الأخبار
أصالة لعيسى المرزوق:"مو بشر ومو بني آدم" وهو يرد.."موشغلك".. والسبب قطة لحمةتشمل الكهرباء ومساحة الصيد.. تفاصيل جديدة باتفاق التهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيلشاهد: هكذا كان شكل سوزان نجم الدين منذ 18 عاماً.. لن تصدقالجامعة القاسمية تفتتح معرضها للتثقيف الصحي للطالبات بعنوان افحصي لتطمئنيبديا ابطال الاستقلال واهلي بلاطة الوصيف في بطولة بيت وزنالرشق: يوجد بفلسطين صاحب أطول مدة اعتقال بالتاريخ وهو نائل البرغوثيانهيار بئر صرف صحي يودي بحياة شاب في خانيونسالاحتلال يُصوّر منزل أسير في قرية بير الباشا جنوب جنينروضة المتميّزون بقلقيلية تحيي يوم الكوفية وإعلان الاستقلالبلدية الحمرية تطلق حملة لتوعية مستخدمي الدراجات المائيةسبعة قرارات أممية جديدة لصالح القضية الفلسطينيةارتفاع عدد ضحايا حرائق الغابات في شمال كاليفورنيا إلى 71 شخصاًوزارة العدل الأمريكية تُعلّق على أنباء صفقة "غولن مقابل خاشقجي"الأحمد للسنوار: الحوار والوحدة الوطنية أقوى من الصواريخ والقنابل النوويةنتنياهو يسعى إلى إرجاء حل الكنيست الإسرائيلي
2018/11/17
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

لن أصلي بعد اليوم بقلم:محمد محمود عمارة

تاريخ النشر : 2010-07-19
لن أصلي بعد اليوم بقلم:محمد محمود عمارة
دُعيت يوماً لحضور عقد قران بمسجد به ضريح مشهور في مدينتي. وبدون مقدمات فوجئت والمصلون بنساء يدلفن إلى مصلى الرجال بغير حياء ، كن يرتدين ملابساً تشف أكثر مما تستر ، تخنق ما تحتها من شدة ضيقها .. كن يضعن من المساحيق ما يكفي لصبغ عمارة بأكملها ، و دون مراعاة لحرمة المسجد دلفن إلى حجرة الضريح ، و لوجود أكثر من عقد قران بالمسجد طُلب منا الانتقال إلى غرفة الضريح حتى لا يشوش بعضنا على بعض ، جلست بين المدعوين بجسدي لكن عيني و عقلي كانا يتابعان طقوساً أخرى .. طقوساً كانت تمارسها النساء السابق ذكرهن...!!
تعلقت كل واحدة منهن بعمود من السياج المحيطة بالمقام ...كانت الدموع تنهمر من أعينهن بغزارة وهن يناشدن صاحب المقام ، كلٍ بطلبها : فإحداهن تطلب عريساً ، و الأخرى تطلب طفلاً ، و الثالثة تطلب حلاً لمشاكلها مع زوجها ، والرابعة تستجدي شفاءاً لولدها..الكل يدعو صاحب القبر بحرارة ..الكل يتوسل إلى الراقد تحت الثرى و كأن بيده مفاتيح الخير ، و المسكينات لا يدرين أنه لا يملك لنفسه ضراً و لا نفعاً ، و لو أن لصاً سرق صناديق نذوره ، فلن يستطيع له منعا.
خرجت من المسجد مذهولاً غير مصدق أنه لازال هناك من بقى على تلك العادات التي ظننتها اندثرت ، لكن ما إن وضعت قدمي اليسرى خارج المسجد حتى رأيت حلقة لتدخين الشيشة ، تستند إلى جداره ، و أناس يدخنون وهم يتمايلون يميناً و يساراً مدعين أن ذلك ذكر، و على الرغم أنهم لم يؤدوا الصلاة معنا ، فإنهم يؤمنون إيماناً جازماً أن ما يفعلون قد أسقط عنهم الفرائض.
بدأت أتأمل عادات الناس و طقوسهم ، فأدركت أني كنت غافلاً عما يدور حولي من أحوال غريبة هي أقرب إلى طقوس الجاهلية منها إلى شعائر الإسلام ، و أدركت أن هناك طقوساً تُمارس بين الناس دون وعي لحقيقتها أو مدى موافقتها للشرع ، و أن البعض يمارسها اعتقاداً بأنها وسيلة للتقرب من الله سبحانه وتعالى ، و هناك من يظن أن إيمانه لن يكتمل دون ممارستها. و لأن تلك الطقوس لم تكن من الدين في شئ ، بل إنها وقفت في مجملها ضده فإنني لم أجد لها عنواناً أفضل من " طقوس الضلال الشعبي".
بدأت الذكريات تتداعى إلى ذهني ، وتوقفت عند يوم حضر فيه رجل غريب إلى حينا ، كان رث الثياب ، كث اللحية ، تتدلى من رقبته مسابح مختلفة الألوان والأشكال و الأحجام ... استضافه أحد جيراننا على أنه رجل مبروك. نودي للصلاة في أوقاتها الخمس و لم أر "المبروك" . سألت جارنا عن سبب تخلف ضيفه عن الصلوات الخمس في مسجد الحي...؟!!
لكن جارنا أخذنا إلى عالم آخر ، فأخذ يحدثنا بانبهار عن كرامات ضيفه فقال:
- إنه رجل صالح .. ما إن سمع الآذان حتى ارتعد جسده و انتفض انتفاضة المحموم ، و طلب منا أن نزَمله وندثره بكل ما عندنا من أغطية ، ثم ودعنا و غاب عن الوعي قليلاً و هو يهذي بكلمات لم نفهمها ، و يتمتم بين الحين و الآخر بـ" يا حبيبي يا رسول الله " ثم أفاق و كان وهو يفيق كمن ينازع قبل خروج الروح من الجسد ، ثم قام وجلس بيننا و كأن شيئاً لم يكن ، فلما استفسرنا منه عما حدث أخبرنا بعد جهد ولأي ، أنه ذهب بروحه إلى مكة حيث صلى خلف الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنه دائماً ما يؤدي فروضه خلف الرسول إما في مكة أو المدينة.
أستطرد صاحبنا قائلاً:
- هذا الرجل يا إخوان ليس مثلنا ، إنه من أصحاب الخطوة ، إنه من الواصلين إلى الحضرة الإلهية... الأكثر من ذلك أنه سقطت عنه التكاليف لبلوغه مرحلة اليقين.
- سألناه ونحن مندهشون : من أخبرك عن موضوع سقوط التكاليف هذا؟!!!
- هو أخبرني و استدل بآية ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾الحجر 99 ، وقد أخبرني أن اليقين قد أتاه ، يا إخواني إنه يعلم من الأسرار ما لا نعلمها ، و يعرف من العلم اللادني ما لا يعرفه إلا من كان على شاكلته ممن ساروا على الطريق ، هل تعلمون أن للقرآن أسراراً و معاني لا يفقهها العوام و هي غير التي يعرفها الناس ، لقد انكشفت له كل هذه المعاني و الأسرار لأنه أصبح من الواصلين.
ناقشنا جارنا في حقيقة هذا المدعي و قلنا له أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما حُطت عنه التكاليف و هو حامل الرسالة ، فكيف تٌحط عن غيره؟ ثم القول بأن هناك معاني باطنية للقرآن اتهام صريح للمصطفى صلى الله عليه وسلم بخيانة الأمانة و هذا سوء أدب ممن يدعي ذلك ، ثم لنفرض جدلاً أن هناك أسرار ، فكيف وصلت لأمثاله و لم تصل إلى الصحابة و التابعين ؟! ثم ما الحكمة أن يكتم نبي أسرار شريعته عن أمته وقد آمنت به؟!!
لم يقتنع صاحبنا بكلامنا ، خاصة و أنه لم يؤت حظاً من العلم ، فتركناه ...لكن الأيام أثبتت له صدق كلامنا حين سلك "المبروك" سلوكا شائناً دفع جارنا لطرده.
تذكرت تلك الحكايات أثناء زيارة أحد الأصدقاء فلما قصصتها عليه قال أزيدك من الشعر بيتاً ثم سألني هل زرت منطقة الإمام من قبل ( يقصد الإمام الشافعي بالقاهرة ) ؟
أومأت برأسي نافياً . و كأنما يعلم الإجابة مسبقاً فاسترسل في الحديث قائلاً :عشت طفولتي و صباي في منطقة الإمام الشافعي ، و كنت و أنا صغير أصحب القادمين من الصعيد من أقربائي لزيارة الضريح ، و كنت أرى و أسمع العجب !!!
كان الناس يعتقدون أن الإمام الشافعي مختص برد المظالم ، و حل المشاكل ، و رفع المعاناة عن أصحاب الحاجة والمظلومين . و كان بعضهم يكتب له رسالة بمضمون شكواه ثم يعطيها " لسادن الضريح " مع التشديد و الإلحاح أن يتوسط لدى الإمام لينظر في أمره ، و لضمان الاهتمام كانوا يعطونه مبلغاً من المال .
وحدث أن أحدهم كان مستعجلاً في طلباته فأرسل تلغرافاً بحاجته على عنوان الضريح ، و هناك كتاب طبع منذ سنوات به نماذج من تلك الرسائل اسمه
" رسائل للإمام الشافعي".
إلى جانب الإمام الشافعي ، يعتقد بعض الناس في السيدة زينب و الإمام الليث و يعتقدون أن هناك مجلساً يضم ثلاثتهم يجتمع في أيام محددة للنظر في دعاوي الناس، لذلك ترى التزاحم على أضرحتهم و الكل يحاول التقرب منهم بإيقاد الشموع و وضع النذور و الذبح ، و رشوة خادم الضريح ليكون واسطة لدى الأولياء.
وفي منطقة الحسين من الشائع أن ترى بعض الناس يحملون عصياً و أعلاماً و تلف أعناقهم عشرات المسابح ، وهم يرفعون أصواتهم مرات بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومرات بالنداء على آل البيت ، و مرات بطلب المدد من صاحب المقام ، و إذا حدثهم أحد هذوا ببعض العبارات الغير مفهومة ، و هؤلاء يجدون من يحترمهم و يبجلهم لأنهم – في اعتقاده- بركة يجب التماسها لأنهم "مجذوبون" ، و المجذوب يختلف عن "المجنون" ؛ فالمجنون شخص فقد عقله ، أما المجذوب فرجل جُذب إلى الله فتاه عن عقله و دنياه ، حيث صعد عقله إلى السماء و بقي جسده في الأرض فأخذ يحيا في جذبات إلهية وتجليات غيبية و كُشفت له الحجب فعلم ماضي الأمم و حاضرها و مستقبلها برسائل خفية من الله مباشرة إليه ، ...هكذا يعتقدون...!!! لذلك ترى الناس يتقربون منهم التماساً لبركاتهم بإعطائهم النقود و الطعام ، و أحياناً هم الذين يطلبون فيحددون نوع الطعام أو قيمة المبلغ ، و بما أنها وسيلة سهلة للحياة و الترزق ، فما أكثر هؤلاء في الموالد !!!
بالقرب من الأضرحة يمكنك رؤية نساء يدعين بطرق غريبة : فهذه تمسك مقشة تكنس بها حول الضريح ، وكلما كنست حددت شخصاً بعينه و رددت عبارة "كنست عليك سيدي..." ، و هذه تكشف رأسها أو تكشف عن جزء من صدرها ثم تخبط عليه و هي تدعو على من ظلمها ، هن يفعلن ذلك ويؤكدن قبول الدعاء لأنهن دعين مكشوفات الرأس والصدر ...!!!
صراحةً لا أعلم العلاقة بين قبول الدعاء و تلك الطقوس ، فللدعاء آداب معروفة منها: الوضوء و التوجه للقبلة و البدء بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله و الإلحاح في الدعاء ، ويُفضل أن يكون في السجود ، لا عند الأضرحة والمقابر.
إن التوسل بالصالحين من الأمور التي غابت وكادت أن تندثر ثم عادت من جديد ، وسبب ذلك في رأيي أن الناس يرون في أنفسهم قصوراً يتعذر معه ، كما يعتقدون، قبول دعائهم ، فيلجئون لمن يعتقدون فيه صلاحاً ليتوسط لهم أو يقربهم من الله ، ثم أضفى الضمير الشعبي العام على هؤلاء الصالحين – خاصة الأموات – صفات وقدرات ليست لهم.
لقد استقر في وجدان هؤلاء أن أصحاب الأضرحة ينتسبون جميعاً إلى بيت النبوة ، و أنهم يحدثون الله جهرة و يقابلون رسوله صلى الله عليه و سلم و يجالسونه ويجالسهم ، و يزعمون أنهم أصحاب العلم المحمدي الظاهر و العلم العلوي الباطن ، أصحاب الكرامات والمعجزات ، علماء الغيب المتحدون مع الله ، و بالتالي هم وسطاء تابعيهم إليه ، و لهم وفق هذا التصور من المنزلة والجاه ما يمكنهم من نفع وضرر الناس ، وشفاء الأمراض ، وإطالة العمر ، وتوسيع الرزق ، وغفران الذنوب .
البعض يؤمن بالأقطاب و يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي سبعاً من المثاني هم جنود وأعوان له منذ بداية الخليقة و حتى يوم القيامة . هذه المثاني السبع ، حسب اعتقادهم ، ملائكة يتلقون الأنوار و ملائكة التصريف ، و الأنبياء ، و ألو العزم ، و الصحابة الأربعة ، والعبادلة الأربعة رؤساء دولة المصحف ، والأربعة رؤساء دولة الفقه ، و الأربعة الأولياء : الدسوقي والرفاعي و الجيلاني و البدوي.
وقد أُضيفت هالة من الأسطورة على هؤلاء الأربعة الأولياء ، فقيل مثلاً عن ابراهيم الدسوقي رضي الله عنه:
أنه وُلدَ صائماً ، واختلى بربه منذ الثالثة ، ولم يخرج من خلوته إلا في الثالثة والعشرين حيث أحصى علوم الشريعة كلها و علوم الحقيقة الكاملة دون أن يجلس على معلم ، و إنما هبطت على قلبه كفيض من فيوض النور المحمدي ، و كُشفت له طلاسم السماء و هو في السادسة ، و اطلع على أسرار اللوح المحفوظ في التاسعة ، وعُلٍمَ لغات الطير و الوحوش والإنس و الجن و الملائكة ...هكذا جُمع للرجل ملكاً فوق ما طلب سليمان عليه السلام من ربه ألا يعطيه لأحدٍ من بعده ﴿ قال رب اغفرلي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهاب﴾ ص:35
وحكاية العلم الظاهر والعلم الباطن و الاتحاد مع الله أمور التصقت بالإسلام وهي ليست منه ، فأول ميزة في الإسلام بساطته ، و بساطة علاقة المخلوق بخالقه فهي تتلخص في الآية القرآنية ﴿ و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ البقرة 186
من المؤكد أن لتلك الأفكار جذور تاهت مع الزمن ، في المقال القادم إن شاء الله سأحاول الغوص خلفها في أعماق التاريخ لعلي ألقى الضوء على حقيقتها.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف