الأخبار
بسبب تزايد حالات الحساسية القاتلة.. الصحة تمنع إعطاء حقن (روسيفين) بالصيدلياتالتميمي يجري سلسلة لقاءات في المغرب في مجال حقوق الانسانتقرير إيه إم بيست: لا يزال تحصيل الأقساط يشكّل مشكلة بالنسبة لشركات التأميناليمن: اختتام الورشة التدريبية الخاصة بالتوعية الصحية والبيئية بمدراس عدنوفد قيادي من جبهة التحرير الفلسطينية يزور مخيم برج الشمالي معزيا الجمعةمصر: "بنك عوده" يدرس الاستحواذ على الأهلي اليونانيمصر: الحكومة المصرية تدخل عنصر مشاركة القطاع الخاص في المدارسبلدية الخليل تتجاوز العاصفة الثلجية بأماننو سكيل وجاي إيه إي سي تتّفقان على اختبار نشر مفاعل الوحدات الصغيرةنادي الحمرية يعتمد فعالياته بعام التسامح 2019الأسطل: تسلم الرئيس رئاسة السبعة والسبعين اعتراف من العالم يدعم حقناالتحالف من أجل الشباب في المملكة العربية السعودية يستقطب حوالي 500 طالب"منتدى حلول إدارة النفايات" يناقش فرص تعزيز الاستثمارات في إدارة النفايات المتكاملةالعراق: عمال ومتعاقدو الكهرباء يؤكدون استمرار اعتصاماتهم حتى مساواتهم مع موظفي الدولةمصر: صندوق النقد العربي يصدرالتقرير السنوي حول الاستقرار المالي
2019/1/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

"نعم" للعَـلمانية بقلم د.مجيد البلوشي

تاريخ النشر : 2010-02-25
"نعم" للعَـلمانية ....... بقلم د.مجيد البلوشي


قلنا في مقالة لنا سبق نشرها في هذه الجريدة الغراء، "أخبار الخليج"، بعنوان "التعايش السلمي الديني هو الحل"(1) إن هذا التعايش لا يختلف كثيراً عن العَلمانية (بفتح العين) وإنه هو الحل الناجع لكل ما نعانيه - نحن الشرق أوسطيين عامةً والعرب -المسلمين خاصةً - من مآسي وبلايا الطائفية والتطرف الديني والإرهاب، وهي الظواهر الناجمة عن ربط الدين بالسياسة، أي ربطه بالدولة، خاصةً بعد تغذيتها وتوجيهها من قِبل القوى الخارجية. وبالطبع هناك الكثيرون من الإسلاميين الذين لا يعجبهم هذا الطرح، بل يستنكرونه ويعتبرونه تهميشاً للدين، وهو فعلاً تهميش للدين ولكنه ليس إلغاءً له البتة، وهذا التهميش لابد منه إذا أردنا أن نعيش في سلام وأمان. ثم ان أصل الدين، أياً كان هذا الدين، هو العلاقة بين الإنسان الفرد وما يؤمن به هو، ولا دخل لأحد غيره في هذه العلاقة، سواء أكان هذا الأحد فرداً ام جماعةً أم دولة، وإلا اُريقت دماء كثيرة، وتاريخ الأديان خير دليل على ما نقول، سواء أكان ذلك في داخل الدولة الدينية أم خارجها. وهذا الذي يؤمن به الفرد قد يكون هو الإلـه "بوذا" (عند البوذيين) أو الآلـهة "رام" أو "كرشنا" أو "يشومتي" (عند الهندوس) أو "الإلـه يهوذا" عند اليهود أو "الرب المسيح" (عند المسيحيين) أو "الله" عند المسلمين أو غيره، فالكل يؤمن به ويعتبره هو الإلـه الحقيقي خالق هذا العالَم وما فيه، والكل يأتي بألف حجة وحجة ليثبت أن إلـهه هو الحق، وإلـه الآخرين باطل.
ولو كانت المسألة تتوقف عند حد هذا الجدال النظري بأن "ربي هو الحق وربك هو الباطل" لهان الأمر، ولكن الأمر يتعدى ذلك ليصل، عند المسلمين المتطرفين، إلى حد "انني ألزمك بأن تأتمر بأمري وهو أن تؤمن بإلـهي غصباً عنك، أو أن تدفع لي مالاً (جزية)، أو أن أقطع رأسك"، وهم يلجأون إلى آيات قرآنية مثل "آية السيف"، وهي الآية التاسعة والعشرون من سورة (التوبة): "قَاتِلُواْ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرمُونَ مَا حَرمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَق مِنَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون".
وهي تُسمّى أيضاً آية "الجزية" لدى بعض المفسرين، كما أنها الآية التي تنسخ جميع الآيات التي تنادي بالسلم والتفاهم مع الآخرين، أي غير المسلمين، فالمطلوب هنا من وجهة نظرهم هو تطبيق أمر الله، وهذا ما يحاول أن يقوم به فعلاً أخونا الشيخ أسامة بن لادن، أطال الله في عمره، وكذلك جماعة طالبان و"القاعدة" وغيرهم، بل هذا ما يتمناه كل مسلم مخلص لدينه، سواء أكان هذا المسلم معتدلا أم متشددا.
والحق أن الفرق بين المسلم المعتدل والمسلم المتشدد هو فرق كمّي فحسب وليس فرقا نوعيا البتة، بمعنى آخر بإمكان المسلم المعتدل أن يتحول إلى مسلم متشدد أو إرهابي في ليلة وضحاها، وذلك بشرط أن يتعمق في الآيات القرآنية، وخاصة آيات السيف، والأحاديث النبوية الداعية إلى القتال والجهاد في سبيل "إعلاء كلمة الحق"، أو أن يحضر "حلقات الفقه" أو "دراسات الفقه" التي تقام في المساجد بعد صلاة العشاء عادةً حيث تتم عملية غسل دماغ الحاضرين بسرد الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وكُتب الفقهاء المسلمين، وما أكثرها! المتعلقة بالحلال والحرام والبدع والجهاد... وبعذاب القبر وأهوال النار... والحور العين. وخير مثال على ما نقول هو أحد أحفادنا وأبوه: فقد كان هذا الحفيد - مع حبي الشديد له - معتدلا إسلاميا، بل كان مسلما اعتياديا يؤمن بالله ويصلي صلواته الخمس، ويصوم شهر رمضان، ولم يكن له دخل في السياسة أو الدولة البتة، ولما التحق بجماعة "حلقات الفقه" وتشرّب بأفكارهم الدينية المتشددة، أطلق لحيته وقصّر ثوبه، وأصبح لا يفكر إلا في الحلال والحرام، وكسب رضا الله بالجهاد في سبيله، ليس هذا فحسب بل سافر إلى أفغانستان ليلتحق بجماعة طالبان المجاهدة لإعلاء كلمة الحق وإقامة الخلافة الإسلامية التي ستسود العالم. أما أبوه، فقد أبدى استياءه من ذلك، بل كان يستنكره أشدّ الاستنكار، متأسفاً على شباب ابنه الضائع، وخاصة عندما نُقل هذا الابن من أفغانستان إلى جزيرة جوانتنامو. ولكن عندما التحق هذا الأب بحلقات الفقه المذكورة آنفاً، وتمت له عملية غسل الدماغ، ظهر التغير في آرائه وأفكاره، فبدأ يفتخر بابنه الذي هداه الله خير هداية بأن جعله يمشي في الصراط المستقيم، ويجاهد في سبيل الله. وكم كان يتمنى هذا الأب أن يسلك ابنه الآخر السلوك نفسه، ليس ذلك فحسب، بل تحوّل هو نفسه من رجل وسيم حليق اللحية جميل المظهر إلى شيخ كبير طويل اللحية، كثيف الشعر، قصير الثوب والسروال. (وأرجو ألا ينزعج من كلامي هذا، وهو يعرف مدى حبي واحترامي له). وهناك أمثلة كثيرة لا مجال لذكرها في هذه المقالة القصيرة.
ونود هنا أن نطرح سؤالا مهما ونحن نتكلم عن العَلمانية، وهو: لماذا ترجم العرب كلمة ة ان تSecularism بـ "العلمانية" وليس بـ "العالمانية" وهي المعنى الصحيح للكلمة تلك أي الاهتمام بعالمنا الواقعي، في حين أن ترجمة الكلمة نفسها باللغة الفارسية هي "دُنيويـت"(2)، وباللغة الاُردوية هي "دُنياويت"(3)، أي الاهتمام بهذه الدنيا التي نعيش فيها مقابل "حياة ما بعد الموت"؟ وهناك تساؤل وهو: أليست العَلمانية (بفتح العين) في جوهرها هي العِلمانية (بكسر العين) نفسها؟ بمعنى أن القاسم المشترك بينهما هو أن كِلتيهما تهتمان بهذا العالم الذي نعيش فيه، كما أن كِلتيهما لا تنسجمان مع الدين، فالعلمانية تعتمد على العلم لتغيير هذا العالم والانتفاع من خيراته، والعلم يعتمد بدوره على العقل، أي المنطق والخضوع للتجربة القابلة للصواب والخطأ، بينما الدين يعتمد على النقل، أي النصوص الإلـهية الجاهزة أزليا والثابتة أبديا، ولا تقبل الخضوع للتجربة أصلاً، بالرغم من ادعاء الإسلاميين بأن الإسلام ينادي بالعلم، ويجرّون الآيات القرآنية جرا، وقسرا، نحو العلم، وهم يلجأون إلى تلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي ترد فيها كلمة "العلم" ومشتقاتها، كأن هذا "العلم" هو علم الكيمياء أو علم الفيزياء أو علم الهندسة... إلخ، في حين أن "العلم" الذي تنادي به هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية هو علم معرفة الله وقدراته لا غير، ولهذا كان الحديث النبوي "مَن تعلّم علماً لغير الله، أو أراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار"(4) وكذلك الحديث النبوي القائل "العلماء ورثة الأنبياء"(5) فأين هنا علوم الكيمياء والفيزياء والفلك والهندسة... وغيرها، وهي علوم دُنيوية بحتة تتعلق بهذا العالم الذي نعيش فيه؟
ماذا نريد أن نقول؟ نريد أن نقول: كونوا عَلمانيين، أي اهتموا بعالمكم المادي هذا الذي تعيشون فيه مدةً زمنية قصيرة تتراوح بين 70 و80 عاماً في المتوسط، مستثـنين هنا الحوادث والحالات الطارئة، واجعلوا الدين - أيا كان هذا الدين - أمراً بين الشخص وربّـه، بين الشخص وما يؤمن به، وهو خير لكم وللبشر جميعاً.
فالعلمانية هي الاهتمام بعالمنا الواقعي، كما أسلفنا، وإعطاؤه الأولوية في أعمالنا وتعاملنا، وأننا نحن - البشر - مسؤولون عن تغيير هذا العالم وتطويره والاستفادة من خيراته لصالح البشرية، باعتبارنا قمة التطور مقارنةً بجميع الكائنات الحية الموجودة على كوكبنا الأرضي. وهنا تكمن إنسانية العلمانية. وقد فعلنا ذلك فعلاً عندما تبنينا العلمانية في الدول الغربية عامةً والدول الأوروبية خاصةً، وجعلنا الدين مسألة تخص الشخص وما يؤمن به من دون أن نتدخل في شؤونه الدينية، فلجأنا إلى العلم ووجهنا جُلّ اهتمامنا إليه، فأنجبنا علماء كثيرين منهم، على سبيل المثال لا الحصر، إسحاق نيوتن (مكتشف قوانين الجاذبية الأرضية، والميكانيكا، وتكوين الضياء الشمسي)، وماثياس شلايدن وثيودور شوان (مكتشفا البناء الخليوي للأجسام الحية)، وتشارلز داروين (مكتشف نظرية التطور)، وديمتري مندلييف (مكتشف القانون الدوري للعناصر الكيميائية)، وتوماس اديسون (مخترع المصباح الكهربائي والفونوغراف)، وغراهام بِلّ (مخترع التليفون)، وغريغور ماندل (مؤسس قوانين الوراثة)... إلخ. وكان الكثيرون من هؤلاء العلماء مؤمنين ومتدينين فعلاً، ولكنهم لم يجعلوا ديانتهم همـّهم الأساسي، كما نفعل نحن في دولنا العربية - الإسلامية، كما أنهم لمْ يحاولوا - مجرد محاولة - التدخل في شؤون الآخرين الدينية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا لا يوجد لدينا أي عالم أو مخترع استفادت منه البشرية من اختراعاته واكتشافاته، اللهم إلا بعض النظريات التي وضعها العلماء الأقدمون وبقيت محتفظة في بطون الكتب، واللهم إلا إذا اعتبرنا قصة محاولة عباس بن فرناس الطيران في الهواء بجناحين من ريش الطيور قصة حقيقية وانجازا علميا كبيرا، وأن الساعة الرملية التي قدمها الخليفة العباسي هارون الرشيد لشارلمان، ملك فرنسا آنذاك، هي الاختراع العظيم؟
أما القول إن العلماء المسلمين-العرب هم الذين أسسوا علم الجبر وعلم الفلك، والدورة الدموية... فهو قول قد يكون صحيحاً، ولكن أين هي نتائج اختراعاتهم واكتشافاتهم العلمية؟ ولماذا لمْ يستمر المسلمون العرب وغير العرب في تطويرها وتقديمها للبشرية؟ ولماذا نقوم باستيراد واستهلاك ما تصنعه وتنتجه الدول العلمانية ونحن قابعون على أكبر مصدر للطاقة في العالم، وهو النفط، ومنذ مئات السنين؟ بل لماذا نستعين بهذه الدول العلمانية لتقوم هي بعملية التنقيب عن هذا النفط في أراضينا نحن، وتكريره، واستخدامه في سياراتنا المصنوعة في دولهم العلمانية نفسها؟
ليس ذلك فحسب، بل لماذا نجد كل ما حولنا هو من اختراع وصُنع الدول العلمانية؟ خذوا مثلاً آلات طباعة المصاحف، وأوراقها، وحبرها بمختلف ألوانه، أليست هي من اختراع وصُنع الدول العلمانية؟ وأيضاً مكبرات الصوت التي نستخدمها في الأذان وقراءة القرآن، أليست هي من اختراع وصُنع الدول العلمانية؟ والاسمنت الذي نستخدمه في بناء مساجدنا وبيوتنا ومرافقها، أليس هو من اختراع وصُنع الدول العلمانية؟ والمصابيح الكهربائية، والمراوح، ومكيفات الهواء التي نستخدمها في مساجدنا وفي بيوتنا، أليست هي من اختراع وصُنع الدول العلمانية؟ وكذلك الثلاجات، والسيارات، والدراجات، والسفن، والطائرات، وأجهزة الراديو، والتلفزيونات، وأجهزة التصوير، وأجهزة الكمبيوتر، والهواتف المنزلية والهواتف النقالة... و... و... و...، أليست هي كلها من اختراع وصُنع الدول العلمانية؟ أليست هي كلها لأجل تسهيل معيشتنا، نحن البشر، في هذا العالم الواقعي الذي نعيش فيه، هذه الدنيا التي نراها أمام أعيننا ونحس بها؟
نتوقف عند هذه التساؤلات، ونكمل موضوعنا في وقت لاحق.
هوامش:
(1) جريدة "أخبار الخليج"، العدد 11236، بتاريخ 27 ديسمبر 2008م.
(2) فرهنك معاصر، هزاره، در يك جلد، علي محمد حق شناس، حسين سامعي، نركس انتخابي، تهران، 2007م.
(3)The Standard English Urdu Dictionary, Dictionary,
Baba-e-Urdu Dr. Abdul Haq, New Delhi,1981.
(4) الفكر التربوي العربي الإسلامي - الأصول والمبادئ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إدارة البحوث التربوية، تونس، 187، صفحة .373
(5) الهامش السابق، نفسه ص .372
[email protected]
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف