أصبحت واليه على قلبي ، أي : ملكته بحبي لها – مخامر : مخالط – غمرة : شدة عارضة – تجلت : انكشفت وزال أثرها – الخلة : الحبيبة – التهيام : شدة الهيام – تخليت : عزمت على ترك حبها – تبوأ منزلا : نزل به وأقام استقلت : مضت وارتحلت .
مفردات للشرح : استحلت – الجوى – زلت – المقيل .
*هو كثير بن عبد الرحمن من بني خزاعة ( 45 – 105 هـ ) أحب عزة بنت جميل حبا عذريا ، وتزوجت سواه ، فظل محبا صادقا لها ، وماتت قبله فرثاها في عدة قصائد





15 ـ مالك بن الريب15ـ
الرثاء

أ ـ حياته ونشأته : هو مالك بن الريب بن حوط من بني مازن بعض بني تميم .ولد في أول دولة بني أمية ، ونشا في بادية بني تميم بالبصرة .
كان مالك شاعراً جميلاً حين الهيئة شجاعاً فاتكاً ، لا ينام إلا متوشحاً سيفه ، وكان يقطع الطريق مع ثلاثة نفر ، فطلبهم عامل المدنية مروان بن الحكم فهربوا إلى فارس .
فلما ولي سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان سنة ( 56هـ ) لقي مالكا في طريقه فاستصلحه واستتابه ، ثم اصطبحه معه ، وأجرى عليه في كل شهر خمسمائة درهم .
ترك مالك أهله وراءه وسار مع سعيد بن عثمان إلى خراسان ، ويروى أنه لما خرج تعلقت ابنته بثوبه وبكت ، وقالت له : أخشى أن يطول سفرك أو يحول الموت بيننا فلا نلتقي ، فبكى وقال :
ولقد قلت لابنتي وهي تبكي بدخيل الهموم قلبا كئيبا
اسكتي قد حززت بالدمع قلبي طالما حز دمعكن القلوبا
وعند قفول سعيد بن عثمان من خراسان مرض مالك في الطريق ، فلما اشرف على الموت ، سار سعيد وخلف عنده رجلين ، ومات مالك في ذلك الموضع فدفناه . وقال قبل موته قصيدة يرثى بها نفسه ، وكانت وفاته في سنة (56 )هـ وهو في ابان شبابه .

ب ـ شخصيته :


ج ـ شعره : شعر مالك فصيح الألفاظ ، سهل التراكيب ، عذب ، تغلب عليه وحدة الموضوع ، إذ أن فيه وصفاً سائراً وقصصاً متعانقاً ، وهو شعر وجداني يغلب عليه الوصف والحماسة .


شاعر يرثي نفسه
ضرب الفارس العربي في أرجاء الأرض ينشر لواء العدل والحق ، فلما أحس بدنو أجله في بلاد الغربة تذكر دياره وأهله ورثى نفسه

إلا ليت شعري هل أبيتن ليلة بجنب الغضى أزجى القلاص النواجيا
تذكرت من يبكي علي فلم أجد سوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر محبوك يجر عنانه إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيا
صريع على أيدي الرجال بقفرة يسوون قبري حيث حم قضائيا
فيا صاحبي رحلي ، دنا الموت فانزلا برابية ، أني مقيم ، لياليا
وقوما إذا ما استل روحي فهيئا لي السدر والأكفان ثم ابكيا ليا
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي وردا على عيني فضل ردائيا
يقولون : لاتبعد وهم يدفنوني وأين مكان البعد إلا مكانيا ؟
فيا راكباً إما عرضت فبلغن بني مالك والريب : أن لا تلاقيا !
وبالرمل منا نسوة لو شهدنني بكين وفدين الطبيب المداويا
وقد كنت عطافاً إذا الخيل أدبرت سريعاً إلى الهيجا إلى من دعانيا
(( المنتخب من أدب العرب ))
شرح المفردات :
الغضى : شجر ، واحدته غضاة ، ويكثر في نجد – أزجي : أسوق – القلاص : مفردها قلوص ، وهي الفتية من الإبل – النواحي : مفردها ناجية ، وهي الناقة السريعة – الرديني : منسوب إلى ردينة وهي امرأة كانت تقوم الرماح – أشقر ، أي : فرس أشقر – محبوك : قوي شديد – حم : نزل – الرحل : مايوضع على ظهر البعير أو الناقة لركوب الرحال – وصاحبا رحله : الرجلان اللذان كانا معه – السدر : نبات معقم يغسل به الميت منعا لسرعة فساد الجثة – خطا : احتفرا .. المضجع ، هنا : القبر – فضل الرداء : طرفة – لاتبعد : جملة تقال في ندب الميت ، أي : لا تبعد عنا – عرضت : أتيت العارض ، وهي جهة اليمامة من شرقي شبه جزيرة العرب – العطاف : الذي يكر ويحمل في الحرب – أدبرت : انهزمت – الهيجا : الحرب .
مفردات للشرح :
العنان – الأسنة – فدين .

16 ـ جميل بن معمر

ا ـ حياته ونشأته : ولد جميل بن معمرالعذري سنة 40هـ -660م في منطقة وادي القرى شمال الحجاز،بالقرب من المدينة المنورة في منطقة تسمى اليوم العلى – وهي مدائن صالح – وتوفي عام (82هـ ـ 701م ) فـي مصر بعـد أن ترك الحجاز بسبب فشله فـي الوصول إلـى ما أراد من الزواج من ابنة عمه بثينة . وعادة قبيلة عذرة أنه إذا اشتهر الحب بين رجل وامرأة رفض أهلها تلك المرأة لذلك الرجل وهذا ما حدث مع جميل ، حيث تزوجت بثينة وعاد إلى ذكرها في شعره مشكاة أهلها إلى الوالي الذي أهدر دمه فرحل إلى الشام ثم إلى مصر .
ب ـ شخصيته : يحمــل جميل بن معمــر نفسية صريحة تتسم بالبساطة والسذاجة والوضــوح اهتـــم بالجانب الروحي مــن العشق وكرّس حياته دون أن يصل إلى الهدف ، وقد وصفه مؤرخو الأدب بأنه عاشق متيم عصف الحب بقلبه وعبر عن ذلك بأشعار تدل على توحده في القضية التي يبحث عنها. وقد حلل النقاد المهتمون بالجانب النفسي من الأدب شخصيات الشعراء العذريين فذهب بعضهم إلــى أن هذا النوع من العشق والغرام ما هو إلا عقدة نفسية لم يستطع هؤلاء الشعراء التخلص منها ، وهــي من وجهة نظرهم ظاهرة نقص ، لا ظاهرة كمال . وذهب آخرون إلى أن العذريين أكثر الناس صدقا فهــم قــد بلغــوا بذلك بعض الكمال الإنساني مــن حيث الوفاء للقضية التي يدافعون عنها .
ج ـ جوانب شعره: صوّرجميل بن معمر في معظم أشعاره صور صورة معشوقته بثينة بأجمل تصوير ، وعبّر عن عواطفه الصادقة تجاهها وبكى واشتكى مما كان يلاقيه من العنت والعذاب والمرارة أثناء ابتعاده عنها فهو شاعر يحمل الفتى الغزل الذي يقنع من دنياه بالقليل من الحب ، ولو كان ذلك بكلمة (لا) أو كلمة ( أن ) ، أو بالمنى وبالأمل أو بالنظرة الواحدة :
وإنــي لأرضــى مــن بثينة بالـذي لو بصره الواشي لقرّت بلابله
بلا وبأن لا أستطيـــــع وبالمنـــــى وبالأمل المرجوّ قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي أواخـره لا نلتقـي وأوائلـــــــه
وجميل محب يملك قلبه الحب على الرغم من مطالبته بالقليل :
لها في سواد القلب بالحب ميتة هي الموت أوكادت على الموت تشرف
وما ذكرتك النفس يا بثن مـرة من الـدهـر إلا كادت النفس تتلف
وكثيرا ما كان شاعرنا يتمنى بعد غيابه عن وادي القرى أن يبات ليلة واحدة في مسقط رأسه وأن يلتقي ولو مرة واحدة بثينة :
ألا ليت شعري هل ابيتنّ ليلة بوادي القرى إني اذن لسعيد
وهـل ألقينْ فــردا بثينة مرّة تجـود لنا مـن ودّها ونجــود
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل إلى اليوم ينمي حبّها ويزيــد
وقد كان الشاعر يتمنى أن يزداد عمر بثينة ولو كان ذلك نقصا من عمره ، ويعتبر أن شفاؤه وسعادته معلقة بيدها حتى أن الناس إذا رأوه هزيلا نسبوا ذلك إلى بثينة :
وددت علـى حب الحياة لو أنها يزداد لها من عمرها من حياتيا
وأنت التي إن شئت كدرت عيشي وإن شئت بعد الله أنعمت باليـا
وأنت التي ما من صديق ولا عدى يرى يفنو ما أبقيت إلا رثى ليـا
وفي الوقت الذي كان فيه بنو أمية مشغولين بالجهاد والفتوح كان جميل ينشد بعض أشعاره لائما إياهم على دعوته للجهاد :
يقولون جاهد ياجميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريـد
لكـل حديث عندهن بشاشة وكل قتيل بينهن شهيـد
ولم يتغنى جميل بحب بثينه إلا بعاطفة صادقة ولسان عفيف وصبابة مشوبة بنغمة حزن تملئ نفس الشاعر وتأخذ قلبه كلّه .




17 ـ ميسون بنت بحدل
الحنين إلى البادية

تزوجها معاوية ، ونقلها من مضارب عشيرتها بالبادية إلى قصره في الشام ، ولكنها زهدت بالحضارة ، وحنت إلى بساطة العيش في الخيام ، حيث مسقط رأسها .

لبيت تخفق الأرواح فيه أحب إلي من قصر منيف
وكلب ينبح الطراق عني أحب إلي من قط ألوف
ولبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف
واكل كسيرة في كشر بيتي أحب إلي من أكل الرغيف
وأصوات الرياح بكل فخ أحب إلي من نقر الــدفوف
وخرق من بني عمي نحيف أحب إلي من عــلج عنيف
خشونة عيشتي في البدو أشهى فحسبي ذاك من وطن شريف
شرح المفردات
الأرواح : جمع ريح – منيف : مرتفع ، شاهق – الطرق : جمع طارق : الأتي ليلا – الشفوف : جمع شف وشف : الثوب الرقيق – الكسر : الجانب من البيت الخرق : الكريم السخي – العلج : الرجل الضخم القوي .




قراءة في نص ميسون بنت بحدل
كانت ميسون ابنة زعيم من زعماء بني كلب ، وهي من اكبر القبائل القحطانية التي ثبتت حكم بني أمية ، فحاربت القبائل القيسية في مرج راهط ، وانتصرت عليها ، وتعزيزاً لهذه الصلة تزوج معاوية ميسون ، ونقلها إلى قصره في الشام ، غير أنها ظلت تحن إلى موطنها الأصلي في جنوبي تدمر مضارب قبيلتها ، ولم تستهوها حياة المدن وقد الفت البداوة وفطرتها وصفاءها ...تقول ميسون : إن بيت الشعر الذي تلعب الرياح بأطرافه من كل صوب أحب إلي من قصر الخلافة الشاهق ، والكلب الذي ينبح القادمين ليلا أفضل عندي من قط مدلل في بيوت المدنية ، والعباءة التي ترتديها البدوية خير من الحرير الشفاف الذي ترتديه المدنيات ، وكسره الخبز أتناولها في شق البيت بالبادية أشهى إلى نفسي من أطيب الطعام في القصور ، وغناء الرياح الصافرة في البادية أشهى إلى قلبي من سماع الألحان ومجالس الطرب في البلاط ، والبدوي الكريم من أبناء قبيلتي الذي يطعم ضيوفه ويحرم نفسه القوت أحب عندي من المدني الغريب الذي لأهم له إلا لذائذ نفسه ولا يحمل من اللطف والوداعة وحسن المعشر ما يحمله ابن البادية ، والحياة في موطني على شظفها أطيب عندي من كل جديد في المدن ، ولن استبدل بوطني وطنا آخر ، وأكرم به من وطن !
تكشف الأبيات عن إحساس هذه المرأة العربية الأصلية بالاغتراب أو التغرب ، وهو شعور نلمحه عند كثير من شعراء بني أمية في هذه الفترة ، فقد خرج العرب من جزيرتهم إلى بيئة جديدة لم يألفوها ، وانتقل قسم كبير منهم من حياة البداوة بما فيها من قيم وعادات أصلية إلى حياة المدن ، بما فيها من قيم مادية ونزعة استهلاكية وميل إلى الترف واللهو والتمتع وأدى ذلك التحول إلى صراع نفسي بين الفطرة ، وعالم المدن المصطنع ، والتغرب هو شعور الإنسان بعدم الانسجام مع الوسط الذي يعيش فيه ورفضه القيم التي تفرضها البيئة الجديدة في مواجهة القيم الموروثة ، وقد لا حظت الإحساس بالاغتراب والتعرب واضحا عند الشعراء الصعاليك ، فقد اثروا معاشرة الوحوش والعيش في مجاهل الصحراء حين واجهوا محنة الصراع بين قيمهم وقيم المجتمع المادية من حولهم ...
وميسون تعلل تفضيلها حياة البادية بقالحنين إلى الوطن غير إن موقفها من الحضارة والمدنية يكشف عما هو ابعد من الحنين ، فهي تنشد في وطنها الأصلي قيما وعادات وشيما لم تجدها في حياتها المدنية ، فلم تتمكن من الانسجام مع واقعها الجديد .
والمرء يعجب حقا بموقف هذه البدوية الأصيل من الحضارة المادية ، وتمسكها بأصولها بالرغم من ميل المرأة عموما إلى حياة الترف ، وما أحوجنا في عصرنا هذا الذي سادت فيه القيم المادية وانحسرت كثير من القيم العربية الأصلية إلى إن نقتدي بها ، لنسترد ذاتنا الطبيعية ، ونتخلص من براثن المدنية الغربية ، وما جرت من مغريات هدفها استغلالنا ، وامتصاص طاقاتنا ، وأضعاف صمودنا القومي ، وقد أثرنا الحياة المدنية ، والنزوح من الريف إلى المدن .
والشاعرة تعرض مشاعرها ببساطة متناهية في التعبير تقوم على مقابلات بين شطري كل بيت بين جمال العيش في البادية حيث البراءة و البساطة والصفاء والنبل وحياة المدينة حيث النزعة المادية والاستهلاك ، وتعمد إلى التصوير الحسي الساذج من خلال الكنايات والبديع غير المتكلف (( كسبرة وكسر )) ...
وصفوة القول فان أبيات ميسون تمثل رفض العربي لقيم المدينة الفردية ، وحنينا إلى الأصول التي كادت صورتها تبهت بتأثير المدينة الجديدة الوافدة ..





الباب الخامس
نصوص مختارة من الشعر
في عصر بني أمية

1 ـ من الشعر السياسي : حزب الخوارج
الطرماح بن حكيم الطائي
قال يصف حياة الخوارج :
لله در الشـراة أنهم إذا الكـرى مال بالطـلى ارقوا
يرجـعون الحنـين آونة فان علا ساعة بـهم شهـقوا
قوم شحاح على اعتقادهم بالفوز مما يخاف قد وثقوا
وقال الطرماح أيضا :
واني لمقتاد جوادي وقاذف به وبنفسي العام إحدى المقاذف
قيا رب إن حانت وفاتي فلا تـكن على شرجع يعلى بخضر المطارف
فأقتل قعصا ثم يرمى بأعظمي كضغث الخلى بين الرياح العواصف
معاذ بن جوبن :
ألا أيها الشارون قد حان لامرئ شرى نفسه لله أن يترحلا
فشدوا على القوم العداة فإنما إقامتكم للذبح رأيا مضللا
فيا ليتني فيكم على ظهر سابح شديد القصيري دارعا غير اعزلا
يعز علي أن يخافوا وتطردوا ولما اجرد في المحلين منصلا
فيا رب جمع قد فللت وغارة شهدت وقرن قد تركت مجدلا
سبرة بن الجعد
لما بلغت أبيات قطري سبرة أخذ سلاحه ولحق بالشراة وترك للحجاج الأبيات التالية :
فمن مبلغ الحجاج أن سميرة قلى كل دين غير دين الخوارج
فأقبلت نحو الله بالله واثقا وما كـربتي غير الإله بفارج
إلى عصبة أما النهار فإنهم هم الأسد أسد الغيل عند التهايج
وأما إذا ما الليل جن فإنهم قيام بأنواح النساء النواشج

يزيد بن حبناء :
قال يصور حياة الخوارج ويصف قتالهم جيش المهلب بسابور :
دعي اللوم إن العيش ليس بدائم ولا تعجلي باللوم يا أم عاصم
يريد ثواب الله يوما بطعنة غموس كشدق العنبري بن سالم
حلفت برب الواقفين عشية لدى عرفات حلفة غير آثم
لقد كان في القوم الذين لقيتهم بسابور شغل عن بزور اللطائم
عيسى بن فاتك :
وجه عبيد الله بن زياد اسلم بن زرعة في ألفين لقتال أبي بلال الخارجي ، فهزمه أبو بلال وهو في أربعين رجلا ً ، فقال عيسى بن فاتك الخارجي في ذلك :
فلما أصبحوا صلوا وقاموا إلى الجرد العتاق مسو مينا
أألفا مؤمن فيما زعمتم ويهز مهم باسك أربعونا
هم الفئة القليلة غير شك على الفئة الكثيرة ينصرونا

عمران بن حطان
لقد زاد الحياة إلي بغضا وحبا للخروج أبو بلال
أحاذر أن الموت على فراشي وأرجو الموت تحت ذرا العوالي
ولو أني علمت بان حتفي كحتف أبي بـلال لـم أبال
فمن يك همه الدنيا فاني لها والله رب البيت قال
وقال عمران أيضا يرثي أبا بلال :
ياعيني بكي لمرادس ومصرعه يارب مرداس اجعلني كمرداس
تركتني هائما أبكي لمرزئتي في منزل موحش من بعد إيناس
أنكرت بعدك ما قد كنت اعرفه ما الناس بعدك يامرداس بالناس
أما شربت بكاس دار أولها على القرون فذاقوا جرعة الكاس
فكل من لم يذقها شارب عجلا منها بأنفاس ورد بــعد أنفاس
مصقلة بن عتبان
قال يفاخر بني أمية بمن كان من الخوارج من قبيلة بكر وبتهددهم :
وابغ أمير المؤمنين رسالة وذو النصح لا إن لم يرع منك قريب
فانك أن لا ترض بكر بن وائل يمن لـك يـوم بالعراق عصيب
فان يـك مـنكم كـان مروان وابنه وعمرو ومنكم هـاشم وحـبيب
فمنا سويد والبطين وقعنب ومنـا أمير الـمؤمنين شبيـب
غـزالة ذات الـنذر مـنا حميدة لـها في سـهام المسـلمين نصيب
ولا صـلح مادامت منابر أرضنا يقوم عليها من ثقيف خـطيب
عمرو بن الحصين :
قال يذكر وقعة قـديد وأمر مـكة ودخول الخوارج إياها و يرثي قتلى الإباضية في تلك الموقعة ويصف حياة الخوارج :
مـا بـال همك ليـس بـعازب يـمري سوابق دمعك المتـساكـب
وتبيت تـكتلـئ النجوم بمقلة عبرى تـسر بكل نـجم دائـب
حذر المنية المنية أن تجيء بداهة لم اقض من تبع الـشراة مـآربي
فأقود فيهم الـعدى شبح النسا عبل الشوى أسوان ضـمر الحـالب
أرمي به مـن جمع قومي معشرا بـورا إلى جبريـة و مـعايب
في فتـية صبـر الفـهم بـه لـف الـقداح يـد المفيض الضارب
فنذور نحن وهم وفيما بيننا كاس المنون تقول هل من شارب
فنظل نسقيهم ونشرب من قنا سمر و مرهفة النصول قواضب
كم من أولي مقة صحبتهم شروا فخذلتهم ولبئس فعل الصاحب
متأوهين كـان في أجوافهم نارا تـسعرها اكـف حـواطب
تلقاهم فتـراهم مـن راكـع أو سـاجد متـضرع أو ناحب
يتلو قوارع تمتري عبراته فيجود هامري المـري الحـالب
ومبرئين من المعايب أحرزوا خصل المـكارم أتقياء أطايب
عدوا صوارم للجلاد وباشروا حـد الظباب بآنف وحـواجب
ناطور أمورهم بأمر أخ لهم فرمى بهم قحم الطريق اللاحب
متسر بلي حلق الحديد كأنهم أسد على لحق البطون سـلاهب
قيدت من أعلى حضر موت فلم تزل تنفي عـداها جـانبا عن جـانب
حتى وردن حياض مـكة قطنا يحكين واردة اليـمام الـقارب
ما أن أتين على أخي جبرية إلا تركــنهم كأمس الـذاهب
في كـل معترك لـهم من هامـهم فـلق وأيد عـلقت بمناكـب
سـائل بيوم قديد عن وقعاتها تخبرك عن وقعاتها بعجائب




وقال عمرو بن الحصين أيضا يرثى عبد الله بن يحيى وأبا حمزة الخارجي ومن قتل أصحابها ويصف حياة الخوارج :
هبـت قبيل تبلـج الـفجر هـند تـقول ودمـعها يـجري
أن أبصرت عيني مدامعها ينهل واكـفها على النـحر
أني اعتراك وكـنت عـهدي لا سـرب الدموع وكنت ذا صبر
أقذى بـعينك مـا يـفارقـها أم عائـر أم مالـها تذري
أم ذكـر إخوان فجـعت بـهم سلــكلوا سبيـلهم على خبر
فأجبتها بل ذكـر مصرعهم لا غيره عبراتـها يمري
يــارب أسلـكني سـبيلهم ذا العرش واشدد بالتقى أزري
في فتية صـبروا نفوسـهم للمـشرفية والقـنا الســمر
تالله القي الدهر مثلهم حتى أكون رهــينة الــقبر
متأوهون لـكل صالـحه ناهون مـن لا قوا عن النــكر
صمت إذا احتضروا مجالسهم وزن لـقول خطيبهم وقــر
متأوهون كأن جمـر غضـى للخوف بين ضلوعهم يسري
تــلقاهم إلا كأنهم لخـشـوعهم صدروا عن الحـشر
فهم كان بهم جوى مرض أو مـسـهم طرف من السـحر
لا ليلهم ليل فيلبسـهـم فيه غواشي النوم بالسـكر
إلا كــذا خـلسـا وآونة حـذر الـعقاب وهم على ذعر
كـم من أخ لك قـد فجعت به قـوام ليلـته إلى الفجر
متأوه يتــلو قوارع مـن أي الـقران مـفرغ الـصدر
ظمآن وقدة كــل هــاجرة تراك لذته على قدر
لا شيء يلــقاه اســر له من طعنة في ثـغرة الـنحر







2 ـ حزب الشيعة
كثير بن عبد الرحمن
قال لما سجن عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية في سجن عارم بمكة :
ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منى من الناس يعلم انه غير ظالم
سمي النبي المصطفى وابن عمه وفكاك أغلال ونفـاع غـارم
أبى فهولا يشري الضلالة بالهدى ولا يتقي في الله لومـة لائـم
ونحن بحمد الله نتلو كـتابه حلولا بهذا الخيف خيف المحارم
بحيث الحمام امن الروع ساكن وحيث العدو كالصديق المسالم
فما فـرح الـدنيا بباق لأهله ولا شـدة الـبلوى بـضربة لازم
تخبر من لا قيت انك عائد بل العائذ المظلوم في سجن عارم
سليمان بن قنة :
قال يرثي الحسين بن علي ويتوعد القبائل التي شاركت في قتله :
مررت على أبيات إلا محمد فـلم أرها أمثالها يـوم حـلت
الم تر أن الشمس أضحت مريضة لفقد حسين والبلاد اقشعرت
إلا أن قتلى الطف من آل هاشم أذلت رقاب المسلمين فذلت
وكانوا غيابا ثم أضحوا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجـلـت
أتسألنا قيس فنـعطي فقيرها وتـقتلـنا قـيس إذا الـنعل زلـت
وعند غني قطرة من دمائنا سنطلبها يوما بها حيث حـلت
فلا يبعد الله الديـار وأهلها وان أصبحت منهم برغمي تخـلت

عوف بن عبد الله بن الأحمر وقلت لأصحابي أجيبوا المناديا
وقولوا له إذ قام يدعو إلى الهدى وقبل الدعا : لبيك لبيك داعيا
ألا وانع خير الناس جدا ووالدا حسينا لأهل الدين إن كنت ناعيا
ليبك حسينا مر مل ذو خصاصة عديم وأيتام تشكى المواليا
لحا الله قوما أشخصوهم وعردوا فلم ير يوم البأس منهم محاميا
فأضحى حسين للرماح دريئة وغودر مسلوبا لدى الطف ثاويا
فياليتني إذ ذاك كنت شـهدته فضاربت عنه الشانئين إلا عاديا
سقى الله قبرا ضمن المجد والتقى بغربية الطف الغمام الغواديا
فيا امة تاهت وضلت سفاهة أنيبوا فارضوا الواحد المتعاليا
الفضل بن عبد الرحمن بن العباس :
قال يرثي زيد بن علي ويحرض أشياعه على الثار له :
ألا ياعين لا ترقي وجودي بدمعك ليس ذا حـين الــجمود
غداة ابن النبي أبو حسين صليب بالـكناسة فـوق عود
يظل على عمودهم ويمسي بنفسي أعظم فوق العمود
تعدى الكافر الجبـار فيه فأخرجه مـن الـقبر اللـحيد
فـظلوا يـنبشون أبا حسين خـضيبا بينهم بـدم جـسيد
فطال به تلعـبهم عتوا ومـا قـدروا على الـروح الصعيد
وجاور في الجنان بني أبيه وأجدادا هـم خـير الـجدود
فكـم مـن والد لأبي حسين من الشـهداء أو عـم شـهيد
وكيف تـضن بالعبرات عيني وتطمع بعد زيـــد في الهـجود
وكـيف لها الرقاد ولم تراءى جيـاد الخيل تعـدو بالأسود
تجمع للـقبائل مـن مـعد ومن قحطان في حـلق الحديد
كتائب كلـما أردت قتيلا تنادت أن إلى الأعداء عـودي
بأيديهم صفائح مـرهفات صوارم أخلصت من عـهد هود
بها نسقي النفوس إذا التقينا ونقتل كـل جبـار عنيد
ونحكم في بني الحـكم العوالي ونجعلهم بـها مـثل الـحصيد
أبو ثميد الأبار :
قال يرثي زيد بن علي ويصور حياة آل البيت :
يا أبا الحسين أعار فقدك لـوعة من يلق مالـقيت منـها يـكمد
فعرا السهاد ولو سواك رمت به الأقدار حيث رمت به لم يسهد
ونقول : لا تبعد وبعدك داؤنا وكـذاك من يلـق المنية يبـعد
كنت المؤمل للعظائم والنـهي تـرجى لأمر الأمة الـمتأود
فطلبت غـاية سابقين فـنـلتها بالله في سـير كريم الـمورد
وأبى إلاهك أن تموت ولم تسـر فيهم بسيرة صادق مستنجد
والقتل في ذات إلا له سجـية منـكم وأحرى بالفعـال الأمجد
والناس قد امـنوا وال محمد من بين مقتـول وبـين مـشرد
نـصب إذا ألقى الظلام ستوره رقـد الحـمام وليـلهم لم يـرقـد
ياليت شعري والخطـوب كثيرة أسباب مـوردهـا وما لم يورد
ما حـجة المسـتبشرين بـقتلـه بالأمس أو ما عـذر أهل المسجد

أعشى همدان :
قال يذكر إيقاع مصعب بن الزبير بالمختار وأتباعه :
إلا هل أتاك والأبناء تنمى بـما لاقـت بجيـله بالـمذار
أتيح لهم بها ضرب طلخف وطعن صائب وجه النهار
كان سحابة صعقت عليهم فعمتهم هنالك بالدمار
فبشر شيعة المختار إما مررت على الكويفة بالصغار
اقر العين صرعاهم وفل لـهم جـم يـقتل بالـصحاري
وما إن سر لي إهلاك قومي وان كانوا وجدك في خبار
ولكني سررت بـما يـلاقي أبو إسحاق من خزي وعار
سائر المناهضين لبني أمية :
أعشى همدان :
قال يمدح عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ويحرضه على قتال الحجاج :
مــن مـبلغ الـحجاج أني قـد جنيت عـليه حـربا
وصفـقت في كـف امرىء جـلد إذا مـا الأمر عـبا
يا بن الأشج قريع كندة لا أبالي فيك عتبا
أنت الرئيس ابن الرئيس وأنت أعلى الناس كعبا
نبئت حجاج بن يو سف خر من زلق فتبا
فانهض فديت لـعله يجلو بك الرحـمن كربا
فإذا جعلت دروب فا رس خلفهم دربا فدربا
فابعث عطية بالخيو ل يكبهن عليه كـبا
وقال أيضا يتوعد الحجاج ويهجوه ويمدح ابن الأشعث :
إن ثقيفا منهم الكذابان كذابها الماضي وكذاب ثان
أمكن ربي من ثقيف همدان يوما إلى الليل يسلى ما كان
إنا سمونا للكفور الفتان حين طغى في الكفر بعد الإيمان
بالسيد الغطريف عبد الرحمن سار بجمع كالدبى من قحطان
ومن معد قد أتى ابن عدنان بجحفل جم شديد الإرنان
فقل لحجاج ولي الشيطان يثبت لجمعي مذحج وهمدان
فإنهم ساقوه كاس الذيفان وملقوه بقرى ابن مروان

أبو جلدة اليشكري :
قال يحرض أهل الكوفة على قتال الحجاج يوم الزاوية :
العمري لأهل الشام اطعن بالقنا وأحمى لما تخشى عليه الفضائح
تركنا لهم صحن العراق وناقلت بنا الأعوجيات الطوال السرادح
فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
بكين إلينا خشية أن تبيحها رماح النصارى والسيوف الجوارح
بكين لكما يمنعوهن منهم وتأبى قلوب أضمرتها الجوانج
نادينا أين الفرار و كنتم تغارون أن تبدو البرى والوشائح
أأسلمتمونا للعدو على القنـا إذا انتزعت منها القرون النواطح
فما غار منكم غائر لحليلة ولا عزب عزت عليه المناكـح
- ثابت قطنة :
قال يرثي بن المهلب ويتوعد بني أمية :
أبى طول هذا الليل أن يتصرما وهاج لك الهم الفؤاد المتيما
أرقت ولم تأرق معي أم خالد وقد راقت عيناي حولا مجرما
على هالك هد العشيرة فقده دعته المنايا فاستجاب وسلما
على ملك ياصاح بالعقر جبنت كتائبه واستورد الموت معلما
أصيب ولم اشهد ولو كنت شاهدا تسليت إن لم يجمع الحي مأتما
وفي غير الأيام ياهند فاعلمي لطالب وتر نظرة إن تلوما
فعلي إن مالت بي الريح ميلة على ابن أبي ذبان أن يتندما
أمسلم إن يقدر عليك رماحنا نذقك بها قيء الأساود مسلما
وان نلق للعباس في الدهر عثرة نكافئه باليوم الذي كان قدما
قصاصا ولا نعدو والذي كان قد أتى إلينا و إن كان ابن مروان اظلما
ستعلم إن زلت بك النعل زلة واظهر أقوام حياء مجمجما
من الظالم الجاني على أهل بيته إذا أحصرت أسباب أمر وأبهما





3 ـ الحزب الأموي
عبد الله بن همام السلولي :
قال يحض يزيد بن معاوية على البيعة لابنه معاوية الثاني ويرثي معاوية بن أبي سفيان :
تعزوا يا بني حرب بصبر فمن هذا الذي يرجو الخلودا
لـقد وارى قليبـكم بيـانـا وحلمـا لا كـفاء له وجودا
وجدناه بغيضا في الأعادي حبيبا في رعيته حميدا
فقد أضحى العدو رخي بال وقد أمسى التقي به عميدا
فعاض الله أهل الدين منكم ورد لنا خلافتـكم جديدا
مجانبة المحاق وكل نحس مقاربة الأيامن و السعودا
خلافة ربكم كونوا عليها كما كنتم عنابسة اسودا
أديروها بني حرب عليكم ولا ترموا بها الغرض البعيدا
تلقفها يزيد عن أبيه وخذها يا معاوي عن يزيدا
فإن ديناكم بكم اطمأنت فأولوا أهلها خـلقا سديدا
وان ضجرت عليكم فاعصبوها عصابا تستدر به شديدا

- النابغة الشيباني :
قال يمدح عبد الملك بن مروان وبني أمية ويؤيد توليه عبد الملك العهد ابنه الوليد بعده
أزحت عنـا آل الـزبير ولـو كانوا هم المالكين ماصلحوا
إن تلق بلوى فأنت مصطبر وان تلاق النعمى فلا فرح
آل أبي العاص آل مأثرة غر عتاق بالخير قد نفخوا
خير قريش وهم أفاضلها في الجد جد وان هم مزحوا
أرحبها اذرعا وأصبرها انتم إذا القوم في الوغى كـلحوا
أما قريش فأنت وارثتها تـكلف من صعبهم إذا طمحوا
حفظت ما ضيعوا وزندهم أوريت إذا صلدوا وقدقد حوا
آليت جهدا وصادق قسمي برب عــبد تـجنه الكـرح
يظل يتلو الإنجيل يدرسه من خشية الله قلبه طفح
لابنك أولى بملك والده ونجم من قد عصاك مطرح
داود عدل فاحـكم بسيرته ثم ابن حرب فإنهم نصحوا
وهم خيار فاعمل بسنتهم واحي بخبروا كـدح كما كـدحوا
- عبد الله بن خارجة الشيباني :
قال يحرض عبد الملك بن مروان على قتال عبد الله بن الزبير :
آل الزبيـر من الخلافة كالتي عجل النتاج بحملها فأحالها
أو الضعاف من الحمولة حملت مالا تطيق فضيعت أحمالها
قوموا إليهم لاتناموا عنهم كـم للغواة أطلتم إمهالها
إن الخلافة فيكم لا فيهم مازلتـم أركانها و ثمالها
أمسوا على الخيرات قفلا مقفلا فانهض بيمنك فافتتح أقفالها

- أبو العباس الأعمى :
قال يمدح بني أمية ويحرضهم على قتال عبد الله بن الزبير :
ابني أمية لا أرى لكم شبها إذا مـا التفت الشيع
سعة وأحلاما إذا نزعت أهل الحلوم فضرها النزع
الله أعطاكم وان رغمت من ذاك انف معاشر رتعوا
ابني أمية غير أنكم والناس فيما اطمعوا طمعوا
أطمعتم فيـكم عدو كم فسما بهم في ذاكـم الطمع
فلو أنكم كنتـم لقولـكم مثل الذي كانوا لـكم رجعوا
عما كرهتم أو لـردهم حـذر العقوبة أنها تزع
وقال أيضا يمدح بني أمية :
ليت شعري أفاح رائحة المسك وما إن أخال بالخفيف انسي
حـين غـابت بنو أمية عنـه والبهاليل من بني عبد شمس
خطباء على المنابر فرسان عليها وقالة غير خرس
لا يعابون صامتين وان قا لوا أصابوا و لم يقولوا بلبس
بحلو ماذا الحلوم تقضت ووجوه مثل الدنابير ملس







- عدي بن الرقاع العاملي
قال يذكر قتال عبد الملك مصعب بن الزبير بمسكن :
لعمري لقد أصحرت خلينا بأكناف دجـلة لـلمصعب
إذا ما منافق أهل العرا ق عوتب ثمت لم يعتب
دلفنا إليه بذي تـدرا قليل التفقد للـغيب
يهزون كل طويل القنا ة ملتئم الـنصل والـثعلب
كان وعاهم إذا ماغدوا ضجيج قطا بلد مخـصب
فقدمنا واضـح وجهة كريم الضـرائب والمنصب
أعين بنــا ونـصرنا به ومن ينصر الله لم يغلب

- البعيث اليشكري :
قال يذكر مقتل مصعب ويؤيد بني أمية :
ولما رأينا الأمر نكسا صدوره وهم الهوادي أن تكن تواليا
صبرنا لأمر الله حتى يقيمه ولم نرض إلا من أمية واليا
ونحن قتلنا مصعبا وابن مصعب أخا أسد والنخعي لليمانيا
ومرت عقاب الموت منا بمسلم فأهوت له نابا فأصبح ثاويا
سقينا ابن سيدان بكاس روية كفتنا وخير الأمر ما كان كافيا
- أبو صخر الهذلي :
قال يذكر مقتل ابن الزبير ويمدح عبد الملك بن مروان وبني أمية :
وفد أمير المؤمنين الذي رمى بجأواء جمهور تمور إكامها
من ارض قرى الزيتون مكة بعدما غلبنا عليها واستحل حرامها
وإذ عاث فيها الناكثون وافسدوا فخافت فواشيها وطار حمامها
فصبحهم بالخيل تزحف بالقنا وبيضاء مثل الشمس يبرق لامها
لهم عسكر ضافي الصفوف عرموم وجمهورة يثني العدو انتقامها
فظهر منهم بطن مكة ماجد أبي شباة الضيم حين يسامها
- عبد الله بن الزبير الأسدي :
لما قتل عبد الله بن الزبير دخل ابن الزبير الأسدي على عبد الملك فقال الأبيات التالية يمدحه فيها ويهجو ابن الزبير :
مشى ابن الزبير القهقرى فتقدمت أمية حتى أحرزوا القصبات
وجئت المجلي يابن مروان سابقا أمام قريش تنقض العذرات
فلا زلت سباقا إلى كل غاية من المجد نجاء من الغمرات
- خلف بن خليفة الربعي :
قال يذكر ولاء قومه ربيعة لبني أمية وامتناع سيدهم يحي بن حضين من محالفة الحارث بن سريج حين ثار على بني أمية بخراسان :
حفظنا أمية في ملـكها ونخطر من دونـها أن تراعا
ندافع عنها وعن ملكـها إذا لم نجد بيديها امتناعا
الم نختطف هامة ابن الزبير وننزع الملك منه انتزاعا
جعلنا الخلافة في أهلها إذا اصطرع الناس فيها اصطراعا
نصرنا أمية بالمشرفي إذا انخلع الملك عنها انخلاعا
على ابن سريج نقضنا الأمور وقد كان احكمـها ما استطاعا
فقل لامية ترعى لنـا أيادي لم نجزها واصطناعا


















4 ـ الشعر الديني والزهدي
- الطرماح بن حكيم :
كل حي مستكمل عدة العمر ومود إذا انـقضى عدده
عجبا مـا عجبت للجامع الما ل يباهي به ويـرتفـده
ويضيع الذي يصيره اللــه إليه فليس يعتقده
يوم لا ينفع المخول ذا الثر وة خلانـه و لا ولـده
يوم يؤتي به وخصماه وسط الجن والإنس رجله ويده
خاشع الصوت ليس ينفعه ثم أمانيه و لا لــده
قل لباكي الأموات لايبك للنا س ولا يستنع به فنده
إنما الناس مثل نابتة الزر ع متى يأن يأت محتصده

- كثير عزة :
قال في تقرير مذهب الكيسانية :
إلا إن الأئمة من قريش ولاة الحـق أربعة سـواء
علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء
فبسط سبط إيمان وبر وسـبط غيبته كـربلاء
وسبـط لا تراه العين حتى يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا برضوى عنده عسـل و ماء
- ثابت قطنة :
قال في بيان عقيدة المرجئة :
ياهند إني أظن العيش قد نفدا ولا أرى الأمر إلا مدبرا نـكدا
إني رهينة يوم لست سابقة إلا يكن يومنا هذا فقد أفدا
بايعت ربي بيعا إن وفيت به جاورت قتلى كـراما جاوروا أحدا
ياهند فاستمعي لي إن سيرتنا إن نعبد الله لم نشرك به أحدا
نرجي الأمور إذا كانت مشبهة ونصدق القول فيمن جار أو عندا
المسلمون على الإسلام كلهم والمشركون أشتوا دينهم قددا
ولا أرى إن ذنبا بالغ أحدا م الناس شركا إذا ماوحدوا الصمدا
لا نسفك الدم إلا إن يراد بنا سفك الدماء طريقا واحدا جددا
من يتق الله في الدنيا فإن له اجر التقي إذا وفى الحساب غدا
وما قضى الله من أمر فليس له ردو مايقض من شيء يكن رشدا
كل الخوارج مخط في مقالته ولـو تـعبد فيما قال واجتهدا
أما علي وعثمان فإنهما عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا
وكان بينهما شغب وقد شهدا شق العصا وبعين الله ماشهدا
يجزي علي وعثمان بسميهما ولست ادري بحق أية وردا
الله يعلم ماذا يحضران به وكل عبد سيلقي الله منفردا
- نصر بن سبار
قال يعظ القوم ويحمل على المرجئة ويحث على مجاهدتهم :
دع عنك دنيا وأهلا أنت تاركهم ما خير دنيا وأهل لا يدومونا
إلا بقيـة أيام إلى اجل فاطلب من الله أهلا لا يموتونا
وأكثر تقي الله في الإسراء مجتهدا إن التقى خيره ما كان مكنونا
واعلم بأنك بالأعمال مرتهن فكن لذاك كثير الهم محزونا
إني أرى الغبن المودي بصاحبه من كان في هذه الأيام مغبونا
تكون للمرء أطوار فتمنحه يوما عثارا وطورا تمنح اللينا
بينا الفتى في نعيم العيش حوله دهر فأمسى به عن ذك مزبونا
تحلو له مرة حتى يسر بها حينا وتمقره طعما أحايينا
هل غابر من بقايا الدهر تنظره إلا كما قد مضى فيما تقضونا
فامنح جهادك من لم يرج آخره وكن عدوا لـقوم لا يـصلونا
واقتل مواليهم منا وناصرهم حينا تكفرهم والعنهم حينا
والعائبين علينا ديننا وهم شر العباد إذا خابرتهم دينا
والقائلين سبيل الله بغيتنا لعبد ما نـكبوا عما يقولونا
فاقتلهم غضبا لله متنصرا منهم به ودع المرتاب مفتونا
إرجاؤكم لزكم والشرك في قرن فانتم أهل إشراك ومرجونا
لا يبعد الله في الأجداث غير كم إذ كان دينكم بالشرك مقرونا
القي به الله رعبا في نحوركم والله يقضي لنا الحسنى ويعلينا


5 ـ الشعر القبلي
زفير بن الحارث :
قال يتوعد قبيلة كلب بعد هزيمة قيس يوم مرج راهط
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط لمروان صدعا بيننا متنائيا
أتذهب كلب لم تنلها رماحنا وتترك قتلى راهط هي ماهيا
فقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات الصدور كماهيا
فلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا وتثار من نسوان كلب نسائيا
إلا ليت شعري هل تصيبن غارتي تنوخا وحيي طيئ من شفائيا

- جواس بن القعطل الكلبي :
قال يجيب زفر بن الحارث ويناقضه :
لعمري لقد أبقت وقيعه راهط على زفر داء من الداء باقيا
مقيما ثوى بين الضلوع محله وبين الحشى أعيا الطيب المداويا
تبكي على قتلى سليم وعامر وذبيان معذورا وتبكي البواكيا
دعا بسلاح ثم أحجم إذ رأى سيوف جناب والطوال المذاكيا
عليها كاسد الغاب فتيان نجدة إذا شر عوا نحو الطعان العواليا

- الوليد بن يزيد :
قال يظهر استخفافه باليمانية ويعيرهم نكوصهم عن نصرة خالد القسري :
ونحن المالكون الناس قسرا نـسومهم الـمذلة والنـكالا
وطئنا الأشعرين بعز قيس فيالك وطأة لـن تستقـالا
وهذا خالد فينا أسيرا إلا منعوه إن كانوا رجالا
عظيمهم وسيدهم قديما جـعلنا الـمخزنات له ظـلالا
فلو كانت قبائل ذات عز لما ذهبت صنائعه ضـلالا
ولا تركوه مسوبا أسيرا يعاني من سلاسلنا الثقـالا
وكندة والسكون فما استقالوا ولا برحت خيولهم الرحـالا
ولكـن المـذلة ضعضعتهم فـلم يـجدوا لـذلتهم مقـالا


- عمران بن هلباء الكلبي :
قال ينقص قصيدة الوليد بن يزيد :
جعـلنا للـقبائل مـن نـزار غـداة المـرج أياما طوالا
بنا ملك الممـلك من قريش وأودى جـد من أودى فزالا
متى تلق السـكون وتلق كـلبا بقيس تخش من ملك زوالا
سنبكي خالدا بمهندات ولا تذهب صنائعه ضلالا
ستلقى إن بقيت مسـومات عوابس لا يزايـلن الحلالا

- الأخطل التغلبي :
قال يهجو قبائل قيس عيلان عقب الوقائع القبلية بين قيس وتغلب بالجزيرة :
لقد حملت قيس بن عيلان حربنا على يابس السيساء محدودب الظهر
تنق بلا شيء شيوخ محارب وماخلتها كانت قريش ولا تبري
ونحن رفعنا عن سلول رماحنا وعمدار غبنا عن دماء بني نصر
ولو ببني ذبيان بلت رماحنا لقرت بهم عيني وباء بهم وترى
شفي النفس قتلى من سليم وعامر ولم تشفها قتلى غني ولا جسر
ولا جشم شر القبائل إنها كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر
وما تركت أسيافنا حين جردت لأعدائنا قيس بن عيلان من عذر
لعمري لقد لاقت سليم وعامر على جانب الثرثار راغبة البـكر
- نفيع بن صفار المحاربي :
قال ينقض قصيدة الأخطل :
أبا مالك لايدرك الوتر بالخنى و لـكن بأطراف الردينية السمر
ظللنا نفري بالسيوف رؤوسهم ولاحي يفري بالسيوف كما نفري
إلى إن تروحنا نسـوق نسـاءهم وما خمشـوا فينا بناب ولا ظفر
قتلتم عميرا لا تعدون غيره وكم قد قتلنا من عمير ومن عمرو






- الأخطل :
قال يجيب جريرا ويهجوه وقومه بني كليب :
مازال فينا رباط الخيل معلمة وفي كليب رباط الذل والعار
النازلين بدار الذل إن نزلوا وتستبيح كليب محرم الجار
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لامهم بولي على النار
لا يثارون بقتلاهم إذا قتلوا ولا يكرون يوما عند إجحار
ولا يزالون شتى في بيوتهم يسعون من بين ملهوف وفرار
فاقعد جرير ففد لاقيت مطلعا صعبا ولاقاك بحر مفعم جار
هلا كفيتم معدا يوم معضلة كما كفينا معدا يوم ذي قار
جاءت كتائب كسرى وهي مغضبة فاستأصلوها وأردوا كل جبار
هلا منعتم شر حبيلا وقد حدبت له تميم بجمع غير أخيار
يوم الكلاب وقد سيقت نساؤكم سوق الجلائب من عون وأبكار

- الفرزدق :
قال يهجو الطرماح وقومه بني طيئ وقحطان ويعيرهم مقتل آل المهلب :
بقندابيل
لقد هتك العبد الطرماح ستره وأصلى بنار قومه فتصلت
و لولا حذار إن تقتل طيئ لما سجدت لله يوما وصلت
نصارى وأنباط يؤدون جزية سراعا بها جمزا إذا هي أهلت
أتذكر شان الأزد ما أنت منهم و مـالقيت منـا عمـان و ذلت
قتلناهم حتى أبرنا شريدهم و قد سيبت نسوانهم واستحلت
نسيتم بقندابيل يوما مذكرا شهيرا وقتلى الأزد بالقاع جرت
حملنا على جرد البغال رؤوسهم إلى الشام من أقصى العراق تدلت
ولو إن عصفورا يمد جناحه على طييء في دارها لاستظلت
سالت حجيج المسلمين فلم أجد ذبيحة طائي لـمن حـج حـلت





- الطرماح
قال ينقض قصيدة الفرزدق ويهجو بني تميم ويفخر بالقحطانية :
بأي بـلاد تـطلب الـعز بعدما بمولدها هانت تميم وذلت
أقرت تميم لابن دحمة حكمة وكانت إذا سميت هوانا أقرت
وكانت تميم وسط قحطان إذ سمت كمقذوفة في اليم ليلا فضلت
ونجاك من أسد العراق كتائب لقحطان أهل الشأم يوم استهلت
بهم ينصر الله الخليفة كلما رأوا رجل صنديد عن الحق زلت
بهم نصر الله النبي وأثبتت عرى عقد الإسلام حتى استمرت
فخرت بيوم العقر شرقي بابل وقـد جبنت فيـه تميم و فلت
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت طرق المكارم ضلت
ولو أن برغوثا على ظهر قملة يكر على صفي تميم لو لت
ولو أن العنكبوت بنت لها مظلتها يوم الندى لا كنت

- الفرزدق
قال يهجو جريرا وقومه بني كليب ويفخر عليهم ببني دارم
إن الذي سمك السماء بني لنا بيتا دعائمه اعز وأطول
بيتا بناه لنا المليك وما بنى حكم السماء فانه لا ينقـل
بيتا زرارة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
يلجون بيت مجاشع وإذا احتبوا برزوا كأنهم الجمال المثـل
لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم أبدا إذا عـد الفعال الأفضل
من عزهم جحرت كليب بيتها زربا كأنهم لـديه الـقمل
ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل
أين الذين بهم تسامي دارما أم من إلى سلفي طهيه تجعل
يمشون في حلق الحديد كما مشت جرب الجمال بها الكحيل المشعل
والمانعون إذا النساء ترادفت حذر السماء جمالها لا ترحل
يحمي إذا اخترط السيوف نساءنا ضرب تخر له السواعد أرعل
وإذا بذخت ورايتي يمشي بها سفيان أو عدس الفعال وجندل
الأكثرون إذا يعد حصاهم والأكرمون إذا يعد الأول
حلل الملوك لباسنا في أهلنا والسابغات إلى الوغى نتسربل
أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جنـا إذا مـا نجهل
يابن المراغة أين خالك إنني خالي حبيش ذو الفعال الأفضل
خالي الذي غصب الملوك نفوسهم واليه كان حباء جفنة ينقل
إنا لنضرب رأس كل قبيلة وأبوك خلف أتانه يتقمل
إن استراقك يا جرير قصائدي مثل ادعاء سوى أبيك تنقل
وابن المراغة يدعي من دارم والعبد غير أبيه قد يتنحل

- جرير
قال ينقض قصيدة الفرزدق فيهجوه وقومه ويفخر بقومه بني كليب :
أعددت للشعراء سما ناقعا فسقيت آخرهم بكاس الأول
لما وضعت على الفرزدق ميسمي وضغا البعيث جدعت انف الأخطل
أخزى الذي سمك السماء مجاشعا وبني بناءك في الحضيض الأسفل
بيتا يحم قـينكم بفنائـه دنسا مقـاعده خبيث المدخـل
ولقد بنيت أخس بيت يبتنى فهدمت بيتكم بمثلي يذبل
أني بني لي في المكارم أولي ونفخت كيرك في الـزمان الأول
أعيتك مأثرة القيون مجاشع فانظر لعلك تـدعي من نهشل
إني انصببت من السماء عليكم حتى اختطفتك يا فرزدق من عل
ولقد وسمتك يا بعيث بميسي وضغا الفرزدق تحت حد الكلكل
قتل الزبير وأنت عاقد حبوة تبا لـحبوتـك التي لم تحـلل
لا تذكروا حلل المـلوك فإنكم بعد الزبير كحائض لم تغسل
ولقد تبين في وجوه مجاشع لؤم يثور ضبابه لا ينجلي
إني إلى جبلي تميم معقلي ومحل بيتي في اليفاع الأطول
أحلامنا تزن الجبال رزانة ويفوق جـاهلنا فـعال الـجهل
كان الفرزدق إذ يعود بخاله مثل الذليل يعوذ تحت القرمل
وافخر بضبة إن أمك منهم ليس ابن ضبة بالمعم المخول
إن الذي سمك السماء بنى لنا عزا علاك فما له من منقـل
ألهى أباك عن المكارم والعلا لي الكتائف وارتفاع المرجل
أبلغ هديتي الفرزدق إنها ثقل يزاد على حسير مثقل
إنا نقيم صفا الرؤوس ونختلي رأس المتوج بالحسام المقصل


- حكمة بن معمر الخضري :
قال يهجو ابن ميادة ورهطة من بني مرة :
فيا مر قد أخزاك في كل موطن من اللؤم خلات يزدن على العشر
فمهن أن العبد حامي ذماركم وبئس المحامي العبد عن حوزة الثغر
ومنهن أن لم تمسحوا وجه سابق جواد ولم تأتوا حصانا على طهر
ومنهن أن الميت يدفن منكم فيفسو على دفانه وهو في القبر
ومنهن أن الجار يسكن وسطكم بريئا فيلقى بالخيانة والغدر
ومنهن أن الشيخ يوجد منكم يدب إلى الجارات محدودب الظهر

- ابن ميادة :
قال ينقص أبيات حكم الخضري ويهجو رهطه بني محارب :
لقد سبقت بالمخزيات محارب وفازت بخلات على قومها عشر
فمنهن أن لم تعقروا ذات ذروة لحق إذا ما احتيج يوما إلى العقر
ومنهن أن كانت شيوخ محارب كما قد عملتم لا تريش ولا بري
ومنهن أن كانت عجوز محارب تريغ الصبا تحت الصفيح من القبر
ومنهن أن لو كان في البحر بعضكم لخبث ضاحي جلده حومه البحر


- الفرزدق
قال يبكي من قتل من قومه مع ابن الأشعث ومن هلك منهم بالطاعون :
لو اعلم الأيام راجعة لنا بكيت على أهل القرى من مجاشع
بكيت على القوم لذين هوت بهم دعائم مجد كان ضخم الدسائع
فان ابك قومي يانوار فإنني أرى مسجديهم منهم كالبلاقع
خلاءين بعد الحلم والجهل فيما وبعد عبابي الندى المتدافع
على إن فينا من بقايا كهولنا أساة الثأى والمفظعات والصوادع
وكائن تركنا بالخريبة من فتى كريم وسيف للضريبة قاطع
ومن جفنة كان اليتامى عيالها وسابغة تغشى بنان الأصابع



- عبد الله بن عمر العبلي
قال يرثي بني أمية قومه بعد زوال دولتهم وتقوض ملكم :
تقول أمامه لمـا رأت نشوزي عن المضجع الأنفس
وقلـة نومي على مضجعي لـدى هـجعة الأعين النعس
أبي ما عراك , فقلـت : الهموم عـرون أباك فـلا تبـلسي
عـرون أباك فـحبسنه من الـذل في شـر مـا مـحبس
لفقد العشيرة إذ نالها سهام من الحدث المبئس
رمتها المنون بلا نصل ولا طـائشـات ولا نـكس
بأسهمها الخالسات النفوس متى ما اقتضت مهجة تخلس
فصرعاهم في نواحي البلاد تلقي بأرض ولـم ترمس
كـريم أصيب وأثوابه من العـار بأرض ولم ترمس
وآخر قد طار خوف الردى وكان الهـمام فلـم يحسس
فـكم غادروا من بواكي العيو ن مرضى و من صبية بـؤس
أولئك قوم تداعت بهم نـوائب مـن زمن مـتعس
أذلت قيادي لـمن رامني وألـزقت الـــرغم بالــمعطس
فمـا انس لا انس قتلاهم ولا عـاش بعدهم من نسي



6 ـ الشعر الغزلي
عمر بن أبي ربيعة
قال يتغزل بهند بنت الحارث :
ليت هندا أنجزتنا ما تعد وشـفت أنفسنا ممـا تجـد
واستبدت مـرة واحـدة إنما العاجز من لا يسـتبد
ولـقد قالـت لحارات لها وتــعرت ذات يـوم تبتـرد
أكما ينعتني تبصـرنني عمر كـن الله أم لا يقتصد
فتضاحكن وقد قلن لها حسن في كل عين من تود
حسدا حمـلنه من اجلها وقديـما كان في الناس الحسد
غادة تفتـر عن أشنبها حين تجلوه أقاح أو برد
ولها عينان في طرفيهما حور منها وفي الجيد غيد
طفلة باردة القيظ إذا معممان الصيف أضحى يتقد
سخنة المشتى لحاف للفتى تحت ليل حين يغشاه الصرد
ولقد اذكر إذ قلت لها ودموعي تحت خدي تطرد
قلت : من أنت ؟ فقالت :أنا من شفه الوجد وأبلاه الكمد
نحن أهل الخيف من أهل منى ما لمقتول قتلناه قـود
قلت : أهلا انتم بغيتنا فتسمين فقالت : أنا هند
إنما ضلل قلبي فاحتوى صعدة في سابري تطـرد
حدثوني أنها لي نفثت عقدا يا حبذا تلك العقد
كلـما قلت : متى ميعادنا ضحكت هند وقالت : بعد غد

وقال عمر أيضا :
يا من لقلب متيم كلف يهذي بخود مريضة النـظر
تمشي الهوينى إذا مشت فضلا وهي كمثل العسلوج في الشجر
مازال طرفي يحار إذ نظرت حتى حسبت النقصان في بصري
أبصرتها ليلة ونسوتها يمشين بين المقام والحجر
بيضا حسانا خرائدا قطفا يمشين هونا كمشية البقر
قد فزن بالحسن والجمال معا وفزن رسلا بالدل والخفر
قالت لها أختها تـعابثها لنفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له ليبصرنا ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قـد غمزته فأبى ثم اسبطرت تسعى على اثري


ومن غزله أيضا :
وناهد الثديين قلت لها اتـكي على الرمل من جبانة لم توسد
فقالت : على اسم الله أمرك طاعة وان كنت قد كلفت ما لم أعود
فما زلت في ليل طويل ملثما لذيذ رضاب المسك كالمتشهد
فلما دنا الإصباح قالت : فضحتني فقم غير مطرود وان شئت فازدد
فما ازددت منها غير مص لثاتها وتقبيل فيها والحديث المردد
تزودت منها واتشحت بمرطها وقلت لعيني اسفحا الدمع من غد
فقامت تعفي بالرداء مكانها وتطلب شذرا من جمان مبدد

عبد الله بن عمر العرجي :
تطاول أيامي وليلي أطول ولام على حبي عثيمة عذل
يلومون صبا انحل الحب جسمه وما ضرهم لو لم يلوموا وأجملوا
الم يعلموا لا بوركوا أن قلبه عصى قبلهم فيها العدى فهو مبهل
فلما براني الهم والحزن حقبه وأشفقت من خوف الذي كنت آمل
وأبصرت دهرا لا يقوم لأهله على ما أحبوا فاسدا يتحول
توكلت واستحدثت رأيا مباركا واحزم هذا الناس من يتوكل
وضمنت حاجاتي إليها رفيقه بهاطبة ميمونة حين ترسل
من البر بريات اللواتي وجوهها بكل فعال صالح تتهلل
وزير لها إبليس في كل حاجة لها عندما تهوي له يتمثل
فقالت : فلا تعجل كفيتك مرحبا وللسر عندي فاعلمن ذاك محمل
تغشت ثياب الليل ثم تأطرت كما اهتز عرق من قنا متذلل
فجاءت نوارا طالما قد تعللت من الوحش ما يسطيعها المتحيل
بدتها بقول لين وتمثلت من الشعر ما يرقي به المتمثل
فما كان إلا فرط خمس حسبته من الدهر حتى جاء لا يتعلل
فجاءت بها تمشي عشاء وسامحت كما انقاد بالحبل الجواد المجلل
تحذرها في مشيها الأعين التي بها إن رأتها عند ذي الضغن تجمل
فنسرع أحيانا إذا هي لم تخف وتخشى عيونا حولها فتميل
كما مال غصن من أراك بريرة تحركه ريح من الماء مخضل
فلا انس فيما قد لقيت مقالها على رقبة والعيس للبين ترحل
تراك لئن عشنا إلى صيف قابل ملما بنا زورا كما كنت تفعل
فقلت لها : إن لم أمت أو تعوفنى مقادير عما تشتهي النفس تعدل
تزورك عيس بعتسفن بي الملا على الأين أطلاح تنص وتذمل
فراخي وثاقا عن فؤاد أسرته قليلا لعلى للعدى أتجمل
وبالله ردي دمع عيني فيمها إلى أي دهر دمع عيني يهمل
فخافي عقاب الله في قتل مسلم بريء ولم يقتل قتيلا فيقتل

- الحارث بن خالد المخزومي
انعم الله لي بذا الوجه عينا و به مرحبا و أهلا و سهلا
حين قالت : لاتفشين حديثي يابن عمي أقسمت ؟ قلت : اجل لا
اتقي الله واقبلي العذر مني وتجافي عن بعض ما كان زلا
لا تصدي فتقتليني ظلما ليس قتل المحب للحب حلا
ما أكن سؤتكم به فلك العـ ـبى لدينا وحق ذاك وقلا
لم أر حب بان سخطت ولكن مرحبا إن رضيت عنا وأهلا
إن شخصا رايته ليلة البدر عليه انثنى الجمال وحلا
جعل الله كل أنثى فداء لك بل خدها لرجلك نعلا
وجهك البدر لو سالت به المزن من الحسن والجمال استهلا

- الأحوص :
قال يتغزل بأم جعفر الأنصارية :
واني ليدعوني هوى أم جعفر وجاراتها من ساعة فأجيب
واني لآتى البيت ما إن أحبه وأكثر هجر البيت وهو حبيب
وأغضي على أشياء منكم تسوءني وادعى إلى ما سركم فأجيب
ومازلت من ذكراك حتى كأنني أميم بأفياء الديار سليب
ابنك ما ألقى وفي النفس حاجة لها بين جلدي والعظام دبيب
لك الله إني واصل ماوصلتني ومثن بما أوليتني ومثيب
واخذ ما أعطيت عفوا وإنني لازور عما تكرهين هيوب
فلا تتركي نفسي شعاعا فإنها من الحزن قد كادت عليك تذوب

- يزيد بن الطشرية :
إلا حبذا عيناك يا أم شنبل إذا الكحل في جفنيهما جال جائلة
فداك من الخلان كل ممزج تكون لأدنى من يلاقي وسائله
وكنت كأني حين كان كلامها وداعا وخلى موثق العهد حامله
هين بنفس لم تفك كبوله عن الساق حتى جرد السيف قاتله
فقال دعوني سجدتين وا رعدت حذار الردى أحشاؤه ومفاصله
ومن هابني في كل شيء وهبته فلا هو يعطيني ولا أنا سائله


- جميل بن معمر :
قال يتغزل ببثينة :
أبى القلب إلا حب بثنة لم يرد سواها وحب القلب بثنه لايجدي
تعلق روحي روحها قبل خلقها ومن بعدما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا وليس إذا متنا بمنتقض العهد
ولكنه باق على كل حالة وزائرنا في ظلمة القبر واللحد
وما وجدت وجدي بها أم واحد ولا وجد النهدي وجدي على هند
ولا وجد العذري عروة إذ قصى كوجدي ولا من كان قلبي ولا بعدي
على أن من قد مات صادف راحة وما لفؤادي من رواح ولا رشد
يكاد فضيض الماء يخدش جلدها إذ اغتسلت بالماء من رقة الجلد
واني لمشتاق إلى ريح جيبها كما اشتاق إدريس إلى جنة الخلد
لقد لامني فيها أخ ذو قرابة حبيب إليه في ملامته رشدي
وقال : أفق حتى متى أنت هائم ببثنة فيها قد تعيد وقد تبدي
فقلت له : فيها قضى الله ماترى علي وهل فيما قضى الله من رد
فان كان رشدا حبها أو غواية فقد كان ما قد كان مني على عمد
فلا وأبيها الخير ماخنت عهدها ولالي علم بالذي فعلت بعدي
وما زادها الواشون إلا كرامة علي ومازالت مودتها عندي
أفي الناس أمثالي أحبوا فحالهم كحالي أم أحببت من بينهم وحدي
وهل هكذا يلقى المحبون مثلما لقيت بها أم لم يجد احد وجدي
وقال جميل أيضا :
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما على عذبة الأنياب طيبة النشر
فإنكما إن عجتما لي ساعة شكرتكما حتى أغيب في قبري
ألما بها ثم اشفعا لي وسلما عليها سقاها لله من سائغ القطر
وبوحا بذكري عند بثنة وانظرا أترتاح يوما أم تهش إلى ذكري
أعوذ بك اللهم إن تشحط النوى ببثنة في أدنى حياتي ولا حشري
وجاور إذ مامت بيني وبينها فيا حبذا موتي إذا جاورت قبري
عدمتك من حب أمامنك راحة ومابك عني من توان ولا فتر
إلا أيها الحب المبرح هل ترى أخا كلف يغرى بحب كما أغري
هي البدر حسنا والنساء كواكب وشتان ما بين الكواكب والبدر
لقد فضلت حسنا على الناس مثلما على ألف شهر فضلت ليلة القدر
يقولون مسحور يجن بذكرها واقسم ما بي من جنون ولا سحر
واقسم لا أنساك ماذر شارق وماهب آل في ملمعة قفر
ذكرت مقامي ليلة البان قابضا على كف حوراء المدامع كالبدر
فكدت ولم املك إليها صبابة أهيم وفاض الدمع مني على نحري
فياليت شعري هل أبيتن ليلة كليلتنا حتى نرى ساطع الفجر
تجود علينا بالحديث وتارة تجود علينا بالرضاب من الثغر
مضى لي زمان لو أخير بينه وبين حياتي خالدا آخر الدهر
لقلت : ذروني ساعة وبثينة على غفلة الواشين ثم اقطعوا عمري
مفلجة الأنياب لو أن ريقها يداوي به الموتى لقاموا من القبر
إذا ما نظمت الشعر في غير ذكرها أبى وأبيها أن يطاو عني شعري

كثير عزة
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا قل وصيكما ثم ابكيا حيث حلت
وما كنت ادري قبل عزة ما الهوى ولا موجعك الحزن حتى تولت
كأني أنادي صخرة حين أعرضت من الصم لو تمشي بها العصم زلت
صفوحا فما تلقاك إلا بخلية فمن مل منها ذلك الوصل ملت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها وحلت تلاعاس لم تكن قبل حلت
فليت قلوصي عند عزوة قيدت بحبل ضعيف غر منها فضلت
أريد الثواء عـندها وأظنها إذا ما اطلنا عندها المـكث ملـت
فما أنصفت أما النساء فبغضت إلي وأما بالنـوال فضنت
فو الله ثم الله ما حـل قبلـها ولا يعدها م خلـة حيث حـلت
وما مر من يوم علي كيومها وان عظمت أيـام أخرى وجلت
فيا عجبا للقلب كـيف اعترافه وللنفس لـما وطنت كيف ذلت
واني وتهيامي بـعزة بعدمـا تخليت ممـا بينـنا ونخلـت
لكا لمرتجي ظـل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل رجاها فلـما جاوزته استهلـت
فان سأل الواشون فيم هجرتها فقل نفس حر سليت فتسلـت

- قيس بن ذريح
قال يتغزل بلبنى ويصور ندمه لطلاقه إياها :
يقولون لبنى فتنه كنت قلبها بخير فلا تنـدم عليـها وطلق
فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي وأقررت عين الشامت المتخلق
وددت وبيت الله أني عصيتهم وحملت في رضوانها كل موبق
وكلف خوض البحر والبحر زاخر أبيت على أثباج موج مغرق
كأني أرى الناس المحبين بعدها عصارة ماء الحنظل المتفلق
فتنكر عيني بعدها كل منظر ويكره سمعي بعدها كل منطق

- مجنون ليلى
اعد الليالي ليلة بـعد ليلة وقد عشت دهرا لا اعد اللياليا
أراني إذا صليت يممت نحوها بوجهي وان كان المصلى ورائيا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها فلا بشيء غير ليلى ابتلاينا
فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي وان شئت بعد الله انعما باليا
وأنت التي ما من صديق ولاعدى يرى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا
أحب من الأسماء ماوافق اسمها وأشبهه أو كـان منـه مـدانيا
هي السحر إلا إن للسحر رقية واني لا ألفي لها الدهر راقيا



- عروة بن حزام
قال يتغزل بعفراء ويشكو ما يلقاه من حبها
خليلي من عليا هلال بن عامر بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني
ولا تزهدا في الأجر عندي وأجملا فإنكما بي الـيوم مبتـلـيان
الم تعلما أن ليس بالمرخ كله أخ وصديق صالح فذراني
أفي كل يوم أنت رام بلادها بـعينين إنساناهما غـرقان
إلا فاحملاني بارك الله فيكما إلى حاضر الروحـاء ثم دعاني
ألما على عفراء إنكما غدا بشحط النوى والبين معترفان
فيا واشي عفرا دعاني ونظرة تقر بها عيناي ثم كلاني
أغر كمـا مني قميص لبسته جـديد وبردا يمـنة زهيـان
متى ترفعا عني القميص تبينا بي الضـر من عـفراء يافتيان
وتعترفا لحما قليلا وأعظما رقاقا وقـلبا دائـم الخفقان
على كـبدي من حب عفراء قرحة وعيناي من وجد بها تـكفان
فياليت كل اثنين بينهما هوى من الناس والأنعام يلتقيان
فيقضي حبيب من حبيب لبانة ويرعاهما ربي فلا يريان
تحملت من عفراء ما ليس لي به زلا للجبال الراسيات يدان
كان قطاة علقت بجناحها على كبدي من شدة الخفقان
جعلت لعراف اليمامة حكمة وعراف نجد إن هما شفياني
فقالا : نعم نشفي من الداء كله وقاما مع العواد يبتدران
فما تركا من رقية يعلمانها ولا سلوة إلا وقـد سقياـني
وما شفيا الداء الذي بي كله ولا ذخرا نصحا ولا الواني
فقالا : شفاك الله والله مالنا بما ضمنت منك الضلوع يدان
واني لا هوى الحشر إذ قيل إنني وعفراء يوم الحشر ملتقيان
يكلفني عمي ثمانين نـاقة ومالي والرحمن غير ثمان
فياليت محيانا جميعا وليتنا إذا نحن متنا ضمنا كفنان





الباب السادس
النثر في عصر بني أمية
مقدمة
تطـور فـن النثر عمّا كان عليه فـي الجاهليـة بفضل نزول القرآن الكريــم والحديث النبــوي الشريف ، وما نتج عنهمـا مـن دراسات جاءت لتفسر وتوضـح وتبيين ما في هـذين الكتـابين ونشأ تبعا لذلك فنون نثرية جديدة وتطورت فنون نثرية أخرى كانت موجودة في الجاهلية :
وللأدب في العصر الأموي ميزات استحدثت وجودها من العوامل السياسية والاجتماعية والحضارية التي طبعت العصر بطابعها، حتى صحّ القول:إن أدب العصر الأموي هو الأدب الملتزم، وهو الأدب الواقعي حين تتوجه أنظار الباحثين إلى دراسة الالتزام أو الواقعية في الأدب العربي. ولئن كان النثر الفني في العصر الأموي قد أدرك مكانة رفيعة، لا تقلّ شأناً عن مكانة الشعر، فإن ذلك نتيجة حتمية لارتقاء الأسلوب الأدبي وتشعب مساراته ومداراته، وتنوع سياقاته ودلالاته، ولا سيما في الخطابة والترسل، حيث شهدت الخطابة ارتقاءً نوعياً واهتماماً فنياً، دعت إليها الحاجة إلى الخطابة، بغية تثبيت أركان الملك الأموي، في غالب مناحيه، أو تعبيرا عن صوت المعارضة التي عمدت إلى زعزعة تلك الأركان والردّ عليها.
وبين المعارضة والموالاة كان التباري المحموم لإبراز المواهب، والقدرات، وبلوغ الأفضلية في اتجاه الأحقية في الحكم والسيادة، ولا غرو أن بَرَزَ نبوغ بعض الأمراء والولاة والقضاة والقادة في هذا الشأن، وفي كل مصر من أمصار السلطة الأموية. كذلك، بلغت الرسائل على أنواعها السياسية، والدينية والاجتماعية مرحلة بالغة الأهمية في تنميق العبارة، وتدبيج الأفكار، وصقل الألفاظ، بما يتلاءم مع أهدافها المرسومة لها. ولا غرو أن يتخللها جمالياً وفنياً، فصاحة ناصعة، وبلاغة بينة تنأى بها عن المغالطة والغموض، حتى غدت المنافسة بين الكتاب ميداناً رحباً للتنافس الأدبي في حسن الأداء، وأضحى الكاتب نفسه حاجة ضرورية لأهل الحكم والولاية، ولا سيما بعد تعريف الدواوين وجعلها في أيدي كتاب عرب، بعد أن تشاركهم في الكتابة أناس من جنسيات غير عربية حملوا خبرتهم إلى الديوان العربي فاستوظفوا فيه استغلالاً لهذه الخبرة واستفادة من معارفهم في هذا المجال.
كل ذلك جعل كتابه الرسائل فناً أدبياً راقياً لا يمكن تجاهله. وبالتالي غدت قراء الرسائل متعة أدبية، ورحلة في آفاق الإبداع الفني. هذا وإن النشاط الأدبي الذي شهده العصر الأموي يعود في أساسه إلى أسباب متعددة لعل من أبرزها اهتمام الحاكم وسعيه إلى تقريب العلماء والأدباء ومشاركتهم في مناقشة قضايا الأدب والفكر، وتكريم البارزين منهم وتقريبهم إليه، فضلاً عن الحرية التعبيرية التي كانوا يتمتعون بها مما شكل مناخاً أدبياً كان للحاكم فيه دور لا يقل شأواً عن دوره السياسي في إدارة البلاد والعباد.
إن العصر الأموي كان عصر ثقافة رفيعة، وذوق أدبي راق اتصف بهما الأمير والوالي والقائد، وغير قليل من أهل العلم والرأي، فاتخذ التعبير لديهم أساليب متنوعة، متآلفة في الجودة والبراعة، فبرزت أسماء في رحاب هذا الفن، كان لها أثرها البارز في الارتقاء بالنثر إلى مستوى النموذج الذي يحتذى به، فكان الخطباء، والشعراء، والكتاب أعلام هذه المرحلة في تاريخنا الأدبي

الباب السادس
الفصل الثاني
الكتابة في العصر الأموي:
الكتابة : عرف العرب الكتابة منذ العصر الجاهلي لتوافر الحاجة إليها، إذ كانوا يحتاجونإليها في كتابة العهود ومواثيق الأحلاف وصكوك التعامل والتبادل التجاري، وفي كتابةالرسائل، وغير ذلك. وقد أشار القرآن الكريم في أكثر من موضع إلى القلم والكتابة نحوقوله تعالى: ) ن، والقلم وما يسطرون ( (سورة القلم، الآية 1). وكذلك نجد في الشعرالجاهلي ما يدل على معرفة الجاهليين بالكتابة.

إلا أن الكتابة لم تكن شائعةعصرئذ، إذ كان جل العرب على الأمية، وكانت الكتابة منتشرة في البيئات الحضرية أكثرمن انتشارها في البيئات البدوية. وبقيام الدولة الإسلامية ازدادت الحاجة إلىالكتابة لتلبية متطلبات الدين الجديد، وانصرفت طائفة من كتاب الرسول e إلى كتابةالوحي، في حين عني آخرون بكتابة الرسائل. وقد ذكرنا أن الكتابة في تلك الحقبة كانتبسيطة موجزة بعيدة عن التعقيد والزخرف.

فلما جاء العصر الأموي تعقدت الحياةوتطور المجتمع الإسلامي واتسعت رقعة الدولة فوجدت الحاجة إلى إنشاء الدواوين. وكانإنشاؤها قد بدأ في عهد عمر بن الخطاب الذي أنشأ ديوان العطاء، فلما جاء الأمويونأوجدوا دواوين أخرى كديوان الرسائل وديوان الجيش وديوان الخاتم.

ورافقإنشاء الدواوين بدء حركة التدوين، فجمعت طائفة من الأخبار والسير والأشعار، وكتبترسائل من موضوعات شتى.

وقد ظهر في عصر بني أمية كتاب احترفوا صنعة الكتابة،وكان لكل خليفة ولكل وال كتابه. وكان ديوان الخراج يكتب أول الأمر بلغة الدولة التيكانت قائمة قبل الفتح، فكان يكتب بالعراق بالفارسية، وبالشام بالرومية،وكان يتولاهالموالي من الفرس والروم وغيرهم، وفي عهد عبد الملك بن مروان عرب هذا الديوان.

أما ديوان الرسائل فكانت لغته العربية منذ إنشائه، وكان يقوم عليه كتاب منالعرب أو من الموالي الذين أجادوا العربية. ومن الكتاب المبرزين في ذلك العصر عمروبن نافع كاتب عبيد الله بن زياد، وجناح كاتب الوليد بن عبد الملك، وعبد الحميدالأصغر كاتب سليمان بن عبد الملك، والليث بن رقية كاتب عمر بن عبد العزيز، وسالممولى هشام بن عبد الملك، وعبد الحميد الكاتب [ر] كاتب مروان بن محمد آخر خلفاء بنيأمية وهو أشهرهم.

كانت الكتابة تجري أول الأمر على السنن الذي كانت عليه فيصدر الإسلام من حيث توخي البساطة والإيجاز ومجانبة التنميق والزخرف، ولكن تطورالحياة الاجتماعية والعقلية من جانب، وتولي الموالي - من الفرس خاصة - مقاليدالكتابة من جانب آخر، كل ذلك أدى إلى تطور فن الترسل وتعقد أدواته. وقدتأثر الكتاب الموالي بمناهج الكتابة وأساليب التعبير في لغاتهم الأصلية، فظ هرت فيطرائقهم الكتابية سمات لم تعرفها الكتابة العربية من قبل، ومنذلك إطالة الرسائلوالتكرار والترادف والإسراف في التنميق والصنعة. وأول من عرف بإطالة الرسائل عمروبن نافع كاتب عبيد الله بن زياد، ولم يكن ابن زياد راضياً عن طريقته الكتابية التيتغاير ما ألفه العرب.
ثم جاء سالم كاتب هشام بن عبد الملك فنهض بفن الكتابةالديوانية، ويقال إنه كان ملماً باللغة اليونانية و إ ن ما أوجده من سمات جديدة فيالكتابة ال عربية مرده إلى تأثره بتلك اللغة، وهو قول يفتقر إلى ما يؤيده، ولميصلنا من رسائل سالم إلا رسالة كتبها على لسان هشام إلى خالد القسري عامله علىالعراق.
وعلى يد سالم هذا تخرج عبد الحميد الكاتب، وهو يمت إ ليه بصلةالقربى. كان عبد الحميد مولى العلاء بن وهب القرشي، وهو فارسي الأصل، وكان في أولأمره ينتقل في البلدان ويعلم الصبيان في الكتاتيب، ثم التحق بديوان الرسائل بدمشقفي عهد هشام بن عبد الملك وتخرج على يد زوج أخته سالم في فن الترسل. وقد اتصلبمروان بن محمد منذ عهد هشام وكتب له، فلما صارت الخلافة إليه اتخذه كاتباًلرسائله، ولازمه عبد الحميد حتى آخر أيامه وأبى أن يتخلى عنه يوم أحيط به فقتل معه،وتذهب رواية أخرى إلى أنه توارى عند صديقه ابن المقفع ثم عثر عليه فقتل . وعلى يد عبد الحميد تطور فن الترسل وبلغ غاية بعيدة من النضج،وجمهورالباحثين على أن الكتابة الفنية إنما وجدت على يده، ولهذا قيل: «فتحت الرسائل بعبدالحميد وختمت بابن العميد» وقد انتهت إلينا طائفة من رسائله القصيرة والمطولةوتوقيعاته.
وأبرز ما تتسم به كتابة عبد الحميد إطالة التحميدات في صدورالرسائل، والإكثار من الترادف، والعناية بالتصوير الفني وبالجانب الموسيقي، وذلك منطريق اختيار الألفاظ والتوازن بين الجمل، والإتيان بالسجع أحياناً. وهو يسرف فياستعمال صيغة الحال. وكتابته بعيدة عن البساطة والعفوية اللتين عهدتا في الكتابة العربية من قبل وأثر الجهد والتكلف فيها واضح، وهو يسرف في تنميق رسائله وزخرفتهابألوان الصنعة.
جمعته , وازداد الاهتمام بالكتابة ، في هذا العصر بعد تعقد الحياة وتكاثر المشكلات وتحضر العـرب واقتباسهم من النظم الموجودة عند الأمم الأخرى ، وقد انقسمت الثقافة فـي هذا العصر إلــى ثلاثة تيارات :
التيار العربي الجاهلي : وكان يتمثل في أشعار العرب وأيامهم .
التيار الإسلامي : يتمثل بتسجيل تاريخ الإسلام وسيرة الرسول وغزواته وسير الخلفاء والفتوح والأحزاب السياسية التي سجلت نظرياتها في الحكم .
تيار أجنبي : يتمثل ثقافة الأمم المفتوحة ونظمها السياسية والاجتماعية فقد اتخذ عمر بن الخطاب ديوان العطاء والجيش وطلب خالد بن يزيد بن معاوية ترجمة كتب الطب وألف العرب كتبا في مختلف الموضوعات ، واعتمدوا صيغ الجمال الفني في سكب العبارات واختلطت في نهاية هذا العصر الثقافة العربية بالثقافـة الدينية والثقافة الأجنبية المترجمة والتي سيقطف ثمارها خلفاء العصر العباسي .
ج- دور عبد الحميد الكاتب في تطور فن الكتابة: يروى أن عبد الحميد من أصل فارسي من الأنبار ، انتقل إلى ديوان الرسائل في دمشق بعــد أن كان معلما في الكتاتيب ، عمل لدى هشام واتصل بمروان بن محمد الذي ولاه على ديوانه عندما أصبح خليفة وقد قتل عبد الحميد مع نهاية الخلافة الأموية بعد أن ألقي القبض عليه أبو العباس السفاح ، يعـد عبد الحميد أبلــغ كتاب الدواوين فقـد فتحت الرسائل بـــه وختمت بابن العميد ، سهل طرق البلاغة واستخدم التحميدات فصيح اللسان قـوي التعبير والبيان فخــم العبارة واسع الثقافة تأثر بالأدب الفارسي واليوناني وتمثل الثقافة العربية ، تتميز فنية نثره بجودة التقسيم ودقة المنطق والطباق والمقابلات والصور والاستعارات والترادف الموسيقي والإيقاع الصوتي .
د- دور ابن المقفع : يعـد عبد الله بن المقفع من الكتاب البارزين الذين ما تزال ثقافتهم يقتبس منـــها فـي أدبنا وفـي الآداب الأجنبية ، فقـد كــان والــده فارسيا مجوسيا ما نويا تبعـه ابنـه وقــد كـان هـذا الولــــد فصيحا بليغا كتب لعمـر بـن هبيرة ولابنه يزيد ثم لعيسى بن علــي عم المنصور وأسلـم علـى يديه وتسمى بعبد الله وبقي فـي خدمته حتى قتله سفيان بـن معاوية والـي البصرة مـن قبـــل المنصور. لقب والده بالمقفع لاختلاسه مالا فضربه الحجاج حتى تقفعت يده ، وترجع أهمية ابن المقفــع المترجمان لكتب مزدك ، وسير الملــوك ، أنظمة الملك ، سيرة أنوشروان ، مقولات أرسطو ، كليلة ودمنة ، الأدب الكبير ، الأدب الصغير . تميز بالفصاحة والبلاغة وقوة الحجة ووضوح الأسلوب والبعد عن التعقيد والنفور من الاغراب والتوعر في الألفاظ .




الباب السابع
الفصل الأول
الخطابة في العصر الأموي
مقدمة : نهضت الخطابة في العصر الأموي لدواع اجتماعية وسياسية ، ولكون الإسلام قد أوجب خطبة الجمعة وسنّ خطب الأعياد والخسوف والكسوف فقـد تطور هـذا الفن و تفشى فشوا عظيما وحفلت به النوادي وحفلت فيهـا المجالس والقصور وأماكن القضاء إذ كان الخلفاء والقادة يعتمدون عليها اعتمادا كبيرا فـي إيصال ما يريـدون إيصاله ، وزاد مـن أهمية الخطابة انتشار الأحزاب السياسية والفـرق والثورات التـي تحاول إثبات أحقية الخلافة لفئة دون فئة ،
أولا: أنواع الخطابة في العصر الأموي :
1 ـ الخطابة الدينية: تلك الخطب التي كانت تلقى في المساجد أيامالجمع وفي الأعياد، وكان الوعظ غالباً على هذه الخطب إلا أنها لم تكن تخلو أحياناًمن التعرض للجوانب السياسية.
وثمة خطب كان يلقيها الزهاد بين أيدي الخلفاءوالولاة لتزهيدهم في الدنيا وقد أطلق عليها لفظ «المقامات».
ومن ألوانالخطابة الدينية أخيراً الخطب المتصلة بعقائد المتكلمين. وقد شهد العصر الأموي ظهورأوائل الفرق الكلامية المرجئة والقدرية والمعتزلة والجبرية، وكان لكل من هذه الفرقدعاتها الذين يروجون لعقائدها ويجادلون خصومها، وكثيراً ما كانت المناظرات تقوم بينهؤلاء، كل يدلي بحجته وأدلته، فارتقى بذلك فن المناظرة، وهو فن لم يعرفه العرب قبل،وفي حين كانت ضروب الخطابة الأخرى قوامها العناصر العاطفية كان قوام المناظراتالعناصر العقلية المنطقية، وقد بلغ هذا الفن غايته في العصر العباسي. 1

ـ الخطابة الدينية في العصر الأموي:
مقدمة: كانت الجماعات التي تناوئ الأمويين ترى أن بني أمية لا يصلحون للخلافة ولا لحكم المسلمين فنددوا بالحكام وظلمهم وتنكبهم عن الجادة والتقصير في تنفيذ أحكام الشريعة وهذه النزعة في الواقع متشحة برداء السياسة لأنها تدور وتهدف إلى تغيير الأوضاع وقلب نظام الحكم والخروج على الحكام والذي جعلنا نميز هذا اللون عن قسيمه السياسي اصطباغها بالصيغة الدينية ولباسها ثوب الدين وتأثيرها في النفوس وامتلاكها الأفئدة وصدورها من أناس لهم نزعات دينية قوية متمكنة من نفوسهم كما يشيع في هذه الخطب ذم الدنيا والتحذير من غرورها ومفاتنها وتوجيه النفوس إلى الآخرة ونعيمها وغير ذلك من الأفكار الدينية التي تطمئن لها النفوس إلى الآخرة وتروق لها المشاعر وتخبت لها القلوب
وكان خطباء هذا اللون يلتزمون الحمد في أول الخطبة والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة الاستشهاد بالقرآن الكريم والاقتباس منه حتى إن بعضها كان كله قرآناً كخطبة مصعب بن الزبير، وهذا النوع أفاد الخطابة من ناحية التفكير العميق المنظم ومن ناحية التعبير الدقيق الواضح وخير ما يمثل هذا النوع خطب الخوارج ورجال آل البيت والزبيريين
ب- خصائص الخطابة الدينية في هذا العصر:
ومن خصائص الخطابة الدينية في هذا العصر:
1- ترك الحواشي من الكلام
2- الجزالة في الألفاظ
3- الاقتباس من القرآن والحديث
4- الأسلوب القرآني في القصص والجدل والتمثيل
ج ـ - نماذج من الخطابة الدينية في هذا العصر الأموي:
1 - خطبة مصعب بن الزبير لما قدم العراق:
لما قدم مصعب بن الزبير إلى العراق والياً عليها من قبل أخيه عبد الله بن الزبير صعد المنبر ثم قال( بسم الله الرحمن الرحيم : {طسم*تلك آيات الكتاب المبين*نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم ٍ يؤمنون* إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفةً منهم يذبح أبناءهم ويستحي نسآءهم إنه كان من المفسدين} وأشار بيده نحو الشام ثم قال: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} وأشار بيده نحو الحجاز ثم قال:{ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} وأشار بيده نحو العراق ثم نزل) .
تحليل الخطبة:
أولاً: يلاحظ أنه اعتمد على القرآن الكريم وتلا الآيات من مطلع سورة القصص واعتبر عندما تلا آيات نبأ موسى وفرعون وأشار إلى الشام يقصد بذلك حكم الأمويين مع الإشارة إلى مظالمهم .
ثانياً: اعتبر أن أهل الحجاز كانوا مستضعفين مظلومين من قبل الحكم الأموي فنصرهم الله ومن عليهم بالتمكين في الأرض من خلافة عبد الله بن الزبير .
2 - خطبة الحسين بن علي رضي الله عنهما قبل استشهاده:
قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
(أيها الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً بعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في عباده بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غيري قد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن تممتم علي بيعتكم تصيبوا رشدكم وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم فلكم في أسوة .
وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم ينكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم والمغرور من اغتر بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)
المفردات اللغوية:
الفيء: الخراج- لا تسلموني: لا تمكنوا مني العدو- ينكر: منكر- مسلم:يريد أنهم خذلوا علياً والحسن وأخذوا مسلم بن عقيل بن أبي طالب
تحليل خطبة الحسين رضي الله عنه
في هذه الخطبة يعلل سيدنا الحسين خروجه إلى العراق وتضمنت الخطبة عدة أفكار:
أولاً: تعليل الخروج على حاكم نكث بعهد الله واستحل محارم الله وخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه في هذا الحال لم يبق من الإسلام شيئاً
ثانياً: إن هذا الفريق من الحكام لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن فأعلن عن أحقيته بالخلافة .
ثالثاً: يقرع من ادعوا أنهم أتباعه وهم الذين أرسلوا له بالبيعة ودعوا إلى العراق وأنهم إن خذلوه وأسلموه لعدوه وعدوهم فليس الأمر بمستغرب فلقد خذلوا أباه وأخاه من قبله وإن هم نقضوا بيعته بخذلانه فعليهم الإثم والله يغنيه عنهم
3 ـ خطب أبي حمزة الشاري:
خطب في مكة المكرمة قائلاً:
(يا أهل مكة تعيرونني بأصحابي تزعمون أنهم شباب وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً نعم الشباب مكتهلين عمية عن الشر أعينهم بطيئة عن الباطل أرجلهم قد نظر الله إليهم في آناء الليل منثنيةً أصلابهم بمثاني القرآن إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه قد وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم أنضاء عبادة قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام مستقلون لذلك في جنب الله موفون بعهد الله مستنجزون لوعد الله حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت ورماحه قد أشرعت وسيوفه قد انتضيت وبرقت ورعدت الكتيبة بصواعق الموت استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله فمضى الشاب منهم قدماً حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه وقد رملت محاسن وجهه بالدماء وعفروا وجهه بالثرى وأسرع إليه سباع الأرض وانحطت عليه طير السماء فكم من مقلة في منقار طير طالما بكى صاحبها من خشية الله وكم من كف بانت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده وكم من خد عتيق وجبين رقيق قد فلق بعمد الحديد رحمة الله على تلك الأبدان وأدخل أرواحها الجنان)
المفردات اللغوية:
عمية:مؤنث العمي وهو الأعمى – أنضاء: جمع نضو المهزول- فوقت السهام:أعدت للرمي- أشرعت الرماح: سددت- انتضيت السيوف: استلت من أغمادها- عفر بالثرى: مرغ بالتراب- بانت: انفصلت- العتيق: الجميل أو النبيل .


تحليل الخطبة:
أولاً: الرد على أهل مكة الذين عابوا أصحاب أبي حمزة .
ثانياً: حوت الخطبة شرح لمناقب أتباع أبي حمزة وأبرز هذه الصفات:
1- كثرة الصلاة بالوقوف بين يدي الله ليلاً.
2- شدة مخافتهم من الله وتدبرهم لآيات القرآن .
3- جهدهم المتواصل في طاعة الله ليل نهار .
4- الوفاء بعهد الله والثقة بنصره وإنجاز وعده لهم .
5- خطبة عبد الملك بن مروان:
4 ـ خطبة عبد الملك بن مروان
ومن الخطب الدينية في هذا العصر خطبة عبد الملك بن مروان حيث صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال:
(أيها الناس إن الحرب صعبة مرة وإن السلم أمن ومسرة وقد زبنتنا الحرب وزبناها فعرفناها وألفناها فنحن بنوها وهي أمنا .
أيها الناس فاستقيموا على الهدى ودعوا الأهواء المردية وتجنبوا فراق جماعات المسلمين ولا تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين وأنتم لا تعملون أعمالهم ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شراً ولا نزداد بعد الإعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة فمن شاء منكم أن يعود بعد لمثلها فليعد ) ضروب الخطابة في العصر الأموي: عرف العصر الأموي أنواع الخطابة التي كانتشائعة في صدر الإسلام، إضافة إلى أنواع جديدة أوجدها تطور الحياة الفكرية والأحداثالسياسية والاجتماعية وظهور الفرق الدينية والكلامية

2 ـالخطابة السياسية:
وفي مقدمة الأنواعالخطابية التي ازدهرت عصرئذ الخطابة السياسية، وقد توافرت جملة من العوامللازدهارها من ذلك الصراع على الحكم، فإن استئثار بني أمية بالحكم وجعله وراثياً بعدأن كان شورياً أثارا معارضة عنيفة من قبل فئات سياسية مناوئة للحكم الأموي وأبرزها: الحزب الخارجي، الحزب الشيعي،والحزب الزبيري، فضلاً عن نشوب ثورات تتوخى القضاء علىالحكم الأموي كثورة ابن الأشعث وثورة ابن المهلب.
أدت وفرة الأحداث والصراعبين الأحزاب السياسية إلى ازدهار الخطابة السياسية ازدهاراً لم تشهد نظيره في أي منالعصور، إذ كان لها الشأن الأول في استمالة الأنصار ومقارعة الخصوم وإرهاب الثائرينوتشجيع المناضلين وعرض حجج كل من الأحزاب المصطرعة ومناظرة أعدائهم. ومن هنا فقد تفرعت الخطابة إلى ثلاثة أنواع . أنواع الخطابة :
وقـد تبلور هــذا النوع مـن الخطب مـن خلال تكـون الأحزاب السياسية التي تمثل الفرق الإسلامية بحيث ظهر من خطباء الخوارج : قطري بن الفجاءة ، أبو حمزة الخارجي ، وزيد بن جندب الأزرقي ، عمران بن حطّان . وظهر من خطباء الشيعة : الحسين بن أبي طالب ، زيد بن علي ، المختار الثقفي .
وظهر من الخطباء الأمويين : خالد القصري ، يوسف بن عمر سعيد بن العاص. وظهر من الخطباء الزبيريين : عبد الله بن الزبير .
3 ـ الخطب الحربية:
ويتصلبالخطابة السياسية الخطب الحربية، فقد استدعت حركة الفتح الإسلامي التي بلغت مداهاالأقصى في عصر بني أمية وجود خطباء يذكون وقد الحماسة في نفوس المقاتلة ويحضونهمعلى مجاهدة أعدائهم. وكان قادة الجيوش في الغالب ممن يجيدون الخطابة، ومن هذاالقبيل خطبة طارق بن زياد يوم فتح الأندلس، وخطب ولاة خراسان في تحريضهم الجند علىالقتال إبان الفتوح فيما وراء النهر كخطب قتيبة بن مسلم ويزيد بن المهلب وأسد بنعبد الله القسري وغيرهم.
4 ـ خطب القصص:
وثمة ضرب من هذه الخطب تختلط فيه المعاني السياسيةبالمعاني الدينية هو القصص. فكان القصاص يرافقون الجيوش الغازية ويثيرون الحمية فيالنفوس عن طريق التمثل بالآيات القرآنية التي تحث على الجهاد وتذكير المجاهدين بماينتظرهم عند الله من الثواب العظيم وربما استعانوا بأخبار فرسان العرب القدامىلتحقيق هذه الغاية .
والضرب الثاني من الخطابة هو الخطابة الدينية، وقدنالت هذه الخطابة حظاً وافراً من الازدهار والنماء في عصر بن ي أمية وإن لم تضارعالخطابة السياسية. ومرد ازدهارها إلى دواع شتى منها ظهور الفرق الدينية، وقد اكتسىحزبا الخوارج والشيعة مع الزمن ثوباً دينياً بعد أن كانا حزبين سياسيين. وهذه الفرقكانت تستعين بخطبائها في الدعوة إلى مبادئها والرد على خصومها، وكثيراً ما كانتالمناظرات تقوم بين الفريقين المتنازعين.
ومما ساعد على نمو الخطابةالدينية كذلك حركة الزهد التي شهدها العصر الأموي، فقد ظهر في ذلك العصر جماعة منالزهاد وجهوا همهم إلى وعظ الناس وصدهم عن التهالك على ملاذ ّ الدنيا، وكان ظهورحركة الزهد رداً على انغماس عامة الناس في الشهوات، ولاسيما أولئك الذين أفاءتعليهم الفتوح أو التجارة المال الكثير. وكان في مقدمة الوعاظ الحسن البصري الذي نذرنفسه لهداية القوم وتزهيدهم في الدنيا الفانية بمواعظ بلغت الغاية في بلاغتها وقوةأثرها.
وإلى جانب القصاص الذين كانوا يرافقون الحملات الغازية لحث الجندعلى الاستبسال في القتال وجدت جماعة أخرى من القصاص تلازم المساجد وتقوم بسرد القصصالديني وتفسير القرآن الكريم تفسيراً ممزوجاً بقصص الأنبياء وأخبار الأمم القديمة،وكان بعضهم يجنح إلى المبالغة والتزيد كي يستميلوا الناس إلى قصصهم.
ويضافإلى هذه الأنواع من الخطابة الدينية تلك الخطب التي كانت تلقى في المساجد أيامالجمع وفي الأعياد، وكان الوعظ غالباً على هذه الخطب إلا أنها لم تكن تخلو أحياناًمن التعرض للجوانب السياسية.
وثمة خطب كان يلقيها الزهاد بين أيدي الخلفاءوالولاة لتزهيدهم في الدنيا وقد أطلق عليها لفظ «المقامات».
ومن ألوانالخطابة الدينية أخيراً الخطب المتصلة بعقائد المتكلمين. وقد شهد العصر الأموي ظهورأوائل الفرق الكلامية المرجئة والقدرية والمعتزلة والجبرية، وكان لكل من هذه الفرقدعاتها الذين يروجون لعقائدها ويجادلون خصومها، وكثيراً ما كانت المناظرات تقوم بينهؤلاء، كل يدلي بحجته وأدلته، فارتقى بذلك فن المناظرة، وهو فن لم يعرفه العرب قبل،وفي حين كانت ضروب الخطابة الأخرى قوامها العناصر العاطفية كان قوام المناظراتالعناصر العقلية المنطقية، وقد بلغ هذا الفن غايته في العصر العباسي.
5 ـ الخطابة الحفلية: والمراد بالخطابة الحفليةالخطب التي كانت تلقى في المحافل والمجالس والأسواق لغرض من الأغراض المتصلةبالحياة الاجتماعية كالمفاخرة والتهنئة والتعزية والتكريم والشكوى وعقد النكاحوإصلاح ذات البين ونحو ذلك.
وقد حظيت هذه الخطب بقسط وفر من النماءوالارتقاء في العصر الأموي لتوافر دواعيها، فكانت الوفود تقدم على الولاة والخلفاءويقوم خطباؤها فيلقون الخطب بين يدي الوالي والخليفة في الغرض الذي قدموا من أجله وقــد ترعرعت هــذه الخطبة بسبب انتشار الوفود التــي تأتي إلى الخلفاء أو الأمراء مهنئة أو معزية أو لحاجة من الحاجات ، و كان معاوية وعبد الملك يستقبلان الوفود فقـد قـدم علـــى معاوية النجاد وعمرو بن سعيد الأشدق وممن وفدوا على عبد الملك سعيد بن عمرو والهيثـم بن الأسود بن العريان ولم يكن خليفة من الخلفاء يتولىالخلافة إلا قدمت عليه الوفود .

6 ـ خطب التفاخر : وربما اجتمع في مجلس واحد خطباء من قبائل شتى فيجري بينهم التفاخر بقبائلهموالإشادة بمآثرها. وقد شهد العصر الأموي استعار نار العصبية القبلية على نحو لمتعرفه العصور السابقة وأدى استعارها إلى نمو الشعر القبلي واتساع نطاقه من جانبوإلى كثرة المفاخرات القبلية من جانب آخر، ولاسيما بين خطباء العدنانية والقحطانية.
ومما يلفت النظر في ذلك انتقال مراكز النشاط الأدبي من البوادي إلى الحواضروالأمصار المحدثة التي ازدحمت بأفواج المهاجرين إليها من شتى قبائل العرب، فأدى ذلكإلى وقوع المفاخرات بين خطباء تلك القبائل في تلك الحواضر فضلاً عما قام بينشعرائها من مناقضات.

وقد ظلت الخطابة الحفلية التي كانت معروفة من قبلقائمة في العصر الأموي كخطب
الإملاك وخطب إصلاح ذات ا لبين وخطب التعزية وغيرها.
خصائص الخطابة في العصر الأموي:
كان الخطباء الأمويون يعنون بتجويد خطبهموتحبيرها وتنميقها حتى تأتي في الصورة التي يرتضونها ولم يكونوا يرسلون الكلامعفواً على البديهة - صنيع الجاهليين - وقد أثر عن البعيث الخطيب الشاعر قوله: «إنّيوالله ما أرسل الكلام قضيباً خشبياً وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائتالمحكك ، وكان من ثمرة هذ ا التنقيح أن جاءت خطب العصر الأموي منسقةالأفكار، مرتبة الأقسام، محكمة التسلسل. وتظهر هذه السمات على نحو جلي في خطبة زيادالتي قالها يوم قدم البصرة.
وكان من خطباء العصر الأموي من تعمد محاكاة أهلالبادية في جزالة أسلوبهم وبداوة ألفاظهم. ويظهر الطابع البدوي في خطب الحجاج خاصة. على أن أسلوب الخطابة الأموية كان يتفاوت بتفاوت أغراضها وموضوعاتها. وقدظلت خصائص الخطابة التي وجدت في خطب صدر الإسلام قائمة في الخطب الأموية، ومن ذلكاستهلال الخطبة بذكر اسم الله وحمده وإلا كانت بتراء وتوشيحها بآي من القرآن الكريموإلا كانت شوهاء، وقد يتمثل الخطيب بشي ء من الشعر أو الرجز . وربما وقعالسجع في طائفة من الخطب الأموية ولكن الخطباء ما كانوا يسرفون في الإتيان بهكراهية محاكاة سجع الكهان، وكان النبي e وخلفاؤه يوصون الخطباء بتحامي هذا السجع.
وحين ظهرت الفرق الكلامية برزت الحاجة إلى تعليم أتباع كل فرقة أصولالخطابة ووسائل الإقناع وتدريبهم على محاجة خصومهم بالبراهين والأدلة العقلية، وظهرصدى ذلك في خطبهم ومناظراتهم من حيث خصب الأفكار وتنسيقها وعمقها واستنادها إلىالمنطق وأصول الجدل. وفي الوسع القول إن فن الخطابة لم يبلغ في أي عصر منالعصور ما بلغه في العصر الأموي من النماء والنضج.




ثانيا: القيمة الفنية للخطابة في العصر الأموي: اعتمد الخطباء في خطبهم على :
1 ـ استخدام النزعة الدينية .
2 ـ الاتكاء على معاني القرآن والأحاديث النبوية .
3 ـ توظيف العاطفة الدينية والحزبية .
4 ـ الإكثار من أساليب التهديد والتوبيخ والوعيد والإنذار .
5 ـ اتخاذ الحجة والجدل وسيلة لاقناع الخصم .
6 ـ الاعتماد على الألفاظ المنغمة والتراكيب المموسقة ( السجع 000) .
7 ـ الإيجاز والإجمال في توصيل الغرض من الخطبة .
ثالثا: أبرز أعلام الخطابة في العصر والأموي:
1
ظهر في العصر الأموي عدد وفر من الخطباء في شتى ضر و ب الخطابة، ومن اللافتللنظر في ذلك العصر ظهور جماعات من الخطباء تنتمي كل منها إلى أسرة واحدة. ومنهؤلاء آل رقبة الذين ينتمون إلى قبيلة عبد القيس الربعية ومن الخطباء المشهورين فيهذه الأسرة كرب بن رقبة وابنه مصقلة بن كرب، وهو أشهر خطباء هذه الأسرة، وكان أيامالحجاج. وقد ذكر الطبري أن الحج اج لما دخل الكوفة بعد هزيمة ابن الأشعث أجلس مصقلةبن كرب إلى جانبه وأمره أن يخطب فيشتم كل امرئ بما فيه. وكان ابنه كرب بن مصقلةخطيباً مفوهاً كذلك، وكان له خطبة يقال لها «العجوز» كان آل رقبة يفاخرون بها.

ومن الأسر التي اشتهرت بالخطابة كذلك آل الأهتم من قبيلة تميم، وهي أعرقالأسر ال عربية في الفن الخطابي، وعرف منها في العصر الجاهلي والإسلامي عمرو بنالأهتم [ر]، وأخوه عبد الله بن الأهتم. وكان لعبد الله ولدان اشتهرا بالخطابة فيعصر بني أمية هما صفوان ابن عبد الله بن الأهتم، وعبد الله بن عبد الله ابن الأهتم. وقد ذكر أن عبد الله هذا دخل على عمر بن عبد العزيز فألقى بين يديه خطبة بليغة عرضفيها بأسلاف عمر من بني أمية.

وفي أواخر العصر الأموي ظهر من هذه الأسرةخطيبان أصابا شهرة بعيدة هما خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم، وشبيب بن شيبةابن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، وكان لهذين الخطيبين شأن كبير في العصرالعباسي كذلك.

ومن الأسر القرشية التي كان لها حظ واف من الشهرة الخطابيةعصرئذ آل العاص، وهم من بن ي أمية. ومن مشهوري خطباء هذه الأسرة سعيد بن العاص [ر]،وهو أشهر خطبائها. ومنها كذلك عمرو بن سعيد بن عمرو بن العاص المعروف بعمرو بن خولة - نسبة إلى أمه - وهو من الخطباء الذين فاخر بهم بنو أمية بني هاشم.

ومنالأسر التي اشتهرت بالخطابة الدينية في ذلك العصر أسرة فارسية الأصل تنتمي بالولاءإلى قبيلة رقاش البكرية، ومن هذه الأسرة يزيد بن أبان الرقاشي، وكان من القصاصالمجيدين، وابن أخيه الفضل بن عيسى بن أبان القصاص. وكان عمرو بن عبيد يحضرمجلسه،ثم اشتهر بعدئذ ابنه عبد الصمد بن الفضل الرقاشي.

إلى جانب هذه الأسرالخطابية ظهر عدد جم من الخطباء المجيدين، وقد تقدم القول إن كل حزب من الأحزابالسياسية كان يستظهر بطائفة من الخطباء للمنافحة عنه. وقد برز من الحزب الأمويخطباء من الأسرة الأموية أشهرهم معاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد، وعبد الملك بنمروان، وسليمان بن عبد الملك، وعتبة بن أبي سفيان، وعمرو بن سعيد الأشدق.


- زياد بن أبيه : ولد على الأغلب في السنة الأولى للهجرة ، والدته سمية جارية مـن الطائف ويقال إن والـده أبو سفيان ، فلما أنكره سمي زياد بن أبيه ، ويعد زيادا إداريا حازما ، وسياسيا فريدا ، وأديبـا بارعا ، وهو أحد دهاة العرب : ( معاوية ، المغيرة ، عمر بن العاص ، زياد بن أبيه ) . كـان واليا لعلــي فــي منطقة فارس ، حاول معاوية أن يستميله فرفض ولما استشهد الإمام علــي ألحقه معاوية بنسبه وولاه على البصرة والكوفة والعراق خمس سنوات وقـد كان حليما كيّسا يتسم أسلـوبه بالجـزالة وألفاظـه بالفصاحـة ، وتراكيبه بالـوضوح ، توفــي عــــام (53)هـ .
ـ2- الحجاج بـن يوسف الثقفي: ولــد الحجاج فـي الطائف ، ونشأ بين والد وأخ كانا معلميـن التحـق بالجيش الأموي وارتقى فـي المراتب ، كلفه عبد الملك بن مروان بقتال عبد الله بن الزبير ، فقتله وحاصر الكعبـــة بالمنجنيق ، ثم ضربهـــا ، فكافئه عبد الملك بتوليته الحجـــــــاز واليمن ثم العـــراق ، قضى الحجاج علــى الخوارج وقام بإصلاحات إدارية وعمرانية ، وبنـى مدينة واسط بالعــــــراق وحفــر الأقنية ، وأوجد المكاييل والمقاييس والموازين ، ونقل الدواوين مـن الفارسية إلــــى العـــربية ، وسك عملة عربية ، ثم نظّم الجيش وجعل الخدمة فيه إجبارية فتــح معظـــم بلاد المشرق ووصل إلى بلخ وطخارستان وفرغانة والسند ، ثم إلــى حدود الصين ، وبموتــه بسرطان القرحة توقفت فتوح المسلمين ، لم يخلّف إلا سيفا ومصحفا وعشرة دراهــم فضة . سياسي قدير ، واداري حازم ومثقف واسـع الخبرة ، تميز بالقسوة ، كان خطيبا بارعا ، تميزت خطبه بقوة المعانــي ، وذكـر الموت والضرب والقتل ‘ جـزل اللفظ متين العبارة ، قصير الجمل . ولد عام (42) هـ وتوفى عام (95) هـ .



وأشهر خطباء الحزب الأموي زياد بن أبي سفيان والحجاج بن يوس]،وكلاهما من قبيلة ثقيف التي كانت تستوطن الطائف. وقد تجلى نبوغ زي ا د الخطابي منذأيام عمر بن الخطاب، ودعاه عمر بالخطيب المصقع. وقد مهدت له براعته البيانيةوالحسابية وثقافته الطريق لتولي الإمارة أيام علي ومعاوية، فولاه علي فارس وكرمان،وبعد مقتل علي استماله معاوية إلى صفه واستحلفه بنسبه وولاه البصرة، وهي يومئذ تموجبالفتن والاضطراب، فاستطاع بحنكته السياسية وحزمه القضاء على الفتنة وحمل أهلالبصرة على طاعة بني أمية وأشاع الأمن والاستقرار فيها. وما لبث معاوية أن ضم إليهالكوفة بعد وفاة واليها المغيرة بن شعبة [ر]، فكان أول من جمع له العراقان. ولماتوفي سنة 53هـ كان الأمن والهدوء يعمان أرجاء العراق.

وقد سار الحجاج بنيوسف على خطا سلفه زياد ولكنه كان أكثر ميلاً إلى البطش وسفك الدماء. وكان يضارع فيالبراعة الخطابية، وشهد له معاصروه بذلك فقال مالك بن دينار: «ما رأيت أحداً أبينمن الحجاج، وإن كان ليرقى المنبر فيذكر إحسانه إلى أهل العراق وصفحه عنهم وإساءتهمإليه حتى أقول في نفسي: لأحسبه صادقاً وإني لأظنهم ظالمين له».

ومن ولاة بنيأمية الذين اشتهروا بالخطابة خالد بن عبد الله القسري [ر] وأخوه أسد، وروح بنزنباع، وعبد الله بن عامر، وبلال بن أبي بردة الأشعري، والمهلب بن أبي صفرة، و ابنه يزيد، وقتيبة بن مسلم، ونصر بن سيار.

وظهر من الخوارج كثرة من الخطباءالمجيدين منهم قطري بن الفجاءة [ر]، وعبيدة بن هلال اليشكري، والمستورد بن علفة،وزيد بن جندب الإيادي، وقد أشاد الجاحظ بفصاحته وبراعته الخطابية، وعمران بن حطانشاعر الصفرية وخطيبهم، وصالح بن مسرح وقد اشتهر بقصصه ووعظه لأصحابه، والضحاك بنقيس الشيباني. وأشهر خطباء الخوارج في ذلك العصر هو أبو حمزة الخارجي الإباضي [ر]،وقد انتهت إلينا طائفة من خطبه تنبئ بمهارته البيانية المتفوقة.

وبرز منرجال الحزب الشيعي عصرئذ الحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنهم، وقد ورثا عن أبيهماالبلاغة والمقدرة الخطابية. ومن خطباء الشيعة كذلك زيد بن علي، رأس الزيدية، وعبدالله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وحفيده عبد الله بن معاوية بن عبد الله، ومنهمكذلك صعصعة بن صوحان، والمختار الثقفي، وسليمان بن صرد زعيم التوابين، وعبيد اللهبن عبد الله المري.

ومن خطباء الحزب الزبيري المبرزين عبد الله بن الزبير،وأخوه مصعب، وعثمان بن عروة بن الزبير، وأخوه عبد الله بن عروة، وكان هذا أبرعالزبيرية وكانوا يشبهونه في بلاغته بخالد ابن صفوان.

وأشهر الخطباءالدينيين عصرئذ هو الحسن البصري ولم يحظ أحد من رجال الدين بمثل المنزلة التيحظي بها الحسن في ذلك العصر، وعلى أنه كان من أصل غير عربي فقد أجاد الخطابة إجادةالعرب الخلص، وذلك لأنه نشأ نشأة عربية بين مواليه الأنصار، حتى كانوا يشبهونهبرؤبة بن العجاج، وشهد له أبو عمرو ابن العلاء بالفصاحة فقال: «لم أر قرويين أفصحمن الحسن والحجاج». وكان الحسن يعظ فيأسر القلوب ويسيل الدموع. وكانت حلقة «صاحبالعمامة السوداء» أكثر حلقات المسجد ازدحاماً بالوافدين، وكانوا يشبهون كلامه بكلامالأنبياء، ولما توفي سنة 110ه ـ ، كانت وفاته حدثاً عظيماً في تاريخ البصرة، وقدمشى أهلها جميعاً في جنازته واشتغلوا به فلم تقم صلاة العصر في الجامع.

ومنفصحاء أهل الكلام وخطبائهم واصل ابن عطاء شيخ المعتزلة، وقد بلغ من مقدرتهالخطابية أنه خطب خطبة كاملة تجنب فيها حرف الراء لئلا تظهر لثغته. ومن خطباء الوعظسحبان بن زفر الوائلي الذي ضرب المثل ببلاغته، وقد رووا أنه خطب عند معاوية ذاتيوم من صلاة الظهر حتى صلاة العصر. ومنهم كذلك عمر بن عبد العزيز الذي كان يكثر منوعظ الرعية، ومنهم الأوزاعي [ر]، وإياس بن معاوية ، وجامع المحاربي، وصالح المريالقاص.

ومن أشهر خطباء المحافل في ذلك العصر الأحنف بن قيس سيد بنيتميم، والبعيث المجاشعي، والنخار بن أوس العذري، وصعصعة ابن صوحان.




الباب السابع
المناظرة في العصر الأموي
الفصل الأول
مناظرة معاوية والاحنف بن قيس / اموي /
لما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد أن يوجه إليه بوفد أهل العراق فبعث إليه بوفد البصرة والكوفة فتكامت الخطباء في يزيد والاحنف ابن قيس ساكت فلما فرغوا قال : فان العيون إليك اشرع منها إلى غيرك فقام الاحنف فحمد الله واثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال :
يا أمير المؤمنين انك اعلمنا بيزيد في ليله ونهاره واعلانه واسراره فان كنت تعلمه لله رضا فلا نشاور فيه أحدا ولا تقم له الخطباء والشعراء وأن كنت تعلم بعده من الله فلا تزوده من الدنيا وترحل أنت إلى الآخرة فانك قصير إلى يوم يفر المرء من أخيه وامه وابيه وصاحبته وبنيه فكانه افرغ على معاوية ذنوب ماء بارد .
فقال له : اقعد يا أبا بحر فان خيرة الله تجري وقضاءه يمضي وأحكامه تنفذ لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وأن يزيد فتى بلوناه في قريش فتى هو أجدر بأن يجتمع عليه منه
فقال : يا أمير المؤمنين أنت تحكي عن شاهد ونحن نتكلم على غائب وإذا أراد الله شيئا كان .
مناظرة معاوية والاعرابية / اموي /
خرج معاوية متنزها فمر بجواء ضخم فقصد قصد بيت منه فإذا بفنائه امرأة برزة فقال لها : هل من غداء ؟ فقالت نعم حاضر قال : وما غداؤك ؟ قالت خبز وماء نمير وحيس فطير ولبن هجير فثنى وركه ونزل فلما تغدى قال : هل لك من حاجة فذكرت حاجة أهل الحواء قال : هات حاجتك في خاصة نفسك قالت : يا أمير المؤمنين إني اكره أن تنزل واديا فيرف أوله ويقف آخره .
مناظرة أم سنان بنت جشمة ومعاوية / اموي
قال سعيد بن أبي حذافة : حبس مروان وهو والي المدينة غلاما من بني ليث في جناية جناها فاتته جدة الغلام وهي أم سنان بنت جشمة المذحجية فكلمته في الغلام فاغلظ مروان لها فخرجت إلى معاوية فدخلت عليه فانتسبت فعرفها فقال : مرحبا بابنة جشمة ما اقدمك ارضنا وقد عهدتك تشتمينا وتحضين علينا عدونا ؟ قالت : أن لبني عبد مناف اخلاقا طاهرة واحلاما وافرة لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم ولا ينتقمون بعد عفو وأن أولى الناس باتباع ما سن اباؤه لانت قال : صدقت نحن كذلك فكيف قولك
عزب الرقاد فمقلتي لا ترقد والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشمروا أن العدو لال احمد يقصد
هذا على كالهلال تحفه وسط السماء من الكواكب اسعد
خير الخلائف وابن عم محمد أن يهدكم بالنور منه تهتدوا
مازال مذ شهد الحروب وظفرا والنصر دون لوائه ما يعقد
قالت : كان ذلك يا أمير المؤمنين – وارجوا أن تكون لنا خلفا : فقال رجل من جلسائه : كيف يا أمير المؤمنين ؟ وهي القائلة :
أما هلكت أبا الحسين فلم تزل بالحق تعرف هاديا مهديا
فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت فوق الغصون حمامة قمريا
قد كنت بعد محمد خلفا كما اوصى إليك بنا فكنت وفيا
واليوم لا خلف يؤمل بعده هيهات نامل بعده انسيا
قالت : يا أمير المؤمنين لسان فطن وقول صدق ولئن تحقق ما ظننا فحظك الاوفر والله ما ورثك الشنان في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فادحض مقالتهم وابعد متزلتهم فانك أن فعلت ذلك تزدد من الله قربا ومن المؤمنين حبا قال: وانك لتقولين ذلك قالت : سبحان الله والله ما مثلك مدح بباطل ولا اعتذر إليه بكذب وانك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا
مناظرة معاوية وليلى الاخيلية
قال بعض الرواة : بينما معاوية يسير إذ رأى راكبا فقال لبعض شرطه ائتني به وإياك أن تروعه فاتاه فقال : اجب لمير المؤمنين فقال : إياه أردت فلما دنا الراكب حدر لثامه فإذا ليلى الاخيلية فانشات تقول :
معاوى لم أكد اتيك تهوى برحلى نحو ساحتك الركاب
تجوب الأرض نحوك ما تانى إذا ما الاكم قنعها السراب
وكنت المرتجى وبك استعاذت لتنعشها إذا بخل السحاب
فقال : ما حاجتك ؟ فقالت : ليس مثلي يطلب إلى مثلك حاجة فتخير أنت أعلى عينا فاعطاها خمسين من الإبل ثم قال : اخبريني عن مضر قالت فاخر بمضر وحارب بقيس وكاثر بتميم وناظر باسد
فقال : ويحك يا ليلى كما يقول الناس كان توبة ؟ قالت : يا أمير المؤمنين ليس كل الناس يقول حقا شجرة بغي يحسدون النعم حيث كانت وعلى من كانت كان يا أمير المؤمنين : سبط البنان حديد اللسان شجي الأقران كريم المخبر عفيف المئزر جميل المنظر وكان كما قلت ولم ابعد عن الحق فيه :
بعيد المدى لا يبلغ القرم غوره ألد ملد يغلب الحق باطله
فقال معاوية : ويحك يا ليلى يزعم الناس انه كان عاهرا فاجرا فقالت من ساعتها مرتجلة :
معاذ النهى قد كان والله توبة جوادا على العلات جما نوافله
اغر خفاجيا يرى البخل سبة تحالف كفاه الندى وانامله
عفيفا بعيد الهم صلبا قناته جميلا محياه قليلا غوائله
وكان إذا ما الضيف ارغى بعيره لديه اتاه نيله وفواضله
وقد علم الحدب الذي كان ساريا على الضيف والجيران انك قاتله وانك رحب الباع ياتوب بالقرى إذا ما لئيم القوم ضاقت منازله
يبيت قرير العين من كان جاره ويضحى بخير ضيفه ومنازله
فقال لها معاوية : ويحك يا ليلى لقد جزت بتوبة قدره فقالت : يا أمير المؤمنين والله لو رايته وخبرته لعلمت إني مقصرة في نعته لا ابلغ كنه ما هو له أهل فقال معاوية : في أي سن كان توبة ؟فقالت : يا أمير المؤمنين :
اتته المنايا حين تم تمامه واقصر عنه كل قرن يناضله
وصار كليث الغاب يحمي عرينه فترضى به اشباله وحلائله
عطوف حليم حين يطلب حلمه وسم زعاف لا تصاب مقاتله
فأمر لها بجائزة وقال : اى ما قلت فيه اشعر .
قالت : يا أمير المؤمنين ما قلت شيئا إلا والذي فيه من خصال الخير أكثر ولقد اجدت حيث أقول :
جزى الله خيرا والجزاء بكفه فتى من عقيل سادغير مكلف
فتى كانت الدنيا تهون باسرها عليه فلم ينفك جم التصرف
ينال عليات الأمور بهونه إذ هي اعيت كل خرق مسوف
مناظرة الحجاج ورسول المهلب / اموي
يروى أن المهلب لما فرغ من أمر عبد ربه الحروري دعا بشر بن مالك فانفذه بالبشارة إلى الحجاج فلما دخل على الحجاج قال : ما اسمك ؟ قال: بشر بن مالك فقال الحجاج : بشارة وملك كيف خلفت المهلب ؟ قال خلفته وقد امن ما خاف وأدرك ما طلب قال : كيف كانت حالكم مع عدوكم ؟ قال : كانت البداءة لهم والعاقبة لنا قال الحجاج : العاقبة للمتقين فما حال الجند ؟ قال : وسعهم الحق واغناهم النفل وانهم لمع رجل يسوسهم بسياسة الملوك ويقاتل بهم قتال الصعلوك فلهم منه بر الوالد وله منهم طاعة الولد قال : فما حال ولد المهلب قال رعاة البيات حتى يامنوا وحماة السرح حتى يردوه قال : فايهم أفضل قال : ذلك إلى ابيهم قال : وأنت أيضا فاني أرى لك لسانا وعبارة قال : هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفها قال : ويحك اكنت اعددت لهذا المقام هذا المقال ؟ قال : لا يعلم الغيب إلا الله فقال الحجاج لجلسائه : هذا والله – الكلام المطبوع لا الكلام المصنوع .
مناظرة مروان بن الحكم – وعبد الله بن الزبير
روى عقيل بن خالد عن ابن شهاب أن مروان بن الحكم وعبد الله ابن الزبير اجتمعا ذات يوم في حجرة عائشة والحجاب بينهما وبينها يحدثانها ويسالانها فجرى الحديث بين مروان وابن الزبير ساعة وعائشة تسمع فقال مروان :
فمن يشأ الرحمن يخفض بقدره وليس لمن لم يرفع الله رافع
فقال ابن الزبير :
ففوض إلى الله الأمور إذا اعترت وبالله لا بالافربين ادافع
فقال مروان :
وداو ضمير القلب بالبر والتقى فلا يستوي قلبان قاس وخاشع
فقال ابن الزبير :
ولا يستوي عبدان هذا مكذب عتل لارحام العشيرة قاطع
فقال مروان :
وعبد يجافي جنبه عن فراشه يبيت يناجي ربه وهو راكع
فقال ابن الزبير
وللخير أهل يعرفون بهديهم إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
فقال مروان :
وللشر أهل يعرفون بشكلهم تشير إليهم بالفجور الاصابع
فسكت ابن الزبير ولم يجب فقالت عائشة : يا عبد الله مالك لم تجب صاحبك ؟ فو الله ما سمعت تجاولا في نحو ما تجاولتما فيه أعجب إلي من تجاولكما فقال ابن الزبير : إني خفت عوار القول فكففت .
مناظرة ليلى الاخيلية مع الحجاج / اموي
روى بعضهم انه بينما كان الحجاج في مجلس ومعه عنبسة بن سعيد إذ دخل الحاجب فقال : امرأة بالباب فقال له الحجاج : ادخلها فدخلت فلما رآها الحجاج طاطا رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض فجاءت حتى قعدت بين يديه فنظرت فإذا امرأة قد اسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها وإذا هي ليلى الاخيلية فسالها الحجاج عن نسبها فانتسبت له فقال لها : يا ليلى ما أتى بك ؟ فقالت : اخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها صفي لنا الفجاج فقالت : الفجاج مغبرة والأرض مقشعرة والمبرك معتل وذ العيال مختل والهالك للقل والناس مسنتون رحمة الله يرجون واصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعا ولا ربعا ولا عافطة اذهبت الأموال ومزقت الرجال واهلكت العيال ثم قالت: إني قلت في الأمير قولا قال هات فانشات تقول :
احجاج لا يفلل سلاحك إنما الم نايا بكف الله حيث يراها
احجاج لا تعط العصاة مناهم ولا الله يعطي للعصاة مناها
إذا هبط الحجاج ارضا مريضة تتبع اقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرت سجاله دماء رجال حيث مال حشاها
إذا سمع الحجاج رز كتيبة اعد لها قبل النزول قراها
اعد لها مصقولة فارسية بايدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الابكار والعون مثله ببحر ولا ارضيجف ثراها
قال : فلما قالت هذا البيت قال الحجاج : قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال : والله إني لاعد للامر عسى أن لا يكون أبدا ثم التفت إليها فقال : حسبك قالت : إني قد قلت أكثر من هذا . قال : حسبك ثم قال : يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها فذهب بها فقال له : يقول لك الامكير اقطع لسانها قال فأمر باحضار الحجام فالتفتت إليه فقالت : ثكلتك امك : أما سمعت ما قال ؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة فبعث إليه يستثبته فاستشاط الحجاج غضبا وهم بقطع لسانه وقال : ارددها فلما دخلت عليه قالت : كاد وامانة الله يقطع مقولي ثم انشات تقول :
حجاج أنت الذي ما فوقه أحد إلا الخليفة والمستغفر الصمد
حجاج أنت شهاب الحرب أن لقحت وأنت للناس نور في الدجى يقد
ثم اقبل الحجاج على جلسائه فقال : اتدرون من هذه ؟ قالوا : لا والله أيها الأمير أنا لم نر قط أفصح لسانا ولا أحسن محاورة ولا املح وجها ولا ارصن شعرا منها فقال : هذه ليلى الاخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها ثم التفت إليها فقال : انشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة قالت : نعم أيها الأمير هو الذي يقول :
وهل ليلى تبكيني إذا مت قبلها وقام على قبري النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها وجاد لها دمع من العين سافح
واغبط من ليلى بما لا اناله بلى كل ما قرت به العين طائح
ولو أن ليلى الاخيلية سلمت على ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة اورقا إليها صدى من جانب القبر صائح
ثم قال : سلي يا ليلى تعطي قالت : اعط مثلك أعطى فأحسن قال لك عشرون قالت : زد فمثلك زاد فاجمل قال لك اربعون قالت زد فمثلك زاد فاكمل قال لك ثمانون قالت زد فمثلك زاد فتمم قال مائة واعلمي أنها غنم قالت معاذ الله أيها الأمير أنت اجود جودا وامجد مجدا واورى زندا من أن تجعلها غنما قال : فما هي ويحك يا ليلى ؟ قالت مائة من الإبل برعاتها فأمر لها بها ثم قال : الك حاجة بعدها ؟ قالت : يدفع إلى النابغة الجعدي قال قد فعلت وقد كانت تهجوه ويهجوها فبلغ النابغة ذلك فخرج هاربا عائذا بعبد الملك فاتبعته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة بقومس ويقال بحلوان .

إذا ما الدهر جر على أناس مصائبه أناخ باخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
أحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب وخصوصه بالرغائب , فهو يدعو الجفلى إذا ساء , ويخص بالنعمة إذا شاء , فليكفر الشامت : فإن كان افلت فله أن يشمت , ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه , والموت وصنوفه , من فاتحه أمره إلى خاتمة عمره , هل يجد لنفسه أثرا في نفسه ؟ أو لتدبيره عونا على تصويره ؟ أم لعمله تقديما لأمله ؟ أم لحيله تأخيرا لأجله ؟ كلا بل هو العبد لم يكن شيئا مذكورا خلق مقهورا فهو يحيا جبرا ً , ويهلك صبرا ً , وليتأمل المرء كيف كان قبلا ً ؟ فإن كان العدم أصلا والوجود فضلا فليعلم الموت عدلا ً .
والموت ( أطال الله بقاء مولاي ) خطب قد عظم حتى هان , وأمر قد خشن حتى لأن , ولعل هذا السهم قد صار آخر ما في كنانتها , وأزكى ما في خزانتها ونحن معاشر التبع نعلم الأدب من أقواله , والجميل من أفعاله , فلا نحثه على الجميل وهو الصبر , ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر , فلير فيهما رأيه .
وكتب أيضا ً :
يا سيدي المصاب لعمر الله كبير , وأنت بالجزع جدير ولكنك بالصبر أجدر , والعزاء على الأعزة رشد كأنه الغي , وقد مات الميت , فليحيى الحي .
وكتب معاوية إلى ابنه يزيد يؤنبه ويعاتبه :
أما بعد فقد أدت السنة التصريح إلى إذن العناية بك , ما فجع المل فيك وباعد الرجاء منك , إذ ملأت العيون بهجة والقلوب هيبة وترامت إليك آمال الراغبين وهم المنافسين . فسخت بك فتيان قريش وكهول اهلك , فما يسوغ لهم ذكرك إلا على الجرة المهوعة , والكظ الجشء , اقتحمت البوائق وانقدت إلى المعاير , واعتضتها من سمو الفضل ورفيع القدر . فليتك – يزيد – إذا كنت لم تكن , سررت يافعا ناشئا ً وأثقلت كهلا ضائعا ً , فواحزنا عليك يزيد ! ويا حر صدر المثكل بك . ما اشمت فتيان بني هاشم ! وأذل فتيان بني عبد شمس عند تفاوض المفاخر ودراسة المناقب ! فمن لصلاح ما أفسدت ورتق ما فتقت ؟ هيهات . خمشت الدربة وجه التصبر بك , وأبت الجناية إلا تحدرا على الألسن , وحلاوة على المناطق ما اربح فائدة نالوها , وفرصة انتهزوها ! انتبه يزيد للعظة , وشاور الفكرة ولا تكن إلى سمعك أسرع منها إلى عقلك , واعلم أن الذي وطأك وسوسة الشيطان , وزخرفة السلطان مما حسن قبحه واحلولى عندك مره , مر ٌ شركك فيه السواد ونافسكه الاعبد , فأضعت به من قدرك وأمكنت به من نفسك – فمن لهذا كله ؟ .
واعلم يا يزيد انك طريد الموت , وأسير الحياة بلغني انك اتخذت المصانع والمجالس للملاهي والمزامير كما قال تعالى : ( أتبنون بكل ريع أية تعبثون وتتخذون مصانع لكم لعلكم تفلحون ) , واجهرت الفاحشة حتى اتخذت سريرتها عندك جهرا ً . اعلم يا يزيد أن أول ما سلبكه السكر معرفة مواطن الشكر لله تعالى على نعمه المتظاهرة وآلائه المتواترة , وهي الجرحة العظمى , والفجعة الكبرى ترك الصلوات المفروضات في أوقاتها , وهي من أعظم ما يحدث من آفاتها , ثم استحسان العيوب وركوب الذنوب , وإظهار العورة وإباحة السر , فلا ثامن نفسك على سرك ولا تعقد على فعلك , فما خير لذة تعقب الندم , وتعفى الكرم ؟
وقد توقف أمير المؤمنين بين شطرين من أمرك لما يتوقعه من غلبة الآفة واستهلاك الشهوة , فكن الحاكم على نفسك واجعل المحكوم عليه ذهنك ترشد أن شاء الله تعالى , وليبلغ أمير المؤمنين ما يرد شاردا من نومه , فقد أصبح نصب الاعتزال من كل مؤانس ودريئة الألسن الشامتة , وفقك الله فأحسن .
وكتب عبد الحميد بن يحيى المقتول سنة 132 هـ , إلى أهله وهو منهزم مع مروان :
أما بعد : فإن الله تعالى جمل الدنيا محفوفة بالكره والسرور فمن ساعده الحظ فيها سكن إليها ومن عضته بنابها ذمها ساخطا ً عليها وشكاها مستزيدا ً لها .
وقد كانت اداقتنا افاويق , استحليناها , ثم جمحت بنا نافرة ورمحتنا مولية , فملح عذبها وخشن لينها , فأبعدتنا عن الأوطان وفرقتنا عن الإخوان , فالدار نازحة والطير بارحة وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدا ً واليكم وجدا ً فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا وأن يلحقنا ظفر ٌ جارح من أظفار من يليكم , نرجع إليكم بذل الإسار , والذل شر حار .
نسأل الله الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة في دار آمنة تجمع سلامة الأبدان والأديان , فانه رب العالمين وارحم الراحمين .
وكتب استأذنا الحكيم المرحوم الشيخ محمد عبده وهو مسجون بسبب الأحداث العرابية :
تقلدتني الليالي وهي مدبرة كأنني صارم في كف منهزم
عزيزتي ( هذه حالتي ) اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر , فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى , واعترضت ما بين المشرق والمغرب وامتدت إلى القطبين , فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس إذ تغلبت طبيعتها وامتدت على المواد الحيوانية أو الإنسانية , فأصبحت قلوب الثقلين كالحجارة أو اشد قسوة فتبارك الله اقدر الخالقين , انتثرت نجوم الهدى وتدهورت الشموس والأقمار , وتغيبت الثوابت النيرة , وفر كل مضيء منهزما ً من عالم الظلام , ودارت الأفلاك دورة العكس , ذاهبة بنيراتها إلى عوالم غير عالمنا هذا , فولى معه آلهة الخير أجمعين وتمحضت السلطة لآلهة الشر فقلبوا الطباع وبدلوا الخلق , وغيروا خلق الله , وكانوا على ذلك قادرين . رأيت نفسي اليوم في مهمة لا يأتي البصر على أطرافه في ليلة داجية غطي فيها وجه السماء بغمام سوء فتكاثف ركاما ركاما ً لا أرى إنسانا ولا اسمع ناطقا ولا أتوهم مجيبا ً اسمع ذابا تعوي ! وسباعا تزأر وكلابا تنبح كلها يطالب فريسة واحدة , هي ذات الكاتب , والتف على رجلي تنينان عظيمان وقد خويت بطون الكل , وتحكم فيها سلطان الجوع , ومن كانت هذه حاله , فهو لا ريب من الهالكين .
تقطع الأمل وانفصمت عروة الرجاء وانحلت الثقة بالأولياء وضل الاعتقاد بالأصفياء , وبطل القول بإجابة الدعاء وانفطر من صدمة الباطل كبد السماء , وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة والأنبياء وجميع العالمين .
سقطت الهمم , وخربت الذمم وغاض ماء الوفاء , وطمست معالم الحق وحرفت الشرائع وبدلت القوانين , ولم يبق إلا هوى يتحكم وشهوات تقضى وغيظ يحتدم وخشونة تنفذ ( تلك سنة القدر ) والله لا يهدي كيد الخائنين .
ذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية , يغوصون لطلب أصداف من الشبه ومقذوفات من التهم , وسواقط من اللمم , ليموهوها بمياه السفسطة ويغشوها بأغشية من معادن القوة ليبرزوها في معرض السطوة ويغشوا بها أعين الناظرين , لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه , أو لمستور يكشفونه, أو لحق خفي فيظهرونه , أو خرق بدا فيرقعونه أو نظام فاسد فيصلحونه ! كلا . بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوا غير مخطئين , وقد وجدوا لذلك أعوانا من حلفاء الدناءة وأعداء المروءة وفاسدي الأخلاق وخبثاء الأعراق , رضوا لأنفسهم قول الزور وافتراء البهتان واختلاق الإفك , وقد تقدموا إلى مجلس التحقيق بتقارير محشوة من الأباطيل ليكونوا بها علينا من الشاهدين .
كل ذلك لم تأخذني فيه دهشة , ولم تحل قلبي وحشة , بل أنا على أتم أوصافي التي تعلمها , غير مبال بما يصدر به الحكم أو يبرمه القضاء , عالما بأن كل ما يسوقه القدر , وما ساقه من البلاء فهو نتيجة ظلم لا شبهة للحق فيه , لأن الله تعالى يعلم كما أنت إنني بريء من كل ما رموني به ولو اطلعت عليه لوليت منه رعبا وكنت من الضاحكين .
نعم خنقني الغم , وأحمى فؤادي الهم , وفارقني النوم ليلة كاملة عندما رأيت اسمك الكريم , واسم بقية الأبناء والإخوان تنسب إليهم أعمال لم تكن , وأقوال لم تصدر عنهم , لقصد زجهم في المسجونين .
لكن اطمأن قلبي وسكن جأشي عندما رأيت تواريخ التقارير متقادمة ومع ذلك لم يصلكم شرر الشر فرجوت أن الحكومة لم ترد أن تفتح بابا لا يذر الأحياء ولا الميتين .
قدم فلان وفلان تقريرين جعلا فيهما تبعات الحوادث الماضية على عنقي ولم يتركا شيئا ً من التخريف إلا قالاه , وذكر أسماءكم في أمور انتم جميعا ابعد الناس عنها , لكن لا حرج عليهما , فاني أراهما من المجانين , ولم أتعجب من هذين الشيخين إذ يعملان مثل ذلك الذنب القبيح , ويرتكبان هذا الجرم الشنيع ! ولكن أخذني العجب ( كل العجب غاية العجب بالغ ما شئت في عجبي ) إذا اخبرني المدافع عني بتقرير قدمه فلان الذي أرسلت إليه السلام , وأبلغته سروري عند ما سمعت باستخدامه وأنا في هذا الحبس رهين .
إلى هذا الوقت لم يصلني التقرير , ولكن سيصل إلي , إنما فيما بلغني انه شهادة بأقبح شيء , لا يشهد به إلا عدو مبين . هذا اللئيم الذي كنت أظن انه يألم لألمي ويأخذه الأسف لحالي ويبذل وسعه أن أمكنه في المدافعة عني ! فكم قدمت له نفعا ً , ورفعت له ذكرا ً , وجعلت له منزلة في قلوب الحاكمين ! كم سمعني أقاوم هجاء الجرائد ! وأوسع محرريها لوما ً وتقريعا ؟ واهزأ بتلك الحركات الجنونية وكان هو علي في بعض أفكاري هذه من اللائمين ! كان ينسب فلانا لسوء القصد إتباعا لرأي فلان , وأعارضه اشد المعارضة ثم لم انقض له عهدا ولم ابخس له ودا ً , وحقيقة كنت مسرورا لوجوده موظفا فما باله أصبح من الناكثين ؟ .
آه ما أطيب هذا القلب الذي يملي هذه الأحرف ! ما اشد حفظه للولاء , ما أغيره على حقوق الأولياء ! ما أثبته على الوفاء ! ما ارقه على الضعفاء . ما اشد اهتمامه بشؤون الأصدقاء ! ما أعظم أسفه لمصائب من بينهم وبينه أدنى مودة وأن كانوا فيها غير صادقين , ما ابعد هذا القلب من الإيذاء ولو للأعداء , ما أشده محافظة على العهد , ما أعظم حذره من كل ما توبخ عليه الذمم الطاهرة , ما أقواه على العمل الحق , والقول الحق لا يطلب عليه جزاء وكم اهتم بمصالح قوم وكانوا عنها غافلين ؟ هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم , هو الذي سر قلوبهم بالترقية وملأها فرحا بالتقدم ولطف خواطرهم بحسن المعاملة وشرح صدورهم بلطيف المجاملة ودافع عنهم أزمانا خصوصا ً هذا اللئيم ! . افنشرح الصدور وهم يحرجون ؟ ونشفي القلوب وهم يؤلمون ؟ ونفرحها وهم يحزنون ؟ تالله قد أضلوا وما كانوا مهتدين . هذا القلب ذاب معظمه من الأسف على ما يلم بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات , وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم وما بقي من هذا القلب فهو في خوف على من يعرفهم على عهد مودته فإن تسللوا جميعا بمثل هذه الأعمال أصبحوا من مودته خالين واتخذوه وقاية لهم من المضرة , وجعلوه ترسا يعرضونه لتلقي سهام النوائب التي يتوهمون تفويقها إليهم , كما اتخذوه قبل ذلك سهما يصيبون به أغراضهم فينالون منها حظوظهم – فقد اراحو تلك البقية من الفكر فيهم , والله يتولى حسابهم وهو أسرع الحاسبين .
آه – ما أظن أن تلك البقية تستريح من شاغل الفكر في شؤون الأحبة وإن جاروا في تصرفهم .
إن طبيعة هذا القلب لطبيعة ناعم الخز إذا اتصل بذي الود ( وإن كان خشنا ً ) فصعب عليه أن ينفصل ولو مزقته خشونته , وإن هذا القلب في علاقة مع الاوداء كالضياء مع الحرارة , أيما حادث يحدث , وايما كيماوى يدقق لا يجد للتحليل بينهما سبيلا وأظنك في العلم بثبوت تلك الطبيعة فيه كنت من المتحققين .
قال أعرابي لسليمان بن عبد الملك : إني أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله : فإن وراءه إن قبلته ما تحبه : قال : هاته يا أعرابي , فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نامن غيبته , ولا نرجو نصيحته وأنت المأمون غيبا الناصح جيبا ً , قال : فاني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن تأدية لحق الله تعالى , انه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم , وابتاعوا دنياك بدينهم , ورضاك بسخط ربهم , وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك فهم حرب للآخرة وسلم للدنيا فلا تامنهم على ما ائتمنك الله عليه, فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا ً , والأمة كسفا ً وخسفا ً وأنت مسؤول عما اجترموا وليسوا مسئولين عما اجترمت , فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك , فإن أعظم الناس عند الله غبنا ً من باع أخرته بدنيا غيره . فقال سليمان : أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو سيفك , قال : اجل يا أمير المؤمنين ! لك لا عليك .
نصيحة رجل لهشام بن عبد الملك :
خرج الزهري يوما من عند هشام بن عبد الملك , فقال : ما رأيت كاليوم يوما ولا سمعت كأربع كلمات تكلم فيهن رجل عند هشام , دخل عليه فقال : يا أمير المؤمنين أحفظ عني أربع كلمات , فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك , قال وما هن ؟ قال : لا تعد عدة ولا تثق من نفسك بانجازها , ولا يغرنك المرتقي , وإن كان سهلا إذا كان المنحدر وعرا ً , واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب , وأن للأمور بغتات فكن على حذر , قال عيسى بن دأب : فحدثت بهذا الحديث ( المهدي ) وفي يده لقمة قد رفعها إلى فيه فامسكها وقال : ويحك ! اعد علي , فقلت يا أمير المؤمنين : أسغ لقمتك , فقال : حديثك أعجب إلي .

الباب الثامن
الرسائل في العهد الأموي :
رسائل الهدايا
وكتب سعيد بن حميد المتوفي سنة 105 ه يوم النيروز إلى بعض أهل السلطان أيها الشريف : عشت اطول الاعمار بزيادة من العمر موصولة بفرائضها من الشكر لا ينقضي حق نعمة حتى يجدد لك أخرى ولا يمر بك يوم إلاكان مقصرا عما بعده موفيا عما قبله .
إني تصفحت أحوال الاتباع الذين يجب عليهم الهدايا إلى السادة والتمست التاسي بهم في الاهداء – وأن قصرت بى الحال عن الواجب – فوجدت إني بهم اهديت نفسي فهي ملك لك لا حظ فيها لغيرك ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدتها منك فان كنت اهديت منها شيئا فاني لمهد مالك إليك ونزعت إلى مودتي فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة فرأيت أن جعلتها هديتي إني لم اجدد لهذا اليوم الجديد برا ولطفا ولم اميز منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصرا عن الحق والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك والاقرار بالتقصير عما يجب لك برا اتوسل به إليك وقلت في ذلك
أن اهد مالا فهو واهبه وهو الحقيق عليه بالشكر
أو اهد شكري فهو مرتهن بجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغني إذا طلعت أن أن تستضيء بسنة
الباب التاسع
الموعظة التقوية في العصر الأموي
لا يخفى على أحد من الناس أن الأمويين وإن فتحوا معظم بلاد الإسلام في فترة تاريخية وجيزة إلا أنهم حكموا الناس بالحديد والنار فتراجعت المواعظ خطوة إلى الوراء وخاصة الوعظ الموجه للخلفاء والأمراء وبقي الوعظ السلوكي الفردي المتجه لسلوك الناس والوعظ الموجه للقضايا الاجتماعية البعيدة عن إطار سياسة الدولة الأموية وانتشرت المواعظ في المساجد والمجالس وكان على رأس الوعاظ في هذا العصر ( الحسن البصري ) الذي عمت مواعظه مختلف مناحي الحياة ومعظم ما تحدث فيه الوعاظ فغي هذا العصر انزياح الناس عن قواعد هذا الدين وانتشار بعض الموبقات وفساد الناس وظلمهم بعضهم لبعض وانضوت الموعظة تحت عباءة الخطابة حيث ( خطيب الجمعة ) حيث تحولت الكثير من الخطب في الجمع إلى نوع من الوعظ هروبا ً من .

الباب العاشر
الوصف في العهد الأموي
الوصف المعنوي
الوصف الجسدي
وصف الإمام العادل / أموي
كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه لما ولي الخلافة إلى الحسن ابن أبي الحسن البصري , أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل . فكتب إليه الحسن :
اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل , وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف , ونصفة كل مظلوم , ومفزع كل ملهوف , والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد أطيب المراعي ويذوذها عن مراتع المهلكة ويحميها من السباع , ويكنفها من أذى الحر والقر , والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده , يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته , والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها , حملته كرها ووضعته كرها ً وربته طفلا , تسهر بسهره , وتسكن بسكونه , ترضعه تارة وتفطمه أخرى وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح , تصلح الجوانح بصلاحه , وتفسد بفساده والإمام العادل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده , يسمع كلام الله ويسمعهم , وينظر إلى الله ويريهم , وينقاد إلى الله ويقودهم – فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله , فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وفرق ماله .
واعلم يا أمير المؤمنين أن الله انزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش , فكيف إذا أتاها من يليها ! وأن الله انزل القصاص حياة لعباده فكيف إذا قتلهم من يقتص متهم؟ واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده , وقلة أشياعك عنده , وأنصارك عليه فتزود له , ولما بعده من الفزع الأكبر .
واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه , يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك , يسلمونك في قعره فريدا ً وحيدا ً , فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه – واذكر يا أمير المؤمنين , إذا بعثر ما في القبور , وحصل ما في الصدور , فالأسرار ظاهرة , والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها , - فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل , وانقطاع الأمل – لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين , ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين , فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ً ولا ذمة فتنوء بأوزارك وأوزاراً مع أوزارك , وتحمل أثقالك وأثقالا ً مع أثقالك , ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك , ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك , ولا تنظر إلى قدرتك اليوم , ولكن انظر إلى قدرتك غدا , وأنت مأسور في حبائل الموت , وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين , وقد عنت الوجوه للحي القيوم . إني يا أمير المؤمنين وإن لم ابلغ بعظتي ما بلغه أولوا النهى من قبلي فلم آلك شفقة ً ونصحة , فانزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة .





الباب الحادي عشر

النقد في العصرالأموي: (عصر ابن أبي عتيق)

تابع :

هي أولصور النقد الموجود في الحجاز، يشبه إلى حدّ كبير ذاك النقد الذي كان موجوداً فيالجاهلية وصدر الإسلام، وتتمثل في نقد الشعراء بعضهم بعضاً، سواء أكان هؤلاءالشعراء حجازيين أو غير حجازيين، وكان أوفى الشعراء نصيباً في ذلك عمر بن أبيربيعة، وقد نالَ رأي أربعةٍ من معاصريه في صورة أحكام غير معللة؛ فيقول عن نُصَيببن رَباح إنه أبرعهم في وصف النساء، ويقول جميل بن مَعمَر إنه أحسنهم في مخاطبةالنساء والحديث إليهن. أما جرير فقد حكم له بأحكام غير معللة أكثر مرة، وأبرزها أنهأنسب الناس، وأنه وجد ما ضل عنه غيره، وكان للفرزدق فيه قول كهذا.
ومن الأمثلةالواضحة على هذا النوع من النقد "أن سمع الفرزدق عمر بن أبي ربيعة ينشدقوله:
جَـر نـاصِحٌ بالوُدِّ بيني وبينها فَقَرَّ بَنـي يـومَ الحِصاب إلىقَتلي
ولمّا بلغَ قوله:
فَقُمْنَ وقد أفهَمنَ ذا الُّلبِّ أَنّما أتَيْنَالذي يأتينَ من ذاك من أجلي
صاح الفرزدق: هذا والله الذي أرادته الشعراء،فأخطأته وبكت على الديار"(1).

بالعودة إلى الاحكام من الشعراء الأربعة نجدهاغير معللة بسبب، تحتكم إلى الذوق، وتشبه إلى حدّ كبير ذاك النقد الذي رأيناه فيالعصرين الجاهلي وصدر الإسلام، وقد كثر هذا النوع بين الشعراء، فما يكاد يسمع شاعرٌشاعراً آخر ينشد حتى يبدي رأيه فيما سمع دونَ تفكير وبحث، بل بالاعتماد على الذوقوالفطرة.

2. المفاضلات بين الشعراء:

كانتالمفاضلات وموازنات صورة من صور النقد الذي شهده عصر ابن أبي عتيق، ومعظمها مفاضلاتمأثورة عن نقاد الجاهلية وصدر الإسلام، وهي مفاضلات عامة غير معللة،

ومنهذه المفاضلات ما هو عام، تكون فيه المفاضلة بين شاعر وآخر بشكل عام، ومن ذلك سألرجل نُصيباً: أَجَميلٌ أنسبُ أم كُثَيِّر؟ فقال: أنا سألت كُثيّراً عن ذلك فقال: وهل وَطَّأ لنا النسيب إلا جميل؟! فكانوا يفضلون شاعراً على غيره من الشعراء في غرضمعين أو عدة أغراض وربما في كل شيء.
أما النوع الثاني من المفاضلات ما كانجزئياً، كالمفاضلة بين شاعر وآخر في قصيدة أو قصائد معينة، ومن ذلك المفاضلة بينعمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر، فكان عمر يعارض جميلا في قصائده، فيفاضلون بينهما،فقالوا إن عمراً أشعر من جميلٍ في ارائية والعينية، وجميلا أشعر من عمر في اللامية،وكلاهما قال بيتاً نادراً ظريفاً، فقال جميل:
خليليَّ فيما عشتما هلرأيتما
قتيلاً بكى من حبّ قاتله قبلي؟
وقال عمر:
فقالت وأرخت جانبالسِّترِ: إنّما
معي فتكلّم غير ذي رِقبةٍ أهلي

ومع هذه المفاضلاتالمعتمدة على الذوق نجد نفحات بسيطة من التطوير، فبعض النقاد يتجهون إلى تطويرالمفاضلات، وذلك بالالتفات إلى جوانب أخرى في الشعر حين الحكم عليه، ومن ذلك حكمنوفل بن مُساحق على عمر بن أبي ربيعة وعبيد الله بن قيس الرقيّات، فكان عمر – فيحكمه- أشهر بالقول في الغزل، وابن قيس أكثر أفانينَ الشعر، ومعنى هذا أن نقادالحجاز في العصر الأموي أخذوا ينظرون في المفاضلات والموازنات الشعرية إلى تنوّعالقول في الأغراض الشعرية كإحدى المزايا التي تحسب للشاعر في ميزان النقد عندالتفضيل، وكذلك تطرقوا إلى الصدق الشعري في المعنى والعاطفة، أو إلى الشعر الذييوحيه العقل والمنطق والشعر الذي يوحيه القلب والعاطفة وتفضيل الثاني على الأول،ومن ذلك:
" أنشد كُثيّر ابنَ أبي عتيق كلمتهُ التي يقول فيها:
ولستُ بِراضٍمن خليلِ بنائلٍ قـليلٍ ولا أرضـى له بقليلِ
فقال له: هذا كلامُ مكافئٍ ليسَبعاشق! القرشيان أصدق منك؛ ابنُ ربيعة حيث يقول:
ليتَ حظّي كَلحظة العينِ منهاوكثيـرٌ منهـا القليل الـمُهَنّا
وقوله:
فَعِدي نائلاً وإنْ لـم تُنيلي إنـهيُقنِعُ الـمحبَّ الرجـاءُ
وان قيس الرقيات حيث يقول:
رُقَـيَّ بِعَيشكم لاتَهـجُرينا ومَنّينا الـمُنـى ثـمّ امـطُلينا
عِدينا فـي غدٍ ما شئتِ إنّانُحبّ- وإن مطلتِ - الواعدينا
فـإمّا تُنجزي عِدَتـي وإمَّا نعيشُ بِـمانـؤمَّلُ مِنكِ حِينا"

3. صور أخرى منالنقد:

تتمثل هذه الصور في مآخذ بعض النقاد والادباء على الشعراء، أومآخذ الشعراء على بعضهم بعضاً، وقد لَمَستْ هذه المآخذ جوانب مختلفة من الشعر،جوانب تكشف عن اختلاف ذوق النقاد وهواهم، كما تدل على اتساع مجال النقد وتطوره،وأكثر من حظي بهذه المآخذ هو عمر ابن أبي ربيعة، فمن النقاد مَن عاب عليه أسلوبهالإباحي، ومنهم عبدُ الله بن الزبير وأبو المقوم الأنصاري، وهشام بن عروة، فجميعهمادركوا خطورة شعره على أخلاق الفتيات. ومن الأمور الأخرى التي أخذها عليه النقاد،وبخاصة صاحبه بن أبي عتيق هو نسيبه بنفسه، فقد أخذ عليه أنه يحبّ نفسه ويتغزل بها! وتبعه في هذا كثيّر عزة، وبثينة صاحبة جميل.
ومما التفت إليه النقاد في هذاالعصر أيضاً عدم الجمع بين الشيء وما يناسبه من نوعه، أو ما لا يلائمه من ي وجه منالوجوه، وهو ما يسمى "مراعاة النظير"، و من هذا ما أنشده الكميت بن زيد في حضرةنُصَيب:
وقَد رأينا بـها حُوراً مُنَعَّمةً بِيضاً تَكامَلَ فيها الدَّلُوالشَّنَبُ
فعاب عليه نُصيب قوله: " تَكامَلَ فيها الدَّلُ والشَّنَبُ" إذاستقبح هذا القول.
والتفت النقاد أيضاً إلى الشعر الوَسَط، أي الشعر الذي لايبلغ غاية صاحبه ولكن يقع قريباً منها، فلا تقول له اخطأت أو أصبت، ومن ذلك ماأنشده الكميت في حضرة ذي الرمة:
هل أنتَ عن طلبِ الأيْـفـاعِ مُنـقَلِبُ
أمكيفَ يَـحسُنُ مِن ذي الشَّيبةِ اللَّعِبُ؟
فقال ذو الرمة: ويحك! إنك لتقولقولاً ما يقدرُ إنسانٌ أن يقولَ لكَ أصبتَ ولا أخطأت، وذلك أنك تصف الشيء فلا تجيءبه ولا تقع بعيداً عنه، بل تقع قريباً.
وفي هذه المرحلة أيضاً بدأ الحديث يدورحول السرقات الشعرية، ومن ذلك أن لقي الفرزدق كثيّراً بقارعة البلاط، فقال له: ياأبا صخر، أنتَ انسبُ العرب حين تقول:
أريدُ لأنسى ذكرها فَكَأنّما تَمَثَّلُ لـيليلى بكلِّ سبيلِ
يُعرّض له بسرقته من جميل بثينة، فقال له كثير: وأنت يا أبافراس أفخر الناس حين تقول:
ترى الناسَ إذا ما سِرنا يسيرون خلفنا وإن نَحنثامأنا إلى الناسِ وَقَّفوا
وهذا البيت أيضاً سرقه الفرزدق من جميل، وفي هذا دليلعلى انتباههم للسرقات منذ عهد مبكّر.
عرض النقاد في ذلك العصر كذلك لصفاتالألفاظ، فعابوا من الشاعر أن يتراوح أسلوبه بين جزالة البدو ورقّة الحَضَر فيالتعبير عن المعنى الواحد، ومن ذلك ما ذكره الهيثم بن عدي أن قال له صالح بن حسان: هل تعرف بيتاً نصفهُ أعرابيّ في شَملة، وآخره مُخَنّثٌ من مخنثي العقيق؟ فقالالهيثم: لا أدري، قال: قد أجّلتكَ فيه حولاً، فقال الهيثم: لو أجلتني حولين ماعلمتُ. قال: قولُ جميل: "ألا أيّها النُوّامُ ويحكم هُبّوا" هذا أعرابيفي شَملة، ثمقال: "نُسائلكم هل يُقتلُ الرجلُ المُحِبُّ؟" كأنه والله من مخنّثيالعقيق"(1).
ومما أخذوه على الشعراء أن يقلّد بعضهم بعضاً في أسلوبه الشعري أوطريقته الفنية التي عُرِفَ بها، وذلك كتقليد جميل لعمر بن أبي ربيعة في حوارهالقصصي. وقد جاء في الأغاني أن عمر بن أبي ربيعة حين أنشد بثينة وقالت له: والله ياعمر لا أكون من نسائك اللاتي يزعمن أن قد قتلهنّ الوجد بك، قال لها قولَجميل:
وهما قالتا لو أنّ جـميلاً عَـرَضَ اليومَ نـظرةً فَرآنا
بينما ذاكمنهما وإذا بِي أعملُ النَّـصَّ سَيْرةً زَفيانا
نظرت نحو تِربِها ثم قالت قدأتانا – وما علمنا- مُنانا
فقالت: إنّه استملى منكَ فما أفلح، وقد قيل: اربِطالحمار مع الفرس، فإن لم يتعلم من جَريه تعلّمَ مِن خُلُقِه(2)" وهي بهذا تشير إلىتأثر جميل بطريقة عمر في الحوار القصصي وعجزه عن بلوغ مستواه في ذلك.
هذا هو عصرابن أبي عتيق الذي عاش فيه، وتأثر بأحداثه وانفعل، وقد اشتهر بالفضل والنسك،والصلاح والعفاف، كما عرف بالظرف والدعابة والفكاهة، والميل إلى اللهو والمزاحوالغزل، وإلى جانب ذلك فقد كان مولعاً بالغناء، محباً للأدب والشعر، ناقداً له،فسعى إليه معاصروه ينشدوه أشعارهم فينقدها بعين الحاذق البصير بما فيها من مواطنالقوة والضعف.

**************************
ابن أبي عتيقالناقد:

ظهرت في الحجاز العديد من الشخصيات النقدية التي أثر عنهاالكثير من النقد، وأكثرها إثراءاً شخصية ابن أبي عتيق، فقد ملأ الحجاز نقداً ظريفاًلأكثر شعراء الغزل في عصره، وكان يعتمد في نقده على ذوق مرهف وحِسّ مترف، وقريحةوقّادة، وبصيرة نافذة في التمييز بين جيّد الشعر ورديئه، صحيحه وزائفه، وإلى جانبذلك كله كان محيطاً بثقافة عصره ومعارفه، وثيق الصلة بحياته الأدبية، عليماًبتيّاراتها واتجاهاتها، متجاوباً معها.
من الأساليب المميزة لابن أبي عتيق فيالنقد هو اتخاذه أسلوب السخرية الضاحكة إلى حد الإيجاع أحياناً، وكأنه أراد هذاليمثل الروح الحجازية بما فيها من رقة وظرف، وأن يجاري روح الشعر المعبّر عن حياةالحجاز المرحة اللاهية، وبالتالي يلائم بين روح الشعر وروح النقد.
لابن أبي عتيقآراء نقدية كثيرة في عدد من شعراء عصره، لكن أكثرهم اهتماماً وعناية بالنسبة له هوعمر بن أبي ربيعة، فقد كان مصاحباً له داعماً لشعره حتى اتهمه نقاد عصره بالانحيازإليه، لكنه كان يقوم بهذا ليدفع عمر نحو الغناء والنظم وملئ الحجاز بالإبداعوالغناء، وبالتالي يخدم الشعر، وإنه في مجاراته له لم يكن مُطلَقاً، بل وضع حدوداًلم يتعداها، فهناك حدود لِما يصِح أن يوافق صاحبه أو يخالفه فيه من حيث المبدأوالقيم الأخلاقية والسلوك.
لقد جاء نقد ابن أبي عتيق في صور متعددة، وهي صورجزئية تضمنت آراءه وملاحظاتِه النقدية، و هذه الصور على النحو الآتي:

أ. التعليقات:
وتتمثل في صورة تعليقات ظريفة ليست في صميمالنقد، وإنما تأتي على هامشه، وهي إن دلّت فإنها تدلّ على ذوق الناقد، وبصرهبالشعر، وبما يستجاد أو لا يستجاد منه. وتتميز هذه التعليقات بالإيجاز والدعابةالساخرة، والتلميح دون التصريح، ثم بالعبارة التي تحاول محاكاة الشعر في لغتهوبلاغته.
لا تدخل هذه التعليقات في النقد إلا من باب التجوُّز، ولكنها ممااستحدثه نقاد الحجاز من أمثال ابن أبي عتيق، والمخزومي، وهناك الكثير من الأمثلةعلى هذه التعليقات نورد منها مثالاً واحداً:
"أنشد عمر بن أبي ربيعة قصيدة ذكرفيها جاريةً له توسّطت في الصلح بينه وبين إحدى صواحبه، وقد وصف عمر هذه الجارية فيالقصيدة بقوله:
فبعثنا طَـبَّةً عـالـمـةً تـخلِط الـجِدّ مراراًباللعبْ
تُغلِظ القولَ إذا لانت لَها وتُراخي عند سَوراتِ الغضبْ
لَم تزلْتَصرِفُها عن رأيها وتـأنّـاها بـرفـقٍ وأدَبْ
فقال له ابن أبي عتيق: الناسيطلبونَ خليفةً منذ قُتل عثمان في صفة قَوّادتِك هذه يدبّر امرهم فمايجدونه!"

ب. مقياس العاطفة:
عرض ابن أبي عتيق فيأخباره إلى نقد العاطفة في شعر بعض معاصريه، ومقياس الحكم على العاطفة عنده مستمدمن مقياس النقّاد السابقين، فيتمثل في مدى صدقِ العاطفة أو عدم صدقها؛ فالعاطفةالصادقة في نظره هي ما تنبعث من أسباب صحيحة غير زائفة أو مُفتَعَلة. فصدق العاطفةعنده عنصر من عناصر الجمال في الشعر، وعلى الشاعر أن يكون أميناً مع نفسه وعواطفه،فلا يعبّر إلا عمّا يشعر به أويعنيه حقاً، وقد كان أحياناً يوازن بين الشعراء منحيث صدق عاطفة كلّ منهم، ومن أمثلة ذلك أن حضر ابن أبي عتيق عمرَ ابن أبي ربيعة وهوينشد قوله:
ومَن كانَ محزوناً بإهـراق عَبرَةٍ وَهَـى غَربُـها فَلْيأتِنانُبكِـه غَدا
نُعِنْهُ على الإثكالِ إنْ كانَ ثاكِلاً وإنْ كان مَحرواباً وإنْكانَ مُقصَدا
فلمّا أصبح ابنُ أبي عتيق أخذ معه خالد الخِرِّيت وقال له: قُم بناإلى عمر. فَمَضيا إليه، فقال له ابن أبي عتيق: قد جئناكِ لِموعِدِك. قال: وأي موعدٍبيننا؟ قال: قولُك "فَليأتِنا نُبكِه غدا". قد جئناك، والله لا نبرح أو تبكيَ إنكنتَ صادقاً في قولك، أ, ننصرف على أنك غير صدق، ثم مضى وتركه.

ج. مقياس المعنى:
اتخذ ابن أبي عتيق أربعة مقاييس لقياس المعنىوالحكم عليه، وأول هذه المقاييس هو الوضوح والغموض، فما يحتاج إلى تُرجمان يترجمهليس بشعر، والمقياس الثاني هو الصدق والكذب، فيرفض المعاني التي يغالي في ها الشاعرويغرق، ويرفض كذلك ما امتنع عقلاً وعادةً، فيأخذ على الشاعر أنه يكذب على نفسه وعلىالناس حين يدّعي ما لا يقدر عليه حقّاً وصدقاً، فينتقده بسخريته المعهودة، وهو فيهذا آخذ بمقياس الجاهليين في نظرهم إلى المبالغة، فيرى في التبليغ والإغراق والغلوّمفسدة للمعنى ومنافَيَةً للصدق.
ومن مقاييس المعنى التي اتخذها ابن أبي عتيقكذلك مقياس الصحة والخطأ، فالخطأ قد يصيب المعنى أو يتطرّق إليه من ناحية الجهلبالمدلول اللغوي للألفاظ، أو الجهل بالحقائق، أو من ناحية مخالفته للواقع والطبيعة،أو عدم مطابقته لحال المتكلم أو نوع ثقافته، فيرفض أن ننسب كلاماً إلى متكلم لايليق بثقافته أو بحاله الفكري وعلمه، ومن المقاييس أيضاً التي قاس بها المعنى "الوفاء بالمعنى"، وذلك بأن يستوفي الشاعر كلّ ظلال المعنى وأن يأتيَ به تاماًكاملاً. وفي هذه المقاييس كلها كان ابن أبي عتيق يحكم على الشعراء ويوجه لهم النقدالساخر الموجع، وهي جليّة في الكثير من أخباره.

د. الموازنات الشعرية:
وُجِدَت الموازنة في النقد العربي منذ زمن طويل، فكنالتفضيل بين شاعر وآخر، وبين شعرٍ وشعر، ولكن الاحكام فيه كانت في أغلبها عامة غيرمعللة، وامتد هذا النوع من الموازنات إلى النقد في بيئة الحجاز أيام بني أمية،كالموازنة التي فضّل فيها كُثيّر جميلاً على نفسه، ولكن إلى جانب هذا الموازنة فقدظهر صور أخرى لها، يبنى فيها الحكم على التعليل، فيلتفت الناقد إلى جوانب غيرمسبوقة، وكان ابن أبي عتيق الوحيد الذي اتجه إلى توسيع مجال النقد من هذه الناحية،ففي الموازنات التي عقدها بين بعض الشعراء يتجاوز التعليل إلى بحث قضايا كمن صميمالنقد، ومن هذه الموازنات العديدة نورد الموازنة التالية:
"زاره في المدينةكُثيِّر عزّة فاستنشده فأنشده كُثيّر قصيدته التي مطلعها:
أَبائنةٌ سُعدى؟ نعمسَتَبينُ كما انبَتَّ من حبلِ القرينِ قَرينُ
حتّى بلغ إلى قوله:
وأخلَفْنَميعادي وخُنّ أمانتي وليس لِمَن خان الأمانةَ دينُ
فقال له ابن أبي عتيق: أَعلىالأمانة تبعتَها؟ فانكفّ- كُثيّر- واستغضب نفسه وصاح وقال:
كَذَبنَ صفاءَ الودِّيومَ مَحِلِّهِ وأنكدنَني مَن وَعدُهنَّ دُيونُ
فالتفت إليه ابنُ أبي عتيق فقال: وَيْلَك! أوَ للدَّين صَحبتهنّ يا ابن أبي جمعة؟ ذلك والله أملح لهنّ، وأشبه بهنّ،وأدعى للقلوب إليهنّ. وإنما يوصفنَ بالبخل والامتناع، وليس بالوفاء والأمانة. سيِّدُك ابن قيس الرقيّات كان أعلمَ وأشعرَ منك، وأوضَعَ موضعه منهنّ! أما سمعتَقوله:
حَبَّ ذاكَ الدَلُّ والغُنُـجُ والتي في طَرفِها دَعَـجُ
والتي إنحدّثتْ كذبتْ والتِي فِي وعدِها خَلَجُ
وترى في البيت صورَتَها مثلما فيالبِيعةِ السُّرُجُ
خبِّرونـي هل على رجلٍ عـاشقٍ في قُبلةٍ حَرَجُ؟
فقالكثير للسائب راويته الذي كان معه: قم بنا من عند ها، ثم نهض ومضى"
نلاحظ مما سبقأن ابن أبي عتيق تناول شيئاً جديداً على النقد في تلك الفترة، وهو صدق التجربةالشعرية، وينبع هذا الصدق من معايشة التجربة لا من تخيّلها، ومن اتعمق في فهمطبيعتها وأبعادها ومن التعامل معها على أساس القيم العاطفية، وانطلاقاً من وجهةالنظر هذه تأتي موازنة ابن أبي عتيق كاشفة عن حقيقتين؛ أولاهما أن الموازنة تمّتبين كلام شاعرين وهي مشفوعة بالعلل والأسباب، والثانية أن ابن عتيق التفت إلى صدقالتجربة وأثرها في قيمة الشعر وميزان النقد، وهذه الالتفاتة مبكرة ، ولكنها محاولةفي سبيل تطوير الموازنات الشعرية الانتقال بها خطوة عى طريق النقد القويم.
لميكتفِ ابن أبي عتيق بمقياس صدق التجربة في موازناته، بل اعتمد على دقّة المعنى،ولطف المدخل، وسهولة المخرج، ومتانة الحشو، وتعطُّف الحواشي، ووضوح المعاني، وبساطةالفهم، فهي قيم جمالية نقدية لا بد من الاستعانة بها لادراك موان القوة والضعف فيالشعر، ويزيد على هذه القيم صدق العاطفة والتأثير في عواطف ومشاعر السامعين وبلوغالوفاء بالغرض والتعبير عنه.

ابن أبي عتيق وتشبيب عمر بنفسه:
أنشد عمر بنأبي ربيعة ابنَ أبي عتيق في أحد الأيام قائلاً:
بينما يَـنعَتنَنِـي أبصرنَنِـيدونَ قِيد الميل يعدو بـي الأغرّْ
قالت الكبرى: أَتَعرِفنَ الفتى؟ قالتالوُسطـى: نعم هذا عمرْ
قالت الصغرى وقَد تَـيَّمتُها: قد عرفناهُ... وهل يخفىالقَمَرْ؟
فقال له ابن أبي عتيق: أنت لم تنسُب بها، وإنما نسبتَ بنفسك! كانينبغي أن تقول: قلتُ لها فقالت لي، فوضعتُ خدّي فوطِئَتعليه!






التحوّل في مقياس النقد

أخذ المجتمعالحجازيّ في العصر الأموي يتحضّر بفعل عوامل شتّى جديدة طرأت عليه من الداخلوالخارج، وكان الطابع الغالب على الحياة الحجازية الجديدة في هذا العصر هو طابعالترف في كل شيء، وقد مسّ هذا الترف الشعر، فتغلغل في موضوعات ومعانيه وصوره، كمامسّ ديباجة هذا الشعر المتمثلة في في ألفاظه وصياغته وأسالبيبه، فهي ديباجة أبعد ماتكون عن الجفوة والغلظة، والتعقيد والالتواء، والغموض والإبهام، وما أشبه سماتهابسمات الحياة الظاهرة والباطنة التي كان يحياها شعراء الغزل في الحجاز.
ونتيجةلهذا ظهر في الحجاز جانبين من النقاد، كلّ منهما يسير وفق مقياس يرضيه ويناسبتفكيره، وكان الجانب الأول ممثلاً في دعاة ومؤيدي الغزل الصريح وعلى رأسهم عمر بنأبي ربيعة، فقد كان المغنون يتلقّفون الجديد منه ويضعون الألحان ثم يتغنون بهوالكثيرون ينشرونه هنا وهناك لما له من تأثير يشبه السحر عليهم، ومن النساء من كانتتدوّنه في دفتر وتدخل به على نساء اخريات، بل كانت الكثيرات يأتين إلى الحج منأجله.
على الجانب الآخر كان التيار المعارض لهذا الشعر، يرفضه لأن منافٍ للقيموالأخلاق الإسلامية، وهم المتشددون في دينهم من أهل الحجاز، فيرفضون ما في الغزلالصريح من إباحية يُخشى منها على أخلاق النساء، وتلك الطائفة هي التي كانت تقيسالشعر على مقياس الرسول –عليه الصلاة والسلام- والذي استوحاه من تعاليم الإسلاموقيمه الأخلاقية، والقائل: "إنما الشعر كلام مؤلف، فما وافق الحقّ منه فهو حسن، ومالم يوافق الحق منه فلا خير فيه".
فهو مقياس يتخذ الحق أساساً له، ويدعو إلىالتمسك بالفضائل ومكارم الأخلاق، فالحسنُ من الشعر طبقاً لهذا المقياس هو ما وافقالحق، وما لم يوافق الحق منه فباطلٌ لا خير فيه، والرسول بهذا أراد أن ينحرف بالشعرعن طريق القيم الجاهلية، وأن يجعله إسلاميّ الروح والمضمون والاتجاه، وبذلك يكونعاملاً من عوامل البناء لا الهدم في المجتمع الجديد.
أدى تتبع النقد للشعر إلىتطوره بتطور الأول، وهذا التطور أدى إلى ظهور مقياس جديد في تلك الفترة في النقد لميتنبه له إلا ابن أبي عتيق، وهذا المقياس متمثلاً في قوله عن شعر عمر ابن أبيربيعة:
"لشعر عمر ابن أبي ربيعة نوطة في القلب، وعلوق في النفس، ودرك للحاجةليست لشعر، وما عُصي الله جلّ وعزّ بشعرٍ أكثر مما عُصي بشعر ابن أبيربيعة"
ونفهم من هذا القول أن الشعر الذي يلبي نزعات النفوس في عصره، ويدفعهابجمال تصويره وقوة تأثيره إلى عصيان الله في سبيل إشباع رغباتها المكبوتة قد صار منالأصول أو القيم النقدية التي تؤخذ في الاعتبار عند إرادة التفضيل بين شعر وشعر، أوبين شاعر وآخر، وابن أبي عتيق أول من نوّه بهذا المقياس، ولفت الأنظار إليه فيمفاضلاته الشعرية، وأبرزه في أحكامه التي قرر بها واقعهاً ملموساً، واتجاهاًموجوداً في شعر معاصريه الحجازيين.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف