الأخبار
17 قتيلا على الأقل بحريق في مصنع بلاستيك بالهندالملتقى النقابي الدولي يؤكد تضامنه الكامل مع فلسطينالتنمية المجتمعية في فلسطين تنظم ورشة"حول أداة تقييم القدرات المؤسساتية"اختتام برنامج الصحفي الصغير التدريبي في قطاع غزةتأسيس رابطة عائلات الدرج والتفاح في غزةتظاهرت في مدن إسرائيلية ضد الفساد الحكومي وقانون "السوبر ماركت"اسرائيل تقدم مشروع قانون لتطبيقه على مستوطنات الضفةالاحتلال يحتجز طفلا في الخليل ومستوطنون يستولون على دراجتهالنضال الشعبى: استشهاد أسير من الجرائم التى يرتكبها الأحتلال ضد الأنسانيةالرئيس المصري يبحث مع بنس التطورات في المنطقةفلسطينيو 48: النواب العرب يقررون مقاطعة خطاب بنس أمام "الكنيست" الاسرائيليالزهار: فتح تريد من حماس القبول بالوضع المهين الذي يعيشه قطاع غزةاتحاد نقابات عمال فلسطين: لا سلام بدون القدس عاصمة لدولتنامصر: معرض القاهرة للكتاب يحتفي بجديد الشاعرةغادة البشاريفروانة يحمّل الاحتلال مسؤولية استشهاد المعتقل "حسين عطالله"
2018/1/21
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قصة أخرى من كتاب الدهس 1982 بقلم: تيسير نظمي

تاريخ النشر : 2010-02-15
حميد يدخن سيجارته بهدوء
(من كتاب الدهس-الكويت-1982)
- ناوشني خمسة دنانير
- تفضل .. لا تنسى ما وعدتني به . سأحضر بعد ساعة، بالعجل، ها عيني ؟
بعد أن وضع الخمسة الدنانير بجيبه :
- هاي شلون بالعجل ، لازم شغل نظيف ، تعال بعد ساعتين ،
- ليكن !
عدت بعد ساعتين فلم أجده بالكراج . دخلت البقالة المجاورة لم أجده . ناديت بصوت عالي :
- حميد .. يا حميد
جاءني الصوت من أسفل سيارة فولكس صغيرة محطمة :
- هاي منو ينادي حميد ؟
- صاحب ترمبة البنزين . ها .. نظفتها ؟
- يا طرمبة .. يا بنزين ؟
هذا المخلوق منذ الأمس يكاد يذهب بعقلي. في البدء رفض أن يفك الترمبة عن السيارة. جاء معلمه . . نهر عليه فلم يستجب إلا ببطء شديد. رمى السيجارة وببطء سلحفاة باشر العمل . استعصى الفك فحمل شاكوشاً ودقدقها على رأسها . استعصى الفك فخلعها .
هذا المخلوق منذ الأمس يكاد يذهب بعقلي. قلت له إذا كنت لا تعرف دع معلمك يفكها. استشاط غضباً :
- يا معلم .. يا سيارة مو بالعقل . شنو ما تنفك . تنفك .
وخبطها بالشاكوش فناديت يائساً على معلمه . قال المعلم :
- ولك حميد .. شنو تسوي صار لك ساعة ؟
لكن حميد لم يجبه إلا بعد أن اخذ نفساً من سيجارته.
- قاعد أفك مذهبها. هاي شلون ترمبة شلون تركيب ..
بعد أن ألهمني الصبر جاء معلمه. وخلال دقائق كان يحملها من بين يديه ويشير إلى حميد بنصائحه لتنظيفها. استبشرت ليلة الأمس خيراً بان ينتهي الموضوع خلال ساعة. لكن حميد بعد أن فكفك مذهبها قطعة بقطعة غسل يديه بالبنزين ودخن سيجارة أخرى ، ولما كان معلمه قد غادر الكراج ، اخذ يثرثر مع صاحب البقالة الذي كان ينظر إلي مبتسماً .
قلت وصبري يكاد ينفذ :
- يا أخ حميد.. الترمبة !
خندخن جيكارة عيني ، شبيك تريد تخلص بالعجل !
قلت :
- ورانا شغل
لم يكترث . عاد بعد انتهاء السيجارة ودلق على أجزائها بنزيناً وسخاً . ثم دلق بنزيناً اقل وساخة .
ثم خضها وخضها وقال :
- هات طقم إصلاح
- هذا هو
- بكم شاريه ؟
- بثلاثة
.........
اخذ ما يلزمه من العلبة الجديدة وبدأ عملية التركيب ودلق البنزين ، بعد قليل أحسست انه متورط يجرب الضخ يجرب الفك والتركيب فلا ينفع يقلبها على قفاها فلا ينفع ، على جنبها أيضا دون جدوى . يخضها ويخضها .
قلت له:
- إذا كنت لا تعرف تركبها دعني آخذها لميكانيكي آخر.
لم يكترث ولم يعلق . نظف يديه نهائياً . جففها بقطعة قماش سوداء .
كانت بيضاء على ما يبدو ثم قال :
- تعال باجر الظهر.
كان علي أن أرضخ استلهمت كل قدراتي الباقية على الصبر وسألته:
- أكيد ؟
- ها .. شلون أكيد .. إحنا نجذب !
- لا .العفو. ..
- باجر الظهر.
وعندما أتيت اليوم ظهراً وجدته جالساً يدخن سيجارته ويتحدث إلى صاحب البقالة المبتسم دائماً . قال قبل أن اسأله :
- ناوشني خمسة دنانير .
فناوشته بالتي هي أحسن ظناً مني أن قصة إبريق الزيت انتهت.
وعدت الآن بعد ساعتين لأجده تحت سيارة محطمة يصرخ من أسفلها:
- يا طرمبة يا بنزين .
ماذا افعل ؟ منذ البدء أحسست أنني متورط لكن ما هو السبيل الآن ..
قلت له :
- ناوشني الترمبة والخمسة دنانير .
زحف من تحت المحطمة بملامح ملغمطة بالدهن والسيجارة لا تفارق شفتيه
- انطرني .
- أين المعلم.
- يا معلم يا زفت .. قاعد أقول لك انطرني .
- لا أريد تنظيفها .. أعطيني إياها لآخذها لميكانيكي آخر.
ببطء شديد عاد إلى وضعه السابق واختفى تحت المحطمة .. همهم قائلاً :
- خذها .
- اينها ؟
- داخل .
ذهبت بها إلى ميكانيكي آخر وخلال ساعة وثلاثة دنانير ركبها الآخر بخفة متسائلاً :
- منو حمار سوي هالشكل ؟
عدت لصاحبي كي يشدها في موضعها السابق فوجدت هرجاً ومرجاً . دشاديش مرفوعة عن السيقان ، معفري الوجوه وكلهم يدفشون الفولكس وبداخلها حميد جالس خلف المقود .
قال لي البقال الذي كان لا يزال مبتسماً .
- الحق بحميد .. بسرعة قبل أن يسافر عائداً إلى الهور .
لم افهم . فكرت قليلاً . نظرت إلى السيارات في الكراج يعلوها الغبار . إلى الحشد البشري الصاخب بالضحك والصراخ مندفعاً وراء فولكس محطمة ، وكان حميد ما يزال يدخن سيجارته خلف المقود . قال صاحب البقالة ? الذي كان لا يزال مبتسماً :
- سافر حميد إلى البصرة اليوم .
تساءلت :
- في إجازة ؟
اتسعت ابتسامته مندهشاً:
- ترك العمل هنا ؟
- وهل كان يعمل ؟ لقد جاء قبل ثلاثة شهور ليشتري سيارة فولكس لكن المبلغ الذي كان يحمله لم يكفه فصرفه هنا دون أن يعثر على سيارة مناسبة .
كشفت سر ابتسامة البقال الدائمة .
- لم يكن ميكانيكياً إذن ؟
- أبدا .. وقد صمم منذ أول يوم عمل فيه في الكراج أن يزيد السيارات الأمريكية التي تأتي إتلافا . حظك مليح انك كنت تتابعه وهو يعمل بسيارتك.
- أنت خبيث .. لماذا لم تنبهي لذلك ؟
- ولماذا اقطع رزق حميد ؟
- كنت مبتسماً طوال الوقت الذي استنفذ فيه أعصابي إذن !! سامحك الله .
- وعلام تستنفذ سيارات أمريكا أعصابكم !
- حميد إذن جاء من اجل سيارة !
- اجل .. ولم يشتر واحدة . بحث عن صاحب الفولكس . ودفع له عشرون ديناراً وحولها باسمه .
- بعشرين ديناراً !
- واشترى ماتوراً من السكراب .
- وسافر بها إلى الهور ؟
- إذا أوصلته ! من المفترض أن يكون يكون متألقا بها. أما هنا فقد كانت حديداً ولم تكن سيارة.
- وصاحب الكراج ؟
- لا يعلم بأمره . نصب حميد عليه وأقنعه بأنه عمل عشر سنين في تصليح السيارات .
كان يتحدث هذه المرة وقد اختفت الابتسامة عن شفتيه، وارتسم في عينيه حلم كأنما توشك حراب ما أن تنقض عليه.
غادرته وقد بدأت الشمس تغيب عن لافتة " بقالة فلسطين " .

www.tayseernazmi.com
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف