الأخبار
ترامب: "لا أحد يعرف على ما يبدو مكان وجود جثة "خاشقجي"أبناء الجولان السوري يحرقون بطاقات انتخابية إسرائيليةهيئة الأسرى: تمديد توقيف محافظ القدس عدنان غيث حتى الغد تمهيدا لمحاكمتهالاحتلال يقرر تأجيل هدم "الخان الاحمر" والبحث عن بدائل وعساف يرداسرائيل تعيد فتح معبر كرم أبو سالم غدا الأحدغوتيريش يطالب بتحقيق سريع ومعمق وشفاف في ظروف مقتل خاشقجيشكوك حول احتمال إذابة جثة خاشقجي عبر استعمال المواد الكيميائيّةاتحاد السلة يميط اللثام عن الموسم الجديد بلقاء السوبر وتوقيع رعاية جوال وتكريم الفدائيلبنان تردّ على مزاعم قناة "فوكس نيوز" حول قيام طائرة إيرانية بتهريب سلاحموسكو والدوحة: لا بديل للتسوية السياسية في سوريااختتام فعاليات مهرجان الزبابدة السابع للسياحة والثقافة والفنونقوات الإنزال الجوي الروسية والمصرية تتدرب على محاربة "إرهابيين" مفترضينردا على غدر نتنياهو... ثلاث كنائس تهدد باغلاق كنيسة القيامةبطولة الناشئين السلوية: خدمات رفح وغزة الرياضي يهزمان خدمات دير البلح وخدمات خانيونسالدنمارك غير مقتنعة برواية السعودية حول مقتل خاشقجي
2018/10/20
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

فلسطين كلها تتذكر بقلم:د.عبدالله عيسى

تاريخ النشر : 2011-11-24
فلسطين كلها تتذكر بقلم:د.عبدالله عيسى
فلسطين كلها تتذكّر :
ياسر عرفات (1)

د.عبدالله عيسى
مذ ذاك ، حين وصل المطر ُ الفتّأك ُ السماءَ بالأرض ، لحيظات ِ دفن شهيد أيلول الأسود خالد الونّاس ، ووجه الشهيد الذي رأيت ُ راضياً مرضياً تحت زخّات المطر والتراب ، وكذا اسم ياسر عرفات يطارداني . فما أن غرسوا الشهيد في باطن الأرض كبذرة قمح حتى كاد ، ما أن ذُكر اسم ياسر عرفات ليتقدم أحدهم ويخطب باسمه ، سقفُ الغيم ينهار على رؤوسنا من خبط رصاص لعلع في الآفاق وسوّى الفضاء أشبه بقدمين ترتجان يموج على رؤوس الأشهاد بدخان مبلّل ، فيما تغلغلت زغاريد النساء في المسافات الفاصلة بينناماسّة جسدي برعشة ٍ أشبه بفسحة من فخر غامض ، أما هتافات الرجال فقد سوّلت لنفسها أن تنقر كعصافير مهاجرة أرواحنا بالحنين إلى وطن مفقود إلى حين .
وكأنما ذاك يوم الحشر في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك . تتدافع أفئدة من الناس إلى بوابة المقبرة الكبيرة بالأناشيد والزغاريد . ولم أؤخذ بفحيح خوف ، أنا ابن السادسة ولم تصل بعدُ ذراعي الممدودة على وسعها إلى نقرة أبي – كما كانت تمازحني جدتي لأمي عائشة المهاوش ،
إذ تهت ُ عن آلي وصحبي ، خارجا ً من بين الشواهد حيّا ً لا أنطق ُ إلا باسم ياسر عرفات وكأنه تلبّسني كجنّي أزرق ، كما قال زعل الغوراني إذ زجرني فيما بعد ظاناً انه بهذا يطرد الجني ّ ذاك الذي حل ّ بي . شوارع مخيم اليرموك المقيمة على مقربة من مقبرة الشهداء وكأنها تحرس وحشتهم تموج ُ تموج هادرة غاضبة .
وأطل َ علي ّ ياسر عرفات من عل ٍ .
توقّفت ُ بين الأرواح الماضية إلى غضبها على أغان الثورة ، و حدّقت ُ في عينيه خلف النظّارة السوداء . يا إلهي ! شيء غريب ٌ ، أشبه برؤيتي لوجه الشهيد خالد وناس مغسولا ً بالمطر وحفنات التراب المرمية عليه رحيمة لدفنه راضيا ً مرضيا ً ، أعادني إلى نفسي . أنفاسي صعدت بي إلى حلقي . كدت ُ أصرخ على أحد ٍ ما من آلي وصحبي ، عل َ يؤنس وحشتي التي أوغلت ْ بي : " ياسر عرفات شهيد ؟ " . وابتسم عابر ما : " لا . بإذن الله ما يقدرون عليه " . وسألتُ على قلق : " صورته وصورة الشهيد وناس مع بعض " . ولم يُعِرْ لهفتي ما انتظرت ُ من انتباه ٍ ، فقد رفع يدَه هاشاُ الهواء بقبضته وصوتَه على نشيد عال ٍ , وغاص في الجموع المتموجة .
واستفقت ُ على اسمي يعلو به مؤذن جامع فلسطين معلنا ً ضياعي عن أهلي وذوي ّ . وإذ لمّت أمي ونساء المخيم بعدها وكذا أبي ورجال كثيرون لا أذكرهم الآن ، أمام جامع فلسطين ،
جسدي الضائع باحتضانات رؤومة أو معاتبة أو مشفقة ، لم يكن رأسي يهذي إلا باسم ياسر عرفات .
-"حرثت ْ مخّنا بياسر عرفات " . صرخ زعل الغوراني ، رادفاً عباءته على قامته النحيلة الطويلة ، وقد خنخن بكلمات لم تصل آذاننا وهو يغادر بيت عزاء الشهيد خالد الوناس ، مطاردا ً بتأففات زاجرة لم يُشْف َ منها حتى مات .
سألتهم ، وطعمة معي ، فرادى وزرافات عن سر ّ ياسر عرفات . وكأنّ سره من أمر الله لم يكشفه أحد .
اختلفوا في نسبه وتفرقوا فيه طائفتين كادتا تقتتلان أيهما تقول كلمة الحق فيه .
أقسم الشيخ إبراهيم الخليل ، وقد دس َ لحيته البيضاء الشعئاء في يمينه وسعال لاهث يكاد يطبق على الهواء في رئتيه ، أن شجرة ياسر عرفات مقدسية ، لا صفدية ولا خليلية ، وأغلظ محمد الصُلي ّأبو حسين الأيمان ، وقد سمّر عينيه جهة القرآن المحفوظ في بيته الكتّانيّ الأبيض على حائط المضافة في بيتنا ، أن أصله غزاوي ، لا صفدي ّ ولا نقبيّ .
وكأنهم ، بعد لأي ، اتفقوا على أن عِرق َ نسبه يعود إلى دم آل هاشم .
وإذ خلُصت ْ جدّتي عائشة المهاوش لأمر كهذا ، فلا رادّ لشأنها . قالت ، وفي قولها ما صدّقوه :
" تقولون أن ياسر عرفات من القدس الشريف ، ومن بيت الحسيني . يعني مرده إلى نسب الحسين بن علي كرم الله وجهه ، أو تقولون أنه من غزة ، وهي منسوبة إلى هاشم . نسب شريف ، ويشرّف " .
وكأن طعمة الشتيوي سن ّ لسانه بين سنيه الكبيرين ، سائلا ً : " مادام الملك حسين هاشمي ، يعني الدم واحد " .
ورمى الأستاذ فوزي الحسن يديه في الفضاء ، كعادته في مثل هكذا حالات إذ يُصاب بضجر ٍ أو ملل ٍ ، مفرجا ً عن كلماته بابتسامة ساخرة : " لا تنسوا : أبو لهب ، عم ّالرسول ، من آل هاشم " .
ووقع على رأسهم الطير .
كنت ُ مع ياسر عرفات ألوّح بيدي ّ صارخا ً في جامعة القاهرة ، وشوارعها ، ومقاهيها ، وفي كل مكان فيها : " فلسطين عربية " ، وأتوارى معه عن عيون طرّاق الليالي والمخبرين وعملاء الموساد هنا وهناك .و صِحت ُ معه على مسامع ملوك وأمراء وشيوخ ورؤساء العرب بلهجة غزاوية مطعّمة بالمصرية المكسّرة : " الكفاح المسلّح يا اخوانّا طريقنا لفلسطين " . وإذ كادوا لنا ما كادوا ، عدّلت ُ كوفيّتي ، مثله تماما ٌ ، راسما ً منها خريطة فلسطين ، دابّا ً الصوت في المظاهرات والمحطات والقطارات وجنازات الشهداء ، والإذاعات : " إرفعوا ياسادة أيديكم عنّا ، لنحرّر أرضنا " .
وصرت ُ أدخل فلسطين بصحبة ياسر عرفات ، عبر الحدود مع الأردن ، ملثّما ً بكوفية وفي يدي سلاحي وأقوم معه بعملية فدائية تؤرّق مضاجع المحتلين . وأصلّي معه الفجر جماعة في القدس الشريف دون أن يتعرّف علينا أحد . وفي كل ّمرة ، أتسلّل برفقته إلى فلسطين كي " يُطيّن عيشة الاسرائيليين " ، كما تصف ُ جدّتي لأمي عائشة المهاوش ، نزور أخته الكبيرة في غزة ، وإن سدّد على بيتها الأعداء والأصدقاء وما بينهم أعينهم رقيبا ً أو حسيبا ً .
وأصبحت ُ أردّ معه حربا ً لارحمة فيها عن مخيمات الفلسطينين في الأردن . البداوى المكبرين يعبرون بمحاريث القتل على أجساد نسائنا وأطفالنا في المخيم . وكتبت ُ معه رسالته إلى الملوك والرؤوساء العرب بأن آلاف البيوت الفلسطينية تهدّمت على رؤوس أصحابها ، والجثث تتفسخ عرضة للشوحات في الشوارع والمساجد ، والجوع والعطش يأكل شعبنا في الأردن . نموت ، ولن نركع ، ما دام فينا طفل يرضع . لن يمر مخطط تصفية القضية الفلسطينية . صرختُ بصوته ودخلت ُ معه ، ومسدسه على خصره ، قمة العرب في القاهرة . وحافظت ُ على الدم والسلاح الفلسطيني معه من كيد الأشقاء ومن معهم . وكأني كنت ُ أنا القائل معه جملته المشهورة " ياسارية الجبل ، الجبل " ، وجئت ُ مع الفدائيين الذين تدفقوا بعد إذ سمعوه يكلّمهم إلى جبل الشيخ ، ومنطقة العرقوب في لبنان .
ورشّت ْ نساء المخيمات عليه ، وعليّ معه ، الورد والملح والرز مزغردات مستبشرات بدخولنا لبنان مدخل صدق ٍ مرفوعي الرأس . وكنت ُ في كل ّ مرة أصُك ّ أسناني إذ يقف ُ مفرداً كالسيف ، وأتوارى أنا مرعوداً بخوف دفين ، في حضرة الموت ، وأحمد الله أن أنقذه ، وأنا معه ، من عمليات اغتيال حاكتها أصابع أعداء واصدقاء وأشقاء وما بينهم .
حللت ُ معه أينما ذهب في حكايات أهل المخيم والمخيمات الأخرى وما جاورها ، و ارتعش قلبي من خوف ٍ زلزل السماء على رأسي كلما صلصلت القذائف فوقه وأنا معه . وكأنه كان يرميني بابتسامة مطمئنة هامسا ً : " لا تحزن إن الله معنا " .
وأحببت ُ مثله من أحب ّ فلسطين ، وكرهتُ ، كماهو ، ما دون ذلك .
وفي حب ياسر عرفات ، أنا وطعمة وأحمد بن أبي حسين الكردي وانضم إلينا قرناء كثيرون ، شحذنا نقّيفاتنا للانتقام من مبغضيه ممن أدرجناهم في قائمة أعداء فلسطين . و لم يسلَم من نقفِنا منتقدوه ، أو كارهوه ، أو متجاهلو أمره ، من رجال المخيم والمخيمات الأخرى والقرى المحيطة فيها ، أو أساتذة مدرسة البنين في ببيلا حيث كنا نقرض التعليم مع أقراننا السوريين ، أو حزبيين وما دون ذلك .
حتى الشرطي " أبو عبدو الحلبي " الذي صرخ زابداً في وجه أحمد الياسين ، على تأئيمه لاتفاقية فك الاشتباك بين سوريا واسرائيل إثر حرب تشرين ، أمام الصالح والطالح في مقهى " السعّان " في قرية ببيلا ، ، : " لتكون مفكّر حالك ياسر عرفات . أنا كسّار رأسك " ، ألهبنا مؤخرته نقفا ً . وضحكنا إذ سمعناه يقسم على رؤوس الأشهاد أنه سيشيّب شعر فاعلها بمؤخرته ويريه نجوم الظهر . وما أن أخذ ومن معه من شرطة ومخبرين بأنوفهم الطويلة يشمون أثر الجاني ، عشعش الخوف في أعضائنا ، أنا وطعمة وأحمد الكردي ّ ، حتى كادت تخوننا . لكن ّ طعمة وأحمد حلفا بشرف أمهما وأخواتهما أنهما ، في حال اكتشف الشرطيّ أمرنا ، لن يقًرا بمشاركتي للنقف على قفاه " حتى وإن طعماهما ألف فلقة " . وسرت طمأنينة مضاعفة في جسدي الطفلي ّ النحيل ، فليس بمقدور الجن َ الأزرق أن يدري بسر ّ شأن نقفِنا هذا .
لكن ّ الطامة الكبرى وقعت بي أذ جاءني صوت الشرطي ّ مناديا ً على لقب أبي بي . وإذ أدخله ، خلع الرجل بسطاريه خارجا ً ، وما إن جلس على ركبتيه واضعا ً طاقيته العسكرية على اليمنى منهما ، أدركت ُ أن نقفنا لمؤخرته كان شديدا ً . ورميت ُ نظري على بطني إذ اختلس أبي نظرة غاضبة مؤنبة علي ّ .
ولم يرض أبي تسليمي له ، فخرج مكسور الخاطر . ويمّمت ُ ، في غفلة عنهما ، شطر بيت جدتي لأمي عائشة المهاوش نائيا ً بي عن أسئلة قررت ُ ألا أرُدّ عليها وإن وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي . ومذ جيئ بي آناء هزيع المساء إلى بيتنا تكلّفت ُ بالنوم ، فتكفّل بي .
لم تقم الشمس على قامتها إذ راعني أن وقعت ْ روحي ما لاطاقة لي به .
يا الله دخيلك . ياسر عرفات في بيتنا .

...يتبع
(نص من سيرة لم تنشر بعد )
*شاعر فلسطيني مقيم في موسكو
[email protected]
http://www.facebook.com/profile.php?id=100001607112060&ref=tn_tnmn
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف