الأخبار
ارتفاع حصيلة زلزال تركيا وسوريا إلى أكثر من 12 ألف قتيلالاحتلال يمدد اعتقال الأسيرة المريضة رجاء كرسوع من نابلسالاحتلال يعتزم هدم منزل عائلة الشهيد خيري علقم في القدسلمدة 10 أيام.. تعليق إضراب اتحاد موظفي "أونروا" في الضفة بدءاً من الخميسنقابة مستوردي المركبات بغزة يستنكر احتجاز إدارة الجمارك للسيارات المستوردة على معبر بيت حانونبلدية برشلونة تلغي اتفاقية التوأمة مع تل أبيبارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين جراء زلزال تركيا وسوريا إلى 72ارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين جراء زلزال تركيا وسوريا إلى 72هنية يصل القاهرة على رأس وفد رفيع لبحث هذه الملفاتمجدلاني يطالب بالضغط على الاحتلال للإفراج عن الأموال المقتطعةكشفان جديدان للسفر عبر معبر رفح البريتوقيع اتفاقية اختبار تطبيق "دفعاتي" لدى سلطة النقد الفلسطينيةالاتحاد العام للجاليات الفلسطينية في أوروبا ينظم حملة مساعدات لمنكوبي الزلازل في سوريا وتركياالمملكة العربية السعودية تطلق النسخة الثانية من مؤتمر القطاع المالي (FSC) يومي 15 و16 مارس/آذار 2023 في الرياضالرئيس عباس يهاتف الأسد ويعزيه بضحايا الزلزال
2023/2/8
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

التنظيــر المسرحي المغــاربي بقلم:د.جميل حمداوي

تاريخ النشر : 2010-06-04
التنظيــر المسرحي المغــاربي

الدكتور جميل حمداوي
[email protected]
توطئــــة:

من المعروف أن الإبداع المسرحي لا يمكن أن يحقق جودته ووجوده وهويته وكينونته الحقيقية إلا من خلال الجمع بين النظرية والممارسة، وذلك في علاقة جدلية ملتحمة ومترابطة ترابطا بنيويا وعضويا. و يعني هذا أن المسرح لا يمكن أن يستمر أو يحقق التقدم والازدهار أو يفرض نفسه في الساحة الثقافية المحلية أو العربية أو العالمية إلا إذا كان مدعما بنظرية فلسفية أو فنية في شكل نسق من التصورات الفكرية والجمالية ، وشبكة من المقاصد والأهداف والغايات تروم تجديد المسرح وتحديثه تجنيسا و تأسيسا وتأصيلا، مع طرح مجموعة من الأجوبة لأسئلة تتعلق بالوجود والإنسان والمعرفة والقيم. إذاً، ماهي النظرية؟ وما هي علاقة النظرية بالممارسة؟ وماهو واقع التنظير المسرحي بالمغرب بصفة خاصة والعالم العربي بصفة عامة؟

1- مفهوم النظرية لغة واصطلاحا:

من المعلوم أن النظرية مشتقة من كلمة النظر، والدالة على التأمل والتدبر والاستيحاء والتخييل والتصور. أما اصطلاحا، فالنظرية عبارة عن قواعد مجردة، ومبادئ كلية صورية تصف الواقع، وترصده وصفا وتفسيرا وتنبؤا. ولا يمكن استخلاص النظرية إلا عن طريق الممارسة والتجربة وفهم الواقع الموضوعي.
وهكذا، فالنظرية هي تأمل الموضوع تأملا عقلانيا ومنطقيا، واستنباط القواعد والقوانين الكلية المجردة بعد عملية الاستقراء والاستقصاء والتجريب. وترد النظرية في الحقل الفلسفي بمعنى تأمل التجربة، وتجاوز المعطى، والابتعاد عن الواقع والتجربة. ولكن الانفصال بين النظرية والتجربة، لم يعد مقبولا بشكل علمي ومنطقي، فلا نظرية بدون ممارسة، ولا ممارسة بدون نظرية.
وعلى أي، فالنظرية هي نسق من المبادئ والقوانين التجريبية الذي ينظم معرفتنا بمجالات معرفية خاصة، ويتضمن هذا النسق بناء منطقيا له مكوناته يخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم بالانتقال من عنصر إلى آخر وفق ترتيب صارم ومتماسك.
ومن هنا، فالنظرية عبارة عن نسق من المصطلحات والتصورات، وشبكة من المبادئ والمفاهيم والقواعد والملاحظات والتأملات التي تصف ظاهرة معينة، وتحاول تفسيرها عن طريق استشراف المستقبل للتحكم في الواقع رصدا وضبطا.
وإذا كانت النظريات العلمية خاضعة لمعايير الاستنباط والبرهنة الرياضية والمنطقية، فإن النظريات في مجال العلوم الإنسانية تبقى عبارة عن استنتاجات نسبية غير خاضعة لقوانين العلم والمنطق. وبالتالي، فهي تخضع لجدلية الشك والافتراض.

2- علاقــة النظريــة بالممارســة:

إذا كانت النظرية عبارة عن تمثلات ذهنية وتصورات فكرية ومبادئ فنية وجمالية ورؤى فلسفية، فإن الممارسة هي بمثابة ترجمة فعلية للنظرية، وهي أيضا عبارة عن مجمل التطبيقات التجريبية والعملية والواقعية التي تمارس ميدانيا. إذاً، فما هي العلاقة الموجودة بين النظرية والممارسة؟ وما الأساس: هل النظرية أم الممارسة أم هما معا؟
يذهب العقلانيون بما فيهم أفلاطون وأرسطو وديكارت وسبينوزا وليبنز وإنشتاين وجاستون باشلار وغيرهم من العقلانيين... إلى أن النظرية هي التي تتحكم في الممارسة. وبالتالي، فيمكن للنظرية أن تستغني عن الممارسة منهجية وتطبيقا.
أما التجريبيون من أمثال: دافييد هيوم وجون لوك وستيوارت ميل ولوي برولي...، فيرون أن الممارسة أو التجربة هي الأساس والمحك الحقيقي لكل نظرية ناجعة أو صالحة. بيد أن الرأي المائل إلى الصواب والحقيقة الواقعية، فهو الذي يقر بتفاعل النظرية والممارسة جدليا. ومن ثم، فالنظرية بدون ممارسة عمياء، والممارسة بدون نظرية جوفاء على حد الطرح الكانطي للعلاقة بين النظرية والممارسة. ومن هنا، أقول مثلما قال ابن خلودون: النظرية أول العمل، والعمل آخر النظرية. وهذا يبين مدى التداخل الحاصل بين النظرية والممارسة.
أضف إلى ذلك، فالنظرية في مجال المسرح قد تستمد مقوماتها الضرورية من الممارسة الركحية ، أو تمتح الممارسة مبادءها وقواعدها التطبيقية من النظريات المسرحية الموجودة. وهذا يبين مدى التقاطع الموجود بين النظرية والممارسة.
وعلى العموم، فالنظرية تؤدي مجموعة من الوظائف التي يمكن حصرها في الوظيفة الوصفية، والوظيفة التفسيرية، والوظيفة الاستشرافية أو التنبؤية.

3- التنظيـر المسرحي في الثقافتين: العربية والغربية:

من بين الحقول المعرفية التي عرفت التنظيرات بكثرة هو الحقل أو المجال المسرحي، فقد بدأ كثير من المبدعين وعلماء المسرح يصدرون بيانات وأوراق ومشاريع ودراسات تحمل في طياتها تأملات تنظيرية، وذلك لفهم المسرح العربي ووضع أسسه الفكرية والجمالية قصد تأسيس مسرح عربي أصيل. وغالبا ما ينبني التنظير المسرحي على تحديد ماهية المسرح وذكر مقوماته، والإشارة إلى تبعية المسرح العربي للغرب. وبعد ذلك، ينتقل المنظر إلى رصد القواعد والمبادئ والأصول النظرية سواء على المستوى الفكري أو على المستوى الفني والجمالي، مع تحديد الوظيفة والغرض من هذا التنظير الجديد.
ومن المعروف جيدا، أن التنظير المسرحي ليس جديدا في الساحة الثقافية العربية، بل كان معروفا لدى الغربيين ، فقد وجدناه عند أرسطو في كتابه:" فن الشعر"، وبرتولود بريخت في:" الأرغانون الصغير"، وكوردون كريك في نظريته حول إصلاح المسرح، و دنبيس ديدرو حول:" تناقضات الممثل"، وفيكتور هيجو في مقدمة مسرحيته:" هرناني" الداعية إلى تكسير الوحدات الأرسطية الثلاث، وبيتر بروك في نظريته المتعلقة بـ:"المساحة الفارغة"، وجيرزي كروتوفسكي صاحب:" نظرية المسرح الفقير"، وأنطونان أرطو صاحب المنهج الحركي و"مسرح القسوة"، وستانسلافسكي صاحب نظرية إعداد الممثل...وآخرين.

4- الأشكال التي اتخذتها النظريات المسرحية المغاربية:

وردت التنظيرات المسرحية المغاربية بصفة خاصة في أشكال متنوعة على النحو التالي:
1- بيانات تنظيرية: مثل: " بيان الإخراج الجدلي" لعبد القادر عبابو، وبيانات النظرية الاحتفالية ، وبيان المسرح الثالث...
2- أوراق تنظيرية: كورقة " المسرح الفقير " للمسرح الثالث ؛ وورقة " مسرح المرحلة" لحوري الحسين،
3- مقالات صحفية: مثل: نظرية " النقد والشهادة" لمحمد مسكين ، والمنشورة في مجلة " التأسيس " المغربية سنة 1987م في عددها الأول...
4- مقدمات المسرحيات: كمقدمة محمد الوادي الملتصقة بمسرحية " مدينة العميان" فيما يخص الاحتفالية الجديدة، ومقدمة " المرتجلة الجديدة" و" مرتجلة فاس"فيما يتعلق بنظرية المرتجلات لدى محمد الكغاط ، و مقدمة " مسرح الزنج وثورة صاحب الحمار" لعز الدين المدني فيما يتعلق بالمسرح التراثي؛
5- النصوص والعروض المسرحية: مثل: مسرحيات لحسن قناني ومصطفى رمضاني فيما يخص بنظرية الكوميديا السوداء....؛
6- الحوارات والمحاضرات والشهادات المعلنة: مثل: مسرح الگوال عند عبد القادر علولة، والمسرح الفردي عند عبد الحق الزروالي عبر شهادته المعنونةبـ:"تجربتي في المسرح" ...
7- مشاريع تنظيرية: مثل: " مرتجلات" محمد الكغاط ؛
8- قصة سردية وحوارية: كما عند أحمد ظريف في كتابه:"فلسفة التجاذب في الفن المسرحي" ...
9- كتابات شذرية: كما عند عز الدين المدني في مقاله المنشور في مجلة " الحياة الثقافية" تحت عنوان: " نحو كتابة مسرحية عربية حديثة"...
10- دراسات وكتب أكاديمية: مثل: " جمالية الافتراض " لنوال بنبراهيم ...

5- موقف النقاد من التنظير المسرحي:

قيل الكثير عن التنظير المسرحي في الساحة الثقافية المغربية، حتى إن البعض من النقاد يرى أنه لا مكان اليوم للنظريات المسرحية مع الأزمة الخانقة التي يعيشها المسرح المغربي بصفة خاصة والمسرح العربي بصفة عامة. وبالتالي، إن جميع النظريات المسرحية هي نوع من العبث والفشل، وتضييع كبير للوقت الثمين، وإهدار للجهد البشري في التقعيد على حساب التطبيق والممارسة. بل، هناك من النقاد المغاربة مثلا من يتهجم بعدوانية شرسة على احتفالية عبد الكريم برشيد، فيعتبرها مجرد خرافة ووهم ليس إلا كما عند سعيد الناجي في كتابه:" البهلوان الأخير: أي مسرح لعالم اليوم؟": حيث يقول ساخرا كعادته المألوفة: " هكذا، ومن تعويم مفهوم المسرح ونفيه إلى الساحات والمواسم والأسواق، ومرورا بعدمية مطلقة ترفض كل شيء، ومرورا برؤية مرثية لخصوصية الثقافة العربية، ووصولا إلى هوة سحيقة بين البيانات وبين النصوص المسرحية لعبد الكريم برشيد، عطلت الاحتفالية مطلب المهنية في المسرح المغربي، وحرفت مساره الطبيعي نحو رفع هذا المطلب، ناهيك عن أنها كانت تعطل برؤيتها التقليدية تطور الفكر التجريبي الحقيقي، ودليل ذلك أن أغلب الفرق المسرحية والمخرجين الذين اعتمدوا على بيانات الاحتفالية وحاولوا الوفاء لها انتهوا إلى فشل ذريع، وإلى نوع من التدني في مستوى عطاءاتهم المسرحية التي كانت متوهجة قبل تبنيهم للاحتفالية. ولهذا، أدرك بعضهم أن الاحتفالية المغربية لا توفر ببياناتها غير رغوة من كلمات لا تستطيع أن تبني مشروعا مسرحيا تجريبيا حقيقيا، فبدأوا يبتعدون عنها، ويستعيدون علاقتهم العميقة مع المسرح كما فعل المخرج المسرحي محمد بلهيسي في فرقة " مسرح التأسيس" في تازة بالمغرب، حيث ينوع من خريطة النصوص المسرحية التجريبية التي ينجزها مع فرقته" .
وهناك من يعتبر " النظرية الاستدراكية" لأحمد ظريف وغيرها من النظريات المسرحية المغربية عبثا ومذلة وهلوسة جنونية وشطحا صوفيا عقيما كحسن يوسفي، كما تبين ذلك واضحا في ندوة المسرح المنعقدة بكلية الآداب بالقنيطرة في 29 دجنبر 2009م تحت شعار"نظريات المسرح العربي: ماذا تبقى منها؟".
بيد أننا نتعجب كثيرا من الناقد حسن يوسفي الذي يرفض بنوع من العجرفة والتباهي والغرور الزائد كل النظريات المسرحية المغربية جملة وتفصيلا، ولاسيما النظرية الاحتفالية على سبيل الخصوص. في حين، يمجد التصور النظري والممارسة الفرجوية التطبيقية لدى عبد الحق الزروالي صاحب المسرح الفردي. وهذه الممارسة الركحية عند الزروالي في جوهرها لا تخرج إطلاقا عن كونها مجرد نسخة حرفية للنظرية الاحتفالية البرشيدية. ويقول حسن يوسفي مادحا عبد الحق الزروالي، على الرغم من كونه ناقدا جادا ومتميزا لا يمدح في كتاباته ودراساته سوى أصدقائه من المسرحيين المشارقة والأجانب:" كل هذه الإشارات التي تبلورها هذه القراءة في تجربة الزروالي المسرحية، تؤكد أن الريبرتوار الأخير لهذا الفنان يحاول أن يؤسس لرؤية فنية وفكرية متجانسة ومتناسقة، منطلقها أن المسرح كتابة أدبية راقية أولا، ورهان فكري وثقافي ثانيا، مهمته أن يحرر الإنسان المعاصر من إكراهات مجتمع الحداثة وضغوطه المادية والمعنوية، وطقس مقدس ثالثا، يستلزم أن يعد له الفنان العدة الجمالية الجديرة بتحقيق هذه القدسية. صحيح أننا نختلف مع الزروالي في بعض التفاصيل المتصلة بعناصر الفرجة أحيانا، لكننا لا نملك إلا أن نعبر له عن تقديرنا لاختياره الفني الفردي ولتجربته المسرحية المنتظمة ولحضوره المتنوع على خشبة المسرح المغربي منذ أكثر من أربعة عقود، ولطوباويته أيضا، أليس الفنان الذي يجعل حياة بكاملها، في عالم اليوم، في خدمة المسرح، كائنا طوباويا!؟" .
وعليه، فإذا كان هناك من النقاد من يحاول أن يقف في وجه النظريات المسرحية المغربية بالرفض القطعي جملة وتفصيلا كسعيد الناجي وحسن يوسفي وسالم أكويندي...، فإن هناك من النقاد الموضوعيين الذين تعاملوا مع النظريات المسرحية المغربية بكل موضوعية أكاديمية ونزاهة علمية. ومن هؤلاء النقاد الموضوعيين ، نذكر: حسن المنيعي ، ومصطفى رمضاني ، وعبد الرحمن بن زيدان ، ويونس لوليدي ، وعز الدين بونيت ، وأديب السلاوي، وعبد المجيد شكير...

6- بدايـات التنظـير في المسـرح العـربي :

ساهم كثير من المنظرين العرب في إصدار بيانات تنظيرية للمسرح العربي قصد السير به نحو الأمام بحثا عن حداثة حقيقية لا تتعارض مع الهوية لمواجهة التغريب والعولمة والمركزية الأوربية.
وهكذا، فقد أصدر توفيق الحكيم في سنة 1967م تصورا تأصيليا جديدا للمسرح العربي تحت عنوان" قالبنا المسرحي" الذي يتمثل في بعث المداح والمقلداتي والحكواتي في بناء النصوص الدرامية وعرضها سينوغرافيا:" فنحن ببعثنا الحاكي والمقلد والمداح وجمعهم معا سنرى أن في استطاعتهم أن يحملوا آثار الأعلام من أسخيلوس وشكسبير وموليير إلى إبسن وتشيخوف حتى بيراندللو ودونمات...كما في استطاعتهم أن يحققوا الأمل الذي طالما تمناه الجميع في كل مكان وهو:" شعبية الثقافة العليا" أو بعبارة أخرى هدم الفاصل بين سواد الشعب وآثار الفن العالمي الكبرى...".
ويعد يوسف إدريس من السباقين إلى التفكير في التأصيل المسرحي من خلال البحث عن قالب مسرحي جديد، وذلك بتوظيف السامر في مسرحية" الفرافير" سنة 1964م ، حيث أشرك المتفرجين مع الممثلين في اللعبة المسرحية في إطار دائري مشكلا بذلك حلقة سينوغرافية . وقد استلهم الكاتب في مسرحيته خيال الظل والقراقوز والأدب الشعبي . وتعد مسرحية محمد دياب" ليالي الحصاد" سنة 1967 نموذجا تطبيقيا لتوظيف السامر الريفي. وفي هذا الصدد يقول جلال العشري: " غير أنه إذا كان محمود دياب قد استجاب لذلك التيار العام الذي بدأ يطالب بأشكال جديدة للمسرح، أشكال نابعة من فنوننا الشعبية المرتجلة ومن تقاليدنا المسرحية الفلكلورية، وهي الدعوة التي استجاب لها من قبل: يوسف إدريس، عندما قدم مسرحيته المثيرة" فرافير" بدعوى التعرف على ملامحنا المسرحية الأصيلة وإيجاد شخصيتنا المستقلة في المسرح. فثمة فارق كبير بين الكاتبين: يوسف إدريس ومحمود دياب، الأول تكلم عن السامر باعتباره الشكل المسرحي البدائي الأول الذي تبلور لدى الغالبية العظمى من جماهير شعبنا في الريف والقرى... أما محمود دياب، فمستفيد استفادة واضحة مما دعا إليه يوسف إدريس، مما أنجزه بالفعل، فقد استطاع في مسرحية" ليالي الحصاد" أن يتجه إلى التعبير الطبيعي المباشر، محافظا على السامر في شكله البدائي الأول...".
هذا، وقد اتخذت مجموعة من الفرق المسرحية العربية طابعا احتفاليا ، مثل: جماعة السرادق المصرية بزعامة صالح سعد التي أصدرت بيانها الأول سنة 1983م ، وجماعة المسرح الحكواتي برئاسة الفنان اللبناني روجيه عساف، ومسرح الشوك وعلى رأسه دريد لحام وعمر حجو ووظيفته انتقادية توجيهية، ومن الأعمال التي شخصها هذا المسرح السوري مسرحية سعد الله ونوس" حفلة سمر من أجل 5 حزيران"، وفرقة الفوانيس الأردنية …
وسعى سعد الله ونوس إلى تأسيس مسرح التسييس من خلال مسرحيته" مغامرة رأس المملوك جابر". والمقصود بمسرح التسييس عند سعد الله ونوس أن مفهوم التسييس يتحدد" من زاويتين متكاملتين. الأولى فكرية وتعني، أننا نطرح المشكلة السياسية من خلال قوانينها العميقة وعلاقاتها المترابطة والمتشابكة داخل بنية المجتمع الاقتصادية والسياسية، وأننا نحاول في الوقت نفسه استشفاف أفق تقدمي لحل هذه المشاكل. إذا، بالتسييس أردت أن أمضي خطوة أعمق في تعريف المسرح السياسي. إنه المسرح الذي يحمل مضمونا سياسيا تقدميا. ومن نافل القول: إن الطبقات الفعلية التي تحتاج إلى التسييس هي الطبقات الشعبية لأن الطبقة الحاكمة مسيسة، سواء كانت الحاكمة بمعنى السيطرة على أدوات السلطة أو الحاكمة بمعنى السيطرة على وسائل الإنتاج الاقتصادي في البلد. إن الطبقات التي يتوجه إليها مسرح التسييس هي الطبقات الشعبية التي تتواطأ عليها القوى الحاكمة كي تظل جاهلة وغير مسيسة. الطبقات التي يؤمل أن تكون ذات يوم بطلة الثورة والتغيير. من هنا كان التسييس محاولة لإضفاء خيار تقدمي على المسرح السياسي."
ويضيف الباحث :" أما الزاوية الثانية في مفهوم التسييس فهي تلك التي تهتم بالجانب الجمالي. إن مسرحا يريد أن يكون سياسيا تقدميا يتجه إلى جمهور محدد في هذا المجتمع، جمهور نحن نعلم سلفا أن وعيه مستلب، وأن ذائقته مخربة، وأن وسائله التعبيرية تزيف، وأن ثقافته الشعبية تسلب ويعاد توظيفها في أعمال سلطوية تعيد إنتاج الاستلاب والتخلف. إن هذا المسرح الذي يواجه مثل هذا الجمهور لابد له من البحث عن أشكال اتصال جديدة ومبكرة لايوفرها دائما التراث الموجود في المسرح العالمي أو العربي، حتى ولوكان هذا المسرح يحمل مضمونا سياسيا تقدميا."
وهناك نظريات مسرحية عربية أخرى كمسرح الصورة لصلاح القصب، ونظرية الكوميديا المرتجلة لعلي الراعي، ونظرية المسرح الإسلامي مع نجيب الكيلاني وعماد الدين خليل وجميل حمداوي...، ونظرية المسرح الرقمي الافتراضي مع العراقي حبيب عبد الله، ونظرية سينما مسرح...

7- مجمل النظريــات المسرحيــة المغاربيــة :

عرف المغرب العربي منذ السبعينيات من القرن العشرين الميلادي مجموعة من النظريات والبيانات والأوراق والمشاريع والعروض المسرحية التطبيقية ، والتي استهدفت إرساء تصور مسرحي جديد من أجل تأسيس المسرح العربي وتأصيله وتثويره. بيد أن المغرب حسب الكثير من الباحثين والنقاد كان البلد السباق إلى التنظير المسرحي، وذلك بشكل كبير مع مسرح الهواة، ولاسيما مع زعيم الاحتفالية عبد الكريم برشيد، والذي أصدر بيانه الأول سنة 1976م. وبعد البيان الاحتفالي الأول، توالت البيانات والأوراق والمشاريع والتصورات النظرية في دول المغرب العربي، وخاصة في تونس مع عز الدين المدني، وذلك لفهم مكونات المسرح نصا وعرضا وتقبلا، مع استقراء أسسه الفنية والجمالية والميزانسينية قصد إنشاء مسرح بديل بهوية عربية وخصوصية تراثية أصيلة.
وهكذا، فقد أفرزت مرحلة السبعينيات من القرن الماضي :" تنظيرات وبيانات مسرحية تعد- بحق- مشاريع تنظيرية وإبداعية استطاعت أن تخلق قطيعة فكرية وإيديولوجية وجمالية مع المرحلة السابقة، وقد أعلنت هذه القطيعة عن طريق تأسيس حركة مسرحية جادة امتدت عبر بيانات الاحتفالية لعبد الكريم برشيد وجماعته" .
بيد أن أول تنظيري مسرحي مغاربي - في اعتقادي- كان بالجزائر مع "مسرح البحر" بقيادة قدور النعيمي، والذي أصدر بيانه الأول سنة 1986م. ويتبعه في ذلك عبد الكريم برشيد ببيان المسرح الاحتفالي سنة 1976م. وبعد ذلك، ستتوالى البيانات والتنظيرات المسرحية بكثرة، إلى درجة أن هذه البيانات والكتابات التأسيسية كانت تعبر في الحقيقة عن هوس تنظيري مفرط لدى المبدعين ومهتمي المسرح بدول المغرب العربي.
ومن أهم النظريات المسرحية المغاربية التي حاولت التنظير للمسرح تأليفا وإخراجا وتمثيلا ورؤية ، نستحضر: الاحتفالية، والاحتفالية الجديدة، والمسرح الثالث، ومسرح النقد والشهادة، ومسرح الكوميديا الصادمة، ومسرح المرتجلات، والنظرية الافتراضية، والنظرية الإسلامية الجديدة، وبيان المنهج الجدلي، ومسرح المرحلة، والمسرح الفردي، ومسرح التكامل، والنظرية الاستدراكية، والنظرية الاحترافية المهنية، ونظرية " باتجاه المسرح الذي نريد" ... بالمغرب، ونظرية "مسرح البحر " مع قدور النعيمي، ونظرية " مسرح الـﯕوال" مع عبد القادر علولة بالجزائر، ونظرية المسرح التراثي مع عز الدين المدني بتونس ...

8- ثوابت التنظير المسرحي المغاربي:

من أهم الملاحظات التي يمكن الخروج بها من خلال قراءة مجمل النظريات المسرحية المغاربية أنها تستند في الحقيقة إلى مجموعة من الثوابت البنيوية التالية:
1- ثابت اليومي والمحلي والقومي والإنساني والكوني على مستوى المضمون والطرح؛
2- ثابت التراث الشعبي على مستوى القالب؛
3- ثابت المتعة والفائدة على مستوى التلقي والمقصدية والهدف؛
4- ثابت البريختية على مستوى المنهجية والرؤية الجمالية؛
5- ثابت الاحتفالية في تقديم الفرجة الشاملة أسلوبا وأداء وتقنية؛
6- ثابت الطريقة الستانسلافسكية في إعداد الممثل وتدريبه وتكوينه؛
7- ثابت المسرح الفقير على مستوى الديكور والتأثيث والسينوغرافيا؛
8- ثابت التنوع والتعدد على مستوى الانتقاء والاختيار والتوفيق والتلفيق بين المناهج الإخراجية؛
9- ثابت التراكم على مستوى التنظير المسرحي بالمغرب بالمقارنة مع الدول المغاربية الأخرى بأكثر من خمس عشرة (15) نظرية مسرحية؛
10- ثابت الجدال والسجال فيما يخص قوة وضعف هذه النظريات المسرحية على مستوى النقد والتقويم.

تركيب استنتاجي:

وخلاصة القول: تلكم نظرة موجزة ومقتضبة عن إشكالية التنظير المسرحي في المغرب بصفة خاصة والعالم العربي بصفة عامة. وقد كان الهاجس الذي حرك هذا التنظير المسرحي هو الرغبة في إحداث قطيعة معرفية مع المسرح الغربي الأرسطي، وذلك بالبحث عن قالب مسرحي عربي بديل تجريبا وتحديثا وتجنيسا وتأسيسا وتأصيلا.

الهوامش:

- عبد الكريم برشيد:( بيان المسرح الاحتفالي- كتابة جديدة-)، مجلة التأسيس، المغرب، العدد الأول: يناير 1987م، صص:14-26؛ (البيان الأول لجماعة المسرح الاحتفالي)، مجلة البيان، الكويت، عدد:163، أكتوبر1979م، ص:14؛
- جماعة المسرح الثالث:( ورقتا المسرح الثالث والمسرح الفقير)، مجلة المدينة بالدار البيضاء، العدد:6، يونيو1981م؛
- محمد مسكين:( مفهوم الكتابة المسرحية النقدية- كتابة النفي والشهادة)، مجلة التأسيس، المغرب، العدد الأول، يناير1987م، صص:47-58؛
- محمد الكغاط: المرتجلة الجديدة ومرتجلة فاس، مطبعة سبو، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1991م؛
- عبد الحق الزروالي:( تجربتي مع المسرح)، مجلة آفاق مغربية، العدد الثالث، 1989م، ص: 101 فما بعدها؛
- محمد الكغاط: المرتجلة الجديدة ومرتجلة فاس، مطبعة سبو، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1991م؛
- أحمد ظريف: فلسفة التجاذب في الفن المسرحي، مطبعة الراحة، ومطبعة الجودة، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2007م؛
- عز الدين المدني:( نحو كتابة مسرحية عربية حديثة)، الحياة الثقافية، تونس، فيفري 1978م، عدد:4، صص:5-16؛
- د. نوال بنبراهيم: جمالية الافتراض من أجل نظرية جديدة للإبداع المسرحي، دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2009م؛
- د. سعيد الناجي:البهلوان الأخير: أي مسرح لعالم اليوم؟،منشورات مرايا، طنجة، الطبعة الأولى سنة 2008م، ص:45؛
- د. حسن يوسفي:المسرح والحداثة، منشورات وزارة الثقافة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009، ص:125؛
- حسن المنيعي: ويبقى الإبداع، دراسات عن المسرح والأدب في المغرب، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، الطبعة الأولى سنة 2008م؛
- مصطفى رمضاني: قضايا المسرح الاحتفالي، منشورات اتحاد كتاب العرب، سوريا، الطبعة الأولى سنة 1993م؛
- عبد الرحمن بنزيدان:أسئلة المسرح العربي، دار الثقافة ، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1987م؛
- يونس لوليدي: مسارات القراءة في الأدب المغربي المعاصر، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2006م؛
- د. عزالدين بونيت: الشخصية في المسرح المغربي ، منشورات كلية الآداب، جامعة ابن زهر بأكادير، الطبعة الأولى سنة 1992م؛
- توفيق الحكيم: قالبنا المسرحي، مكتبة مصر، ط 1988، ص:16-17؛
- جلال العشري: المسرح أبو الفنون، دار النهضة العربية، ط 1971، ص: 265؛
- صالح سعد: الأنا- الآخر، عالم المعرفة، الكويت، العدد 274، ط1990،ص:222؛
- سعد الله ونوس: بيانات لمسرح عربي جديد، دار الفكر الجديد،ط1988،صص:108-109؛
- سعد الله ونوس: بيانات لمسرح عربي جديد ، ص: 109؛
- محمد جلال أعراب: ( نحو كتابة مسرحية تؤسس الفعل)، جريدة الميثاق الوطني، المغرب بتاريخ 17غشت 1990م، صفحة الميثاق المسرحي؛
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف