الأخبار
2017/11/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الشيخ بقلم محمد إسماعيل سلامه

تاريخ النشر : 2013-03-11
طال وقوفه إلى جوار الجدار الخلفي لمسجد
سيدنا الحسين رضى الله عنه ، بالطبع لم يكن ينتظر أحد ممن يدخل المسجد أو يخرج منه
، بل كان ظهره إلى المسجد في الواقع ، كان الجو حارا ً جدا والعرق يتصبب منه
فيلاحقه بمنديله الورقي وهو ينظر إلى ساعة يده ويتلفت في ضيق يُمنة ويسارا ً ،
ويتفحص وجوههن من بعيد ، كلما بدا له في هجير الظهر ، عودا متمايلا ، كما تفعل هي
! ليخيب أمله في كل مرة تقترب منه إحداهن بخطى ً مائسة وقد بدت لوهله من بعيد انها
هي ، في هذا الشارع الضيق والمليء بالناس في كل إتجاه – عادة – في هذا الوقت من
نهار القاهرة القديمة.

بدأ يفقد الأمل ، فمشى خطوتين شاردتين ببطءٍ
وأسند ظهرَه إلى جدار المسجد ، وأراح عينيه من تفحص الوجوه بعد أن داخله شبه يقين
، أنها لن تأتي ، ولن تظهر ، أشعل سيجارة وبدأ يُخرج دخانها ببطء واقفا ًعلى قدمه
اليمني وقد ثنى اليسرى إلى جدار المسجد وتأبط ذراعيه ، وعلت وجهَه الذي عقد حاجبيه
، نظرةُ وجوم وشرود ..

كان يضايقة تأخرها ، لا لأنها تأخرت بالفعل ،
بل كان يعيش في داخله مع ذلك الصراع الأبدي في كل نفس بشرية لم يمت قلبها ، وتعيش
على فطرتها ، تلك النفس التي لا تترك صاحبها ، إذا أقدم على فعل شيء يعرف أنه خطأ
، بل .. ويحتقره في الواقع !

شعر بقلبه مضغوطا ، مثقلا بالهموم ، لم تكن
حرارة الجو ولا زحمة الناس من حوله ، تسببان له هذا الضيق بقدر ما كانت زحمة
المشاعر المتضاربه في نفسه ، نشأته الريفية ، الأصول والواجب ، وعبارات الإحترام
والتقدير ، ومشاعر الإعجاب ، طموحه وأحلامه التي لا يعرف هل يخاطر بها حين دخل في
هذه العلاقة " الآثمة "، أم أنه يتروى قليلا في عمره الثلاثيني بعد أن
عجز عن تحقيق ما يتمناه قبل هذا العمر .. ثم أنه " معذور " أليس هو
الفقير المعدم الذي عاش لثلاثين عاما وكأنه المشجع الوحيد لفريق مهزوم بالثلاثة ،
فريق الأخلاق والقيم ! في حين يمتليء ملعب الدنيا بفرقة أخرى تربح كل شيء ،
ويشجعها كل الجمهور ، ولا تخسر ابدا ً !


أليس من حقه أن يشعر قليلا بلذة الدنيا ،
ورواح النفس ، كالآخرين .. ثم وهل من طريق أخرى ، هل يملك شيئا ليطرق بابا بخطى
ثابته كي يطلب يد إحداهن ، هل عاش يوما إلا كمثل النمل في بيات ٍ شتوي ، لا يخرج ،
ولا يرفه نفسه ، بل إن حتى النمل يعيش في جماعات .. وهو إلى اليوم .. يسامر جدرانه
الأربعه .. وغرفته الضيقة في ذلك الحي العشوائي القذر والتي أجرها " بالعافيه
" !

ثم .. ثم أليس برضاها .. بل هي التي كانت
تخطط لذلك ، هي من قدمت كل شيء ، وهو قبل أخيرا أن يعيش تلك اللحظات الجميلة التي
لم يعشها إلا في بيت شعر او قصة يقرأها ، ولم تكن يوما في حياته .. حقيقة ! وهو
ليس اقل من هؤلاء الجهله الذين يعيشون حياتهم " بالطول والعرض " ولا
يحملون لها هما ً .

ثم .. ثم .. هي مطلقة ، نعم ، مطلقة ، وإن لم
يكن أنا ، سيكون غيري ، لا فرق عندها ، ولن تؤذى في شيء ، فليكن ما يكون .. "
جت عليا " ثم .. ثم ..

" ما تستهدى بالله يابني "
"هه" !!


إنتبه فجأة على مصدر الصوت إلى يساره ، فوجد شيخا طاعنا في السن ، لم يبد أنه
قالها وهو ينظر إليه حتى ، كان يرتدي عمامة بيضاء ملفوفة بدقة وجلبابا أزرق ولحيته
كثيفة شديدة البياض وفي وجهة علامة الصلاة وكأنة يصلى منذ دخول الإسلام إلى مصر ،
كانت عليه علامات القوة برغم كبر سنه ، كتفان عريضان ، ربما يعجز ظهره عن حملهما لكبر
سنه ، فانحنى قليلا إلى الامام لكن الرجل ما إن تماسك واقفا عن الكرسي الخشبي الذي
كان يجلس عليه إلى جواره دون إن يلاحظه ، حتى وجد له هيبة غريبة ، فشك أنه كان
يفكر بصوت عال وأن هذا الشيخ كان يسمعه .

إقترب الشيخ بخطوات قليله ، وهو ينظر إليه في
ذهول ، ثم قال :" ايه مالك ، شايل هموم الدنيا فوق راسك ليه ، مفيش
حاجه تستاهل يابني" " مفيش ، انا مستني بس واحد
صاحبي ، وشكله مش جاي"" طيب ما تيجي تصلي الضهر
"" هه ، آه الضهر ، هصلي ان
شاء الله هستناه بس شوية كمان يمكن ييجي "

عقد الرجل حاجبيه ولم يرد ، ثم مضى بخطى بطيئه
إلى المسجد ، وهو يراقبه يمشي إلى باب المسجد ، ويستغرب هيئته وهو يمشي بخطوات
بطيئه ، لكنه يبدوا وكأنه محمولا لا يترنح ولا يتفادى الناس بل يتفاداه الناس وهو
يمشي باطمئنان غريب ، ثم وقف فجأة بعد أن وصل إلى باب المسجد مباشرة .. والتفت
إليه مرة أخرى .. وأشار إلى عصاه التي نسيها إلى جوار الشاب الذي وقف مسمرا ً
لثانية ، ثم لاحظ العصا فأخذها إليه ..

" معلش بنساها كتير " قالها وهو يمسك العصا بيد
، وبيده الأخرى تأبط ساعد الشاب وهو يضمه إلى جنبه ." إنت ابن حلال مش بقولك
هتصلى ، ياللا "·" لا .. أصل .. " هنا ..
قاطعه الشيخ " ياللا يابني علشان ربنا يكرمك "

شعر الشاب بالإستسلام ، وبدا كما أنه سيصلي
الظهر في النهاية ، ربما ليرتاح من عذاب ضميره ، ومن هذا الشيخ اللحوح .. بعد عتبة
المسجد ، إستدار ليأخذ حذائه ، فوجدها واقفة في منتصف الطريقة أمامه ، تنظر له
بدهشة ، وتسمر هو للحظة ، ثم طغى روحه القديم في نفسه ، وفجر في خاطره استنكارا ً
كموج البحر الذى هاج فجأة ، " هل ستخرج من المسجد .. من أجلها " ؟! فأشار
لها أن تذهب ، فلن يأتي !! لم يشعر إلا وبالشيخ الذي كان يقف وراءه مباشرة ، ويرى
المشهد .. يربط على كتفه.. وعلى وجهه ابتسامة عريضة ..

"
ياللا يابني ، مفيش أحسن من طريق ربنا "محمد إسماعيل سلامه
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف