الأخبار
17 قتيلا على الأقل بحريق في مصنع بلاستيك بالهندالملتقى النقابي الدولي يؤكد تضامنه الكامل مع فلسطينالتنمية المجتمعية في فلسطين تنظم ورشة"حول أداة تقييم القدرات المؤسساتية"اختتام برنامج الصحفي الصغير التدريبي في قطاع غزةتأسيس رابطة عائلات الدرج والتفاح في غزةتظاهرت في مدن إسرائيلية ضد الفساد الحكومي وقانون "السوبر ماركت"اسرائيل تقدم مشروع قانون لتطبيقه على مستوطنات الضفةالاحتلال يحتجز طفلا في الخليل ومستوطنون يستولون على دراجتهالنضال الشعبى: استشهاد أسير من الجرائم التى يرتكبها الأحتلال ضد الأنسانيةالرئيس المصري يبحث مع بنس التطورات في المنطقةفلسطينيو 48: النواب العرب يقررون مقاطعة خطاب بنس أمام "الكنيست" الاسرائيليالزهار: فتح تريد من حماس القبول بالوضع المهين الذي يعيشه قطاع غزةاتحاد نقابات عمال فلسطين: لا سلام بدون القدس عاصمة لدولتنامصر: معرض القاهرة للكتاب يحتفي بجديد الشاعرةغادة البشاريفروانة يحمّل الاحتلال مسؤولية استشهاد المعتقل "حسين عطالله"
2018/1/21
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

آن له أن ينفجر بقلم : تيسير نظمي

تاريخ النشر : 2010-02-17
حكمت المحكمة

بعد أن تداول عشرون قاضياً أمري، وبعد مشاورات وهمس ولمز ودسدسة ، بعد خلافات نشبت بينهم ، حول عدد السنين التي سأقضيها وراء القضبان ، عدد السنين فقط ، وبعد عشرين يوماً من المرافعات ، اجتمع القضاة كلهم على أنني رجل سيئ . وانهرت مرغماً بالضحك، ملء عمري، بالضحك، أو لم تعرفوا بعد أنني رجل سيئ إلا بعد كل تلك المداولات ؟ وهل هذا اكتشاف تستحقون عليه الرواتب التي تدفعها لكم الدولة ؟ إنني لرجل سيئ منذ أكثر من ثلاثين عاماً ، لقد فاتكم أن تقولوا : بالغ السوء ، إنني أيها السادة منذ أكثر من ثلاثين عاماً وأنا أفكر : لماذا أنا سيئ إلى هذا الحد ! لكنهم أكملوا النطق بالحكم : وعليه فقد حكمت المحكمة بالسجن مائتين عام وتساءلت : هل تكفيني المائتا عام هذه للخلاص ؟ يؤسفني أيها السادة أن أقول لكم مترافعاً أن حكمكم جائر . فانا خبيث وماكر وجبان وشرير وقاسي القلب ، دكتاتوري أكثر من فرانكو وهتلر وموسوليني إذا تمكنت من الضعفاء ، وملكي أكثر من شاه إيران إذا ما آلت إلي السلطة وقبضت يداي على كرسي العرش وغادر إذا انقلب لمصلحتي الزمان . وماذا أقول لكم بعد .. هناك الكثير الكثير يا للسخرية " سيئ " بعد كل هذا الانتظار لحكمكم الموقر وبعد شهر تقاضيتم فيه مبلغاً وقدره. سيئ فقط ! وأنا عشت عمري أبحث وأنقب وأتساءل وأفكر: لماذا أنا كل التهم التي يمكن أن توجه للإنسان في هذا الزمن، لماذا أنا كل هذا السوء مجتمعاً ! وكم من السنين احتاج للتطهر ؟ مائتين فقط ! .. إني استأنف إذن... .

خارجاً من الرحم:

زغردت القابلة " ولد.. ولد " فنهضت على الفور النساء المتحلقات حولها لطناجر الماء بحماس . وارتبكت بالفرحة يدا القابلة وهي تقطع حبل المشيمة . وبسرعة قطعته قبل أن ينقلب الذكر إلى أنثى، ليسرع أبوه لرؤية أعضائه كاملة، ومن ثم ليس المهم بعد ذلك أن يصبح المولود ثوراً أو معزة أو سحلية. ووسط قرقعة الطناجر ضاع صوتي الجميل . خفت . حاولت الرجوع . لكنهم سحبوني بعنف: أنت ذكر.. اخرج فكل امرأة تتمناك . وقبل أن استوفي احتياجاتي من دفء الرحم وهدوئه ، من هذا الاتصال بالأمومة والاحتضان ، قطعوا الحبل بين الذكر والأنثى ، بحدة آلمتني . صرخت ، تفعفلت ، بيدي ، برجلي ، لكنهم انقضوا علي بالقماط . قلت : يا جماعة أريد أن أتحرك ، أن اعبر عن فرحتي بالحياة ، فشدوا حبل القماط حول جسدي الصغير . وبعد أن شاهدن مصدر فرحتهن – النسوة – دخل المصدر حالاً في العيب. لكنني ما استسلمت، رفعت حاجبي وفتحت عيني لأرى أفق الحياة الرحب فامتدت يد ثقيلة تغمض عيني خوفاً من أعين الحساد.
لم استسلم ، أردت إغاظتهم بان أظل مبتسماً ساخراً من كرقعة الطناجر واصطدام النسوة ببعضهن ومن انشداد القماط وقطع السرة على عجل. أردت أن ابتسم محتجاً على ذلك كله وإذا بفم أبي يخطف ابتسامتي مقبلا وبشواربه الكثة تخرمش لحمة وجهي الطري ، انسدت في وجهي كل السبل ، فلم املك إلا أن افعلها بعنف وقرف ، وقد قالت الداية يومذاك حين حلت القماط : ولد .. ولكنه ولد سيئ .
وبعــــــد . . .

يا سادة .. ها أنا أمامكم، بعد أربعين عاماً أكاد افعلها من الضحك هل هذا كل ما اكتشفتموه ؟
عروض الشعر. .
قالت لي الشاعرة ( ن . م )، وأنا على أبواب التخرج من الجامعة: أذنك غير موسيقية، أن تحفظ العروض صماً شيء، وان تعرف بحر القصيدة بمجرد سماعها شيء آخر. لكنني تساءلت في شرود :
• سماع ماذا ؟
• قال الطلبة ضاحكين :
• القصيدة طبعاً
• قلت :
• ظننت سماع قرقعة الطناجر .
فقالوا جميعاً قبل أن يصرف أحد لهم رواتب:
• أنه ولد مخبول.
لكنني ما استسلمت، بدأت اقطع الأبيات واعرف البحور. أقطعها بقسوة وبقرف . وعندما يئست من حفظ التفاعيل والقصائد السيئة جداً قررت أن أتحدى الرسوب ، وان أضع ستة عشر بحراً في رقعة صغيرة من الورق ، وقد تألمت لهذا ، لأن البحر ازرق وجميل ، شاسع وعميق ، وأنا أحب البحر ، والزرقة ، إلا أنني أنا الفتى البالغ السوء حشرت ستة عشر بحراً بلون اسود في رقعة تافهة من الورق لكنني لم أحفظ أبداً شعراً رديئاً . وحين نظرت إلى درجة " امتياز " في شهادتي تساءلت: لماذا أنا سيئ ؟
ولمـــــــاذا . . .
اقتاد إلى النهاية، بكل هذه البساطة.. وانتم إلى بيوتكم وأمهاتكم وزوجاتكم وأطفالكم، أنا إلى السجن وانتم إلى الشواطئ وأنا مازلت أمتلك كثيراً من أدلة الإدانة. ولم تسمعوا منها شيئاً بعد ، سوى ما قاله المدعي العام؟
ولماذا اقتاد إلى الظلمة والجدران وانتم إلى الأضواء الساهرة والسماء الحافلة بأحلامكم والزرقة التي أحب ؟ وحاولت أحب ...
أكثر من فتاة .. أكثر من امرأة ..
قالت المتأدلجة تواً :
الظروف الموضوعية تتغير، فلماذا لا تحاول أن تكون إنسانا ؟
وكانت تنظر إلى ساعتها لئلا يحين موعدها مع الآخر. وكنت أحببتها بالأمس وبدأت أكرهها اليوم .
وأكملت :
مثلاً أحمد .. لم يكن يلتفت الي مع أنني أحبه ، الآن بدأت الغيرة تنهش قلبه .
لم تفطن وهي تنظر في ساعتها إلى انبعاث عباراتها في ملامحي قرفاً واشمئزازاً وأن حنانها ولطفها معي بالأمس اكتشفه بمرارة اليوم ، كجزء من كوني ظرفاً موضوعياً ، بالأمس صدقت ، حاولت أن أكون طيباً معها ، وكانت تتجاوب بسرعة الدفء والحنان الذي غمرني تلك التي قمطني حبها بالأمس بحنان ما زلت أخسره وأخسره كل مرة .. لماذا .. هل لأنني قلت لها فجأة مكتشفاً انبعاج أنفها:
أن لها منخار عظيم ؟
وكانت عاشر فتاة.. رابع إمرأة ، تشهد أنني فج ووقح .
ضمائر في طريقها إلى البيت :
همس احدهم لزميله وهم ينهضون عن المنصة:
- هل أطلعت على التقارير الطبية ؟
- سليمة.. المتهم بكامل وعيه .
- أشك في هذا .
- صدمة الحكم ليس إلا
- أنه يضحك.. يقهقه بفتور ولا مبالاة عجيبة .
- نسأل عن حالته العقلية مدير السجن .. ليرتاح ضميرنا .
- هل سمعته .. انه يقول لدى موبقات أخرى.
- ابن الزانية .. كيف فعلها واعترف .
- الغريب انه لم يوكل محامياً ..
- القضية واضحة .. والتقارير
- لكن .. ألا يدافع عن نفسه .. فقط يبتسم ويصمت !
الأطباء.. اللعنة ، كان بإمكانهم بقليل من الإخلاص أن يخدموه .
الأمنيــــــــــــــة:
حين قال لي مدير السجن أنني رجل طيب، واستدعى الطبيب حالاً لاستجوابي، قلت له أنني جئت لأنفق بقية حياتي بحثاً وتنقيباً وتساؤلاً عن إمكانية تحقيق ما تفوه به ، فقال موجهاً كلامه للطبيب :أسرع دكتور.
الخــــــــلاص :
- أنت جامعي ؟
- جاي معك .. لكن إلى أين ؟
- لا .. إسمعني جيداً أرجوك.. إني أسألك هل أنت خريج ؟
- فقعت من الضحك . قلت :
- وبعنف يا دكتور.. رغم أن هذا اكتشفته الداية قبلك لشدة أسفي .
- تخرجت بعد ولادتك مباشرة إذن ؟
أفطسني من الضحك هذا الدكتور .
إني أتساءل إذا ما كان السجن هذا وبكل قدرتهم على إضحاكي سيجعلني أنسى حرقة الدموع وكآبة الملامح طوال أربعين عاماً
قلت بعد أن تمالكت نفسي:
- أعد السؤال من فضلك .
قال بصوت مسموع وهو يهز رأسه بأسف :
- تخرجت بعد ولادتك مباشرة ؟
- اسأل الداية نفسها .. لو ما تزال على قيد حياتكم، لكانت الشاهد الوحيد على صحة أقوالي. والقماطات أيضاً ؟
- القماطات ! أهذه شهادة جامعية ؟
- بذمتك.. هل هذا سؤال ؟
بدأت أشك في سلامة عقل الدكتور الذي كلف باستجوابي . إني أعرف أن المتهم يظل تحت الاستجواب والسين والجيم قبل صدور الحكم. لكن وقد صدر. فما سر استمرار هذا ؟
سجل الطبيب ملاحظات غامضة في ورقته ، ثم غمز مدير السجن بطرف عينه . فاقتادوني إلى غرفة خاصة ، وبالتالي حرمت من مشاركة البشر في المهمة التي ولدت من أجلها . وبقيت أتساءل طوال الأسبوع .. لماذا أنا بالغ السوء، لماذا أنا كل هذا ؟
عاد الطبيب وسألني بعد فترة بدقة متناهية :
- هل جربت أن تسمع السيمفونية التاسعة ؟
- وسط قرقعة الطناجر ، ومشاعر الظرف الموضوعي ، ونواح أمي المتصل كالزمن ، كيف بالله عليك تريدني .
- أقصد في غرفة، منفرداً.. أو في احتفال .
- قطعوا الحبل السري بيني وبين غرفتي قبل.. لا أذكر بالتحديد فكلها اتصال ، كما يسيح الزمن في لوحات سلفادور دالي . والاحتفال قرقعة طناجر .
- أي طناجر ؟
- طناجر الذكورة . ومناسف الرز
- أي ذكورة ؟
- التي في العيب دخلت ولم تخرج
- لماذا ؟ ( وقد بدأ يبتسم لأول مرة ).
- لأنك تاكل لقمتك من أسئلة تافهة ، وتعطل المهمة .
- لا شك أنك ظريف
- لأنك أعمى
- لا تريد ؟
أنا سيئ .. ليس ظرفاً أن تدخل ستة عشر بحراً في ورقة بال عليها ذباب دبق ، مثل أسئلتك !
- كفى .. كفى ..
وكتب تقريره النهائي بعد قياسات لحجم رأسي الذي هو حتماً أصغر من طنجرة ، ولدقات قلبي التي ما تزال تدق سيمفونية الظرف الموضوعي والقلب يضخ قاذورات العالم في جسد آن له أن .. آن له أن .. أصيب بصدمة أدت إلى اختلال عصبي .. في جسد ان .. في حب للحياة للعشق للمحبة ، حلق الطير فطارده الصيادون ، وهزئ الأسد بالرصاصة فانطلقت في جبينه فخر صريعاً . كتب تقريره النهائي .. مجنون.. القلب الذي يضخ.. قلب العربي .. أنا ، المجنون العاقل في قلب ما زال يضخ قاذورات العالم ويحلم بالحب والتساؤل .. في جسد ، جسد آن له أن ينفجر من القماط 25 / 6 / 1981
tayseernazmi.com
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف