الأخبار
2022/11/27
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الإصلاح والدعوة الإسلامية بقلم الخمالي بدرالدين

تاريخ النشر : 2011-01-08
الإصلاح والدعوة الإسلامية
في فكر
الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني
إن الإستنتاج الذي يمكن للباحث المنصف أن يخلص إليه من دراسة العمل الوطني والسياسي الذي قام به الكتاني ,هوعدم إعتباطية هذا الفعل وحينيته فقط بل كان عمله نتاجا لتراكمات تاريخية ومنهجية وتحول جذري في الفكرالسياسي المغربي نتيجة للظروف المحلية التي كان المغرب يعيشها وكذلك التحولات العالمية في موازين القوى الدولية والصراع بين الإمبرياليات ، وهذا الأمريمكن أن نفسره إنطلاقا من محاورتلاثة إشكالية :
أولا: الثقافة الإسلامية وبوادر الصحوة الدينية في المغرب في نهاية القرن التاسع عشر
ثانيا: الوضعية الإقتصادية والإجتماعية المزرية للمغرب وضعف النظام السياسي وإستبداديته ، تالثا:الأطماع الأجنبية في المغرب وخطرضياع السيادة الوطنية.
وبالتالي فإن الشيخ الكتاني ورغم إنتمائه للمدرسة الصوفية لم يكن إنعزاليا في مواجهة تحديات الإصلاح والحفاظ على الهوية الإسلامية ,وهذا السلوك ربما لم يكن فريدا في تاريخ التصوف الإسلامي ,لكن مايمكننا أن نعتبره فريدا هوأن تكون معارضته ومشاركته السياسية عميقة إلى الحد الذي جعله يضع شروطا لبيعة السلطان ويحررأول دستورللبلاد ويكون محرضا على الجهاد في وقت خرست فيه أصوات النخب وبان خوارها أمام إستبداد المخزن الحفيظي وضغوط العدوالأجنبي , ليدفع الكتاني حياته ثمنا لمواقفه مستشهدا من أجل الدين والوطن.
المبحث الأول: بوادر الصحوة الإسلامية في المغرب نهاية القرن التاسع عشر
كان لموت المولى إسماعيل سنة 1727م كبيرالأثرفي فقدان المغرب لإستقراره وفي فقدان النظام السياسي المغربي لهيبته داخليا بسيادة الفوضى والنهب الممارس من جيش عبيد البخارى الذين تلاعبوا بالسلاطين العلويين تولية وخلعا لمدة تزيد عن تلاثين سنة عرف فيها المغرب ضعفا وعدم إستقرارمازالت نتائجها تحصد إلى اليوم بدأ بالوحدة الترابية إنتهاأ إلى عدم تطوربنية الحكم الذي بقي مركزيا في يد السلطان دون مشاركة الشعب في الحكم, وقد ساهمت تلك الوضعية في إنحطاط على كافة المستويات
على المستوى السياسي والعسكري : نظام حكم مركزي هش يعتمد على البيعة الصورية التى يتلقاها السلطان من النخب دونما أدنى مشاركة في التدبير, والإعتماد على القواد في ضبط الأمن وكذا شيوخ القبائل والزوايا مقابل أتاوات يتقاضونها لقاء حماية الطرق التجارية في حين بقية البلاد يسودها النهب وقطاع الطرق الذين لم يكونوا خاضعين للسلطة
أما عسكريا فبعد التخلص من عبيد البخارى لم يعد للمخزن جيش نظامي بل عدد من القبائل التي تشارك في حركات المخزن مقابل إقتطاع أراضي لفائدتها (أراضي الكيش)
على المستوى الإجتماعي والإقتصادي:كان المغرب يعاني من وضع إقتصادي صعب نتيجة لقلة الموارد وللظروف الطبيعية من جفاف وأوبئة أثر كل ذلك على التشكلات الإجتماعية في الحواضروالمدن بظهورطبقة كبيرة من الفقراء والمعوزيين خاصة في البادية وقلة من العائلات الأرستقراطية التجارية التي كانت تمتهن التجارة والحرف، تركزت أغلبها في مدن فاس وسلا ومراكش
على المستوى الثقافي والديني : كان للظروف المعيشية الصعبة التي عاشها المغرب خلال هذه الفترة أثرها الواضح على إنتشار الأمية وتقلص نسبة المتعلمين بالإضافة إلى ضعف بنية النظام التعليمي الذي كان سائدا أنئذ مما أدى على المستوى الديني إلى إنتشارالخرافة والشعوذة والتصوف الطرقي المنحرف
ورغم محاولات التي بذلها المولى محمد بن عبد الله والمولى سليمان من أجل إصلاح الأوضاع إلا أن محاولاتهما باءت بالفشل ولم يفلحا إلا في تأجيل الطامة الكبرى في تاريخ المغرب الحديث وهي الهزيمتين المدويتين في معركة إيسلي وحرب تحريرتطوان التي جعلت المغرب عاريا أمام الأجنبي لضعفه العسكري والإقتصادي وتخلفه التقني والعلمي بالإضافة إلى فقدان الشعب للثقة في نظامه السياسي الذي أثقل كاهله بالضرائب والمكوس دونما فائدة في إصلاح الأحوال
أما على المستوى الدولي فقد كان لتقهقرالدولة العثمانية وإنهزاماتها المتتالية أمام إنجلترا وروسيا وفقدانها لعدد من الأراضي في أروبا نتيجة للثورات الداخلية وكذلك إحتلال فرنسا للجزائر، الأثرالسيئ على السيادة المغربية
فبعد إكتمال الطوق حول الدولة العثمانية وإنهاء سيطرتها البحرية في حوض المتوسط ، ستوجه الدول الغربية قواها نحو المغرب من أجل الإستحواذ على مقدراته والإستفراد بموانئه، بدأ بالتحرش بسواحله كما هوالحال بالنسبة لألمانيا وإسبانيا وفرنسا (أنظرالأزمة المغربية الألمانية ـ المغرب عبرالتاريخ لجرمان عياش) أوالتحرش بأقاليمه الشرقية والجنوبية
في ظل هذه الظروف العصيبة في تاريخ المغرب خاصة والعالم الإسلامي عامة بويع المولى الحسن الأول سلطانا علي المغرب سنة 1873م ليجد أمامه وضعا صعبا على جميع المستويات. كان السبيل الوحيد للقضاء عليه والحد من أثاره هو رفع شعارالإصلاح وتطبيقه عمليا بدأ بدواليب الدولة والجيش الى التعليم والتقنية الحديثة، يقول الأستاذ إبراهيم حركات عن فترة الإصلاحات الحسنية
يمكن القول بأن إصلاح الجيش المغربي كان أول إصلاح تناول جهاز الدولة المغربية، فبعد "موقعة إيسلي": بدأت المحاولات الأولى لتجديد الجيش المغربي أيام السلطان عبد الرحمان، حيث نظمت في عهده بعض فرق من الجيش على نسق نظام الجيش التركي الحديث، وقد أسندت قيادة هذه الفرق لضابط مسلم يسمى علي التونسي. وعلى مايقول البعـض، فقد كان عدد هذا الجيش النظامي يبلغ ستة عشر ألفا، وكثيرا ما كان يطلق عليه إسم "العسكر" أو "النظام
وتابع السلطان الحسن الأول طريق الاصلاح العسكري؛ فاهتم بإحياء الاسطول البحري واشترى بعض البواخر الحربية من أوربا، كما انتشرت المعامل الحربية خصوصا في فاس ومراكش لصنع البارود وبعض أدوات الحرب المستعملة آنذاك
ومن الناحية الاجتماعية والثقافيـة، كان للتيار السلفي الناشئ دور أساسي في إحداث نوع من اليقظة الفكرية والاجتماعية في المجتمع المغربي. فقد زار الشرق، خلال القرنين الثامن والتاسع عشرالميلاديين، كثير من المغاربة بهدف الاطلاع على روح النهضة والاستماع إلى دروس ومحاضرات علماء الاصلاح ورواد السلفية. وعند رجوعهم إلى المغرب حملوا معهم بذور النهضة واليقظة، وأفكار محمد بن عبد الوهاب ورشيد رضا وغيرهم. هذه الروافد المشرقية التي انصهرت في بوتقة الثقافة المغربية الإسلامية، شكلت المحرك الاساسي لقيام حركة اجتماعية وثقافية، أخذت على عاتقها انقإذ البلاد من الضعف والانحطاط ومن أطماع الأجانب
ـ إبراهيم حركات : " التيارات السياسية والفكرية بالمغرب خلال قرنين ونصف قبل الحماية
نعم فقد كانت هذه الحركة الإصلاحية على مستوى السلطة مصحوبة بحركة صحوية نهضوية دبت في شرايين النخبة المغربية العالمة كان سيدي محمد بن عبدالكبيرالكتاني أشهررموزها وأجرأ زعمائها
وأغزرهم علما وورعا ، يقول الدكتورعبد الله الشارف في كتابه الاستغراب في المغرب في مرحلة ما قبل الاستعمار
وقد ظهر في القرن الثالث عشر كثير من المصلحين المغاربة الذين كرسوا حياتهم لإرساء دعائم اليقظة الدينية والنهضة الاجتماعية، متأسين في ذلك بنظرائهم المشارقة. ومن بين هؤلاء يذكر محمد كنون المتوفى سنة 1884م، والذي يعتبره البعض من مجددي القرن الثالث عشر الهجري حيث عرف بقوة اجتهاده وجرأته فيما يتعلق بالدفاع عن الحق وتغيير المنكر حتى أنه اضطهد وسجن بسبب ذلك. ومنهم الشيخ العالم محمد بن عبد الكبير الكتاني الذي كان يعلن عن أفكاره ومبادئه في شجاعة ناذرة، سواء في مؤلفاته أوخلال دروسه، وكان ينعى على المغاربة تقليدهم لعادات الأوربيين وإهمالهم لشريعة الإسلام والأخلاق الدينية.
والحقيقة أن من يعتبرمجددا بحق للقرن الثالث عشرومجددا للأمة المغربية المسلمة هوسيدي محمد بن عبد الكبيرالكتاني العالم العارف بالله محيى السنة وهازم البدعة الصوفي المحمدي النوراني والمفكرالعبقري والمجدد الإسلامي والمصلح السياسي المزداد بفاس سنة 1290 هجرية في أعرق بيوت فاس وأشرفها نسبا وحسبا وعلما وعملا
المبحث الثاني : الإصلاح والدعوة الإسلامية في فكرالشيخ محمد الكتاني
كان هدف الدعوة الإسلامية وجوهرها عند الشيخ الكتاني يتركز على العمل بالكتاب والسنة و إحياء السنن النبوية في العبادات والمعاملات والأخلاق لما شاب كل هذه الأركان من تضييع وبدع من عامة الناس وعدم إكثراث وإهمال العلماء.
في العبادات كان قد أصبح مألوفا لدى العامة بسط اليدين عند قراءة الفاتحة والسورفي الصلاة بما يخالف صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تصدى الشيخ لهذا الأمر داعيا إليه وحاضا عليه حيث ألف فيه
الرسالة السلوية في القبض في الصلاة حيث بين فيها المأثور في السنة الصحيحة.
وقد إصطدم في هذا الأمر ببعض المتعالمين الذين إعتقدوا أن هذا الأمرمن مذهب الإمام مالك وأن أي حجة مخالفة هي من باب الخروج على المذهب ومخالفته ؛ يقول الشيخ أبوأويس محمد بن الأمين بوخبزة التطواني
عندما ظهر الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني داعيا إلى إتباع السنة في الصلاة بوضع اليمنى على اليسرى قام عليه علماء فاس وخاصة بعدما اشتدت عداوة عبد الحفيظ عليه أوعز هذا الأخير للفقيه الوزاني أن يكتب ردا أبدى فيه من ضروب التعصب والإنتصارللهوى مادفعه للقول أن العمل بالكتاب والسنة حرام وأن المخاطب بهما غيرنا وأن الإجتهاد إنقطع منذ القرن الخامس .(رسالتي الوزاني في الرد على المسناوي وإبن عزوز التونسي) من كتاب نظرات في تاريخ المذاهب الإسلامية.
بل لقد كان هذا معبرا عن مدى العقم الفكري والتعصب المذهبي الفارغ ويذكر الشيخ بوخبزة ما أورده التسولي في البهجة شرح التحفة (أن المقلد لا يجوز له العمل بالحديث ولوقال إمامه بصحته)
وهنا يجب الإشارة إلى أمر من الأهمية بما كان في الإتجاه الفقهي المغربي منذ القرن الثامن الهجري أي منذ العهد المريني الذي شهد إزدهارا ثقافيا وعلميا ولكن نتيجة لتحجرفقهاء المذهب المالكي أجهضت العديد من المحاولات الخلاقة لفتح باب الإجتهاد الفقهي بل حتى العقيدة الأشعرية كان لها دورها في النهاية المأساوية للفيلسوف والفقيه الصوفي الكبير لسان الدين بن الخطيب ـ يراجع المظاهرالثقافية في العهد المريني لعبد الرحمن بنشقرون . ولهذا كان في مواجهة سيدي محمد الكتاني منظومة تاريخية معقدة من الجمود المذهبي ستتجلى في شكل مساجلات فقهية حول عدة مسائل منها الإهتمام بعلم الحديث والحض على طلبه وأخذه على علماء القرويين عدم تدريسه للطلبة وكذلك في مسألة البسملة وصيغة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الذكروطريقته والعمل بمقتضيات الشريعة وتطبيق الحدود وفي اللباس بعدم تقليد النصارى ولبس الجيد النظيف من الثياب بما يوافق السنة النبوية والتطيب عند الصلاة ومنع شرب الشاي في المساجد بل جعلها للعبادة والتعلم والتعليم وتعميرها بالذكر وعدم الإرتباط بالموتى والقبور وأن التلقي و التربية لا تجوزإلا من الحي وأن العلم لا ينقطع وأن الله يبعث على رأس المائة من يجدد للأمة أمردينها كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ألف تأليف عديدة في كل هذ الأبواب سنعود لها في مبحث الإنتاج المعرفي والأدبي في الفقه والتصوف والأدب للشيخ أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني
وفي باب الأخلاق دعى الشيخ إلى إلتزام خلق الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاق الصحابة رضوان الله عليهم لأن أخرهذه الأمة لايصلح إلا بما صلح به أولها ولذلك فإن الشيخ رضي الله عنه إستغرق في هذا الباب من أبواب الدين الحنيف المسمى بالايمان العملي ليصعد به الى مدارك الإحسان الذي هو مطلب السادة الصوفية المتبعة لسنة الحبيب المصطفى في القول والعمل والسروالعلن .
لكن مارآه الشيخ من دجل وشعوذة وخرافة تمارس بإسم التصوف جعله يتصدى للدعوة إلى تصحيح الطريق وتنقية العمل وإخلاص الطاعة وفهم المراد في معنى العبودية ولا يتم ذلك إلا بسلامة العقيدة وفهم معنى التوحيد والربوبية وتنزيه الحق عن الشرك والإستغراق في الأنوارالمحمدية إتباعا وحبا وثكثيرالصلاة عليه وعلى أله وصحبه .
فكانت الصلاة الأنموذجية في الصلاة على الحبيب المصطفى مشكلة على كثيرمن أدعياء التصوف حين إستعصت عليهم معانيها وإضطربت أفهامهم دون الوصول أوابدها فبدأت المحاولات الجدية هذه المرة من الجناح الفقهي المتحجر والجناح المتمصوف المتاجرللنيل من الشيخ خاصة بعد رحلاته الدعوية إلى الأطلس وصحراء تافيلالت وحسن تقبل الناس لدعوة الرجوع الى السنة وترك البدعة وبدأ سريان ذلك في فاس وغيرها بكثرة المقبلين على التعلم من الشيخ وإتباع طريقته الكتانية الأحمدية الإجتبائية الأويسية كما سماها الشيخ نفسه.
شكلت الصلاة الأنموذجية زلزلة حقيقية بالنسبة لمتلقيها من فقهاء وصوفية العصرلأنها حوت من العلوم مالم يجتمع قبل في غيرها من الصلوات والأذكارحين جمعت بين علمي الشريعة والحقيقة وإستغرقت في الأنوار المحمدية والأحمدية بلسان أهل الحق مستمدة من الكتاب العزيزوالسنة المشرفة ماخلب الألباب وحيرالأرواح في لجة البحرين وما بينهما من برزخ لا يبغيان .
والحقيقة التاريخية والعلمية التي فجرتها الصلاة الأنموذجية هي السبات العميق والجهل المريع والجمود الفكري الذي كانت تسبح فيه المنظومة الفقهية والصوفية المغربية في مطلع القرن العشرين ،فخلقت بعد صدورها خلخلة لذلك الجمود ومنطلقا لفتح باب النقاش الفكري والحوارالديني والكلامي والصوفي و الفلسفي كذلك حيث ألف الشيخ في الرد على منتقديه كتبا لازالت محط إهتمام الدارسين والباحثين في علوم التصوف إلى اليوم، أفحم فيها الشيخ منتقديه بالحجة والدليل من الكتاب والسنة بما أوغرصدورهم وأجج أحقادهم فكتبوا به الى قاضي فاس الذي كتب الى المولى عبد العزيزالذي إستدعاه الى مراكش ليناظرمخالفيه
في واحدة من المناظرات العقدية الكلامية ماقل نظيره في تاريخ المغرب المعاصردونها الشيخ في كتابه البحرالمسجور في الرد على من أنكرالقول بالمأثور بالإضافة إلى شروح عدة للصلاة الأنموذجية
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف