الأخبار
وزير الخارجية المصري: نبذل كافة المساعي للتوصل إلى هدنة بغزة قبل رمضانبايدن: واشنطن ستنفذ إنزالاً جوياً لمساعدات غذائية إلى قطاع غزةالأمم المتحدة: الحياة في غزة تلفظ أنفاسها الأخيرةقيادي بحماس: لن نسمح بأن يكون مسار المفاوضات غطاءً لاستمرار العدو بجرائمه بحقّ شعبناالقدس: الاحتلال يستولي على 2640 دونما من أراضي أبو ديس والعيزريةأوكسفام: خطر الإبادة الجماعية في غزة بات حقيقةوسائل إعلام عربية: واشنطن وأطراف إقليمية لا تدعم اختيار محمد مصطفى رئيساً للوزراءدول عربية تُعلن استمرار تنفيذ عمليات إنزال جوية لمساعدات شمال القطاعالرئاسة الفلسطينية تُعلق على مجزرة دوار النابلسيالصحة بغزة: أكثر من 30 ألف شهيد منذ بدء العدوان على القطاعحماس تصدر تصريحاً بشأن المجزرة الإسرائيلية المروعة في شارع الرشيدعشرات الشهداء ومئات الجرحى في "مجزرة طوابير المساعدات" غرب غزةجيش الاحتلال يعلن مقتل ضابطين وإصابة 7 أخرينتعرف على أهم 11 دورة إدارة أعمالهنية يوجه رسالة لأميركا وإسرائيل "ما عجزتا عن فرضه بالميدان لن تأخذاه بمكائد السياسة"
2024/3/2
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

كلام على كتاب أرى المعنى لهشام البستاني بقلم د. محمد عبدالله القواسمة

تاريخ النشر : 2012-07-10
كلام على كتاب "أرى المعنى" لهشام البستاني
د.محمد عبدالله القواسمة
يلاحظ أن هنالك كثيراً من الكتب الإبداعيّة التي تصدر من حين لآخر تضمّ بين ثناياها نصوصاً كاملة من أجناس وفنون مختلفة؛ ففيها: القصة والشعر والحكاية والمقالة والمسرحية والرسم والموسيقى والسينما وغيرها، لقد تخطّى الأمر إفادة الفنون والأجناس الأدبيّة بعضها من بعض، كما هو معروف منذ نشوء الإبداع، إلى تعايش بعضها إلى جانب بعض في عمل واحد .
هكذا يجيء كتاب الأديب هشام البستاني " أرى المعنى " حاملاً أجناساً وفنوناً مختلفة؛ فالكتاب لا ينضوي تحت جنس أدبيّ معيّن؛ إذ نلتقي فيه بالقصة والمقالة والخاطرة والقصيدة والرسم والصورة واللقطة السينمائية. والبستاني متنبّه إلى ذلك من خلال ما ورد في العنوان الفرعي للكتاب ؛ فهو كتاب " سرد/ موسيقى أو قصص على تخوم الشعر ".
على الرغم من هذا الخروج المجنح على تجنيس الكتابة، والاعتداد بالذات الذي نلمحه باستخدام ضمير المتكلم في العنوان فإننا نهتم بالكتاب لأنه يلامس رغبتنا في التساؤل عن حقيقة ما نفعله، وجرّنا إلى أن نرى الأمور من زاوية أخرى، أو الوصول إلى المنظور الذي لا يتكشف إلا بعد مكابدة عقلية مضنية، كما يرى الحلاّج.
فمن باب الخروج على ما استقر في أذهاننا ما يرد في كتاب " أرى المعنى " عن ليلى والذئب، في الحكاية المعروفة؛ فنرى البستاني يحرّف في الحكاية، ويعيدها إلى أصلها الأسطوري، لتبدو وكأنّها عمل إيروتيكي تستخدم في إخراجه وتجسيده أحدث ما ابتكره العقل البشري؛ فلا تعود تصلح للأطفال ـ نقرأ: " سمعها الصياد ( وهي تتأوه ملتذّة ) وحين مدّ رأسه من الشباك بدأ التصوير بكاميرا الهاتف الخلوي " (ص 39)
ويتحوّل ما يحدثه الإنسان في البيئة من تدمير وتلويث إلى سخريّة مرّة لدى البستاني؛ فهو يسخر من هذه المزروعات الإسمنتيّة التي جعلها الإنسان في الأرض الخصبة، وأمدّها بالأسلاك الكهربائيّة والموجات الكهرومغناطيسيّة ليقضي على ما فيها من جمال وخضرة، ويجعل من طيورها كائنات حائرة " لا متسع لها حتى لتطير " (ص61)
كذلك يسخر من استخدام الإنسان للتكنولوجيا الحديثة في سلب إنسانيّته، وهدم روحه، وإضعاف علاقاته بغيره؛ ففي مشهد سردي نرى فتاة تنتظر حبيبها في مقهى، وعندما يلتقيان يسحب كل منهما "كاميرته" ويلتقط صورة للآخر، ثم يفترقان " كان ذلك ما يسميانه موعداً ، أما الصورة، فهي العلاقة " (ص 69 )
وفي موضع آخر يُبدي البستاني حزنه، وهو يرى الأزهار المتنوعة الألوان مهدّدة بالزوال على يد الإنسان.
ها هي الأزهار تفترش الحقول
صفراء، بيضاء، حمراء، نهدية
يالسذاجتها،
يالسذاجتها،
لا تعرف أن الكونكريت قادم. (ص 20 )
فهذه قطعة شعريّة ليس لأنّها كُتبت كما يُكتب الشعر بل لما فيها من معنى إنسانيّ، وأنسنة للأزهار والكونكريت، ولما تعتمده من إيقاع لفظيّ يتمثل في تكرار صيغة فعلاء، وتكرار النداء التعجبي "يا لسذاجتها ".
ونلمح تعاطف البستاني مع الأرض، ويتألّم لما يجري لها، من تشويه على يد البشر، إنّه يسمع أنينها، ويرى احتضارها ماثلاَ في الموسيقى التي تصدر عن سيارة توزيع إسطوانات الغاز؛ فهي تبعث في نفسه"صوت احتضار الأرض المحشورة في االإسطوانات" (ص 110)
وهو لا يترك الحديث عن خراب الانسان لبيئته في عموميته بل يشير إلى وقائع محدّدة دمّر فيها الإنسان المكان؛ منها ما جرى في عمّان عندما جفّف الماء في رأس العين لصالح أصحاب المال، هذا ما يظهر في مخاطبة البستاني للشاعر الجواتيمالي أمبرتو أكابال الذي كان مغرماً بالطبيعة:
" ولكن، يا عزيزي أكابال،
بعد أن جاء أصحاب الأقدام الكبيرة، لم يعد ثمّة ماء. سقفوا السّيل،
ودفنوا رأس العين تحت شركة دخان". ( ص 75 )
ولا يكتفي هشام البستاني في كتابه " أرى المعنى " بإيراد المعاني التي تنزوي خلف ما يحدث للبيئة بل يكشف تلك التي تتجلى في مفارقات الحياة، وبخاصة لدى كثير من المثقفين الذين يصنّفهم إلى منافق كاذب، وسياسي متآمر، وجاهل دعيّ.
"في الطريق مرّ بـ:
المثقف الذي يكذب بسلاسة التنفس.
المثقف الذي يساق من سلسلة حول رقبته ويصدع لأمر:اجلس، كلب، اجلس.
المثقف الذي يتآمر ضد نفسه حين ينتهي من تصفية كل من همّ حوله.
المثقف الذي صار منظّراً بعد أن قرأ مقالاً عن الماركسية في جريدة". ( ص59)
كما لا يكتفي البستاني بقبول الواقع و الاستسلام له بل يدعو إلى التمرد عليه، وذلك في مشهد خيالي مكثف يبرز فيه الشحاذ صاحب الرجل المقطوعة شاهراً سيفه على الناس؛ لأنّهم لم يستجيبوا لفقره وعوزه " الشحاذ المُعدم لم يستطع بيع نظراته الحزينة ورجله المقطوعة ذلك اليوم. قام، خرج على الناس شاهراً سيفه، وقطع أرجلهم".(ص 63 )
هكذا يقدّم هشام البستاني في كتابه " أرى المعنى " أجناساً مختلفة من الكتابة، تحمل في طياتها النزوع إلى التمرّد على الواقع، والرغبة العارمة في توجيه النّاس إلى خطورة ما يفعلونه في أنفسهم وبيئتهم، وهو يتكئ في ذلك على أسلوب السخريّة اللاذعة، والشعريّة المتوثّبة، والتناصات المختلفة التي تستفيد من أقوال كثير من الفلاسفة والمتصوفين والشعراء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ[email protected]
*هشام البستاني، أرى المعنى..سرد/ موسيقى أو: قصص على تخوم الشعر، بيروت: دار الآداب،2012، 158 صفحة من القطع المتوسط .
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف